إسلام ويب

المرأة الداعيةللشيخ : إبراهيم الفارس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المرأة كالرجل في الدعوة إلى الله تعالى، وهناك مجالات عدة للمرأة الداعية، فعليها أن تستغلها في الدعوة إلى الله تعالى، وعليها أن تعي أن أمامها معوقات، فتأخذ الحيطة والحذر منها، كما أن على المرأة أن تقرأ عن النماذج من النساء الداعيات إلى الله تعالى، لتقتدي بهن وأن تحذر ما يحاك ضدها من مؤامرات من أعداء الله تعالى.

    1.   

    المرأة التي يريدها الإسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فأرحب بكم في هذه الليلة الطيبة المباركة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل اجتماعنا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل من بيننا شقياً ولا محروماً.

    أيها الإخوة الأحباب! إن الحديث عن المرأة ذو شجون، والحديث عن قضايا المرأة يجر بعضه بعضاً، إن هذه القضية من القضايا التي لم تطرق الطرق السليم، وإن طرقت فطرق قليل لا يفي بالغرض.

    كثيراً ما يسأل الإخوة عن أشرطة تهم المرأة توزع على النساء في الزيارات واللقاءات والأعراس، لكنهم لا يجدون إلا أقل القليل، ولعل هذا نابع من قصور من أطراف مشتركة، وكل يتحمل عبء هذا القصور.

    وأنا بدوري أشكر الإخوة القائمين على هذا المسجد؛ لاهتمامهم بهذا الأمر والتركيز على هذه القضية، فلعلهم ألقوا بعض التبعة عن كواهلهم، نتيجة لترتيبهم لهذه الحلقة الطيبة المباركة.

    إن الحديث عن المرأة الداعية يحتاج إلى جلسات وجلسات، يحتاج إلى رجوع إلى مراجع متعددة؛ ليعرف الإنسان من خلالها من هي المرأة؟ وكيف تدعو إلى الله سبحانه وتعالى؟

    ولكن وللأسف الشديد فكما أن القصور موجود في الأشرطة كذلك هو موجود في الكتب، فمن النادر أن تجد كتباً تتحدث عن هذا الموضوع وتطرق هذا الموضوع، وإن وجدت فهي قليلة، وبالتالي فلعل هذا الأمر أو هذه الحلقة تسهم ولو بشيء قليل في حل بعض هذا القصور.

    إن المرأة التي نريد أن نتحدث عنها في هذا اللقاء هي المرأة التي التزمت بدين الله سبحانه وتعالى، وهي المرأة التي استقامت على فطرة الله سبحانه وتعالى، وهي المرأة التي اختطت لنفسها خطاً خطه لها المصطفى صلى الله عليه وسلم، فسارت في طريقه ولم تحد عنه قيد أنملة، فهذه المرأة هي مدار الحديث في هذا اليوم، وهي مدار الكلام في هذا اللقاء، وقد ذكرني بعض الإخوة بموضوع حالة المرأة قبل الإسلام، تلكم المرأة التي كانت تعامل معاملة أقل من كثير من الجمادات.

    فلقد كانت تعامل عند اليونان وعند الرومان على أنها أثاث يباع ويشترى، وعلى أنها مهدورة الدم، وعلى أنها لا تملك لنفسها شيئاً، وعلى أنها مجرد خلق للاستمتاع فقط.

    وعندما جاءت النصرانية المحرفة رأت أن المرأة شيطان أو أن الشيطان قد تلبس بها، وبالتالي فهم يكرهونها ويتأذون منها ولا يقتربون منها، وكلما أراد الإنسان أن يتقرب إلى الله فلابد له أن يبتعد عن المرأة، ولذلك يعتبرون القساوسة والرهبان هم أقرب الناس إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم ابتعدوا عن المرأة.

    هذه مكانة المرأة عند النصارى، وإذا انتقلنا إلى الجانب الجاهلي جانب المشركين الذين كانوا يعيشون قبيل بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم، لرأينا كيف تعامل المرأة عندهم.

    لقد كانت المرأة في وقت الجاهلية مهانة لدرجة غريبة، سواء كانت طفلة أو شابة أو كبيرة في السن، فالطفلة توأد وتدفن في التراب وهي حية؛ خوف العار والفقر وأشياء أخرى، وإذا كبرت تمتع بها من يأخذها، ثم عندما تبلغ من السن مبلغه فإنه لا يلقى لها بالاً.

    بل كانت تورث كما يورث المتاع، فالأخ إذا مات أخذ أخوه كل ما يتعلق به حتى إنه يأخذ زوجته فيكون مختصاً بها، فإن أرادها له زوجة وإلا تركها حرة طليقة، لكن عندما جاء الإسلام رفع من شأن المرأة، وجعلها مساوية للرجل في كثير من النواحي وفي كثير من المسائل، بل وجعلها مساوية للرجل في أهم مسألة وهي مسألة التكليف، فإن هذه المرأة إن اتبعت طريق الإسلام وسارت على طريق الحق، فإن لها ما للرجل وعليها ما على الرجل، هذا هو حال المرأة في الإسلام.

    وعندما نتحدث عن هذه المرأة، فإننا نتحدث عنها من خلال منطلق واحد أعدها الإسلام لتسير عليه، وهو الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

    إن المرأة داعية، ولا يمكن أن توجد امرأة إلا وهي داعية أياً كانت هذه المرأة، فإن المرأة إما أن تدعو إلى خير أو تدعو إلى شر.

    1.   

    دور اليهود في إفساد المرأة والإفساد بها

    لقد عرف المجتمع الفاسد - مجتمع اليهود والنصارى - ما للمرأة من تأثير دعوي، فجعلوها في الواجهة لدعوة الآخرين للوقوع في حبائلهم، لقد استخدموا المرأة للدعوة، أو إن شئت فقل: للدعاية، فالمرأة تخرج في التلفاز، وتخرج في الإذاعة، وتخرج في الصحافة، وتخرج في الملهى، وتخرج في الملعب، وتخرج في الشارع، وتخرج في المحل التجاري، لماذا يا ترى؟ ألا يوجد رجال يقومون مقام المرأة في هذه الحالة؟ بلى إن الرجال كثر، ولكنهم يرون أن هذه المرأة تحقق مبدأ الدعوة أكثر من الرجل، ويكون التأثير الناتج من هذه الداعية أكثر أثراً وأعمق تأثيراً من الرجل، وبالتالي فقد ساروا على هذا المنهج، واستغلوا المرأة استغلالاً بشعاً عجيباً، وصل إلى حد أنهم يتاجرون بها، يشترونها ويبيعونها، فهم يتاجرون بعرضها ويتاجرون بكل شيء فيها، فإذا كبرت وانتهى دورها لفظوها كما تلفظ النواة، هذا هو حال المجتمع الغربي.

    إذاً: المرأة داعية في المجتمع اليهودي والنصراني، لكن داعية إلى الانحلال والفتنة والفساد.

    عندما رأى المجتمع الغربي نجاح هذا الاستغلال للمرأة أراد أن ينقله إلى مجتمعنا المسلم، فبدءوا بالتركيز على المرأة، فقالوا: لابد أن تخرج المرأة المسلمة إلى الشارع وإلى العمل وإلى المؤسسة والشركة، عند ذلك يسهل علينا استغلال هذه المرأة في سبيل تحطيم قيم المجتمع المسلم.

    فهم يريدون أن يحطموا الرجال عن طريق المرأة.

    إن المرأة لها تأثير ليس باليسير، فالمرأة تستطيع أن تقلب المجتمع رأساً على عقب، (فالدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) فإذا كانت المرأة فاسدة فإنها ستفسد هذه الدنيا، وقد اشتهر أن السبب في فساد بني إسرائيل هو النساء، كما ثبت ذلك في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (أن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) .

    إذاً: هذه المرأة الداعية عندما علم الغرب والشرق أنهم لن ينتصروا على العالم الإسلامي إذا حققوا مبدأ: خذ حجاب المرأة وغط به المصحف فسيكون النجاح هو حليفنا باستمرار؛ ولذلك فهذا المبدأ قد نصبوه أمام أعينهم: خذ الحجاب أو خذ النقاب ثم غط به المصحف، وبهذا سينتشر السفور والاختلاط، ومع الاختلاط يكون الجهل، ومع الجهل سيكون الفساد، ومع الفساد سيكون الضياع، هذا هو هدفهم.

    لكن في هذا العصر ظهرت فيه الصحوة المباركة وبدأت تبرز شيئاً فشيئاً، وإن كانت تواجه المعوقات والصعوبات، فهي تشق طريقها بصعوبة، لابد من وجود الصعوبات باعتبار أن الإسلام لا يسير إلا على شوك، ولا يسير إلا على دماء، ولا يسير إلا على أشلاء، فالقضية قضية ابتلاء وامتحان واختبار لنا جميعاً، لي ولك وللمرأة الفلانية وللبنت الأخرى وهكذا.

    أقول: إن هذه الدعوة المباركة والصحوة الطيبة بدأت تركز على المرأة، وبدأت تعطي المرأة مكانتها وترفع من شأنها، وتركز على قضية درء المحاولات العدائية التي يقوم بها أعداء المرأة.

    نحن نعلم أن المرأة هي نصف المجتمع من الناحية الحسية، من الناحية التعدادية، وكما تعلمون في التعداد السكاني نادراً ما يتفوق عدد الرجال على النساء بشكل بين ملحوظ، كذلك هي نصف المجتمع الصغير داخل البيت، فالمرأة في مقابل الرجل، والبنات في مقابل الأولاد، ولا يمكن أن يستقيم شأن الأسرة إلا بوجود هذا التعادل، فامرأة صالحة مع رجل صالح يكونان أسرة صالحة.

    إذاً: هذه المعادلة لابد من وجودها، فقضية أن المرأة نصف المجتمع هذه حقيقة ناصعة بينة لا يمكن أن يغفل عنها أحد.

    هذه المرأة التي انتهجت نهج الحق لابد أن تكون مربية، وداعية وملتزمة؛ لأنها بهذا تؤدي دوراً يكمل الدور الذي يقوم به الرجل، فالرجل داعية إلى الله، والمرأة داعية إلى الله سبحانه وتعالى، وبين الدعوتين ارتباط والتزام لا ينفك أحدهما عن الآخر، فلو نجح الرجل في دعوته وقصرت المرأة، فإن الخلل سيظهر كما سنعرف بعد قليل.

    إن المرأة صانعة الرجال؛ لإن الرجال لا يوجدون إلا بنساء صالحات، ولا يمكن أن يوجد رجل إلا إذا وجدت المرأة الصالحة التي تربيه التربية الحسنة، ثم الزوجة الصالحة التي تشرف عليه وتراعي شئونه المراعاة الحسنة كذلك.

    إذاً: هذه المرأة التي تعد صانعة الرجال تحتاج منا إلى وقفات معها فيما يرتبط بالجوانب الدعوية.

    هند بنت عتبة وعلو همتها في تربية ولدها

    قبل أن أنتقل إلى بيان النقطة التالية تحضرني قصة تبين مدى علو همة المرأة، وهي قصة لامرأة كانت تعيش في الجاهلية أسلمت وحسن إسلامها، هذه المرأة هي هند بنت عتبة بن ربيعة ، وكانت متزوجة بـالفاكه بن المغيرة في الجاهلية، وعاشت مع زوجها حياة مستقرة مستريحة البال، وكان زوجها الفاكه له أصدقاء وزملاء وزوار، وفي يوم من الأيام كان جالساً في بيته مع زوجته، وكانت زوجته قد ألقت عنها بعضاً من ملابسها باعتبار أنها حرة في بيتها، فعنّ للفاكه بن المغيرة غرض يريد أن يأتي به من مكان ما، فخرج من البيت مسرعاً، وجاء رجل من زملائه فدخل البيت على اعتقاد أنه موجود، وعندما دخل رأى المرأة فخرج مسرعاً؛ لأنه لم يجد هناك رجلاً، وفي أثناء خروجه من البيت مسرعاً كان الفاكه قد جابهه ورآه، فشك في امرأته أنها قد وعدت الرجل وفعلت ما فعلت، فاتهمها وتركها تذهب إلى بيت والدها، فقال لها عتبة : اسمعي يا بنية إن كان صادقاً فأخبريني، فإني سأرسل إليه من يقتله غيلة - فـعتبة بن ربيعة كان زعيماً من زعماء قريش، وقد قتل كافراً في معركة بدر - وإن كان كاذباً حاكمته إلى بعض كهان اليمن، قالت: لا والله يا والدي إنه كاذب، فقال: يا فاكه هلم لأحاكمك، فذهبوا سوياً إلى هذا الكاهن، ثم بعد ذلك خافت هند بنت عتبة وقالت لأبيها: إننا نقدم على رجل يخطئ ويصيب، فقال والدها: سأختبره، فأخذ حبة شعير ووضعها في إحليل فرسه، فذهبوا إلى الكاهن وقال: أخبرني ماذا خبأت لك؟ فقال: قد خبأت لي حبة شعير في كذا وكذا، فقال له: هذه مجموعة نسوة فيهن امرأة متهمة فأخبرني عنها، فمر عليهن ثم ضرب على كتفها وقال لها: قومي غير وحشاء ولا زانية، وستلدين ولداً يقال له: معاوية ، فنهض الفاكه بن المغيرة فأخذ بيدها فنترت يدها من يده، فتزوجها أبو سفيان وأنجبت منه مجموعة من الأبناء ومنهم معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، ومر عليها بعض متفرسي العرب فقال لها: إنني أتوسم فيه أن يسود قومه، قالت هند : ثكلته إن لم يسد إلا قومه. أي: فقدته إن لم يسد إلا قومه، فهي تريد منه أن يسود العرب بأجمعهم.

    انظروا علو همة هذه المرأة، وكيف أنها ربته حتى كبر، وفعلاً وصل الأمر به إلى أن ساد العرب والعجم مع جمعياً.

    أقول: إن المرأة ينبغي أن تضع نصب عينيها أن تكون ذات همة عالية في مجال التربية، وفي مجال الدعوة، وفي مجال الالتزام، وفي مجال الإشراف على نفسها وبيتها ومجتمعها، فالهمة العالية لابد أن تكون نصب عينيها باستمرار من جوانبها ومن منطلقاتها.

    وينبغي للمرأة أن تعي وتعلم أن النصوص الكثيرة التي وردت في كتاب الله تعالى وفي سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يختص بها الرجل فقط، بل تعمهما، فكل نص يأتي في كتاب الله فإن المقصود به الرجل والمرأة إلا ما استثني، وبالتالي فلابد للمرأة أن تعي هذه المسألة، فعندما يقول الله سبحانه وتعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] فإن الخطاب هنا ينصب على الرجال والنساء، فأنت أيها الرجل تدعو إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والمرأة كذلك تدعو إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، فالخطاب للرجل، المرأة سواء.

    كذلك قول الله سبحانه وتعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] فهذا الخطاب لنا جميعاً، فأنا أدعو إلى الله على بصيرة وأنتِ تدعين إلى الله سبحانه وتعالى على بصيرة.

    كذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته)، وفي الحديث: (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها)، فالرعاية هنا تشمل الدعوة والالتزام، والتربية، وتشمل جوانب متعددة كلها تدخل تحت لفظة الرعاية.

    فأنت أيتها المرأة المسلمة راعية في بيت زوجك، تدعين أولادك وتربيهم، وتشرفين على زوجك، وتدعين من تزور بيتك من النساء، وكذلك من يزور بيتك من الرجال الذين لك علاقة وصلة بهم.

    إذاً: أنت أيتها المرأة المسلمة راعية في هذا البيت، وستسألين أمام الله سبحانه وتعالى يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89]: ماذا فعلت وماذا عملت وماذا قدمت؟!

    1.   

    مجالات المرأة الداعية

    إن كل ما عرض قبل قليل لعله مقدمات، وسأعرض من خلال هذا اللقاء مجموعة من المسائل من أبرزها: المرأة الداعية، ثم وسائل الدعوة، ثم معوقات الدعوة، ثم نماذج دعوية، ثم وقفات عامة، ولعل الوقت يسمح بذلك أو لبعض من ذلك.

    النقطة الأولى: المرأة الداعية.

    المرأة الداعية في بيتها، مع أولادها، مع زوجها، للمرافقين لها، لجيرانها، لأقاربها، نأخذ هذه النقاط واحدة واحدة.

    المرأة الداعية في بيتها

    أقصد بذلك البيت الحسي أو البيت الجاف أو البيت الجامد، أي: أن المرأة لابد أن تكون داعية في البيت المصمم؛ ليكون سكناً لها، فالمرأة عندما تضع مكتبة صغيرة في غرفة النساء، فإنها بهذا قد أثثت بيتها تأثيثاً دعوياً، وعندما تضع لوحة صغيرة فيها بعض النشرات الجميلة في مكان ظاهر في بيتها، فإنها قد أثثت البيت تأثيثاً دعوياً، وعندما تتعاهد مجلس الرجال بالكتيبات المستمرة، بحيث تجدد فيها وتغير فيها عندما تعلم أنها قد قرئت مرات ومرات، فهي بهذا تكون قد ساهمت في إنشاء البيت الدعوي، كذلك عندما تركز المرأة على طهارة المنزل وفرشه وأثاثه، فهي بهذا تعتبر امرأة داعية في بيتها الجامد الجاف، وعندما تبذل المرأة مساعيها في مسألة ستر شبابيك البيت، حتى لا ترى إذا فتح الشباك أو فتحت الستارة، أو ترى غيرها من جيرانها عندما تطل أو عندما تنظر من خلال النافذة تكون قد حققت جانباً دعوياً في بيتها؛ لأنها قد لا تنظر هي، لكن قد يأتي الشيطان إلى أحد أولادها أو بناتها فينظر إلى شيء ما قد يثيره ويلتصق بقلبه فلا يزول إلا بصعوبة، لكن إذا قطعت حبل الرجعة من أول الأمر، فإنها بهذا قد حققت جانباً دعوياً.

    وعندما تنظر إلى سور بيتها الذي يعد في الجملة مكشوفاً بالنسبة لجيرانها، فإنها تعرض على زوجها أو أولادها أن يبنى هذا السور أو يرفع، فتكون بذلك قد حققت جانباً دعوياً لها ولأولادها ولجيرانها.

    فهذه نماذج وإلا فالقضايا الدعوية المتعلقة بالبيت كثيرة جداً، فينبغي للمرأة أن تضع هذا نصب عينيها، فإن هذا من الجوانب الدعوية التي نغفل عنها ولا نلقي لها بالاً، مع العلم أن الكثير من القضايا الإفسادية قد تحصل بسبب هذا التقصير، فلو أن شاباً في مقتبل العمر ربيته أيتها المرأة تربية حسنة، فاعلمي أن الشيطان لم يتوقف عن الدعوة إلى باطله، فأنت تعملين والشيطان يعمل، ففجأة فتح هذا الشاب الشباك والنافذة فنظر منها فوقعت عينه على جيرانه، فيتعلق قلب هذا الشاب بما رأى، فتفسد كل الجوانب التربوية والدعوية التي بثثتيها في قلب هذا الابن، وبالتالي تكون النتيجة ربما الانحراف بالنسبة لهذا الولد أو بالنسبة للبنت، والسبب في ذلك أنك قصرت في جانب دعوي مرتبط بالمنزل وأثاث المنزل وغير ذلك.

    المرأة الداعية مع أولادها

    للأسف الشديد أننا نقصر تقصيراً هائلاً في مسألة تربية الأولاد، مع أن هؤلاء الأولاد هم جيل المستقبل، فينبغي أن نربي هؤلاء الأولاد ليتسنموا الأماكن التي سنتركها لهم بعد أن نبلغ من الكبر ما نبلغ، أو يتوفانا الله سبحانه وتعالى.

    وهؤلاء الأولاد لم نعطهم إلا أقل القليل من الجهود، وأقل القليل من الإمكانات الدعوية.

    وقد تقول المرأة: ماذا أعمل لكي أدعو أولادي ولكي أربي أولادي؟

    أقول: لابد من وضع خطة مرتبة منظمة لهؤلاء الأولاد؛ حتى تكون هناك جوانب دعوية لهؤلاء الصبية، ولابد أن تعي المرأة أن الطفل لابد أن توضع له الخطة منذ ولادته، وتحضرني حادثة وفيها بعض الإفراط لكنها قد قيلت وسجلت.

    يقال: إن رجلاً رزق بابن وبلغ هذا الابن أربعة أشهر، فجاء هذا الرجل إلى مالك بن نبي وقال له: لقد رزقت بولد وأريد منك أن ترشدني إلى وسائل تربوية سليمة أستخدمها مع هذا الولد، فقال له: كم عمر هذا الابن؟ قال: عمره أربعة أشهر، قال: لقد مضى الوقت، ولكنني سأعطيك خطة للابن القادم أما هذا فقد انتهى.

    يعني: لا تنطبق عليه الخطة التي ستعطى، وطبعاً هذا أمر قد يكون فيه نوع من المبالغة، لكن هذا يبين مدى الاهتمام بالطفل منذ ولادته، وبالتالي فلابد أن تضع المرأة خطة تربوية دقيقة تجاه هذا الولد.

    وأنا حقيقة لن أدخل في هذا الجانب ولن أتعرض لهذا الجانب بأي حال من الأحوال، باعتبار أن اللقاء القادم بمشيئة الله سيكون مع الشيخ الدكتور عبد العزيز النغيمشي بعنوان (المرأة المربية) وبالتالي فلعل هذا من اختصاصه، ولن أتعدى عليه في هذا الجانب.

    المرأة الداعية مع زوجها

    أنتقل بعد ذلك إلى المرأة الداعية مع زوجها، فالمرأة لابد أن تكون واعية لهذا الزوج، فإما أن يكون هذا الزوج رجلاً صالحاً داعية إلى الله سبحانه وتعالى، وإما أن يكون رجلاً فاسداً، وإما أن يكون رجلاً عادياً، أي: ليس من الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى الذين تميزا في هذا المضمار، وليس من الذين عرف عنهم فساد معين أو انحلال بين، فالمرأة تجاه هؤلاء مسئولة أمام الله سبحانه وتعالى عن دعوتهم.

    أما المرأة الداعية مع زوجها الداعية لابد أن تراعي فينبغي أن تعي أن هذا الزوج الداعية قد يخرج الأيام الطوال ويسافر إلى البلد الفلاني أو الهجر الفلانية أو المناطق الفلانية، ولابد أن تعي أنه في مجال دعوي فتصبر على هذا الانقطاع، وتبتغي وجه الله سبحانه وتعالى بهذا التحمل.

    فتكون بهذا قد ساهمت في تنشيط زوجها، فعندما يستأذنها زوجها في الذهاب وتودعه بقلب منشرح، ويعلم أن زوجته قد اقتنعت وعرفت المهمة التي سيقوم بها، عند ذلك يؤدي العمل الدعوي في القرى أو الهجر أو البوادي أو غيرها وهو مطمئن البال، فينتج إنتاجاً أفضل، بخلاف ما لو خرج وزوجته غاضبة ساخطة متسخطة عليه، فإنه سيكون متكدر البال متغير النفس، وبالتالي فإن الأداء سيضعف، هذه مسألة.

    المسألة الثانية: أن على المرأة أن تراعي قضية ابتعاد زوجها عنها بفكره وهمومه، فقد لا يفكر في تأثيث البيت والحصول على المال والترقي في الوظيفة، وإنما يفكر كيف ينشر الدعوة في المكان الفلاني، ويفكر في فلان الذي انحرف، وفي فلان الذي بدأ يستقيم وهكذا.

    إذاً: على المرأة أن تقف بجانب زوجها وتدعمه في هذا الجانب.

    كذلك على المرأة أن تنتبه إلى هذا الزوج، فإنه كثيراً ما يعكف في المكتبة يبحث ويقرأ ويقلب صفحات الكتب، يبحث عن مسائل معينة يريد أن يفتي بها، أو يريد أن يلقي درساً أو محاضرة أو خطبة.. أو غير ذلك، فهو بهذا قد ينشغل عنها فترة من الزمن، فتعي المرأة هذا الجانب وتقدر لزوجها هذا الجهد، وتقدير المرأة لهذا الجهد يعد أمراً دعوياً؛ لأنها دعمت هذا الزوج وجعلته يؤدي ما أدى وهو يحس أنها تقف بجانبه، وقد تحملت هذا الانقطاع وهذا العناء.

    أما قضية وجود المرأة مع زوج منحرف، فهذه من القضايا الحساسة التي تحتاج إلى امرأة رزينة وهادئة، وامرأة عندها قوة وهدوء في نفس الوقت، يعني: عندها قوة في العمل وهدوء في الأداء، في سبيل إصلاح هذا الزوج؛ لأنها قد ارتبطت بهذا الزوج وربما يكون لها أولاد من هذا الزوج، وتعلم أنها لو انعزلت عنه وتركته فربما يتأثر هؤلاء الأولاد بأبيهم وبالتالي فلا مناص من الارتباط بهذا الزوج إن كان هذا الانحلال والفساد غير مخرج من الملة، فينبغي أن تبدأ الدعوة مع هذا الزوج بالتدريج، وتستخدم معه الوسائل المتعددة الكثيرة التي ربما لم يستفد منها إلا القليل من النسوة، ولعل واحدة من هذه الوسائل قد تجدي مع هذا الزوج وينجح العمل، ويؤدي هذا الأداء بصلاح هذا الزوج ورجوعه إلى جادة الحق.

    أما المرأة الداعية التي لها زوج صالح في الجملة ومن بيته إلى مسجده إلى عمله، فإنها تبدأ في تربية هذا الزوج عن طريق الكتيبات والأشرطة، وبطرق هادئة ليس فيها تغير فجائي، فإن الزوج مع هذه الترتيبات الدقيقة سيبدأ التغير يطرأ عليه شيئاً فشيئاً، إلى أن يهديه الله سبحانه وتعالى إلى سواء الصراط.

    المرأة الداعية مع المحتكين بها في السكن

    كذلك المرأة داعية مع المرافقين لها، فكثير من النسوة يسكن في بيوت فيها أخ للزوج مع زوجته، أو ربما مع أم الزوج، أو والد الزوج، أو غير ذلك، وقد يكون هناك مجال للاحتكاك إذا كان مع المحارم أو مع النساء، وقد لا يكون هناك مجال للاحتكاك، فهنا المرأة بدورها تستطيع أن تستغل الجانب الدعوي المزروع فيها عن طريق بذره في هؤلاء بأسلوب غير مباشر، فعندما تضع كتيباً في المجلس الذي يجلس فيه أخو زوجها، فإنه في وقت فراغه قد يقلب هذا الكتيب مرة وثانية وثالثة، وإذا تكرر الوضع فقد يتأثر هذا الرجل، وعن طريق زوجة الأخ أيضاً.

    إذاً: تأثير المرأة على المرافقين لها يتم بطرق متعددة ومختلفة، لعلها تطرق في مسألة وسائل الدعوة.

    المرأة الداعية مع جيرانها

    كذلك للمرأة الداعية أن تبذل جهودها الدعوية مع جيرانها، وتعلمون أن لقاءات النساء بالنساء أكثر بكثير من لقاءات الرجال، فمثلاً: في الحارة التي نسكن فيها نجد أن النسوة يلتقين كل أسبوع مع بعضهن البعض، فكنت أفكر وأقول: إن بعض رجالات هؤلاء النسوة لم ألتق به من سنوات طوال أكثر من خمس سنوات، يعني: لم يدخل علي ولم أدخل عليه، وإنما نتحدث سوياً عند الباب أو في الشارع، أو عند الذهاب إلى المسجد، أو عند الخروج من المسجد، أما الالتقاء داخل البيوت أو غير ذلك فلا، أما النساء فيلتقين باستمرار بشكل متتابع، فأقول: إن هذه اللقاءات المتتابعة مجال خصب وقوي ومثمر في سبيل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وكما تعلمون أن قلب المرأة رقيق وعاطفي، فأي قصة أو حادثة أو واقعة أو غير ذلك تؤثر فيها لا محالة، وبالتالي فإن على المرأة أن تستغل هذا الجانب وتركز عليه من خلال احتكاكها مع جيرانها وجاراتها، وتحاول قدر جهدها أن تستثمر هذه اللقاءات في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، بحيث لا تكون مجرد كلام وأكل وشرب وغير ذلك.

    المرأة الداعية مع أقاربها

    الجانب الأخير: ارتباط المرأة الداعية مع أقاربها وخاصة في الولائم والأعراس وغير ذلك، فلابد أن تضع المرأة الداعية نصب عينيها أن هذه الوليمة أو العرس أو اللقاء لابد أن يستثمر، إما بكلمة، وإما بتوزيع شريط أو نشرة أو كتيب، وإما بحفلة صغيرة، وغير ذلك من الوسائل المتعددة التي ربما نطرقها بعد قليل.

    1.   

    ضرورة استغلال المرأة الداعية للفرص واغتنامها

    قبل أن نطرق مسألة وسائل الدعوة التي للنساء أحب أن أنبه إلى مسألة اغتنام الفرص، فإن الفرص في هذا الزمان متيسرة لنا بشكل كبير، فإننا لو قارنا الوضع الذي نعيشه بأوضاع بلاد أخرى لوجدنا أننا نعيش فرصاً هائلة جداً وخصبة للمجال الدعوي.

    انظروا مثلاً إلى مصر، وإلى تونس، وإلى الجزائر، وإلى العراق، وإلى سوريا، وإلى كثير من الدول ربما لا تتيسر الفرص لديها التي نجدها نحن في هذه البلاد المباركة، وبالتالي فاغتنام الفرص مهم جداً في هذا الوقت بالذات، باعتبار أن المرأة لابد لها أن تساهم في عودة الأمة إلى عزها ومجدها الذي فقدته منذ أمد بعيد.

    ومن الفرص التي ينبغي أن تغتنمها المرأة الداعية ما ذكرت قبل قليل، ومنها كذلك الصحة، فالمرأة التي تعيش في صحة واطمئنان جسدي وروحي لابد أن تستغل هذا الجانب قبل أن يفجأها مرض وتحل بها كارثة جسدية أو غير ذلك، فتتمنى أن تكون صحيحة الجسد لتؤدي ما عليها، ولكن هيهات هيهات، لذلك ينبغي استغلال الصحة، بالإضافة إلى استغلال حيوية الشباب ونشاطه وقوته، فإن المرأة الشابة التي تتدفق شباباً وحيوية عندها من الإمكانات القوية في سبيل التأثر والتأثير ما لا يوجد عند النساء الكبيرات، وبالتالي فلابد للمرأة أن تراعي هذا الجانب.

    كذلك استغلال المال، ونحن لدينا الآن - ولله الحمد - مقارنة بغيرنا مال متوافر، فلو اقتطعت المرأة منه جزءاً يسيراً أو اقترحت على زوجها أو على أولادها أن تأخذ جزءاً يسيراً من هذا المال وتجعله مخصصاً للجوانب الدعوية، فإن الله سبحانه وتعالى سيبارك لها في ذلك، وستثمر هذه المساهمات في إثراء الحركة الدعوية الإسلامية.

    كذلك استغلال مسائل الفراغ الذي تعيشه النسوة في هذا الزمان، فالفراغ بالذات في بلادنا يزداد شيئاً فشيئاً؛ نتيجة لكثرة المال الذي أدى بالنساء إلى استجلاب الخادمات، واستجلاب الأجهزة التي تخفف من أعباء المنزل، فترتب على ذلك أن الكثير من النسوة يجدن فراغاً، وهذا الفراغ أين تمضيه المرأة الداعية؟ تمضيه المرأة الداعية في مجالات الدعوة، إذا كانت فعلاً تريد أن تستثمر الجانب الدعوي في حياتها.

    1.   

    وسائل الدعوة للمرأة الداعية

    ننتقل الآن إلى وسائل الدعوة.

    ما هي الوسائل الدعوية التي على المرأة الداعية أن تقوم بها؟

    الوسيلة الأولى من وسائل الدعوة للمرأة الداعية اللسان

    أول وسيلة هي: الوسيلة اللسانية، وهي أبرز وسيلة دعوية يقوم بها الرجل وتقوم بها المرأة.

    واستخدام اللسان في المجال الدعوي إما عن طريق الدرس، وإما عن طريق الخطابة، وإما عن طريق المحاضرة، وإما عن طريق الدعوة الفردية، وهناك طرق كثيرة جداً، وممكن أن تستفيد المرأة مما أعطاها الله سبحانه وتعالى، وتحاول قدر جهدها أن تستثمر هذا اللسان الذي وهبها الله سبحانه وتعالى في مجال الدعوة، وتستطيع أن تجعل الدروس أو المحاضرات أو غيرها في مجالات متعددة، وتستطيع أن تلقيها في مدارس البنات، وفي كليات البنات، وفي مدارس تحفيظ القرآن، وتستطيع أن تلقيها في الأسواق النسائية وفي التجمعات النسائية، كولائم الأعراس والعزائم وغيرها.

    إذاً: هناك مجالات عدة للاستفادة من الجانب اللساني بالنسبة للمرأة، ولا يلزم من هذا أن تكون المرأة عالمة، أو أن تكون المرأة مثقفة حتى تلقي محاضرة أو ندوة، بل بإمكان المرأة أن تلقي كلمات يسيرة تقرؤها من كتاب، أو قصة تفقهها وتعرفها، تستطيع أن تلقيها على مجموعة من النسوة، فتكون هذه القصة ذات أثر عظيم على هؤلاء النسوة، وبالتالي فلا يحقرن الإنسان من المعروف شيئاً مهما قل ومهما صغر، فإن هذا المعروف قد يثري ويثمر ولو لم يعلم الإنسان هذه الثمرة؛ لأنك تلقي كلاماً فقد يقع في قلب جاف فيقع موقعاً طيباً ثم يبدأ ينمو ويترعرع شيئاً فشيئاً، فكلمات يسيرة من امرأة قد يثمر امرأة صالحة طيبة.

    الوسيلة الثانية من وسائل الدعوة للمرأة الداعية القدوة والسلوك

    كذلك من الوسائل الدعوية: القدوة والسلوك، فقد لا تستطيع المرأة أن تلقي شيئاً؛ لأنها لا تعرف الإلقاء إما حياء وخجلاً أو عدم قدرة أو عدم إمكانية، فترتبط بجوانب أخرى كقضية السلوك والقدوة الصالحة، وهذا أمر مهم جداً فيما يرتبط بالجوانب الدعوية، فإن المرأة الداعية إذا كانت قدوة في نفسها، في لباسها، في سلوكها، في كلامها، في حركاتها، في سكناتها، فإن بقية النساء سينظرن إليها على أنها فعلاً امرأة متزنة، امرأة طيبة، امرأة صالحة، امرأة عليها وقار وجلال، وبالتالي تكون قدوة لغيرها من النساء، وسيستشهد بها كثيراً وهي لا تعلم، فعندما تأتي امرأة لتعاتب ابنتها تقول لها: انظري إلى فلانة فإن فيها كذا وكذا من الأخلاق الفاضلة، وفيها كذا وكذا من السلوك الحسن، فتكون أمام نظر هذه البنت صورة هذه المرأة بسلوكها وتصرفها، فمن هنا كان للقدوة الحسنة المجال الدعوي الخصب، حتى ولو لم تشعر المرأة بأثره المباشر؛ فإن القدوة لها أثر غير مباشر بشكل بين وملحوظ.

    كذلك من الوسائل الدعوية للمرأة: أن تستخدم المرأة مسألة توزيع الكتيبات والنشرات والأشرطة والهدايا.. وغير ذلك، وهذه مسألة مثمرة ومجدية فيما يرتبط باللقاءات النسوية، ولعل هذه أمرها واضح وأمرها بين، والثمرة التي تقطف لا يستطيع إنسان أن يحصي آثارها ويحصي النتائج.

    الوسيلة الثالثة من وسائل الدعوة للمرأة الداعية التفكير

    كذلك على المرأة في الجوانب الدعوية: مسألة التفكير، قد يستغرب الإنسان كيف يكون المجال التفكيري مجالاً دعوياً؟ أقول: المرأة التي تجلس في بيتها تفكر في مجالات دعوية، وتفكر في خطط تربوية، وتفكر في مسائل إصلاحية داخل البيت، وهذا التفكير المتتابع سيجدي ويثمر بالنسبة للمرأة وفيما تفكر فيه هذه المرأة؛ لأن المرأة كثيراً ما تفكر في سفاسف الأمور، لكن إذا انتقلت إلى الجوانب المهمة وكانت عالية الهمة في ذلك، فإن هذا التفكير سيثري العمل الدعوي بالنسبة لها، فإنها قد تكتشف وسائل جديدة يناسبها هي، وقد تكتشف وسائل تربوية جديدة لأولادها ولزوجها، وقد يثمر هذا التفكير عن ابتكارات جميلة، قد يكون هذا التفكير في مجال بعيد عن الدعوة من الناحية الظاهرية، لكنه دعوي من الناحية الجوهرية، وقد تفكر في إصلاح جهاز معين فتدعو أولادها وتقول: فكروا معي في إصلاح هذا الجهاز، فكروا معي في تصميم هذا الديكور، فمشاركة الأولاد معها في التفكير يعد جانباً دعوياً.

    كذلك الاحتكاك مع الأولاد والاهتمام بهم يعد جانباً تربوياً دعوياً ليس باليسير، حتى إن هذا المرأة إذا أعطت هؤلاء الأولاد دفعات دعوية فيما بعد تقبلوا منها وهم مسرورون، وأذكر حادثة أو قصة هي فيها شاهد لجانب التفكير: كان أحد التجار اليابانيين صاحب مصنع ضخم جداً للأجهزة الدقيقة للغاية، ويذكر في مذكرات له ويقول: كنا نصنع أجهزة بالغة التكاليف ودقيقة للغاية، فكانت هذه الأجهزة تباع في جميع أنحاء العالم، وكانت تعود إلينا بعض هذه الأجهزة بحكم أنها لا تعمل بشكل سليم.

    فبدءوا يفحصون هذه الأجهزة فحصاً عاماً فلا يجدون فيها شيئاً، فاستغربوا، وكثرت هذه الأجهزة التي تعاد مرة أخرى إلى المصنع، فاجتمع المدير بالمدراء والمسئولين عن المصنع، فعرض عليهم القضية ودرسوها من كل جوانبها، فما استطاعوا أن يصلوا إلى نتيجة، والأجهزة تتوالى في الرجوع إليهم، وكان هناك امرأة تعمل في هذا المصنع، وكانت في يوم من الأيام جالسة أمام شباك في المصنع، وإذا بالقطار يمر بجانب المصنع ثم بعد حوالي نصف ساعة مر قطار آخر، فاكتشفت أن هذا القطار يصدر اهتزازات في الأجهزة، وبالتالي فهذا القطار هو الذي أثر في هذه الأجهزة، فذهبت بهذه الفكرة إلى المدير، فاجتمع المدير ومهندسو المصنع ورأوا أن هذا قد يكون صحيحاً، فدرسوا هذه المسألة بطريقة دقيقة فتوصلوا إلى أن هذه القضية التي طرحتها المرأة كانت هي العلى التي بسببها كانت تعاد هذه الأجهزة، فإذا مر القطار والجهاز يعمل فإن الجهاز يفسد قليلاً، أو يحدث له بعض التأثير.

    فإذاً: ليس هناك حل إلا نقل المصنع عن مكانه أو نقل القطار، وليس هناك إمكانات لنقل هذا أو هذا، فيقال: إنهم عملوا عوازل هائلة على جدار المصنع، وحفروا قناة عميقة فيها ماء لحجز الذبذبات، فلم ترجع إليهم أي أجهزة أخرى بعد ذلك.

    فالشاهد في هذه القصة أن التفكير صادر من امرأة، وكانت ثمرته ليست باليسيرة بالنسبة لأجهزة تنتشر في جميع أنحاء العالم.

    أقول: إن التفكير إذا كان سليماً فإنه يثمر، وهذه الثمرة ستؤتي أكلها بشكل بين ومتميز.

    الوسيلة الرابعة من وسائل الدعوة للمرأة الداعية الزيارات

    كذلك من الوسائل الدعوية: الزيارات التي لابد للمرأة أن تضعها نصب عينيها، وهناك زيارات إلزامية بالنسبة للنساء، فمثلاً: امرأة ولدت بابن أو ابنة فهي ستمكث في بيتها أربعين يوماً، فلابد من زيارتها والاطمئنان على صحتها، وهذه الزيارة تعتبر مجالاً دعوياً، قد تكون هذه المرأة التي رزقت بهذا الولد أو البنت ليست على المستوى المطلوب من الالتزام، فمن الممكن أن يكون من ضمن الإهداء الذي يهدى لها من ملابس، وملف للطفل، وعلك وغير ذلك من الهدايا، أن يهدى معها مجموعة كتيبات وأشرطة وتعطى لهذه المرأة، وسيكون لها أثر ليس باليسير؛ لأن هذه الملابس ستزول مع الوقت وتبلى، وهذا الأكل وغيره سينتهي ويزول، لكن الكتاب والشريط سيبقى، وإن لم يبق هو فإن مفعوله سيبقى إن شاء الله.

    إذاً: قضية الزيارات لابد أن تستثمرها المرأة الداعية.

    كذلك الزيارات الطارئة، الزيارات التي تقوم بها المرأة لأقربائها وزميلاتها وغير ذلك، فلابد من استغلال هذه الزيارات في الجوانب الدعوية، لا أقول: إن على المرأة أن تجعل كل وقتها دعوة، يعني: لا تذهب إلى لقاء إلا وتلقي فيه كلمة، ولا تذهب إلى عزيمة إلا وتلقي فيه محاضرة، ولا تذهب إلى عرس إلا وتوزع فيه أشرطة، هذا مطلوب، لكن لا يلزم أن يكون دائماً، لكن تضع المرأة نصب عينيها ألا تفرط في وقت من الأوقات إلا وقد أدت فيه شيئاً ولو يسيراً قليلاً، ولو أن تأخذ شريطاً واحداً فقط، فمثلاً: عندما تذهب إلى عرس لا يلزم أن تأخذ معها ثلاثة كراتين في كل كرتون مائتا شريط، لا، وإنما تأخذ معها إذا استطاعت ولو شريطاً واحداً، وتعتبر نفسها إذا لم تؤد شيئاً ولم تقدم شيئاً قد قصرت في هذا الجانب.

    الوسيلة الخامسة من وسائل الدعوة للمرأة الداعية استغلال التجمعات النسائية العامة

    كذلك على المرأة الداعية استغلال التجمعات النسائية العامة، مثل: الأسواق النسائية، ومجال الدعوة فيها بين وواضح ومعروف، وأضرب لكم مثالاً أو نموذجاً على أسواق الهودج التي يعرض فيها مجموعة من الأفلام عن طريق الفيديو عن البوسنة والهرسك، أو عن الصومال، أو عن أفغانستان، أو عن أوضاع معينة تحصل في العالم الإسلامي، وربما يحصل فيها محاضرات مسجلة، وأحيانا تقوم نسوة مجتهدات جزاهن الله خيراً بإلقاء بعض الدروس والمحاضرات في هذه الأسواق، وأنا أعرف مجموعة من النساء يذهبن إلى هذه الأسواق بهدف الاستماع والجلوس للاستفادة من المحاضرة، والاحتكاك بالأخريات للاستفادة منهن، فلم تذهب المرأة للتسوق ولا لإنفاق المال، بل ذهبت للاستفادة.

    إذاً: استغلال الأسواق النسائية جانب مهم في المجال الدعوي بالنسبة للمرأة الداعية.

    1.   

    معوقات الدعوة للمرأة الداعية

    معوقات الدعوة كثيرة جداً، وأبرز هذه المعوقات المعوق الفكري أو الهجمة الفكرية المعاصرة خاصة في هذا الزمان، عن طريق تشويه أفكار الناس عن المرأة، ومحاولة بث هذا الفكر داخل عقول النساء، وأن هذه المرأة ينبغي لها أن تكون مساوية للرجل، وينبغي لها أن تتحرر، وينبغي لها أن تنطلق من قيودها، وينبغي لها أن تقود سيارتها بنفسها، وتعمل كيف تشاء، وتذهب متى تشاء، وتذهب وتأتي بأي أسلوب وفي أي وقت وبأي كيفية، ليس للرجل عليها سلطة.

    هذه الأفكار يراد منها أن تكون المجتمعات الإسلامية مشابهة للمجتمعات الغربية التي انتشر فيها الانحلال، الذي أدى بها الآن إلى الانهيار، فالمجتمعات الغربية الآن تنهار شيئاً فشيئاً، ولا يلزم من هذا أن يكون الانهيار في سنين قليلة؛ لأن انهيار الدول ليس كانهيار الأفراد، فانهيار الدول قد يحتاج إلى عشرات السنين، وقد تكون دولة بدأت مرحلة الانهيار لكنها لا تنهار إلا بعد خمسين سنة، وبالتالي فالمجتمعات الغربية تأمل من المجتمع المسلم أن يسلك نفس المسلك فينهار فيتساوى المجتمع المسلم مع المجتمع الغربي في هذا الجانب، ويتفوقون علينا في العدد والعدة، ويكونون هم المسيطرين، وبالتالي يحاولون نشر ذلك بشكل قوي جداً، والهجمة في المؤلفات الفكرية والأفكار المطروحة فيما يرتبط بالسفور والاختلاط والمساواة وغيرها أمرها واضح وبين، ولا تحتاج إلى مزيد بيان لضيق الوقت.

    وهذا اعتبره معوقاً؛ لأن بعض النساء تكون قد تشربت هذه الأفكار، وبالتالي لا تستطيع المرأة أن تدعو؛ لأن بعضاً من هذه الرواسب قد رسخ في ذهنها.

    كذلك إذا أرادت أن تدعو أخريات قد تجابه نساء يحملن هذه الأفكار فيكون مجال الدعوة ضيقاً؛ نتيجة لمحاولة إقناع هذه وتلك من التخلص من هذه الأفكار التي انغرست في أذهانهن.

    كذلك من المعوقات الدعوية: وسائل الإعلام، أو الهجمة الإعلامية، سواء كانت تلفازاً، أو فيديو، أو صحافة، أو إذاعة، أو غيرها، وهذه الوسائل الإعلامية كلنا جميعاً بلا استثناء نعلم مدى تأثيرها على المرأة بخاصة، فالمرأة دائماً تعكف وتمكث وتبقى في البيت، والإعلام أمامها من تلفاز وغيره يعمل طوال الوقت، كل الوقت الذي تعيشه المرأة نجد أن الإعلام يبث فكره ابتداء ليدخل في عقلها وفكرها.

    فإن انتقلت من محطة إلى أخرى وجدت محطة أمريكا الإعلامية، أو محطة لندن، أو محطة باريس، وهذه المحطات الإعلامية تبث فكراً منحلاً، ووسائل تربوية فاسدة، وجوانب أخلاقية هابطة، فتنهار المرأة نتيجة لذلك، ويترتب على ذلك أن تكون داعية انحلال بدل أن تكون داعية صلاح.

    إذاً: هذه المرأة الداعية ستجابه هذه الهجمة الإعلامية الصارخة من قبل هؤلاء الأعداء.

    كذلك من معوقات الدعوة: الجهل، كثير من النسوة يجهلن العلم الشرعي؛ لأنه ليس لديهن من العلم الشرعي إلا أقل القليل، وهذا الجهل يؤدي بهن إلى ألا يعلمن دورهن في هذه الحياة، ولا يعلمن أنهن مسئولات عن تربية أولادهن التربية السليمة، بل ولا يعرفن كيف يربين الأولاد، ولا يعرفن شئون الزوج، ولا شئون الدعوة بشكل عام؛ نتيجة للجهل، لذلك على النساء أن يركزن على الجوانب العلمية عن طريق التلقي العلمي، ولله الحمد والمنة فالجوانب العلمية ممكن أن تؤخذ الآن عن طريق الكتب الموجودة والمنتشرة في الأسواق، وعن طريق التسجيلات التي فيها من الدروس العلمية الشيء الكثير، وعن طريق حضور بعض الدروس العلمية التي ممكن أن تحضرها النساء، وهذه جوانب مفتوحة وموجودة وليس فيها إشكال.

    المعوق الرابع: الحياء، الحياء معوق كذلك من معوقات الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالنسبة للمرأة، فالمرأة حيية، فهي تخجل وتستحي وتتأثر بسرعة؛ نتيجة لهذه الفطرة التي وجدت فيها، وكون المرأة تستحي فإن هذا يعد جانباً فاضلاً فيها، ولكنه إذا زاد عن حده يعد عيباً وخاصة في المجال الدعوي؛ لأنها قد تدخل في مجتمع ترى فيه من المنكرات الشيء الكثير، ومع ذلك لا تستطيع أن تغير وتدعو وتنهى وتأمر وغير ذلك؛ لأنها تستحي وتخجل، وكثيراً ما نسمع أن المرأة تقول: أنا رأيت كذا وكذا، فإن قيل لها: لماذا لم تنصحي؟ تقول: والله أستحي وأخجل.

    إذاً: هذا خجل مذموم فيها، وهو معوق ينبغي على المرأة أن تراعيه وتنتبه له؛ فالحياء له حدود ونطاق معين، فإذا تجاوزها سمي هذا تقصيراً وذلاً، وسمي بأسماء مختلفة متفاوتة.

    الجانب الخامس من معوقات الدعوة للمرأة الداعية: شئون المنزل، فالمرأة كثيراً ما تشتكي كثرة أعمالها في منزلها، وأن هذا العمل يعيقها كثيراً عن أداء كثير من المهمات الدعوية التي تتمنى أن تقوم بها، وهذا حقيقة فيه جانب من الصحة وجانب من الخطأ كذلك، فإن قيام المرأة بشئون المنزل وإشرافها على منزلها ليكون منزلاً مريحاً يشعر فيه الزوج بالراحة النفسية والاطمئنان القلبي، ويشعر فيه كذلك الأولاد بالراحة يعد بحد ذاته أمراً وجانباً دعوياً مهماً، فإن الطفل أو الزوج إذا لم يجد منزلاً يرتاح فيه ويطمئن فيه قلبه فإنه سيتركه ويخرج ليبحث عن غيره من الأماكن التي يمضي فيها الوقت، فيمضي الوقت في سهرات ولقاءات، وفي غير ذلك، وهذا بحد ذاته قد يؤدي إلى انحراف هذا الزوج إن كان قابلاً لذلك، ونفس العملية تنقل إلى الأولاد، وبالتالي فإن جعل المرأة شئون المنزل معوقاً هذا ليس على إطلاقه، لكن أن تجعل المرأة كل شئون المنزل هي المعوق، أو تمضي كل وقتها في شئون المنزل ولا تعطي لأولادها أو لزوجها إلا أقل القليل أو فضول الأوقات فهذا يعتبر معوقاً، فالذي ينبغي للمرأة أن توازن بين هذين الشيئين، وأن تعطي كل شيء ما يناسبه، فتركز على شئون المنزل في الوقت الذي يكون فيه الزوج والأولاد في أماكن أخرى، إما في عمل أو غير ذلك، فإذا عادوا إلى البيت وجدوا البيت قد انتهى العمل الأساسي الذي يرتبط بتنظيمه وتنظيفه وغير ذلك، ويجد الأولاد الراحة مع أمهم، ويجد الزوج الراحة مع زوجته، وهذا بحد ذاته يعد أمراً دعوياً مهماً.

    المعوق السادس: قضية المواصلات، فكثير من النسوة يتمنين الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وعندهن القدرة على ذلك، فتقول إحداهن: بإمكاني أن ألقي محاضرة أو ندوة، وعندي العلم الذي يؤهلني لأن أؤدي جوانب دعوية، ولكنني لا أستطيع أن أنتقل من مكان إلى آخر؛ بحكم أنني لا أجد المواصلات المناسبة، فزوجي إما أنه يرفض أن يذهب بي، وإما أنه مشغول باستمرار، وبالتالي فلا مجال للانتقال، فهل لي أن أستجلب سائقاً يذهب بي إلى مكان وآخر، نقول: لا، هنا لابد أن تضعي نصب عينيك أن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وأن الله سبحانه وتعالى بين ذلك وقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] فأنت ستثابين على نيتك، فنيتك وهدفك الذي تهدفين له صالح، ولكنك تتحيين الفرصة، فإن لم تأت الفرصة فضعي نصب عينيك أنك ستؤجرين على حسب النية التي تنوينها.

    كذلك من معوقات الدعوة: رب الأسرة، وكثيراً ما يكون رب الأسرة معوقاً من معوقات الدعوة؛ إما لأنه منحرف، أو لأنه لا يفهم مبدأ القوامة المذكور في قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34]، فبعضهم لا يفهم مبدأ القوامة فهماً سليماً، فيرى أن القوامة هي أن يضغط على المرأة ويتحكم فيها كيفما يشاء، ويصرفها كيفما يشاء، فتجده يأمر زوجته بالأمر الخاطئ فلابد لها أن تطيع، ويأمرها بما يشاء وكيف يشاء، فأقول: إن عدم فهم من الرجل يعد معوقاً بالنسبة لهذه المرأة، وعلى المرأة الداعية أن تراعي هذا القصور في رب الأسرة، فتحاول أن تعالجه أولاً، ويعد ذلك أمراً دعوياً منها له، فإذا عولج ونجح العلاج فإنها بعد ذلك ستستفيد من رب الأسرة في المجالات الدعوية الأخرى.

    1.   

    نماذج دعوية للمرأة الداعية

    النقطة قبل الأخيرة: نماذج دعوية.

    نريد أن نقف وقفات موجزة مع بعض النماذج النسوية الدعوية، التي تبين لنا مدى حرص هؤلاء النسوة اللاتي سأذكر بعضاً من قصصهن في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

    قصة امرأة كبيرة في السن وأثرها في الدعوة إلى الله

    أستفتح ذلك بذكر قصة امرأة كبيرة في السن عمرها يتجاوز السبعين عاماً، هذه المرأة تحب أشرطة كثير من العلماء، ولا يمكن أن تجد شريطاً لهذا العالم أو ذاك إلا وقد حصلت عليه واشترته، فعندها من الأشرطة مئات لهؤلاء وتسمعها باستمرار، وتنقل هذا السماع الذي يرسخ في قلبها وعقلها ووجدانها إلى واقع الحياة.

    وهذه المرأة الكبيرة في السن تعتبر داعية وأنموذجاً للدعاة بشكل غريب، وسأذكر لكم نموذجين اثنين من مجالاتها ومناهجها الدعوية، وهذه المرأة وهي موجودة مد الله في عمرها:

    أولاً: يذكر الذي يعرفها ويعايشها، ويقول: كنت رجلاً منحرفاً، وكنت أسافر من الرياض إلى منطقة تبعد عن الرياض في حدود مائتي كيلو متر، وكانت هذه العجوز تسافر معي بعض الأحيان باعتبار أنها قريبتي وأنا محرم لها، فكنت أسافر إلى هذه المنطقة وأمكث فيها يوماً أو يومين ثم أعود أنا وهي، فكنت أستمع إلى الغناء ومعي مجموعة من الأشرطة، وهي معها حقيبة صغيرة فيها أشرطة لفلان من العلماء ولفلان من الدعاة، ففي يوم من الأيام سافرت أنا وهي، فعندما بدأ السفر فتحت شريط الأغنية لأحد المغنيين فسكتت، ثم بعد أن مضى حوالي ربع ساعة من الطريق قالت لي: يا فلان الآن أنت تحب هذه الأغاني؟ قال: قلت: نعم، قالت: وتحب هذا المغني؟ قال: قلت: نعم، قالت: لكن أنا حقيقة ما أحبه، ولا أريد أن أسمعه، وأتضايق منه، وأنت الآن تفرض علي شيئاً لا أريده، قال: قلت: لكن أنا ما أستطيع أن أترك السيارة بدون صوت، قالت: حسناً أنا عندي رأي: ما رأيك لو نحقق الأهداف كلها، أنت تصير مستريح وأنا أصير مستريحة، قال: قلت: كيف؟ قالت: الطريق يستغرق ساعتين لك ساعة ولي ساعة، هل ترضى بذلك؟ قال: قلت: ليس هناك مانع، قالت: إذاً: الآن أنت قد بدأت وقد مضى من وقتك ربع ساعة وباقي لك ساعة إلا ربع افتح المسجل كيف تشاء، يقول: وأشغل المسجل وأسمع طبيعي جداً، وعندما مضت ساعة بالضبط قالت: الآن جاء دوري، يقول: وأعطتني شريطاً للشيخ أحمد القطان بعنوان: (قصص وعبر) فأخذت الشريط وفتحته، وبدأت أسمع قصة وقصتين وثلاثاً وإذا هي قصص ممتازة، وبعد أن مضت الساعة قالت: انتهى دوري أغلق المسجل، قال: قلت: لا، اتركيني أسمع، قالت لي: أغلق الشريط، وكنت أستمع في وسط قصة قوية جداً، قلت: لا، اتركيني أسمعها، قالت: لا، هات الشريط انتهى وقتي أنا، وشغل أنت شريطك، قال: قلت: يا بنت الحلال أريد أن أسمع هذه القصة، قالت: أبداً.

    انظروا كيف الشد والجذب هنا، يقول: وفي النهاية قالت: استمر في سماع القصة، يقول: وفي هذه اللحظة فعلاً انغرس في قلبي حب هذه الأشرطة، وعند العودة نفس العملية أعطتني جزءاً من الوقت ولها الجزء الباقي، لكن بعد هذه السفرية بدأت فعلاً أعرف أنني على خطأ.

    إذاً: هذا جانب دعوي عجيب من هذه المرأة.

    ثانياً: هناك مثال آخر لهذه المرأة كذلك: يقول هذا الأخ بعد أن هداه الله سبحانه وتعالى جاءني مجموعة من المجاهدين فجلست أنا وهم فعرضوا علي أنهم محتاجون إلى مبلغ من المال قريب من ثلاثين ألفاً، يحتاجون هذا المبلغ لبناء كذا وكذا، وشراء كذا وكذا من الكتيبات السلفية لنشرها، وأنا ما عندي هذا المبلغ ولا أملك من هذا المبلغ إلا شيئاً يسيراً، فقلت: أذهب إلى تلك المرأة قد يكون عندها شيء، واتصلت عليها وقلت لها: يا عمة القصة كذا وكذا أيش رأيك والآن هؤلاء عندي وسيسافرون غداً؟ فقالت: اتصل بي بعد ساعة، قال: فقلت: بعد ساعة قد تجمع خمسة آلاف أو عشرة آلاف، يقول: وهذه المرأة ما تعرف الكتابة ولا القراءة، فنادت بنتها الصغيرة، وقالت: تعالي يا بنتي وائتي بدفتر التلفونات واكتبي: بسم الله الرحمن الرحيم. كيف حالك يا أم فلانة عساك طيبة والله القصة كذا وكذا وهؤلاء محتاجون فما رأيك هل عندك شيء تتبرعين به؟ قالت: إي والله عندي ثلاثمائة ريال، وكتبت إلى ثانية وثالثة ورابعة... إلخ ثم قالت لبنتها: سجلي على أم فلانة ثلاثمائة ريال، وعلى أم فلانة خمسمائة ريال، وعلى أم فلانة مائتين، وعلى أم فلانة سبعمائة، حتى اكتمل المبلغ ثلاثين ألفاً، وما نقص منه سددت الباقي من عندها، ثم قالت لولدها: عندك الآن في البنك نقود وأريدك أن تسلفني لمدة أسبوع ثلاثين ألفاً، قال: غير معقول يا أمه أنا محتاج، قالت: هل أنت تحتاجها قبل أسبوع؟ قال: لا، قالت: إذاً أعطنيها وبعد أسبوع ترجع لك، قال: خير إن شاء الله، وكتب لها شيكاً بثلاثين ألفاً، وعندما اتصل عليها قريبها بعد ساعة قالت له: تعال، فلما جاء أعطته شيكاً بثلاثين ألفاً.

    إذاً: هذا منهج دعوي عجيب من هذه المرأة، هذه المرأة دفعت ثلاثين ألفاً؛ ليشترى بها كتيبات وأشرطة سلفية في التوحيد وفي العقيدة، ونشرت في عدة بلاد واستفاد منها آلاف مؤلفة.

    أثر زوجة الإمام محمد بن سعود في الدعوة السلفية

    النموذج الثاني للمرأة الداعية: إنها زوجة محمد بن سعود موضى بنت أبي وهطان ، هذه المرأة كانت تعيش في الدرعية، وإذا بالإمام محمد بن عبد الوهاب يقدم على الدرعية خائفاً يترقب من هول ما هدد به من قتل واعتداء من أهل حريملاء أو غيرها، واتجه إلى الدرعية يريد أن يقابل محمد بن سعود ليعرض عليه أمر الدعوة، فجاء إلى بيته ولم يجده، ووجد امرأة محمد بن سعود موضى بنت أبي وهطان فعرض عليها الأمر، ثم ذهب فجاء زوجها فعرضت عليه الأمر وحثته ودعمته وشجعته وأصرت عليه إلى أن اطمأن قلبه وفؤاده وضميره لهذه الدعوة، فالتحم مع الإمام محمد بن عبد الوهاب وأقاما الدعوة السلفية في ذلك الحين.

    إذاً: هذا فعل امرأة وتأثير امرأة، وهذه الدعوة التي برزت والتي نقطف ثمارها إلى الآن كان من جهودها.

    قصة المرأة التي عرضت ذوائبها وضفائرها للجهاد بها في سبيل الله

    النموذج الثالث: يقول منصور بن عمار : كنت في يوم من الأيام أحض الناس على جهاد الروم، وإذا بامرأة ترسل لي ظرفاً، فتوقعت أن فيه مالاً، ففتحته وإذا في الظرف ذوائب امرأة، وورقة مكتوب فيها: لقد سمعتك تحض على الجهاد وتدعو الناس إليه، وأنا والله لا أملك من الدنيا إلا ثوبي الذي علي وهذه الضفائر التي قطعتها، فأرجو منك أن تعطيها أحد فرسان المسلمين ليجعلها لجاماً لفرسه، فلعل الله سبحانه وتعالى أن يعتقني بها من النار، يقول منصور بن عمار : فأخذتها وقرأتها وبدأت أبكي من شدة التأثر، ثم عرضت جدايلها وذوائبها على المجاهدين، فضج المسجد بالبكاء وبدءوا يبكون متأثرين، فنفر الناس إلى جهاد الروم بشكل غريب جداً لم يعهد.

    أقول: إن السبب في ذلك أن هذه المرأة استخدمت منهجاً دعوياً عجيباً في الحض على الجهاد في سبيل الله بين هؤلاء الناس.

    إذاً: هذه امرأة داعية استغلت أسلوباً للدعوة إلى الله، وأثمر هذا الأسلوب في تجييش جيش قوي اتجه إلى بلاد الروم محارباً ومقاتلاً.

    قصة المرأة الدينارية التي اهتمت بالرسول واحتسبت زوجها وأخاها وأباها

    النموذج الرابع: (أن امرأة من بني دينار جاءت راكبة على حمار لها، فجاءها الناس يعزونها، قالوا لها: احتسبي أخاك، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما فعل رسول الله؟ قالوا: احتسبي زوجك، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما فعل رسول الله؟ قالوا لها: احتسبي والدك، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما فعل رسول الله؟ قالوا: هو حي يرزق لم يصب بأذى، قالت: أروني إياه، فذهبوا بها فأروها إياه، قالوا: هذا هو رسول الله، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل) .

    إذاً: هذه المرأة التي فقدت أعز الناس بالنسبة لها، فقدت زوجاً، وأخاً، وأباً، ومع ذلك وجدت أن في بقاء الداعية رسول الله صلى الله عليه وسلم على قيد الحياة مجالاً خصباً لاستثمار الدعوة.

    هذه الحادثة تعطي القارئ دفعة قوية دعوية، فأنت عندما تقرؤها وأقرؤها أنا وتقرؤها المرأة الفلانية نحس أن عند هذه المرأة جانباً قوياً من التحمل والصبر تجعلنا فعلاً نتأسى بها، فعملها هذا يعد جانباً تربوياً دعوياً بالنسبة لنا، يثري فينا أشياء كثيرة من الاهتمام بالدعوة.

    قصة توبة معلمة على يد طفلة صغيرة

    المثال الأخير هنا: هو أن معلمة كانت تدرس مجموعة من الطالبات، وكان الحديث ينصب على قضية اللباس، وكانت هناك بنت صغيرة جداً تلبس ثياباً محتشمة جداً، وهذه المعلمة التي كانت سيئة في سلوكها وفي تصرفها، فقالت لهذه البنت الصغيرة: إذا لم تغيري هذه الملابس فلا أريدك معي في هذا الفصل وانتقلي إلى أي مدرسة أخرى، فذهبت هذه البنت وهي تبكي إلى والدتها، وقالت لها: إن الوضع كذا وكذا فما رأيك؟ فقالت لها أمها: إن المعلمة تأمرك بأن تلبسي كذا وكذا والله سبحانه وتعالى يأمرك أن تلبسي كذا وكذا، فأيهما تطيعين؟ قالت البنت الصغيرة: أطيع الله. قالت الأم: إذاً أخبري المعلمة بذلك، وعندما جاء الغد رأت المعلمة البنت الصغيرة وعليها ملابسها المحتشمة، فقالت لها: ألم أنهك عن ذلك؟ قالت: بلى ولكنني رأيتك قد أمرتني بأمر وهو أمرني بأمر، فأطعته وعصيتك، قالت: من هو؟ قالت: الله، فهذه المعلمة أصيبت بصدمة قوية، ثم خرجت من الفصل واتصلت بأم هذه البنت الصغيرة وقالت لها: إذا استطعت أن تأتي فائتيني غداً، فجاءت إليها، وقالت المعلمة للأم: والله لقد وعظتني ابنتك موعظة لم أسمع أبلغ منها في حياتي أبداً، فاهتدت هذه المعلمة بسبب هذه الكلمة اليسيرة.

    إذاً: مجالات الدعوة ولله الحمد مفتوحة وواسعة أمامك أيتها المرأة، ولكن العمل العمل والبذل البذل، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا من الدعاة إلى سبيله والسالكين لدربه ولمنهاجه، وأن يجعلنا ممن يسيرون على هدي الداعية الأول المصطفى صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الدعوة إلى الله بالنسبة للمرأة

    السؤال: هل المرأة كالرجل في وجوب الدعوة إلى الله تعالى، أرجو إيضاح هذا؟

    الجواب: لابد أن يعلم الإنسان أن كل مخلوق قد يُسر له أمر، ويُسر له منهج، والإنسان مطالب بهذا المنهج، فالرجل له مجالاته الدعوية التي لا يمكن للمرأة أن تقوم بها، فالجهاد في سبيل الله مجال دعوي قوي، لكن المرأة لا تطالب بالجهاد، كذلك للرجل أن يخطب على المنابر أمام الناس، والمرأة لا تستطيع أن تفعل ذلك، لكنها تستطيع أن تكمل هذا العمل بما تستطيعه أمام النساء، فالمرأة مطالبة بالبلاغ، والمرأة في هذا الجانب مساوية للرجل تماماً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) فكل أمر فيه حث على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى يخص الرجل والمرأة، وإذا قصر الرجل والمرأة فإنهما يأثمان على ذلك، وهما في هذا الأمر سواسية لا فرق بينهما.

    شمول الدعوة إلى الله للحث على فعل الأوامر واجتناب المنهيات

    السؤال: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : الدعوة إلى الله تعالى تشمل كل ما أمر الله به من الواجبات والمستحبات، وكل ما نهى عنه من المحرمات والمكروهات، أرجو إيضاح ذلك؟

    الجواب: يعني: أن الإنسان يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، فهو حين يرى منكراً معيناً، ينهى عن هذا المنكر، وحين يرى إنساناً قد وقع في أمر مكروه ولو استمر فيه فليس عليه شيء، لكنه يريد أن يرفعه إلى الأحسن والأولى والأفضل، فبالتالي ينبه ذلك الإنسان على ذلك.

    كذلك في مسائل المستحبات حين ترى إنساناً لا يؤدي السنة الراتبة بعد الصلاة، تقول له: يا أخي تعلم ما للسنة الراتبة من فضل؟! ومن قام بها وأداها ماذا سيترتب على ذلك من أجر وغير ذلك؟!

    وهذا مستحب وليس بفرض على الإنسان، فأنت تحث هذا الإنسان وتدعوه للمحافظة على السنة الراتبة.

    كذلك تدعو فلاناً من الناس أن يلتزم بأداء صلاة الجماعة في المسجد وإذا كان لا يصلي في المسجد.

    إذاً: وبالتالي فقضية الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى سواء كانت سلباً أو إيجاباً، أو سواء كانت مرتبطة بجوانب المحرمات والمكروهات أو جوانب المستحبات والمفروضات فالإنسان مرتبط بالدعوة في كلا الحالتين، فيأمر من وقع في منكر محرم أن يرجع عنه ويبتعد عنه، ويأمر من وقع في مكروه بأن من الأولى أن تترك ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بين لنا أن هذا أمر مكروه، وهذا أمر فيه وضوح.

    حصول الأجر والفضل للمرأة الداعية بهداية الناس مثل الرجل

    السؤال: هل الفضل المذكور في الحديث: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) يتناول المرأة؟

    الجواب: نعم، يتناول المرأة مثل ما ذكر العلماء أن المرأة والرجل سواء في كل شيء إلا في مسائل خصها الشرع، وهي يسيرة، أما بقية المسائل فالرجال والنساء سواسية في ذلك، فقوله صلى الله عليه وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حمر النعم) كذلك هو للمرأة؛ لأن يهدي الله بك رجلاً أو امرأة خير لك من حمر النعم.

    كذلك الرجل ممكن تقول: لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حمر النعم، باعتبار أنك هديت رجلاً وأدخلته في الإسلام، أو جعلته ينتقل من سبيل الغواية إلى طريق الصلاح، وتكون بذلك قد نلت أجراً ليس باليسير، وهذا الأجر قد لا تشعر به في حال حياتك، لكنك ستراه يوم القيامة عندما تنال أجر اهتداء الرجل وصلاته وصيامه وحجه وزكاته، وتنال أجر أولاده الذين صلحوا على يدي هذا الوالد الصالح، وأحفاده وأحفاد أحفاده إلى أن تقوم الساعة، وكل هذا يعود لك ولا ينقص من أجورهم شيء، ولذلك يقول العلماء: إن الصحابة هم أفضل الناس ولا يمكن أن يجاريهم أحد، بل حتى لو أنفق أحد الصحابة الذين تأخر إسلامهم مثل أحد ذهباً لم يبلغ مد أحد الصحابة الذين تقدم إسلامهم ولا نصيفه، كما ثبت ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك عندما تكلم خالد بن الوليد في شأن عبد الرحمن بن عوف .

    يعنى: أن الصحابة اهتدى على أيديهم أناس، وهؤلاء الأناس ستكون أجورهم لهم، وفي نفس الوقت سترجع أجورهم إلى هؤلاء الصحابة، وأبناؤهم وأبناء أبنائهم سترجع أجورهم إلى هؤلاء الصحابة، ونحن وأبناؤنا وآباؤنا مدينون بالفضل الذي نحن ننعم به فضل الإسلام، لهؤلاء الصحابة الذين نقلوه لنا صافياً كاملاً لم يتطرق له شك ولا شائبة ولا غير ذلك.

    واجب المرأة الداعية تجاه الخادمة في البيت

    السؤال: كيف تكون المرأة داعية مع الخدم في منزلها؟

    الجواب: الخدم ينقسمون إلى أقسام، فهناك خادمة ملتزمة، وقد تكون الخادمة أحياناً أكثر التزاماً من ذات المرأة التي تسكن معها، وقد تكون الخادمة غير ملتزمة، وقد تكون الخادمة غير مسلمة، وهنا لابد من وضع كل قضية في موضعها، فإن كانت المرأة الخادمة غير مسلمة فينبغي أن تنتبه المرأة إلى هذا الجانب من أساسه، وألا تستقدم كافرة وخاصة إلى هذه البلاد، وتحرص على أن تستقدم المسلمة، فإن حصل واستقدمت هذه الكافرة فلتنتبه المرأة إلى أن هذه الكافرة قد تؤثر في أولادها وفي زوجها، وقد تنشر شراً داخل البيت وهي لا تعلم إلى غير ذلك من الأمور المعروفة، فإن قررت المرأة وكانت حريصة على دعوتها إلى الإسلام، فتحاول قدر جهدها أن تستفيد من الإمكانات المتاحة، قد تكون المرأة المسلمة مجيدة للغة الإنجليزية والخادمة تجيد اللغة الإنجليزية فرضاً فيتم التفاهم بينهما نتيجة لذلك، وإذا كانت المسلمة لا تعرف الإقناعات فتحاول أن تستفيد مما كتب ومما سجل، وقد تستعين بمكاتب دعوة الجاليات في إمدادها بالأشرطة والكتيبات لتعطيها لهذه المرأة الخادمة تباعاً، مع العلم أن المرأة المسلمة لابد أن تعي أن هذه الخادمة غير المسلمة عندما جاءت إلى بيتها صارت مسئولة عنها، فإذا رجعت إلى أهلها ولم تعرضي عليها الإسلام فإنها ستتعلق في رقبتك يوم القيامة، وستطالبك أمام الله سبحانه وتعالى بأنها جاءت إليك وأنت مسلمة ولم تعرضي عليها الإسلام لا من قريب ولا من بعيد.

    أما إن كانت المرأة الخادمة غير ملتزمة وهي مسلمة فيؤتى إليها بالكتيبات والأشرطة التي تحث على الالتزام بدين الله سبحانه وتعالى، وتجالسها وأن تتخلق معها بالأخلاق الحسنة، وتعاملها المعاملة السليمة التي يعامل بها الخدم في الإسلام، وقد ثبت عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه خدم الرسول صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يتذمر منه أي تذمر، ولم يقل له في يوم من الأيام: لم فعلت كذا؟ ولم لم تفعل كذا؟ وهذا يدل على الخلق العظيم عند المصطفى صلى الله عليه وسلم مع الجميع حتى مع خدمه، فهنا هذه المرأة لكي تؤثر في خادمتها لابد أن تضع قضية القدوة الحسنة نصب عينيها، نعم.