إسلام ويب

رسائل تنديد وصواعق تهديدللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أوجب الله عز وجل علينا طاعته ومحبته، ومن لوازم محبته: حب عباده المؤمنين وموالاتهم، ووجوب نصرتهم، وعدم التخاذل تجاه قضاياهم، وبغض أعدائه المجرمين، ومعاداتهم، فإن لم نفعل ذلك فسيستبدل الله قوماً غيرنا ثم لا يكونوا أمثالنا.

    1.   

    مصيبة تكالب المجرمين وتخاذل المؤمنين

    الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، لا يعز من عاداه، ولا يذل من والاه، أحمده سبحانه وتعالى وهو الذي بيده كل شيء، وتنفذ مشيئته في كل شيء، ولا يعجزه في الأرض ولا في السماء شيء، له الحمد سبحانه وتعالى كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده سبحانه وتعالى، وأشهد أن نبينا وسيدنا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوباً غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا من بعد ذلة، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! رسائل تنديد، وصواعق تهديد، عزمت أن أرسلها منذ الجمعة الماضية إلى كل من يصد عن دين الله، ويحارب دين الله، ويؤذي عباد الله، وينتهك حرمات الله، ويعتدي على محارم الله؛ فإنه لا شك معرض نفسه في دنياه قبل أخراه لأوخم النتائج، وأعظم المصائب، وشر ما ينتظر المرء في دنيا أو في أخرى؛ ذلك أن أوضاع أمتنا اليوم قد صار فيها كثير من أبناء جلدتنا، وممن لهم الأمر في أمتنا، يقومون تحت حجة محاربة الإرهاب بمحاربة الإسلام، وزاد الطين بلة تلك الجرائم المتزايدة، والفظائع المتعاظمة، والإرهاب المتواصل الذي تجددت أحداثه في أرض العراق على أيدي المحتلين الأمريكيين المجرمين، حتى أصبح المرء لا يدري عن أي شيء يتحدث!

    هل سمعتم غضبة عمرية أو صيحة مضرية؟!

    إنني لم أسمع من الدول الإسلامية والعربية حتى التنديد الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، والأمم المتحدة، والعصب المفترقة، لم يكن لها حتى مجرد وقفة لتقول: إن هذا لا يتفق مع ما تقول به من حقوق الإنسان أو الحيوان.

    وإن الإنسان ليعجب وهو يرى هذه الأحوال في ظل هذا الإجرام المتعاظم، والقصف المتواصل للناس في بيوتهم وفي أرضهم وديارهم، النساء تقتل، وأرواح الأطفال تزهق، والأمم المتحدة غضبى لما يجري على أرض السودان من تطهير عرقي كما تزعم.

    حول في البصر أو عمى في البصيرة أو هو كما قال القائل:

    ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود

    إن الأحوال التي تمر بأمتنا اليوم هي في أوضح صور شدتها وقسوتها وفظاعتها، وهي في الوقت نفسه تعري كل متستر بستار يستر به نفسه زوراً وبهتاناً، فلم يعد اليوم أحد يشك فيمن يحارب دين الله عز وجل، ولم تعد تنطلي على أحد -حتى الحمقى والأغبياء- حيل من تلك الأقاويل والأراجيف التي نسمعها صباح مساء، تروجها وسائل الإعلام، وتصم بها آذاننا أقوال الساسة والمسئولين في شرق الأرض وغربها، من أبناء ملتنا ومن غيرهم.

    ومن ذا الذي يستطيع أن يندد بهذا؟! وماذا نملك حتى نهدد تلك القوى العظمى، والأمم المجتمعة على الباطل، الراضية بشريعة الغاب: البقاء للأقوى؟! هل أملك أنا أو أنتم أن نندد بذلك؟ وماذا في أيدينا حتى نهدد؟ وبأي شيء نستطيع أن نواجه مرة أخرى وثانية وثالثة؟

    حتمية المواجهة لأعداء الله

    ينبغي أن نوقن أننا على أرض صلبة قوية، وأننا على يقين وإيمان راسخ ثابت، وأننا على وعد وأمل صادق لا يتخلف متى كنا مؤمنين بالله، مسلمين حقاً، ملتزمين أمر الله، متبعين لسنة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    سنندد ونهدد بآيات الله، وبأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن على يقين من أمرنا، وعلى بينة من نهجنا، وعلى ثقة من وعد ربنا، نرى حقائق الأمور ببصيرة الإيمان، ونبصر في ظلمات الشبهات أنوار القرآن، ينبغي أن نرجع إلى تلك المنهجية التي لا زلنا نكرر أهميتها.

    فنقول: إن هذا التهديد والوعيد وإن كنا نخص به أعداء الله أولاً، والمرجفين والظالمين والطغاة والبغاة من أبناء ملتنا ثانياً، فإننا لا نستثني منه أنفسنا، فقد جاءنا من آيات الله، ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يواجه تقصيرنا وتفريطنا، وغض أبصارنا عن الظلم، ورضا قلوبنا ونفوسنا بالانحراف ووقوع المنكرات، فكل ذاك المفرط والمختلف عن أمر الله، والذي لا يقوم بالواجب في حقه إزاء دين الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ * فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [محمد:32-35].

    (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى) وإن حشدوا القوات والطائرات والجيوش المتحالفة، والقوى المتعاظمة (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ) ستدور الدائرة عليهم يقيناً لا شك فيه، وسيحيق المكر السيئ بأهله صدقاً لا كذباً ولا مراء فيه، وسيحبط الله أعمالهم، ونحن نؤمن بما يقول الله جل وعلا، ولا نؤمن بما يقوله الكذبة من الساسة والمنافقين من غير المسلمين ومن المتمسلمين.

    ثم يلتفت النداء القرآني إليكم معاشر المؤمنين، كيف تواجهون ذلك؟

    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) لا قدرة لكم على المواجهة، ولا أمل لكم في القدرة على المغالبة إلا بالاستمداد من الله.. إلا باتباع هدي رسول الله.. إلا بالعمل على سنة الله.. إلا بالتحقق والتحقيق لوعد الله؛ وإلا فإن أعمالكم هباء، وإن جهودكم ليس فيها غناء، وإن أقوالكم حجج عليكم وليست لكم، كم سمعنا من الأقوال! كم سمعنا من البيانات! كم رأينا من المؤتمرات تأتلف أو لا تأتلف، تجتمع أو لا تجتمع! كلها لا قيمة لها؛ لأنها ليست على منهج الله.

    ثم يخبرنا الحق جل وعلا: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ).

    ومرة أخرى يقول الحق جل وعلا في آياته: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)، استمعوا إلى هذه النداءات القرآنية، والتوجيهات الربانية!

    (وسيحبط أعمالهم) قال السعدي : أي: مساعيهم التي بذلوها في نصر الباطل، بألا تثمر لهم إلا الخيبة والخسران. ألم يقولوا في كثير من مواجهاتهم: إنها أوقات قصيرة، وإنها معارك هزيلة؟ ما زال الحر من نارها، والشرر من رجالها يحرقهم، يقذف الرعب في قلوبهم، ويفرق صفوفهم، وسيحبط الله جل وعلا أعمالهم.

    (فَلا تَهِنُوا) قال ابن كثير : لا تضعفوا عن الأعداء.

    (وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) أي: المهادنة والمسالمة. قال السعدي: لا تضعفوا عن قتال عدوكم، ويستولي عليكم الخوف؛ بل اصبروا واثبتوا، ووطنوا أنفسكم على القتال والجلاد؛ طلباً لمرضاة ربكم، ونصحاً للإسلام، وإغضاباً للشيطان، ولا تدعوا إلى المسالمة بينكم وبين أعدائكم طلباً للراحة، والحال أنكم أنتم الأعلون.

    ثم ذكر الله عز وجل أموراً ثلاثة من تمسك بها لا يخشى قوى الأرض مجتمعة، ولا يتراجع قيد أنملة إلى الوراء، ولا يستطيع أحد أن يوصل إلى قلبه خوفاً أو إلى نفسه يأساً: (وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)، أنتم الأعلون بالاستعلاء بالإيمان ومنهج الإسلام، وأنتم الأعلون بما توفرون من أسباب القوة والقدرة على مواجهة أعدائكم، (وَاللَّهُ مَعَكُمْ) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ [آل عمران:160]، إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12]، ألم يقع ذلك في بدر؟ ألم يحصل مثله في الأحزاب؟ ألم نره عبر تاريخ أمة الإسلام في كل المواقع والمعارك والمواجهات؟

    هل صار المسلمون اليوم في شك من دينهم، وفي ضعف إيمان بآيات ربهم الكثيرة في كل من يصد عن دين الله، ويحارب دين الله؟

    (وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)، لن ينقص أجوركم وثوابكم حتى ولو لم تتحقق النتائج على أيديكم، (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) أي: لن يجعلها حابطة كغيرها، بل ستثمر اليوم أو غداً أو بعد غد؛ لأن الله عز وجل وعد كل عامل بالخير ومحقق لوعده أن ينجز له سبحانه وتعالى ما وعد.

    حقيقة ما يجمعه الكفار لحرب المسلمين

    قال الله عز وجل: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ [هود:19-22].

    ما كان لأولئك من قوة إلا بسبب ضعفنا، (أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ) لا يعجزون الله وقدرته وقوته سبحانه وتعالى، وهو الذي أمره بين الكاف والنون، إذا قال للشيء: كن؛ فيكون.

    ونحن نعلم كذلك أن هذه الوعود الربانية لا تتخلف أبداً، (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ) مهما جاءوا بقوى من هنا أو من هناك، وحلفاء من شرق أو غرب فلن يثبت ولن يقف شيء أمام قوة الله، ولا أمام قوة المؤمنين بوعد الله، مهما عظمت قوتهم، فثقوا بدين الله، واعلموا أن كل ما يواجهوننا به إنما يتحقق فينا أثره لما أخللنا به من منهج الله عز وجل، وتخلينا به من الاستمساك بدينه سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال:36] ما هي النتيجة؟ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36] آيات قاطعة! كلمات بالحق ناطقة! ولكنها لا تضرنا إلا بأسبابنا، وبتخلينا عن نهج ربنا.

    إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [المجادلة:5] ، والآيات تخبرنا بصيغة المضارع المتحقق الوقوع، قال ابن عطية في معنى الكبت والمكبوت: يكون حزيناً؛ لأنه يرى ما يكره ولا يقدر على رده. سيأتيهم اليوم الذي يذوقون مثل ما يفعلون من هذه الجرائم، وهم لا يملكون دفعاً ولا نصراً بإذنه سبحانه وتعالى: وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ [المجادلة:5] ، إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ [المجادلة:20] تلك هي الوعود الربانية، والتهديدات الإلهية.

    1.   

    ولاة الأمور وما عليهم من الحقوق

    نحن -عندما نوقن بآيات الله- لا نحتاج إلى تنديد أهل الأرض، وإلى تهديد القوى الفارضة التي لا تقوم ولا تنطلق من قاعدة الإيمان بالله، ولا ترتبط بمنهج الإسلام، ولئن كان ذلك غيض من فيض آيات كثيرة، ومواقف وقصص عظيمة ذكرت في كتاب الله؛ فإن لنا كفاية من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنديده وتهديده، توجد صور كثيرة لنا وليست لأعداء الله، بل هي فينا معاشر المسلمين، من الذين لهم الصدارة في أمتنا ولاة وحكاماً وقادة، وإلى من دونهم من كل من له ولاية، ومن في يده سلطة، وغير ذلك من وجوه لا يكاد يخرج عنها أحد منا بحال من الأحوال.

    وحينئذ نقولها ونحن بقلوب ثابتة وبصوت عال؛ لأن الناطق بها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وهل يستطيع أحد مهما علا وعظم أن يرد قوله عليه الصلاة والسلام، أو أن يستهين بتهديده ووعيده، وهو صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]؟!

    عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأئمة من قريش) فله عليه الصلاة والسلام حق، وللأئمة حق كذلك، ثم يقول عليه الصلاة والسلام في شأن الأئمة: (ما إن استرحموا رحموا، وإن عاهدوا وفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)رواه أحمد في مسنده بسند جيد، ورجاله ثقات، ورواه أبو يعلى في مسنده والطبراني في معجمه.

    وعن أبي هريرة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم: (ما من أمير عشرة إلا يؤتى به مغلولاً يوم القيامة حتى يفكه العدل، أو يوبقه الجور)رواه البزار في مسنده، ورجاله رجال الصحيح.

    (ما من أمير عشرة) فكيف بأمير الملايين المتولي أمرهم باسم الله، وبادعاء القيام بأمر الله، والذب عن شريعة الله، والحفظ لحقوق عباد الله؟

    أفلا يرعوي كل من يسمع ذلك؟ أليس في هذا أعظم تهديد تنخلع قلوب من في قلوبهم ذرة إيمان، أو بقية أثر من إسلام؟

    إن الأمر أعظم مما نتخيله ونتصوره، وهذا دعاء من رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، ودعاؤه مجاب، تروي هذا الدعاء عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم! من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به)رواه مسلم في صحيحه .

    إلى الذين يشقون على عباد الله، ويتعنتون معهم، ويسرفون في تعذيبهم وإيذائهم، وإلحاق الضرر والشر بهم على كل مستوياتهم المختلفة، وفي كل مسئولياتهم المتنوعة؛ فليعلموا أن الله عز وجل يجازيهم من جنس عملهم، وأنه يلحق بهم عاجلاً أو آجلاً مثلما فعلوا بغيرهم، ومن لم يجد شيئاً في الدنيا من مثل هذا فإنما ذلك -والعياذ بالله- دليل على عظمة سخط الله عليه، وأنه ادخر له العذاب فلم يعجله له في الدنيا، فأجله له، وسيجعله له مضاعفاً في الآخرة.

    ومعقل بن يسار رضي الله عنه يروي الحديث الذي يحفظه كثير من الناس: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)، وفي الرواية الأخرى: (ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يرح رائحة الجنة) متفق عليه.

    أفلا يستمع إلى ذلك قادة الأمة وحكامها؟

    أحوال أمتنا في أكثر بلادها تستحق أن ينطبق عليها مثل هذه الأحاديث التي قالها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، أفيخشون من أمريكا أو غير أمريكا، ولا يخشون من الله عز وجل؟! أفيرضون أن يعملوا قوتهم وقدرتهم في سخط الله عز وجل، ويخشون أن يفعلوا أقل القليل مما يُظن أنه يسخط أعداء الله؟!

    أفلم يسمع الناس جميعاً حديث أم المؤمنين عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ابتغى رضا الله بسخط الناس؛ رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس، ومن ابتغى سخط الله برضا الناس؛ سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس)؟!

    إن الأحوال لا تقتصر على من بيده الأمر أو الحكم أو السلطان، بل تعم كل أحد في مسئوليته، حتى تعم الفرد الذي ليس له مسئولية عن غيره؛ لأن له مسئولية عن نفسه.

    ولذلك استمعوا إلى هذا الحديث أيضاً، وما فيه من التهديد والوعيد: (صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غاشم، وكل ضال مارق) رواه الطبراني في المعجم الكبير ورجاله ثقات.

    (كل ضال مارق) كم فينا نحن معاشر المسلمين من يصدق فيه ذلك؟! وهكذا كلنا يعلم أن الظلم منه ما هو يسير، ومنه ما هو عظيم، ومنه ما هو محدود الدائرة، ومنه ما هو واسع، والنصوص كلها تتناول ذلك قليلاً كان أو كثيراً، عن أبي موسى رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102])، من يستطيع أن يفلت من قبضة وغضبة الله جل وعلا إذا ظلم وقد حرم الله الظلم، وإذا بغى وقد وعد الله عز وجل أن ينتقم لمن بُغي عليه؟ كل من يظلم على خطر، حتى من يظلم زوجته، أو يظلم الموظف الذي تحته، فضلاً عمن يظلم رعيته.

    وهكذا نرى الصور المختلفة التي تمضي بنا إلى تفصيل وتحديد، وتصور لنا الواقع كأنما هذه الأحاديث -وهي التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم- تخترق حجب الغيب، وتتجاوز آفاق الزمان؛ لتكون في كل وقت وآن، تكشف للناس عموماً، وللمسلمين خصوصاً كيف يعرفون واقعهم، وكيف يعرفون أين يضعون مواطئ أقدامهم قبل أن تزل الأقدام، وقبل أن يحصل لهم ما لا يرجونه من السخط والغضب الرباني.

    عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه)، وهذا واقع حال كثير من ولاة أمتنا.

    وهذا هشام بن حكيم مر في بلاد الشام، ورأى بعض الأنباط من غير المسلمين في حر الشمس، ويوضع عليهم شيء من الزيت عقاباً لهم؛ لأنهم لم يؤدوا الجزية، وربما كان ذلك عن غير إمكان، فقال: أشهد الله أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) رواه مسلم في صحيحه.

    فليخش الذين يعذبون عباد الله، والدعاة إلى دين الله، والعلماء الناطقين بالحق، المبينين لشرع الله، وليخش كل من يظلم أحداً دونه في القوة، فإنه ما من شيء إلا وله عقوبته دنيا وأخرى، نسأل الله عز وجل السلامة من ذلك!

    عن أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من ضرب سوطاً ظلماً فإنه يقتص منه يوم القيامة)، يقتص ولو في سوط واحد، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟!

    أيها الإخوة المؤمنون! إن الأحوال التي تجري ينبغي أن تزيدنا يقيناً بوعد الله عز وجل، وبصيرة بسنن الله سبحانه وتعالى، وينبغي أن تردنا بقوة أكثر إلى دين الله وشرعه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن تدعونا إلى التشبث والاعتزاز والاستعلاء بدين الله، وينبغي في آخر الأمر أن تكشف لنا حقائق أعداء الله، وأن نعلم أن قوتهم الدنيوية لا يعبأ بها، ولا يخشى منها من كان الله معه: وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [محمد:35].

    أسال الله عز وجل أن يكشف الغمة، وأن يرفع البلاء عن الأمة، وأن يعيدنا ويردنا إلى دينه رداً جميلاً.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    وجوب نصرة المؤمنين وبغض الكافرين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون!

    أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فهي أعظم زاد يقبل به العبد على مولاه، وإن من تقوى الله بغض أعداء الله، وعدم الذلة لهم، وفي الوقت نفسه الانتصار لعباد الله، والموالاة لهم، وبذل ما في الوسع لنصرتهم، بقدر ما يستطاع ولو بأقل القليل، فإن التهديد والوعيد قد تناول الساكت أيضاً كما جاء في حديث جابر وأبي طلحة رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يخذل مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه؛ إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته؛ إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته) رواه أبو داود في سننه والطبراني بإسناد حسن.

    (ما من مسلم يخذل مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه) وقد رأينا الأحداث كثيرة مستمرة في أرض فلسطين، وفي العراق، ورأينا الأحداث الأخيرة التي فيها أعظم بغي وظلم، فأين الذين عندهم الأموال والقوات والجيوش؟! أين هم من نصرة هؤلاء ولو بكلمة، ولو بإعانة، ولو بإبانة؟

    وأين بقية المسلمين من حزن يعتصر قلوبهم؟ كثير منهم يضحك ملء شدقيه، ويأكل ملء ماضغيه، وينام ملء جفنيه، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن حزناً لم يخالط قلبه، وكأن كرباً لم يقع له!

    إنها نصوص عظيمة، وتهديدات خطيرة: (ما من مسلم يخذل مسلماً) في مثل هذه الظروف العصيبة، ليس لأولئك إلا الله، نسأل الله عز وجل أن يثبتهم، وأن يفرج عنهم، وأن يعينهم، ونسأل الله عز وجل أن يدحر عدوهم، وأن يرد كيدهم في نحرهم، ونسأل الله عز وجل أن يسخرنا لنصرتهم حزناً عليهم، ووحدة معهم، ودعاء لهم، وبذلاً للأموال والأرواح في سبيل نصرتهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

    اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس، إلى من تكلنا؟ إلى عدو يتجهمنا أم إلى عدو ملكته أمرنا؟ إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، ولكن رحمتك وعافيتك أوسع لنا.

    نسألك اللهم ألا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وأن تيسر لنا، وأن تهيئ لنا من أمرنا رشداً، وأن تجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية، يا سميع الدعاء!

    اللهم إنا نسألك أن توفقنا لطاعتك ومرضاتك، وأن تسخرنا في نصرة دينك وولاية عبادك برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم عليك بالطغاة المتجبرين، اللهم عليك بهم أجمعين، أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، زلزل اللهم الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، اللهم نكس راياتهم، وأذل أعناقهم، وسود وجوههم، اللهم اجعلهم عبرة للمعتبرين، واشف فيهم صدور قوم مؤمنين، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين!

    اللهم أقر أعيننا بنصر الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين!

    اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، واجعلنا بكتابك مستمسكين، ولهدي نبيك صلى الله عليه وسلم متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين، اللهم اجعلنا أغنى الأغنياء بك، واجعلنا اللهم أفقر الفقراء إليك، ولا تجعل لنا إلى سواك حاجة.

    اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الرجاء إلا فيك، ومن الإنابة إلا إليك.

    اللهم علق قلوبنا بك وبطاعتك يا رب العالمين!

    اللهم إنه لا حول ولا قوة لنا إلا بك؛ فأمدنا اللهم وإخواننا المسلمين بحولك وقوتك ونصرك وعزك وتأييدك يا رب العالمين!

    اللهم ثبت أقدامنا، واربط على قلوبنا، وانصرنا على عدونا.

    اللهم أفض على قلوبنا السكينة والطمأنينة، واجعلنا يا ربنا أوثق بما عندك من كل قوى الأرض كلها يا رب العالمين!

    اللهم انصرنا فإنك أنت المعين الناصر، ولا تخذلنا فإنك أنت الملهم القاهر يا رب العالمين!

    نسألك اللهم لأبناء أمتنا أن تردهم إلى دينك رداً جميلاً.

    اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء!

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، واصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن عن بلادنا هذه خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين.

    وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!

    اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك يا رب العالمين!

    اللهم انصر إخواننا المجاهدين في أرض العراق وفي فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم أفرغ في قلوبهم الصبر واليقين، وثبت أقدامهم في مواجهة المعتدين.

    اللهم إنه لا حول ولا قوة لهم إلا بك؛ فأمدهم بحولك وقوتك يا رب العالمين، اللهم إنهم عراة فاكسهم، خائفون فأمنهم، ضعفاء فقوهم، اللهم أنزل عليهم نصرك وعزك وتأييدك يا رب العالمين.

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.