إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (52)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تكفير السيئات بالمصائب والأمراض

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز.

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع (م. س. الفيفي )، أخونا له عدد من الأسئلة المختصرة، فيسأل هذا السؤال -مثلاً- ويقول: هل المرض يكفر الذنب؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فقد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أن الأمراض يمحو الله بها الخطايا، ويقول صلى الله عليه وسلم: (ما أصاب المسلم من هم، ولا غم، ولا نصب، ولا وصب، ولا أذى، حتى الشوكة إلا كفر الله بها من خطاياه)، فالمرض من أعظم المصائب، فالله جل وعلا يكفر به السيئات سبحانه وتعالى.

    1.   

    بيان من يدخل الجنة بغير حساب

    السؤال: هل هناك من يدخل الجنة بغير حساب؟

    الجواب: نعم، أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد) حتى قال في آخره: (أنه أبلغ أنه يدخل الجنة من أمته سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب، فسأله الصحابة عنهم فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون).

    والمقصود من هذا أن المؤمن الذي استقام على أمر الله وترك محارم الله، ومات على الاستقامة فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، ومنهم هؤلاء الذين أخبر عنهم صلى الله عليه وسلم، لا يسترقون يعني: لا يطلبون من الناس أن يرقوهم، يسترقي يعني: يطلب الرقية.

    أما كونهم يرقون غيرهم فلا بأس؛ لأنه محسن، فإذا رقى غيره ودعا له بالعافية والشفاء هذا محسن، في الحديث الصحيح : (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه).

    أما الاسترقاء فهو طلب الرقية، وهو أن يقول: يا فلان! اقرأ علي، ترك هذا أفضل إلا من حاجة، فإذا كان هناك حاجة فلا بأس أن يطلب الرقية، وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (استرقي من كذا) فأمرها بالاسترقاء، وأمر أسماء بنت عميس أن تسترقي لأولاد جعفر لما أصابتهم العين، قال عليه الصلاة والسلام: (لا رقية إلا من عين أو حمة) فالاسترقاء عند الحاجة لا بأس، لكن تركه أفضل إذا تيسر علاج آخر.

    وهكذا الكي تركه أفضل إذا تيسر علاج آخر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الشفاء في ثلاث: كية نار، وشربة عسل أو شرطة محجم، وما أحب أن أكتوي)، وفي اللفظ الآخر قال: (وأنا أنهى أمتي عن الكي).

    فدل ذلك على أن الكي ينبغي أن يكون هو آخر الطب عند الحاجة إليه، فإذا تيسر أن يكتفى بغيره من الأدوية فهو أولى.

    وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كوى بعض أصحابه عليه الصلاة والسلام، فإذا دعت الحاجة للكي فلا كراهة، وإن استغني عنه بدواء آخر، بشربة عسل، أو شرطة محجم يعني: الحجامة، أو قراءة، أو دواء آخر كان أفضل من الكي.

    فالمقصود أن قوله صلى الله عليه وسلم : (لا يسترقون ولا يكتوون) لا يدل على التحريم وإنما يدل على أن هذا هو الأفضل، عدم الاسترقاء، يعني: عدم طلب الرقية وعدم الكي هذا هو الأفضل، ومتى دعت الحاجة إلى الاسترقاء أو الكي فلا حرج ولا كراهة في ذلك.

    (ولا يتطيرون) التطير هو التشاؤم بالمرئيات أو المسموعات، والطيرة شرك من عمل الجاهلية، فهؤلاء السبعون يتركون ما حرم الله عليهم من الطيرة، وما كره لهم من الاسترقاء والكي عند عدم الحاجة إليه. (وعلى ربهم يتوكلون) يتركون ذلك ثقة بالله واعتماداً عليه وطلباً لمرضاته، والمعنى: أنهم استقاموا على طاعة الله، وتركوا ما حرم الله، وتركوا بعض ما أباح الله إذا كان غيره أفضل منه كالاسترقاء والكي، يرجون ثواب الله ويخافون عقابه، ويتقربون إليه بما هو أحب إليه سبحانه وتعالى، عن توكل، وعن ثقة به واعتماد عليه سبحانه وتعالى.

    وجاء في الروايات الأخرى (أن الله زادهم مع كل ألف سبعين ألفاً)، وفي بعض الروايات الأخرى (وحثيات من حثيات ربي)، وهذه الحثيات لا يعلم مقدارها إلا الله سبحانه وتعالى.

    والجامع في هذا أن كل مؤمن استقام على أمر الله وعلى ترك محارم الله ووقف عند حدود الله هو داخل في السبعين، داخل في حكمهم في أنهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.

    1.   

    صفة لباس المرأة المحرمة

    السؤال: يسأل أخونا سؤالاً آخر فيقول -مثلاً سماحة الشيخ-: ما هو لباس المرأة في الإحرام؟

    الجواب: ليس لها لباس خاص، فلو أحرمت في ثيابها العادية أجزأ ذلك، ولكن الأفضل أن تكون ملابسها ملابس لا تلفت النظر، ليس فيها شهرة، وليس فيها زينة تلفت النظر، بل تكون ملابس عادية ليس فيها جمال يلفت أنظار الرجال، كالأسود السادة والأحمر السادة والأخضر ونحو ذلك الذي ليس فيه جمال يلفت الأنظار، هذا هو الأفضل لها والأحسن لها، ولو أحرمت في ملابسها العادية جاز ذلك وصح ذلك، ولكن الأفضل لها أن تحرم في ملابس لا تلفت النظر، وليس فيها ما يسبب فتنة الرجال بها، هذا هو الأفضل لها، مع سترها ما قد يفتن من حلي أو غيرها.

    1.   

    وسائل محاربة الجهل والأمية والفرق بينهما

    السؤال: أخونا يسأل ويقول: بماذا نحارب الجهل والأمية؟ وهل هما شيئان مختلفان، أم أن لكل واحد منهما حد معين، وما هو؟ جزاكم الله خيرا.

    الجواب: الجهل والأمية يحاربان بالعلم؛ بالتعلم والتفقه في الدين والتدبر للقرآن الكريم، وحضور مجالس العلم، وسؤال أهل العلم، بهذا يحارب الجهل وتحارب الأمية، كون المؤمن والمؤمنة يتدبران القرآن ويكثران من قراءة القرآن بالتدبر والتعقل والاستفادة، وكذلك بمراجعة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم والعناية بما ذكره أهل العلم في تفسير القرآن، وفي بيان الأحاديث وما دلت عليه، وهكذا بحضور مجالس العلم وحلقات العلم، وهكذا بصحبة الأخيار من أهل العلم، وهكذا بسؤال أهل العلم كما قال الله سبحانه: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لما أفتى قوم بجهل، قال: (ألا سألوا إذ لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال)، بهذا تحارب الجهالة وتحارب الأمية.

    والجهل أعم من الأمية، كل أمي قد يكون جاهلاً، ولكن ليس كل جاهل أمياً فالجهل أعم، فقد يكون متعلماً وليس بأمي ولكن يجهل مسائل كثيرة، تخفى عليه مسائل كثيرة، فدواء ذلك التعلم والتفقه في الدين حتى يزول الجهل، وقد يكون عالماً بالصلاة جاهلاً بالزكاة، وقد يكون عالماً بالصلاة والزكاة جاهلاً بأحكام الصيام، وقد يكون عالماً بالعقيدة والصلاة والزكاة والصيام لكنه جاهل بأحكام الحج، وقد يكون عالماً بالعبادات لكنه جاهل بأحكام المعاملات جاهل بأحكام الطلاق والنكاح إلى غير هذا.

    فالعلم يتبعض والجهل يتبعض، فدواء الجهل مطلقاً دواؤه التعلم والتفقه في الدين، ودواء الأمية كذلك التعلم والتفقه في الدين، نعم.

    المقدم: إذاً وصف أمة الإسلام بأنها أمية يكون ماذا لو تكرمتم شيخ عبد العزيز ؟

    الشيخ: هذا هو الأصل فيهم، الأصل في هذه الأمة أنها أمية.

    المقدم: الأصل الأصل.

    الشيخ: أي عدم العلم، هذا هو الأصل ونبينا صلى الله عليه وسلم أمي؛ لأنه ما كان عنده علم قبل أن يوحى إليه عليه الصلاة والسلام، ما كان يقرأ لا ويكتب، كما قال الله عز وجل: وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48]، فما كان قارئاً، وما كان شاعراً، وما كان يخط، حتى علمه الله وأنزل عليه هذا الكتاب العظيم، فالأمي الذي نسب لأمه، يعني: بقي على الجهل ليس عنده علوم وليس عنده كتابة، فإذا تعلم العلم لم يكن أمياً، وإذا كان يكتب العلم وينقل المسائل العلمية ويحسن الكتابة لم يكن أميا، وإنما الأمي الذي لا يحسن القراءة ولا يحسن الكتابة حتى يستفيد من علمه الذي علمه أو مما يكتبه عن العلماء، فكان النبي صلى الله عليه وسلم مثلما قال الله: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7]، جاهلاً بالعلوم التي جاء بها الوحي، لم يكن عنده علم بما شرع الله له في كتابه العظيم، ولم يكن عنده علم بعلوم الأولين المرسلين، ولم يكن يكتب ويخط حتى جاءه هذا الخير العظيم والوحي العظيم عليه الصلاة والسلام، فكل إنسان لم يتعلم ولم يكتب يقال له: أمي، والأمة العربية هكذا كان الغالب عليها أنها أمية لا تكتب ولا تقرأ، هذا الغالب على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حكم حبس الطائر في قفص للزينة

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين آثر عدم ذكر اسمه، فيسأل أربعة أسئلة، في سؤاله الأول يقول: هل يجوز اتخاذ الطيور مثل الببغاء وغيره داخل قفص ووضعها في البيوت لغرض الزينة، أو اتخاذ البلابل داخل قفص أيضاً للاستمتاع بصوتها، وهناك نوع آخر يكون على شكل حوض وفيه ماء توضع فيه الأسماك الملونة، هل يجوز هذا؟

    الجواب: ليس في ذلك حرج إذا أحسن إليها ولم تظلم، فإذا أحسن إليها في طعامها وشرابها فلا حرج في الببغاء ولا غير الببغاء، والحمام، والدجاج وغير ذلك، بشرط الإحسان إليها وعدم ظلمها، وإذا كانت في حوش أو في ماء كالسمك، أو في صناديق لا تضرها تعطى الحبوب، تعطى الشراب يعني: لا يكون عليها ظلم فلا بأس بهذا.

    1.   

    حكم صلة الرحم إذا خشي منها فتنة

    السؤال: سؤاله الثاني يقول فيه: هل يجوز مواصلة زيارة الأقارب ولديهم نساء سافرات؟

    الجواب: أما الزيارة للأقارب فهذا من صلة الرحم، لكن بشرط أن لا يكون في ذلك فتنة ولا أذى، فإذا كانت النساء لا يتحجبن فهو بين أمرين، إما أن يزور ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعلمهن أن هذا لا يجوز، وأن عليهن التستر والحجاب، فإن فعلن ذلك فالحمد لله حصل بذلك صلة الرحم وإزالة المنكر.

    أما إن كانت زيارته يترتب عليها رؤية النساء والاستمتاع بالنساء فهذا لا يجوز، أو أمرهن بالمعروف ولكن لم يمتثلن ولم يبالين كذلك، لا يزورهن لأن هذا قد يسبب فتنة عليه وشراً عليه، لكن يحسن إليهن من جهة أخرى بالمال إن كن فقراء، بالنصيحة ولو بالمكاتبة، ولو بالهاتف، ولو بوصية إخوتهن أو أبيهن أو جدهن أو أعمامهن بالنصيحة الواجبة؛ لأن حضوره إليهن ومشاهدته لهن قد يترتب عليها شر وفتنة.

    1.   

    ترتيب القرابة في صلة الرحم

    السؤال: يسأل أخونا في سؤاله الثالث عن درجة القرابة التي تكون فيها صلة الرحم واجبة ويحرم قطعها؟

    الجواب: القرابة بينها الرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح لما سأله الرجل، قال: (يا رسول الله من أبر؟! قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أباك. ثم الأقرب فالأقرب) وفي اللفظ الآخر: (أختك وأخاك وأدناك فأدناك).

    فأول الأقارب وأحقهم بالصلة الآباء والأمهات والأجداد والجدات، ثم الأولاد وأولادهم من الذكور والإناث، ثم الإخوة وأولادهم ذكوراً وإناثاً، ثم الأعمام والأخوال والخالات والعمات وأولادهم، ثم الأقرب فالأقرب من بني العم درجات، فأولاهم وأحقهم بالصلة الواجبة الآباء والأمهات والأجداد والجدات، هم أحق الناس، وأحقهم على الإطلاق الأم، ثم هكذا الأب في الدرجة الرابعة، وهكذا الجدة والأجداد.

    المقصود أن الأصول والفروع هم أحق الناس بالبر والصلة، ثم يليهم الحواشي من الإخوة والأخوات والأعمام والعمات وأولادهم إلى آخره، الأقرب فالأقرب، والصلة واجبة حسب الطاقة فإذا استطاع أن يصل الأب والأم وصلهما، ولا يلزمه صلة الأولاد والإخوة إذا عجز، فإذا وصل الأولاد والآباء والأمهات ولكن عجز عن الإخوة سقط عنه ذلك، فإذا استطاع أن يصل الإخوة سقط عنه ما عجز عنه من صلة بنيهم وصلة الأعمام والعمات والأخوال وهكذا، الأقرب فالأقرب مع القدرة إذا كانوا فقراء، أما إذا كانوا أغنياء فالصلة تكون بالكلام الطيب والزيارة الحسنة والسلام، والسؤال عن الأحوال، وفعل ما ينفعهم من سائر المعروف.

    1.   

    حكم إمامة المعوق

    السؤال: يسأل أخونا ويقول: هل تجوز إمامة الشخص المعوق؟

    الجواب: التعويق فيه تفصيل إن كان التعويق يمنعه من الركوع والسجود فلا تجوز إمامته، يستعمل شخص صالح سليم، أما لو كان إماماً راتباً فأصابه عارض، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يصلي جالساً ولا حرج في ذلك إذا كان هو الإمام الراتب هو الإمام الحي، أما إنسان ليس بإمام راتب فلا يقدم يصلي بهم وهو معوق يصلي قاعداً أو لا يركع أو لا يسجد، بل يلتمس إنسان صالح يستطيع الركوع والسجود ونحو ذلك.

    أما إذا كان المعوق لا يمنعه ذلك فيه عوق مرض في رجله في يده لكن لا يمنعه من الصلاة قائماً وراكعاً وساجداً فهذا لا بأس لا يضره هذا ولا حرج في ذلك.

    1.   

    صفة طهارة وصلاة المصاب بالشلل

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من الجمهورية العراقية وباعثها مستمع من هناك، يقول أخوكم في الله (ف. ع. ر)، أخونا رسالته مطولة تشكو من حالة هو فيها، ذلكم أنه وقع له حادث سيارة وأفقده السيطرة على نفسه نتيجة إصابته بالشلل النصفي، وهو في الحالة هذه يسأل سماحة الشيخ عن الوضوء، وعن الصلاة، وعن قراءة القرآن كيف يكون حاله؟ جزاكم الله خيرا.

    الجواب: يعمل بقوله سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، فإذا كان أصابه الشلل وأفقده القيام فإنه يصلي على حسب حاله، يصلي قاعداً، ويركع ويسجد إذا استطاع ذلك وهو قاعد، مثلما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعمران بن حصين :(صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب) خرجه البخاري رحمه الله في الصحيح، وخرجه النسائي بزيادة: (فإن لم تستطع فمستلقياً)، هذا هو الواجب فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وإذا عجز عن الماء تعفر بالتراب تيمم، إذا كان معه مرض يضره الماء تعفر بالتراب يحضر له التراب ويضرب التراب بيديه، ويمسح به وجهه وكفيه عند الحاجة، وله الجمع إذا شق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء كسائر المرضى.

    أما ما يتعلق بالدبر والقبل فهذا يكفيه مسحها بالمناديل ونحوها ولا حاجة إلى الماء، فإن استعمل الماء وقدر على الماء فلا بأس، الماء أكمل وأفضل، فإذا لم يتيسر له ذلك فإنه يستعمل الاستجمار، بالمناديل، بالحجارة، باللبن، والمناديل أرفق به، فيستعمل المناديل الخشنة الطاهرة يمسح بها الدبر والذكر عن البول وعن الغائط ثلاث مرات، فإن لم تكف زاد رابعة وخامسة إلى آخره، والأفضل أن يقطع على وتر إذا زاد رابعة وكفت استحب له أن يزيد خامسة حتى يكون استجمار على وتر، وإذا لم تكف الخامسة زاد سادسة وإذا كفت السادسة استحب أن يزيد سابعة حتى يقطع على وتر، والمهم أنه يستعمل من المناديل ونحوها ما يزيل الأذى، بشرط أن يكون ثلاثاً فأكثر، لا ينقص عن ثلاث؛ لأنه صلى الله عليه وسلم (نهى أن يستجمر بأقل من ثلاث)، فإن كفت الثلاث في إزالة الأذى في الدبر والقبل فالحمد لله، وإن لم تكف زاد حتى يزول الأذى، والأفضل أن يقطع على وتر خمس أو سبع وهكذا ولا حاجة إلى الماء حتى ولو قدر على الماء الاستجمار يكفي، لكن الماء أفضل، فإن جمع بينهما يعني: استطاع أن يجمع بينهما فأزال الأذى بالمنديل أو بالحجر ثم استنجى بالماء فهذا خير إلى خير وهذا أكمل وأفضل، ولكن كل واحد يكفي، الماء وحده يكفي، والاستجمار وحده يكفي حتى من الصحيح.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، وكونه لا يستطيع البقاء على وضوء ربما ولا الوقت الكافي لأداء الصلاة شيخ عبد العزيز ؟

    الشيخ: يتقي الله ما استطاع، يتوضأ لكل صلاة، فإذا كان معه سلس أو يعني أصابه، لما أصابه الشلل انطلق يعني: الدبر أو انطلق الذكر فصار لا يستطيع فإنه يصلي على حسب حاله، لكن يتوضأ لوقت كل صلاة، إذا دخل وقت الظهر يستنجي ويتوضأ وضوء الصلاة أو يتيمم على حسب طاقته ثم يجمع بين الصلاتين، وهكذا المغرب والعشاء.

    المقدم: يجمع بين الصلاتين.

    الشيخ: إذا شق عليه.

    المقدم: إذا شق عليه.

    الشيخ: لأجل المرض، وإن كان ما شق عليه فإنه يصلي كل صلاة في وقتها.

    المقدم: جزاكم الله خيراً.

    الشيخ: مثل المستحاضة، وصاحب السلس العاجز عن حضور الجماعة مثله يصلي جمعاً إذا شق عليه كل صلاة في وقتها وهو أرفق به، وإن صلى كل صلاة في وقتها فلا بأس.

    المقدم: جزاكم الله خيراً.

    الشيخ: أما الرجل لا، يصلي مع الجماعة إذا كان يستطيع.

    المقدم: إذا كان يستطيع.

    الشيخ: يصلي مع الجماعة ويتوضأ لوقت كل صلاة.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، بالنسبة لقراءة القرآن.

    الشيخ: يقرأ القرآن، إذا توضأ يقرأ القرآن من المصحف.

    المقدم: وإن انتقض الوضوء؟

    الشيخ: إلى الوقت الآخر، ما بين الوقتين يقرأ القرآن وإن انتقض وضوءه.

    المقدم: وإن انتقض الوضوء.

    الشيخ: إذا كان صاحب سلس مستمر إذا توضأ للظهر يقرأ إلى العصر، وإذا توضأ للمغرب يقرأ إلى العشاء، كما يصلي.

    المقدم: كما يصلي.

    الشيخ: لو تطوع بين الظهر والعصر أو تطوع بين المغرب والعشاء ولو خرج معه البول لأنه عاجز، فهو مثل المستحاضة سواء بسواء، يصلي ويقرأ ما بين الوقتين.

    المقدم: الواقع هذا يسر قد يغفل عنه كثير من الناس.

    الشيخ: هذا من تيسير الله هذا من تيسير الله والحمد لله.

    المقدم: حبذا لو تفضلتم بكلمة حول يسر الإسلام في مثل هذه الأحكام شيخ عبد العزيز؟

    الشيخ: الله عز وجل يقول سبحانه في كتابه العظيم: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة:185]، ويقول عز وجل: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، فمن رحمة الله سبحانه وتعالى أن صاحب السلس وهو البول الدائم أو الريح الدائمة، وهكذا المستحاضة التي معها الدم الدائم ما يقف عنها، غير دم الحيض وهو دم دائم يقال له: الاستحاضة، هؤلاء وأشباههم لهم الجمع بين الصلاتين، ويكفيهم الوضوء لوقت كل صلاة، من تيسير الله إذا دخل وقت الظهر يتوضأ لوقت الظهر وهكذا يتوضأ لوقت العصر، وهكذا المغرب والعشاء، يعني كل صلاة يتوضأ لوقتها لأن حدثه دائم، سلس أو ريح أو استحاضة ونحو ذلك، وما بين الوقتين يصلي فيه ما شاء، ويقرأ القرآن، ويطوف حول الكعبة في مكة ولا حرج في ذلك؛ لأنه معذور فصار في حكم الطاهرين والطاهرات ما بين الوقتين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة بذلك في قصة حمنة وغيرها، وكذلك ما يتعلق بالصوم يفطر ويقضي بعد ذلك المريض إذا عجز عن الصوم وشق عليه المرض، وهذا من يسر الشريعة، وهكذا المسافر يفطر في السفر ويقضي بعد ذلك، كل هذا من لطف الله، وهكذا المرضع إذا شق عليها الصيام، والحامل إذا شق عليها الصيام أفطرتا وقضتا بعد ذلك.

    1.   

    حكم زواج المسلم بغير المسلمة

    السؤال: ننتقل إلى رسائل أخرى من رسائل السادة المستمعين، فهذه رسالة الأخ أحمد شارع الروقي، وعبد المجيد عبد الله شارع، الإخوان يسألون هذا السؤال هل يجوز للمسلم أن يتزوج غير مسلمة؟ وجزاكم الله ألف خير.

    الجواب: نعم يجوز للمسلم أن يتزوج الكافرة الكتابية المحصنة، وهي التي لا تعرف بتعاطي الفواحش، وهي الحرة العفيفة كما قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ [المائدة:5]، فالمحصنات من أهل الكتاب هن الحرائر العفائف، فيجوز للمسلم أن ينكح المحصنة من اليهود والنصارى، لكن تركها أولى وأفضل والاكتفاء بالمسلمات؛ لأن نكاحها قد يجر الزوج إلى دينها، وقد يجر أولادها إلى النصرانية واليهودية؛ ولهذا كره ذلك جمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وخافوا من ذلك، وإلا هن حلال بنص القرآن الكريم، إذا كن محصنات عفيفات معروفات بالبعد عن الفواحش وعن الزنا حرائر لا مملوكات، فإنه يتزوجها المسلم ولو كان قادراً على مسلمة، لكن نكاحه للمسلمة أولى وأفضل وأسلم وأبعد عن الفتنة له ولأولاده.

    أما غير أهل الكتاب فلا، كالملاحدة من الشيوعيين أو الوثنيين كالمجوس وأشباههم وشبههم من سائر الكفرة هؤلاء لا يجوز نكاح نسائهم، إنما هذا خاص بأهل الكتاب اليهود والنصارى، أما بقية الكفار فلا يجوز للمسلم أن ينكح منهن أحدا، نعم.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، والأمر كما تفضلتم سماحة الشيخ هو مباح والحمد لله، لكن هل يشترط في الكتابية شروط معينة أو أن الأمر على الإطلاق؟

    الشيخ: مثلما قال الله: مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ [النساء:25]، لا يكن زوانٍ، يكن معروفات بالستر والبعد عن الفاحشة، أما إن كن زوانٍ مسافحات لا تنكح لا مسلمة ولا كافرة، لكن ينكحها إذا تأكد عن حالها وأنها محصنة يعني: عفيفة، فإذا تأكد عن حالها بشهادة العارفين بها تزوجها، ومع هذا كله فتركها أفضل، ولو كانت محصنة ولو كانت عفيفة، تركها أولى وأفضل؛ لأن هذا أسلم لدينه، لأنه قد يجره حبه لها إلى أن يعتنق دينها أو يتساهل في دينه، وقد يجر أولادها كذلك إلى أن يكونوا مع أمهم في اليهودية أو النصرانية، وقد يطلقها وتذهب بأولاده إلى بلادها وإلى جماعتها.

    فالحاصل أن فيه خطراً كما قاله الصحابة رضي الله عنهم.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، فيما يخص دينها شيخ عبد العزيز ؟

    الشيخ: دينها كافرة؟

    المقدم: كافرة.

    الشيخ: نعم، سماهم الله كفاراً.

    المقدم: لكن هل يشترط عليها أن تكون ملتزمة بشيء من أحكام دينها؟

    الشيخ: كما قال سبحانه: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ [البينة:1] سماهم كفرة، فالمقصود أنهم كفرة، اليهود والنصارى كفرة والمشركون أيضاً، ولكن عند الإطلاق المشركون عباد الأوثان وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى.

    وقد يطلق اسم الشرك على الجميع كما في قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28] هذا يعم اليهود والنصارى وجميع المشركين ليس لهم أن يقربوا المسجد الحرام، ولكن يستثنى من المشركين أهل الكتاب، فلا مانع من نكاح نسائهم إذا كن محصنات معروفات بذلك وترك ذلك أفضل.

    وفي هذا العصر أشد وأشد؛ لأن ضعف الإيمان في الرجال، وكثرة الفتن في العصر الحاضر، وكثرة الدوافع إلى الميل إلى النساء، والسمع والطاعة للنساء، هذا يوجب الحذر ويشتد معه الخطر، فتركها بكل حال أفضل.

    المقدم: جزاكم الله خيراً ونفع بعلمكم.

    سماحة الشيخ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لمتابعتكم، وإلى الملتقى وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.