إسلام ويب

المنهج الوقائي في الإسلامللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوقاية خير من العلاج .. حكمة عظيمة ذات مدلول كبير، وهي لا تعني الوقاية في باب الصحة الجسمانية فحسب، بل تشمل الوقاية في جميع الأمور الدينية والدنيوية، إلا أن الوقاية في الأمور الدينية أهم بكثير؛ إذ يترتب عليها فوز العبد في الدار الآخرة أو هلاكه. فيجب على المسلم أن يقي دينه مما يخدشه أو يضر به، وعليه أن يقي نفسه من غضب الله وأليم عقابه.

    1.   

    معنى الوقاية

    الحمد لله الواحد الديان، الرحيم الرحمن، الكريم المنان، ذي الفضل والإحسان، والجود والإكرام، جعل السلامة في الإسلام، وربط السعادة بالإيمان، وأودع الهداية في القرآن، أحمده سبحانه وتعالى حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ويكافئ فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، هو جل وعلا أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه؛ هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وبعثه رحمة للعالمين، وأرسله إلى الناس أجمعين.

    وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! الإيمان هو النعمة الكبرى، والإسلام هو المنة العظمى، والقرآن هو الهداية التي ليس بعدها هداية.

    وهنا قفه يطول الحديث فيها، وهي عن الوقاية في الإسلام، ذلك المنهج الذي نستجلي به كم يدفع الله عز وجل عنا من الشرور! وكم يقينا من الآثام وكم يسلمنا من الرزايا والبلايا إذا استمسكنا بإيماننا والتزمنا إسلامنا واتبعنا قرآننا واقتفينا آثار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    الوقاية خير من العلاج، ودرهم وقاية خير من قنطار علاج، هذه مقالات نعرفها ونحفظها، بل نعقتدها ونستيقنها، بل ونأخذ بها، ونعمل بها، ونطبقها في مجال الصحة والطب، وكل يوم يمر علينا نرى حملات للوقاية من شلل الأطفال، وأخرى للوقاية من الحصبة، وثالثة ورابعة، فهل الوقاية مختصة بالأجساد والأبدان؟ وهل مشكلتنا في علل الأجساد وأمراض الأبدان؟

    إن المسألة التي يعالجها الإسلام أعظم وأشمل وأكمل من هذه الجوانب التي لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من هذا الدين العظيم، إن هذه الشعارات التي تعمل لها الحملات للتوعية هدفها أن يقتنع الناس ويوقنوا بأن العمل قبل وقوع الضرر أفضل لهم وأيسر، وأنه أقوى أثراً، وأوفر في التكاليف التي قد يتصورونها أو يرونها، فما هو معنى الوقاية؟

    إن الوقاية تشتمل على معنى الصيانة والحماية، إنها حفظ ورعاية، وستر وحماية، مأخوذة من: وقاه من الشيء إذا صانه، ووقيت الشيء إذا حفظته وسلمته من الأذى، كما قال الله جل وعلا: فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [الإنسان:11].

    1.   

    أهمية الوقاية في كل شيء

    ولابد أن نفهم أن الوقاية ينبغي أن تكون شاملة للأبدان والقلوب والعقول، لأنه ما الفائدة إذا صحت الأبدان وضلت العقول؟ وما الفائدة إذا سلمت الأجساد وزاغت القلوب؟ نسأل الله عز وجل السلامة.

    إن العالم اليوم يبذل مئات الآلاف من الملايين في شأن الصحة، ومنظمات للصحة العالمية، وأبحاث وتجارب وكثير وكثير، لكنه لا يعدو أن يكون في دائرة ضيقة، ولا يعدو أن يعالج أسباباً محدودة، وإذا بنا نرى أن الأمراض تتكاثر وتعظم، وأن الضحايا تتوالى وتتابع؛ لأن العلاج إنما تناول جزءاً واحداً، وكأنما أنت في مكان تخشى عدواً فأحكمت إغلاق باب من الأبواب إغلاقاً جيداً، ولكن الأبواب الأخرى أو بعض النوافذ مفتوحة، فإنه ولاشك سوف يدخل عليك العدو أو يأتيك البلاء الذي تحذره من جانب آخر، فما الفائدة إذا عملوا على تحصين الأجساد وتلقيحها والبحث عن أدوية الأمراض ولم يعالجوا أسبابها من الانفراط الأخلاقي والانحلالي السلوكي الذي يؤدي إلى مثل تلك الأمراض؟

    لننتبه إلى أن الوقاية التي نريد أن نتحدث عنها في لقاءات متتابعة تشمل الإنسان كله، وتشمل الفرد وحده كما تشمل المجتمع برمته، إنها وقاية تغير وجه الحياة لتجعلها مبنية على الأمن والسلامة باطناً وظاهراً، وتعالج الأمراض من أسبابها، وتوقف الخطر من منابعه، وهذه هي المهمة الأعظم الأشمل الأكمل التي لا يمكن بحال من الأحوال أن تتوفر إلا في وحي الله عز وجل الذي أكرمنا وأنعم علينا به.

    1.   

    مباني الوقاية وذكر نماذج

    يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: المرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان، وكلاهما مذكور في القرآن. ومرض القلوب ينقسم إلى قسمين: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي، وكلاهما مذكور في القرآن. وهذا هو الذي ينبغي أن ننتبه له.

    الوقاية تقوم على التقوية والحماية

    ولنعلم أن الوقاية تقوم على أمرين اثنين مهمين: أولهما التقوية، وهي التي تماثل في الطب التغذية، ونحن قبل أن نحقق أول أسباب الوقاية لابد أن يكون هناك قوة في البدن، ثم بعد ذلك نأتي إلى الجانب الآخر وهو الحماية، وهي عند أهل الطب الحمية.

    فإنه لابد أولاً من أسباب قوة توفر لهذه الذات قوة في الجوانب المختلفة، ثم نحافظ على هذه القوة التي أنشأناها بذلك الغذاء بأن نحميها من العوارض والأسباب التي تنقص تلك القوة أو التي تضعفها.

    ومنهج الإسلام يقوي الإنسان بإيمانه وإسلامه ويقينه بالله عز وجل، وفيه زكاة نفسه، وطهارة قلبه، ورشد عقله، وحسن قوله، وصلاح عمله، فإذا كان هذا النموذج الإيماني القرآني النبوي قد حرصنا على حفظه، فبعد ذلك إذا بقيت له هذه القوة في إيمانه وخلقه وقوله وعمله، فنقول له: احذر كذا وكذا، وانتبه من كذا وكذا، ولا تفعل كذا لأنه يؤدي إلى كذا، فتجيء الشرائع كأنما هي سياج أمني حافظ لتلك القوة أن يصيبها ضرر، وكأنما هي خطوط أولية للدفاع عن التي تليها؛ حتى يبقى المؤمن في حصن من إيمانه، وفي سياج من إسلامه، وفي قوة من يقينه بإذن الله سبحانه وتعالى.

    نموذج قرآني للوقاية الإيمانية

    ولننتبه إلى صور عامة، وننظر إليها في بعض آيات القرآن وبعض أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لنرى ما الذي، أو لنعرف ما المعنى الذي نريد أن نبينه في شأن الوقاية الإيمانية في منهج الإسلام.

    ولننظر إلى أمثلة من الوقاية العقدية والأخلاقية والاجتماعية في عجالة سريعة حتى ندرك ما المفهوم الذي نتحدث عنه:

    في الوقاية العقدية تقوية وإقامة للحجة وإظهار للبرهان على وحدانية الله سبحانه وتعالى، وعلى ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وعلى قضايا الإيمان كلها: من الإيمان بالرسل والأنبياء والكتب والصحف وما يكون في اليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.

    وكل ذلك مبسوط في آيات القرآن، كقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19]، وقوله: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22]، وقوله: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ [المؤمنون:91]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25].

    وآيات كثيرة في إثبات البعث الذي ينكره المنكرون، ويعترضون عليه لضعف عقولهم، فيأتينا القرآن بأمثلة وقصص وإثباتات كثيرة، كقوله سبحانه: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79]، وأمثلة يضربها الله عز وجل في الحياة التي تبعث في البذرة الصماء حتى تكون نباتاً يزهر ويثمر.. إلى غير ذلك.

    ثم يأتينا جانب الحماية والتحذير والوقاية بعد هذا البناء الذي قام على أسس راسخة من الأدلة الظاهرة والحجج القاطعة؛ كقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [الحج:30]، ويأتينا التحذير أيضاً في آيات أخرى كقوله: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء:22]، وتأتينا الآيات القرآنية المحذرة من الشرك ومن كل أسبابه، والمبطلة لصوره عند أربابه، فكان هذا منهجاً متكاملاً ألمحنا إلى بعض صوره من خلال هذه الآيات.

    نماذج قرآنية للوقاية الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية

    وتأتينا الوقاية النفسية من أمراض كثيرة وعلل عديدة من أهمها: شح النفس وأمراض القلب؛ قال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].

    وهناك وقاية أخلاقية تسلم الإنسان من الفواحش والفتن، قال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام:151]، وقال جل في علاه: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32]، والتعبير القرآني بقوله: (وَلا تَقْرَبُوا) يعني: لا تفعلوه ولا تقربوا منه، أي: لا تفعلوا ما يؤدي إليه أو يقرب منه، فالنهي أعظم وأشمل، والوقاية أتم وأكمل، ونرى في ذلك كثيراً وكثيراً من الآيات التي تبين لنا هذا الوجه وتحثنا عليه.

    وتأتينا الوقاية الاجتماعية التي تسلم المجتمع من الأمراض التي تفتك به وتقطع أواصره وتجعل الشحناء في القلوب والبغضاء في النفوس؛ فيأتينا قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات:12]، وهذه الآيات هي في التحذير والوقاية، وفي التنبيه على الأمر اليسير الذي قد يكون ظناً يجول بالخاطر ويحوك في النفس، وإذا به ينتقل من طور إلى طور حتى يدفع إلى التجسس والتحسس، ثم يدفع إلى القول والغمز واللمز والغيبة والنميمة، ثم يدفع إلى التباغض والتدابر، ويؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، والله سبحانه وتعالى ينهانا عن هذا فيقول: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [الحج:30]، أي: لما يؤدي إليه أيضاً من المشاكل الاجتماعية الخطيرة.

    وقال سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران:105]، وقال: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، فأمر بالاعتصام بالكتاب والسنة حماية من الفرقة حتى يبقى المجتمع متماسكاً مترابطاً.

    والوقاية الاقتصادية في أن يكون الإنسان المسلم متبعاً لشرع الله في بيعه وشرائه وكسبه وإنفاقه، كما أخبر الحق سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:278]، وقليل الأمر في مثل هذا وكثيره سواء، والله سبحانه وتعالى يسوق لنا الآيات في كثير من جوانب الحياة ليعلمنا ما الذي يدعونا إليه إيماننا، وما الذي يرسمه لنا إسلامنا، ثم ليحذرنا ويقينا ويسلمنا من الزيغ والضلال والانحراف عن ذلك، ويكشف لنا ما يئول إليه الأمر، أو ما آل إليه الأمر بالفعل لمن ارتكب مثل ذلك من أهل الكفر والضلال؛ فإن العاقبة تكون وخيمة، والخاتمة تكون شر خاتمة، نسأل الله عز وجل السلامة.

    نماذج من السنة للوقاية الأخلاقية

    وإذا التفتنا إلى سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فإننا سنرى أحاديث كثيرة كلها يبدأ بقوله: إياكم!

    إنها لفظة التحذير التي ترفع الضوء الأحمر للتدليل على الخطر قبل وقوعه، والتنبيه عليه قبل الوصول إليه، وهذا رسولنا عليه الصلاة والسلام يقول: (إياكم والجلوس في الطرقات! قالوا: يا رسول الله! مجالسنا ما لنا منها بد، قال: فإن كنتم فاعلين فأعطوا الطريق حقه: غض البصر، ورد السلام، وكف الأذى).

    وهذا من حرصه عليه الصلاة والسلام على لفت الأنظار إلى ضرورة الوقاية، ولكن حالنا اليوم بخلاف ذلك؛ حيث لم يأخذ كثير من الناس بهذا التحذير، فصار في مجتمعاتنا ما نشكو منه من جلاس الطرق وأبناء الشوارع الذين يؤذون الرائح والغادي، ويتعرضون للنساء، وهذا جزء مما يقع إذا لم يأخذ الناس بالتحذير، وإذا لم يلتزموا الوقاية.

    وهذا رسولنا عليه الصلاة والسلام بين شأن الفتنة العظمى والبلية الكبرى التي بدأ الناس يتجاوزون فيها حدود الوقاية، ثم يشكون من الآثار والأضرار والأخطار، وذلك في شأن المرأة ودعوة الاختلاط والتخفف من الحجاب ونحو ذلك، ولنا في كل هذا أحاديث مفصلة: يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إياكم والدخول على النساء! قالوا: يا رسول الله أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت)، والحمو: أقارب الرجل.

    ولعل هذا الحديث بمجرد التأمل في لفظه من غير شرح ولا تفصيل يبين لنا أن القضية تحذيرية، وأنها إشارة قوية؛ لئلا يقع المحظور الذي يكون بعده عض أصابع الندم واللطم، أو محاولة العلاج بعد ألا يكون هناك فائدة.

    ويقول عليه الصلاة والسلام: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم)، ويقول: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا ومعها ذو محرم)، وغير ذلك من أحاديثه عليه الصلاة والسلام في الناحية الإيمانية والتربوية.

    وروى الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إياكم ومحقرات الذنوب! فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه)، وكم نرى نحن في حالنا ما نقول فيه أو عنه: هذه بسيطة، وهذه يسيرة، وهذه لا بأس بها، وهذه نسأل الله عنها العافية، وهذه وهذه وهذه؛ حتى تهلكنا تلك الذنوب التي نراها صغائر!

    وكان أنس رضي الله عنه يقول: (إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات).

    فلما حذروا ولما انتبهوا ولما تيقظوا، ولما كانوا على أهبة الاستعداد وعلى قدم المواجهة وعلى عقلية اليقظة والفطنة تنبهوا لذلك فسلموا، وعوفوا بإذن الله عز وجل، ولما غفل الغافلون وتساهل المتساهلون، وفرط المفرطون وردت إلينا أدواء القلوب وأمراض النفوس، وبدأت تشيع بين الناس بعض المنكرات وبعض الجرائم وبعض المشكلات التي يلتمسون لها حلاً، والحل فيما فرطوا فيه وفيما تركوه من أسباب الوقاية، فالأب مثلاً لا يسأل عن ابنه ولا يلتفت إلى ابنته ولا يربي أبناءه ثم يشكو أن ابنه قد صار صريع المخدرات! أو أن ابنته صارت من اللاهيات العابثات! وهذا أمر نعرفه في حياتنا الاجتماعية.

    وهكذا في الجوانب المهمة الأخرى تأتينا التحذيرات النبوية؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو في الدين)، وقوله: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون)، وقال: (إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى)، وقال: (إن هذا الدين يسر ولن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه؛ فأوغلوا فيه برفق).

    هكذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وحذر حتى فيمن يريد أن يزيد أو أن يتقدم، ولكنه يتقدم بما لم يثبت في كتاب الله، وبما لم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجعل من السنة واجباً، ومن الواجب فرضاً، ويغير الأمور حباً بزعمه للخير، ورغبة في القوة في الحق، وهو متنكب للطريق ينسى ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهكذا نرى في القرآن والسنة منهجاً واضحاً لهذه الوقاية، وتأكيداً عليها وتنبيهاً على أهميتها، وتذكيراً بخطر التهاون فيها.

    1.   

    الأسس التي تبنى عليها الوقاية

    ولنا وقفة هنا مهمة عند أسس الوقاية، وكيف تبنى هذه الوقاية؟ أو كيف بنيت في المنهج الإسلامي والقرآني؟ لأن من المهم أن نعرف ذلك لانعكاسه على فهمنا وعلى ما يترتب على ذلك من التصور والعمل:

    أولاً: أساس العلم؛ فعلى سبيل المثال: هذه الحملات الطبية لا تقوم على التحذير من شيء إلا بعد العلم بخطره وضرره، فهي تحذر من شرب الماء غير النقي، أو تحذر من التعرض لأجواء بعينها، أو تطعم الأطفال من أمراض بعينها عند الصغر، فمن أين جاء ذلك؟ جاء من علمهم بأن هذا الأمر سيؤدي إلى كيت وكيت.

    فالعلم أولاً هو أساس هذه الوقاية، ونحن وقايتنا ربانية بحمد الله، والله عز وجل هو العالم، كما يقول سبحانه وتعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    ولئن ظن أهل الطب أنهم يعلمون عن الإنسان في جسده وأجهزته الهضمية والأجهزة الأخرى فإنهم في الحقيقة حتى الآن لا يعلمون من ذلك إلا قليلاً، ومع ذلك فإنهم يجهلون الكثير والكثير من حالة الإنسان العقلية والنفسية، والله عز وجل الذي شرع لنا الشرائع وأكرمنا بالإيمان وأعزنا بالإسلام هو العالم بما يصلح لهذه النفوس، وما يداوي تلك القلوب، وما يرشد تلك العقول، وما يقوم السلوك، وما تقع به المودة ويحصل به الوئام بين الناس، وهذا كله من رحمة الله عز وجل بنا.

    وأيضاً من العلم الذي تؤسس عليه الوقاية: العلم بمآلات الأمور، فإن الأطباء يعلمون أن هذه الأمراض تؤدي إلى الوفاة، وأنها تؤدي إلى كيت وكيت، وأنها تستنزف من الأموال في العلاج كذا وكذا، وبالتالي فإن كل خطر يعرفونه يجعلون الوقاية بقدره، فإذا كان الخطر عظيماً وجسيماً ونتائجه في غاية الضرر فإن الوقاية أو التحذير منه تكون خطيرة، كما نرى التحذير اليوم مشدداً ومؤكداً من المخدرات؛ لأنها تلف للعقول، وإنهاك للأبدان، وضياع للأموال، واختلال للأمن، وانتهاك للأعراض؛ ولأنها بلية البلايا ورزية الرزايا، فيكون التحذير مناسباً لما يئول إليه الأمر، كما قال الله عز وجل: (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73].

    فكل شيء من شرع الله فيه الترك أو الهجر فإنما شرع حتى لا تكون العاقبة فتنة واختلالاً، ففي الاقتصاد طبقيات، وفي الاقتصاد تضخم، وفي الاقتصاد بطالة؛ وكل هذا نتيجة تنكب شرع الله عز وجل، وفي كثير من المجتمعات انحلال وشذوذ وخراب ونحو ذلك؛ وكل ذلك نتيجة لتنكب أمر الله سبحانه وتعالى، كما أخبر الحق جل وعلا: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124]، ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي : (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، فتأمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم! وانظر الواقع الذي يحيط بك من حولك ترى أن مخالفة الأمر الأول وقع بسببه الفتنة والفساد الكبير، نسأل الله عز وجل السلامة.

    والأساس الثاني للوقاية هو الرحمة:

    فإن الأطباء إنما يحذرون ويقومون بالتوعية ويفعلون أسباب الوقاية رحمة بهذا الإنسان أن يقع فريسة المرض، ويعجز حينئذ الطب عن علاجه، وإذا به يضمر كالزهرة الذابلة شيئاً فشيئاً، ثم يفترسه ذلك المرض العضال فيمصه مصاً حتى يموت، وهذه الرحمة في الذين يتقدمون بالحلول لعلاج مشكلات المجتمع أمر لازم؛ ولذلك عندما تنزع الرحمة نرى ما يفعله من يدعون التحضر والتقدم والحضارة والإنسانية وحقوق الإنسان عندما يجربون الأدوية والأمصال الحديثة في الإنسان، ولكن أي إنسان؟ إنه إنسان أفريقيا المسكين، أو الإنسان المسلم، أو يفعلون تجارب على الأسلحة في بعض هذه المواجهات التي يفعلونها هنا وهناك، فأولئك قوم تجردوا من الرحمة، وأولئك قوم عندهم من الغطرسة والغرور ما أعمى بصائرهم عن كل معاني الإنسانية التي يدعونها، والحديث في هذا يطول، والأمثلة كثيرة، والشواهد شهد بها لسان القوم، والحق ما شهدت به الأعداء.

    والله عز وجل هو أرحم بعباده من كل الناس، بل هو سبحانه وتعالى أرحم الراحمين، ولذلك نجد أن رحمة الله عز وجل كانت في إرسال الرسل، وفي إنزال الكتب، وفي الهداية التي ساقها إلى الناس؛ ليستنقذهم من الظلمات إلى النور، وليستنقذهم من الهلاك إلى الأمن والسلام.

    ورحمة الله عز وجل ساقها لنا في هذا القرآن العظيم، وأكرمنا بها في بعثة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، إنها رحمة ليس بعدها رحمة، وإنها نعمة ليس بعدها نعمة؛ حيث سهل الله عز وجل لنا ذلك؛ لأن الله عز وجل رحيم بعباده، ولا يرضى لعباده الكفر، والله سبحانه وتعالى لا يريد للخلق إلا الخير والرحمة، وإنما يتنكب الناس الصراط بقدر الله عز وجل ولحكمته البالغة.

    ونرى قوله جل وعلا: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156] ورحمتي وسعت كل شيء، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن رب العزة والجلال: (سبقت رحمتي غضبي)، ورأى المصطفى صلى الله عليه وسلم امرأة تضم ولدها الرضيع إلى صدرها فقال: (أرأيتم هذه ملقية بولدها في النار؟ قالوا: هي أرحم به من ذلك، قال: فالله أرحم بكم من هذه على ولدها).

    الأساس الثالث: التجرد والاستغناء:

    فإن الذي يريد أن يأخذ مبدأ الوقاية لابد أن يكون متجرداً؛ لأنه إن كان هو في ذاته صاحب مصلحة في أمر فإنه يغلب مصلحته ويترك الوقاية، فمثلاً: انظر إلى شأن التدخين، لقد أثبتت الأبحاث الطبية أنه السبب المباشر لـ(80%) من الذين يصابون بأمراض تصلب الشرايين وأمراض السرطان، نسأل الله عز وجل السلامة، فماذا يفعل أولئك الذين أثبتوا بأبحاثهم أن هذا البلاء موجود في هذا الدخان؟! وهل تراهم تآزروا حتى يمنعوه، أو تناصروا حتى يوقفوه؟!

    إنهم يكتبون كلمات: التدخين يضر بصحتك، ننصحك بالامتناع عنه، ويدفعون الأموال ليعوضوا بعض من تضرروا، وكأنهم يقولون: نحن لا نعرف إلا الدولار والدينار، ونحن لا يهمنا إلا ما يدخل إلى الجيوب من مئات الآلاف، وأما السلامة والوقاية والبيئة فتحت الأقدام.

    وانظر إلى ما يقال من تخفيض نسب التدخين في البلاد الغربية والأوروبية بنسب كبيرة ورفعه بنسب عظيمة في آسيا وأفريقيا، وهذا يدلنا على أن أصحاب المصالح لا يمكن أبداً أن يكونوا أصحاب منهج يقدمون للناس فيه الخير ويمنعونهم من الشر، ونحن أكرمنا الله عز وجل بشرعه الذي شرع لنا، فهو سبحانه الذي أنزل الإيمان، وهو الذي أنزل القرآن، وهو سبحانه وتعالى الغني عن الناس، الصمد الذي لا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة الطائعين، وقال عز وجل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص:1-2] أي: الذي تصمد إليه الناس في حوائجها، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15].

    فالله جل وعلا يريد بالناس الخير، وهو سبحانه وتعالى أعظم وأجل من أن يكون له صلة بنفع أو ضر من هؤلاء الخلق، بل هو النافع سبحانه وتعالى وهو الضار، ولذلك منهجنا وديننا من الله عز وجل لا من البشر فلا تتنازعه الأهواء، ولا تتجاذبه المصالح كما هو واقع في دنيا الناس اليوم، فنسأل الله عز وجل لنا ولكم الوقاية والسلامة والحماية، وأن يحفظ علينا إيماننا وإسلامنا وأخلاقنا.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    ثمار وفوائد الوقاية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

    أيها الإخوة الأحبة! هنا وقفة أيضاً حول هذا الموضوع في ثمار الوقاية وفوائدها؛ حتى ندرك أننا بصدد أمر عظيم وفائدة كبرى ونعمة عظمى ينبغي أن نحرص عليها، وأن نعض عليها بالنواجذ، وألا نفرط فيها، وألا يضحك علينا أعداؤنا بزخرف من القول وبهرج من الألاعيب والأباطيل التي يريدون أن يصرفونا بها عن ديننا، فإذا كنت في منزل محصن تسلم فيه من الأذى ومن البرد والحر، فإنك تكون مغفلاً إن جاءك من ينزلك منه ويقول: تعال إلى حيث الهواء الطلق والجو الجميل، ثم تخرج وإذا أنت في العراء ليس لك مسكن يؤويك ولا بيت يحميك، وهذا هو الذي يريده أعداؤنا؛ ولهذا فإن ثمار الوقاية عظيمة جداً وكبيرة، ولا يمكن أن يقدر قدرها أحد، ولا يمكن أن توزن ولو بذهب الدنيا كلها:

    الطمأنينة والسلامة

    الثمرة الأولى: الطمأنينة والسلامة، والأمن والأمان، وسكينة النفس وطمأنينة القلب وهدوء البال والخاطر؛ إنها تلك السلامة التي يأمن بها الناس على أموالهم وأعراضهم، والتي يحصل فيها بينهم من هدوء البال ما لا يشغلهم، كما نرى في العالم المحموم اليوم؛ فامرأة لا تأمن على عرضها، وتاجر لا يأمن على ماله، وأخ لا يأمن أخاه، وصديق لا يثق بصديقه، فانظر إلى العالم اليوم تجد أن شريعة الغاب التي يتحدثون عنها قد أصبحت اليوم تعد مثلاً يسيراً هيناً، وتعد شيئاً لا يذكر أمام الغابة الإنسانية البشرية الوحشية التي تفتك بالأسلحة المدمرة، والتي تقتل بالأمصال والأدوية، والتي تفعل الأفاعيل، والتي غاب فيها عن الناس كل أنواع السكينة والطمأنينة إلا من رحم الله وأكرمه بالإيمان، فانظر إلى عالم الغرب اليوم، وانظر إلى تلك الحيرة والاضطراب الذي سنذكر له أمثلة يسيرة في حديثنا هذا، ونعقبه بعد ذلك بالتفصيل الذي يأتي في كل باب من أبواب الوقاية.

    النظافة والطهارة

    الثمرة الثانية: النظافة والطهارة، فإن الإنسان بإنسانيته يعف عن الدنايا، ويترفع عن الرذائل، وله من فطرته أمور تدفعه إلى أن يستر العورات، وإلى أن يكون نزيهاً نظيفاً طاهراً، وانظر إلى من تركوا أسباب الوقاية، تجد أنهم قد نافسوا وسبقوا الحيوانات في العري وفي الشذوذ وفي كل أنواع القذارة التي لا يمكن بحال أن يتصورها عقل إلا عندما تمسخ الفطرة مسخاً.

    ونحن نعرف ونسمع من أخبار القوم ما يعف اللسان عن ذكر مثله، وخاصة في بيوت الله المطهرة.

    القوة والمحبة

    الثمرة الثالثة: القوة والتماسك والمحبة والوئام:

    فإن وجود الوقاية والتزامها إذا أفاض الطمأنينة في القلوب وإذا أوجد النظافة في السلوك، فإن ذلك يعني أن القلوب تملأ بالمحبة، وأن هذا المجتمع يكون عنده أسباب القوة والتماسك، فليس هناك إهدار للمال لعلاج الأمراض الناشئة عن الانحراف الخلقي، وليس هناك إهدار للمال للإنفاق على جيوش وأجهزة تحفظ الأمن الضائع، وإذا بأصحاب الأمن أنفسهم هم الذين يضيعون الأمن.

    وحسبك أن تعرف أخبار المدن الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية وفي الدول الأوروبية؛ لتعرف كيف يصرفون المبالغ الهائلة لحفظ الأمن، وكيف يكون أصحاب الشرطة والقائمون عليها بعد ذلك هم الذين يخلون بالأمن! ويكون المال هو الذي يسير الأمر؛ إن هذا المجتمع تتقطع أواصره بكل هذه الانحرافات التي خاض فيها الناس عندما تجاوزوا الحدود وعندما لم يلتزموا الوقاية.

    1.   

    الحذر من ترك الوقاية الدينية

    وأخيراً: أحبتي الكرام! إن القضية مهمة وإن إثارتها في مثل هذا الوقت أكثر أهمية، إننا اليوم أمام دعاوى العولمة وأمام دعاوى الانفتاح وأمام دعاوى وحدة الأديان والإخاء، وأمام دعاوى كثيرة تريد أن تخرجنا من حدود وقايتنا، حيث يقولون: لماذا تريدون أن تكونوا هكذا؟ ولماذا تمنعون المرأة من الاختلاط؟ ولماذا تمنعونها من أن تلبس ما تشاء؟ لماذا تحدون من حريتها؟

    وفي جوانب أخرى أيضاً يقولون: لماذا تمنعون الكتب التي تعبر عن حرية الفكر؟ ولماذا تحاكمون من يجترئ على ذات الله عز وجل، أو يسخر برسول الله صلى الله عليه وسلم؟! إن الفكر ينبغي أن يكون حراً، وينبغي ألا يكون هناك حدود.

    وتأتينا أيضاً دعاوى ودعاوى كثيرة، وكلها تريد أن تزعزع ثوابتنا، وأن تهدم أسوارنا التي تحمينا؛ حتى نكون مثلهم، وحتى نصبح كلأً مباحاً كما هو الحال عندهم، وحتى ينفرط عقد الأمن الذي ننعم به، فيصبح حالنا كحال تلك البلاد في كل دقيقة واحدة تسجل جريمة اغتصاب وجريمة قتل وجريمة سرقة، فأي حياة هذه! وأي أمن هذا! وأي حضارة تلك؟! وأي تقدم هذا الذي يوصف؟! وأين هي معاني الإنسانية في تلك الوحشية أو في ذلك الاعتداء على الأطفال الصغار، أو في ارتكاب هذه الجرائم مع المحارم؟! فالأب يهتك عرض ابنته من الخامسة حتى الرابعة والعشرين، وأخبار كثيرة وقصص لا نقولها نحن، وإنما يظهرونها هم في وسائل إعلامهم.

    إنها الحياة الشقية النتنة التي يراد أن يجر المسلمون إليها بأن يشككوا في مثل هذا، ونحن نريد أن نقف وقفات طويلة لننظر إلى منهج الوقاية في الإيمان وما أكرمنا الله به، وما منعنا وحذرنا منه حتى لا نؤتى من بدعة تتسلل إلينا، ولا من غلو يخرج بديننا عن وسطيته واعتداله، ولا من حرية فكر تؤدي إلى إقرار الكفر، فإنه كما يقولون: هناك شعرة طفيفة خفيفة بين حرية الفكر وحرية الكفر، فهم يريدون أن يغالطونا، وأن يعموا علينا الأمور، والحمد لله عز وجل فقد آتانا من حجج القرآن الساطعة، ومن هداية النبي صلى الله عليه وسلم الواضحة، ومن تاريخ أمتنا العريق، ومن وعينا، ومن يقظة علمائنا، ومن حركة دعاتنا؛ ما ينبغي أن نفرح به، وأن نستزيد منه، وأن نقبل عليه حتى يبقى لنا آثار تلك الوقاية التي ذكرناها، وحتى يبقى لنا طمأنينتنا وأمننا، وحتى يبقى لمجتمعاتنا نظافتها وطهارتها وقوتها وتماسكها.

    نسأل الله عز وجل أن يقينا جميعاً الشرور والفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يسلمنا بإسلامنا، وأن يؤمننا بإيماننا، وأن يهدينا بقرآننا، وأن يكرمنا باتباع نبينا صلى الله عليه وسلم.

    اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

    اللهم ارحمنا فإنا بك راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر.

    اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، وأن تجعلنا هداة مهديين.

    اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.

    اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك المخلصين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.

    اللهم إنا نسألك إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وعلماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وتوبة قبل الموت، ومغفرة بعد الموت، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل، وأن تجنبنا الفتنة والزلل.

    اللهم احفظ علينا إيماننا ويقيننا وأخلاقنا، وسلمنا من نزغات الهوى، ومضلات الفتن، ووساوس الشيطان، وقرناء السوء يا رب العالمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين.

    اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم إنهم قد طغوا وبغوا وتجبروا وتكبروا وأذلوا عبادك المؤمنين وحاربوا هذا الدين؛ اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم خالف كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم اكفناهم بما شئت يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

    اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى والمظلومين في كل مكان يا رب العالمين.

    اللهم فرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، وامسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، واجعلهم من أهل الرضا بالقضاء، والصبر على البلاء، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم اجعل لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا رب العالمين.

    ربنا اصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين.

    اللهم يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، من علينا بالعفو والعافية والسلامة والإسلام والأمن والإيمان، وأكرمنا بحفظ ذلك علينا يا أكرم الأكريمين.

    اللهم احفظ علينا نعمك وزدها بشكرك يا رب العالمين.

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، والحمد لله رب العالمين.