إسلام ويب

ثلاثياتللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كثيراً ما يرد العدد في الكتاب والسنة، وذلك للتشويق إلى مضامين هذه الأعداد، وليسهل حفظها للناس، فمن هذه الأعداد الثلاثة، فقد ذكرت في القرآن في مواطن منها: آية الاستئذان في سورة النور، فذكر فيها أوقاتاً ثلاثة يجب الاستئذان فيها حتى على الأطفال والإماء والعبيد، أما ذكر هذا العدد في السنة والآثار والحكم والتجارب فكثير جداً، وفي هذه المادة ثلاثيات متفرقة ونافعة.

    1.   

    ثلاثيات من الكتاب والسنة

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، نحمده سبحانه وتعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.

    فله الحمد سبحانه وتعالى كما نقول وكما يقول، وخيراً مما نقول، وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، نحمده حمداً كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه سبحانه وتعالى.

    والصلاة والسلام الأتمان الدائمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    فيا أيها الإخوة الكرام! أحمد الله جل وعلا أن جدد لنا العهد بهذا اللقاء المبارك في هذا اليوم المبارك في هذه الساعة المباركة في هذا المكان المبارك، ولقد كانت لنا من فضله جل وعلا ومنه وتوفيقه دروس عديدة في مثل هذا اليوم من كل أسبوع، وقد طال العهد بها قليلاً، وها نحن نصل الحاضر بما مضى، ونجعله بإذن الله عز وجل أساساً وبداية وصلة مستمرة فيما نستقبل من الأيام بمشيئة الله تعالى.

    ولا شك أن مثل هذه المجالس يعم نفعها، وأول المنتفعين بها المتحدث الذي يفكر في الموضوع اختياراً، ثم يسعى لجمع مادته والبحث عن مضمونه في مظان مختلفة، ثم يجاهد نفسه في إخلاص النية وفي تحرير القصد لوجه الله عز وجل، وينتفع السامعون بما يمر بهم من آيات الله عز وجل وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف، وتجارب الحياة، وكثير من الفوائد التي لا يستغني عنها مسلم وإن كان يعلمها؛ لقول الحق جل وعلا: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55].

    وينتفع بها الجميع؛ لكونها في بيوت الله، ولكونها المجالس التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنها من رياض الجنة، وأن الملائكة تتنزل عليها، وأن الرحمة تغشاها، ونحن نحسن الظن بالله، ونعظم الرجاء فيه أن تكون مجالسنا من هذا النوع، فعسى الله عز وجل أن يتغمدنا بواسع رحمته، وأن ينزل علينا ملائكته، وأن ينزل في قلوبنا سكينته سبحانه وتعالى، وهذا لقاؤنا مع الدرس الثلاثين بعد المائة الأولى في يوم الجمعة السابع عشر من شهر ذي القعدة، عام (1416هـ) وعنوانه (ثلاثيات).

    وقد رأيت في أول استئناف لهذا الدرس أن يكون موضوعه متنوعاً، وكما يقولون: فيه من كل بستان وردة، ومن كل بحر قطرة، حتى يكون أرغب للنفوس، وأقرب إلى القلوب، وحتى يتجدد النشاط الذي كان لنا، فإذا شرعنا في الموضوعات العميقة أو الدقيقة ربما عرضت بعض الاعتراضات كما مر في بعض الدروس السالفة.

    وهذه الثلاثيات متنوعة في مضامينها وموضوعاتها، وفي نسبتها وإسنادها، وفي عمقها ودقتها، والذي يجمعها أمر واحد فحسب، وهو أن في كل قول منها وفي كل مسألة منها ثلاثة أفرع، أو ثلاثة جوانب، وقد قسمت هذا الموضوع أيضاً إلى ثلاثة أقسام حتى لا نخل بالثلاثيات التي فيه: ثلاثيات من الكتاب والسنة، وثلاثيات من الآثار والأخبار والحكم، وثلاثيات من تجارب الحياة.

    نبدأ بثلاثيات من الكتاب والسنة، نقف مع بعضها وقفات مختصرة موجزة؛ لأن الغرض هو ما فيها من التنبيه والتوجيه، وما يقع فيه بعض منا من الأخطاء، وعدم مراعاة مثل هذه الجوانب.

    الاستئذان في ثلاثة أوقات

    يقول الحق سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:58].

    فهذه الآية تذكر حكماً من أحكام الاستئذان الفرعية، جعله الله عز وجل مخصوصاً بالعبيد وبالأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، لكنهم مع ذلك صاروا مميزين يعرفون العيب من غيره، ويعرفون بعض الحق من الباطل، ويعرفون ما يستحيا منه وما لا يستحيا منه.

    ولذلك ذكر بعض أهل العلم استنباطاً من هذه الآية أن ثبوت الاستئذان وتكراره ثلاثاً مأخوذ من هذه الآية وهي قوله تعالى: (ثَلاثَ مَرَّاتٍ). قال بعض أولئك: أي ثلاث دفعات، أي يستأذن ثلاث مرات، وهذا استنباط غير صحيح، بل الغالب الذي قاله أهل العلم كما نقله القرطبي عن ابن عبد البر : أن قوله: (ثَلاثَ مَرَّاتٍ) أي: في ثلاثة أوقات متفرقة، أما الاستئذان ثلاثاً فإنه وارد ثابت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (من استأذن ثلاثاً فإن أذن له وإلا فليرجع) .

    وليست هذه الآية موضع هذا الاستنباط بتكرار الاستئذان في الوقفة الواحدة.

    ثم قال القرطبي في تفسيره في علة التخصيص بالإماء والصغار، وعلة التخصيص بهذه الأوقات أدب الله عز وجل عباده في هذه الآية بأن يكون العبيد إذ لا بال لهم، والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، إلا أنهم عقلوا معاني الكشفة ونحوها.

    أي: الأدب مخصوص بالعبيد؛ لأنهم لا يؤبه لهم؛ لكثرة ترددهم في بيوت الناس وخدمتهم لهم، قد لا يتحفظون منهم.

    ونعلم أن هناك أحكاماً فقهية تختص بالعبيد والإماء، منها: أحكام تتعلق بجواز كشف العورات إلى حدود معينة، ومع ذلك جاء هذا الاستئذان؛ لأن هذه الأوقات كما سيأتي لها خصوصية معينة، والأطفال بطبيعة صغر سنهم قد لا يكترثون ولا يعبئون بالدخول والخروج، ولا يتنبهون إلى ما قد يقع من أثر ذلك من انكشاف العورات؛ لأن الناس يستصغرونهم، وهذا من بلايا ورزايا عصرنا الحاضر، أن كثيراً من الناس ينظر إلى الغلام، فيقول: إنه صغير وهو ابن خمس، ثم يقول: إنه صغير وهو ابن سبع، ثم ما زال يستصغره وهو ابن عشر، ثم تجد بعض الناس قد يكون الابن قد بلغ الخامسة عشرة وهو ما زال ينظر إليه على أنه صغير، وترى بعض النساء قد لا تتحرج منه ولا تحتجب منه، وهذا من التفريط.

    وكذلك في أمر الفتيات والبنات؛ فإن كثيراً من الناس سهل عليهم الأمر ولم يراعوا مثل هذه الآداب، وتجد أنهم يستصغرون الفتاة وهي ابنة تسع وابنة عشر، وربما تكون أكثر من ذلك، وما يزالون يرونها صغيرة، لا يؤدبونها بالآداب الشرعية، ولا يلزمونها الحجاب ونحو ذلك.

    ثم يقول القرطبي : علمهم هذا الأدب أن يستأذنوا على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثة؛ لأنها الأوقات التي تقتضي عادة الناس الانكشاف فيها، وملازمة التعري.

    أي: من عادة الإنسان أن يخلع ثيابه في تلك الأوقات، وقد يكون في وضع النوم أو نحو ذلك، فلا يتحرج من انكشاف عورته، فقبل الفجر وقت انتهاء النوم، وهو خروج من ثياب النوم ولبس ثياب النهار، ووقت ما بعد الظهيرة هو الوقت الذي يخلع فيه المرء ثياب النهار ويلبس ثياب البيت للراحة والقيلولة، وكذلك وقت ما بعد العشاء، فإنه وقت الاستعداد للنوم وتغيير الثياب، ولبس الخفيف منها مما لا يستثقله الإنسان، ولا يتحفظ منه في داخل بيته وبين أهله، فمن ثم جاء الاستئذان وتأكيده على هؤلاء الذين قد لا يكون الاستئذان عليهم واجباً في كل وقت، وإنما خص بهذه الأوقات لهذه المعاني.

    وهذه وقفة أولى، وكما قلت: وقفاتنا متنوعة ولا يجمعها إلا هذه الثلاثيات، وفي الآيات غير هذا وإن كان غير مصرح به، لكني اكتفيت بهذه الآية.

    ثلاث دعوات مستجابات

    أما في سنة النبي صلى الله عليه وسلم فالأحاديث في هذا الشأن أيضاً كثيرة، نذكر بعضاً منها مما يحصل التنبيه عليه والتذكير به، فهذا حديث أبي هريرة يرويه البيهقي في شعب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر).

    وفي رواية عند البزار من حديث أبي هريرة أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاثة حق على الله ألا يرد لهم دعوة: الصائم حتى يفطر، والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر حتى يرجع). قال الهيثمي عن بعض رجاله: لا أعرفه، وبقية رجاله ثقات.

    هذا الحديث يخبرنا عن القطع بإجابة دعوة ثلاثة أصناف من الناس متلبسين بثلاثة أحوال، والغرض الذي نريد التنبيه عليه هو: لم جعل هذا الوعد والقطع بإجابة الدعاء لأولئك النفر الثلاثة أو الأنواع الثلاثة: الصائم حتى يفطر، والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر حتى يرجع؟!

    لو سألنا سؤالاً: ما هو الأمر المشترك بين هؤلاء الثلاثة، الذي هو سر وعد الله عز وجل بإجابة الدعاء؟ نقول: السر في هذا هو كمال التجرد لله سبحانه وتعالى، والانقطاع عن الأسباب والخلق؛ لأن الله سبحانه وتعالى واحد فرد صمد، ويحب وحدانيته من عباده، ويحب إخلاص العبد له في عبوديته، وكلما كان القلب أكثر انقطاعاً عن الدنيا وعن الناس وعن الأسباب، وأكثر وثوقاً وتعلقاً بالله سبحانه وتعالى، وأعظم تجرداً له جل وعلا، كان ذلك دليلاً على عظمة الإيمان وصدق التوكل وكمال الثقة بالله عز وجل وشدة الافتقار له سبحانه وتعالى.

    والعبودية إنما هي بمزيد التذلل والخضوع والانكسار والافتقار، والبراءة من الحول والطول، والاستناد إلى حول الله وقوته.

    وهذا ابن القيم في فوائده يبين أن كل وجه من وجوه النقص في الإنسان يقابله وجه من وجوه الكمال، فكلما شعر المرء بنقص فيه، طلب ما عند الله سبحانه وتعالى بما له من صفات الكمال حيث يقول: ركبت من العجز لتنظر إلى عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى، وركبت من الفقر لتنظر إلى عظيم غنى الله سبحانه وتعالى، وركبت من الضعف لتنظر إلى عظيم قوة الله سبحانه وتعالى.

    وهكذا كل ضعف فيك فهو مقابل للكمال المطلق عند الله سبحانه وتعالى، وهنا الصائم أساس عبادته كما نعلم لله؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).

    فهو مخلص لله عز وجل حيث تجرد وتنزه عن شهوته وعن طعامه وشرابه إخلاصاً لله عز وجل، ومحص النية له سبحانه وتعالى، وعلق الأسباب به، وترك حاجة فرجه وحاجة بطنه وحاجة أنسه وراحته لله جل وعلا، وتعلق به أوثق تعلق.

    والمظلوم لو كان بيده أن ينتصر من ظالمه لفعل، لكنه غالباً ما يكون مغلوباً على أمره عاجزاً أن يرد هذا الظلم ممن بغى عليه وبطش به وتكبر وتجبر عليه؛ لضعفه، فحينئذ هذا الضعيف لم يجد في قوته ولا في قوة غيره من ينصره ويرد عنه الظلم، وقد سدت في وجهه الأبواب، وأظلمت في وجهه الدنيا، وربما انتهك شيء من عرضه، وربما أهين في شرفه، وربما استلب ماله، فلم يجد أمامه طريقاً ولا باباً إلا باب السماء يطرقه، وإلا باب الدعاء يلهج به لله سبحانه وتعالى، ولسان حاله يقول: لئن عدمت قوة الأرض ولئن عدمت أسباب البشر، فإن قوة الله عز وجل وأسبابه لا تعدم، فيصل حباله بالسماء، ويمد يديه بالدعاء، ويكون قد انكسر في نفسه من أثر ما وقع عليه من الظلم، وشعر بشدة فقره وعظيم احتياجه وشدة لجئه لله سبحانه وتعالى.

    ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله في المجلد الأول من فتاويه فيما قد يقع على الإنسان من البلاء فيدعو الله عز وجل بكشف البلاء، قال: وربما أخر الله عز وجل إجابة دعائه، فما يزال يدعو ويلح ويناجي وينادي حتى يجد من أثر لذة المناجاة وحلاوة الدعاء ما هو أعظم مما كان يسأله من تفريج البلاء، وهذه من ألوان العبودية، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الدعاء مخ العبادة)، وقال: (الدعاء هو العبادة) كما في حديث آخر.

    وهذا يدلنا على عظمة هذا الأمر.

    قوله: (والمسافر حتى يرجع) أيضاً المسافر كما قال المناوي في فيض القدير: لأنه مستوفز مضطرب، قلما يسكن إلا إلى الرحل والترحال، وهو على وجل من الحوادث، فهو كثير الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، فسره منفصل عن الأغيار، ومتعلق بالجبار.

    أي: عن غير الله عز وجل، فالمسافر في جزع؛ لأنه ليس مستقراً مطمئناً، ويشعر أيضاً بالخوف من الطريق حتى مع وسائل النقل الحديثة، لو تأمل الإنسان وتدبر لوجد أن الذي يركب الطائرة معلق بين السماء والأرض، ما بين غمضة عين وانتباهتها لا يدري ما يحدث الله عز وجل في هذه الوسائل، ونحن نسمع عن سقوط الطائرات، وعن تحطم القطارات ونحو ذلك، لكن غفلت القلوب وسهت العقول، نسأل الله السلامة والعافية.

    إذاً: السفر ليس فيه طمأنينة، وإنما فيه نوع من الخوف والوجل، يجعل القلب دائماً يحتاج إلى الركون والسكون، فلا ركون ولا سكون إلا إلى الله سبحانه وتعالى، فترى المسافر يدعو الله عز وجل بالسلامة، ويدعو الله عز وجل ببلوغ المنزل ووصول مبتغاه.

    وهكذا الإنسان في هذه الدنيا مسافر، فلو حقق ما يكون في سفره المعتاد في دنياه من التعلق بالله والخوف والوجل وعدم الاستقرار والطمأنينة والركون إلى هذه الدنيا، لكان حقاً مسافراً إلى الله وإلى رضوانه سبحانه وتعالى وطلب مبتغاه؛ لأن المسافر ينبغي ألا يكون ساكناً بل مضطرباً، وألا يكون على طمأنينة بل خائفاً، وكذلك لو كنت في هذه الدنيا على هذا المعنى لكان لك إجابة دعاء مستمرة.

    فإذا كان هو في أثناء السفر القصير وعد بالإجابة، فإذا جعلت دنياك كلها دار سفر، وكنت فيها على هيئة المسافر، فإنه يرجى بإذن الله عز وجل أن تكون مجاب الدعوة دائماً.

    ثلاث مهلكات

    ننتقل إلى حديث آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عمر ، وهو حديث يشمل عدداً من الثلاثيات، قال فيه عليه الصلاة والسلام: (ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، وثلاث كفارات، وثلاث درجات: فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه.

    وأما المنجيات: فالعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية.

    وأما الكفارات: فانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات.

    وأما الدرجات: فإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام) حديث حسن رواه الطبراني في معجمه الأوسط.

    وهو حديث عظيم النفع غزير المعاني، فقوله: (فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه) أما الهوى فإنه يهوي بصاحبه، والهوى: هو ميل الطبع والنفس إلى مشتهاها ولذتها ومرادها، والنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، وفي النفوس فطرة وميل لبعض المحبوبات من الأمور المذمومة أو المحرمة، والهوى لا يختص بالمأخوذات والمتناولات من الملذات والشهوات، بل يدخل في أمور العلم، وفي أمور الآراء، وفي أمور الأفكار، فإن صاحب الهوى لجوج متبع لمقتضى مراده وإن خالف الحق والعياذ بالله سبحانه وتعالى.

    إن الذي يتفكر في هذه المعاني الكثيرة يجد أن أمرها جد خطير، فالنبي عليه الصلاة والسلام بدأ بالتحذير من المهلكات والتخويف من شرها وضررها، فقال: (وهوى متبع) أي: هذا الهوى يتبعه صاحبه وإن خالف الحق.

    قوله: (وشح مطاع) والشح: هو البخل، والنفس في طبعها بعض الحرص، وفي طبعها شيء من الطمع، وفي طبعها حب التملك، قال الله عز وجل: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طه:120].

    هذا في أصله ليس بمذموم، لكن المذموم هو الشح المطاع بأن يطيع نفسه فيما يتعلق بهذا الشح، كأن يمنع حق الله سبحانه وتعالى من الزكاة، أو من الصدقة، أو من أداء الدين أو نحو ذلك، فهذا الشح المطاع هو الذي يطيعه صاحبه في منع الحقوق التي أوجبها الله عز وجل في ماله.

    إذاً: الشح المذموم هو الذي يقع في الممارسة العملية به منع للحقوق، والشح إذا أطاعه صاحبه وقع في هذه المهلكة، وأنت ترى كل من غلبته نفسه في شأن البخل وفي شأن الشح أنه مذموم عند الناس، وكيف أن الهم والغم قد أثرا في نفسه، ولا يهنأ بنعمة الله عز وجل له، ولا بماله، فترى البخيل عنده الأموال، لكنه لا ينفق منها على نفسه، بل يقتر على نفسه وعلى أهله، فتكون النعمة عليه نقمة والعياذ بالله، هذا في الدنيا، أما ما وراء ذلك في الآخرة فالأمر أعظم وأشد.

    والأمر أيضاً على التدرج؛ لأن في آخره يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (وإعجاب المرء بنفسه) وهذه داهية دهياء ومصيبة عمياء.

    الغرور والإعجاب بالنفس فيه مآخذ عدة منها:

    أن المغتر متكبر، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر).

    ومنها: غمط الناس وانتقاص أقدارهم، وهذا ظلم آخر وتعد آخر وجرم ومعصية أخرى.

    ومنها: غمط الحق كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم الكبر، أي: التعالي عن الحق وإن ظهر دليله وإن سطع برهانه.

    ومنها: أن الإعجاب بالنفس يقود والعياذ بالله إلى اللجاج، وقد قال الله سبحانه وتعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33] هل جحدوا لنقص في الأدلة، أو لعدم وجود المعجزة، أو لعدم شيء مما يحتاجون إليه من برهان نفسي أو مادي؟!

    لم يكن من ذلك شيء؛ لأنهم قد وجدوا الأدلة والبراهين متنوعة في كل وقت وآن، ومع ذلك ما صدهم عن اتباع أمر الله والدخول في الإيمان بالله إلا كبر النفوس والإعجاب والغرور، كما روي عن أبي جهل عليه لعنة الله أنه قال: كنا وبنو هاشم كفرسي رهان، كان لهم كذا فلنا كذا، ولهم كذا فلنا كذا، أي من الشرف، قال: حتى إذا تجاثينا على الركب وتساوينا قالوا منا نبي؛ فمن أين لنا بنبي، فوالله لا نصدقه الدهر كله.

    فالمسألة مسألة عناد ولجاج، ومسألة إعجاب وغرور، وكذا قال أصحاب مسيلمة الكذاب : والله لكاذب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر.

    هكذا قالوا اتباعاً للأهواء، وإعجاباً بالآراء، قال القرطبي في معنى قوله: (وإعجاب المرء بنفسه): هو ملاحظة لها بعين الكمال والاستحسان، أي: ينظر إلى نفسه بعين العجب والغرور.

    ثم يقول: أما الكلام فليس أعلى منها في البلاغة، وأما الأفعال فليس أعلى منها في الحكمة، وأما الأحوال فليس أعلى منها في الرتبة، فلا يفعل شيئاً، ولا يقول شيئاً، ولا يحجم عن شيء إلا وهو يرى أنه قد أتى وفعل ما هو في غاية الكمال والاستحسان، مع نسيان منة الله عز وجل.

    فإذا وقع نظره على غير احتقره، وهو الكبر.

    وقال الغزالي رحمه الله: أحذرك ثلاثاً من خبائث القلب هي الغالبة على متفقهة العصر: وهي الحسد، والرياء، والعجب، فاجتهد في تطهير قلبك منها، فإن عجزت عن ذلك فأنت عن غيره أعجز، ولا تظن أنه يسلم لك نية صالحة في تعلم العلم وفي قلبك شيء من الحسد والرياء والعجب، أما الحسد فهو الذي يشق عليه إنعام الله على عبد من عباده بمال أو علم أو محبة أو حظ حتى يحب زوالها عنه، وإن لم يحصل له شيء، فهو المعذب الذي لا يرحم أبداً.

    وسمعت مرة للشيخ القطان حفظه الله كلاماً جميلاً يقول فيه: الحسود لا يمكن أن يرتاح؛ لأن نعم الله عز وجل دائماً في نزول على الناس، فإذا نزلت نعمة على هذا حسده، واهتم لها قلبه، وانشغل بها فكره، وأظلمت لها نفسه، فإذا زالت جاءت نعمة أخرى، فلا يزال هو في شقاء وفي عذاب مستمر لا ينقطع من أجل هذا الأمر والعياذ بالله، ولذلك ينبغي أن يتنبه الإنسان إلى هذه المآخذ والمسالك.

    ثم هذا الإعجاب كما قلنا يئول بالمرء إلى الاعتزاز برأيه، وعدم الانصياع للحق، وهذا أمر ينبغي التنبه له.

    ثلاث منجيات

    وأما المنجيات فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (العدل في الغضب والرضا) ومن كان عادلاً في الغضب والرضا، فمعنى ذلك أن حكمه كان للحق وليس للهوى، وأن حكمه كان للعدل وليس لذات النفس؛ لأن من كان يحكم لنفسه أو لهواه، فإن حكمه سيتغير بين هذه الحالة وبين تلك، ولذا يقول المناوي : فإذا عدل فيهما صار القلب ميزاناً بالحق، لا يستفزه الغضب، ولا يميل به الرضا، فكلامه للحق لا للنفس، وهذا عجيب جداً.

    أي: وهذا عجيب جداً في الواقع، كم من الناس من ينصفك من نفسه إذا كان الحق عليه؟! وكم من الناس يعدل إذا كان في العدل فوات بعض مصلحته؟!

    ولذلك كان من كلام عمر بن عبد العزيز في وصف الرجل الحق: أنه إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل.

    وهذا لا يكون إلا بإيمان صادق، والتزام دقيق، ومراقبة لله عز وجل شديدة، والنفوس ميالة إلى ملذاتها وشهواتها، بل حتى أحياناً قد يظلم الظالم في حكمه، ويجنح عن العدل، لا لمصلحة نفسه، ولكن لمصلحة قريب أو حبيب أو صاحب، وهكذا يضيع العدل، وإذا ضاع العدل وجد الظلم، وإذا وجد الظلم وجدت الشحناء والبغضاء، وإذا وجدت الشحناء والبغضاء، كان الاختلاف والاختصام، وإذا وجد هذا كان التنازع والاقتتال، وضاعت سمة أهل الإسلام، سمة الأخوة والإنصاف.

    ولذلك نبه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا بقوله: (والقصد في الغنى والفقر) القصد هو التوسط في الإنفاق، سواءً كان غنياً أو فقيراً، ودائماً التقديم للأولى، فإذا عدل في الغضب فمن باب أولى أنه سيعدل في الرضا، وإذا اقتصد في الغنى فمن باب أولى أنه سيقتصد في الفقر، والاقتصاد لب المعيشة كما يقولون، وبعض الناس ابن يومه، فإذا جاءته نعمة أو جاءه بعض المال ذهب مباشرة واشترى به كذا وكذا وبدد المال، فإذا جاء اليوم الثاني لم يكن عنده ما ينفقه، لأنه ما ادخره في أمسه حتى يكون نافعاً له في يومه، وكذلك أمر الإسراف.

    والإسراف: هو وضع الشيء في غير موضعه، أو السفه الذي فيه تجاوز للحد الذي يتعارف عليه الناس مما يكون فيه تبديد للنعمة ووضع لها في غير موضعها، ولذلك قال الله عز وجل: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27].

    وقال الله عز وجل: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء:5] ولذلك جاء الحجر على السفهاء الذين لا يحسنون التصرف في الأموال، ونحن نرى اليوم صوراً من ذلك عجيبة في دنيا المسلمين، قرأت في جريدة المدينة في الأسبوع الماضي مقالاً للدكتور عبد القادر طاش أسماه (عبث المليونيرات) والعهدة على كلامه، وهو يقول إنه نقل من بعض المصادر، ذكر فيه أن رجلاً من المسلمين تبرع بأربعة آلاف مليون جنيه لأحد نوادي الكرة في بريطانيا، ولو كان هذا المبلغ كله غير صحيح، ولكن عشره صحيح، ولو حتى واحد بالمائة منه صحيح، أليس هذا من السفه؟ أليس هذا من العبث؟

    فهكذا يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلم إذا أراد النجاة في الدنيا فليحسن التصرف على هذا النهج الاقتصادي البديع، وذلك بأن يأخذ المال من حقه وأن يضعه وينفقه في حقه، حينئذ ينال النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة، بهذا النهج الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم.

    قوله: (وخشية الله بالسر والعلانية) معلوم أنه إذا خشي الله في السر فسيخشاه في العلن.

    قال بعض أهل العلم: وفيه ذم لإظهار الخشية مع خلو الباطن منها، وورد عن عائشة رضي الله عنها أنها لما رأت فتية يمشون متماوتين متمسكنين قالت: (من هؤلاء؟ قالوا: عباد نساك، قالت: كان عمر إذا قال أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وكان والله هو الناسك حقاً).

    ورأى ابن مسعود رجلاً مُطأطئاً رقبته، أي: متخشعاً كما قد نرى في صور بعض منا أحياناً، فقال له: (يا صاحب الرقبة! ارفع رقبتك إنما الخشوع خشوع القلب) أي: الخشية الحقيقية هي مراقبة الله في السر، وبعد ذلك يظهر أثرها تلقائياً في العلن، فهذه المنجيات.

    ثلاث كفارات

    وأما الكفارات فهي ما يكفر بها الذنوب، وقد قال عليه الصلاة والسلام في شأنها: (انتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على المكاره) وفي بعض الروايات: (على السبرات). أي: في شدة البرد.

    سبرات على وزن سجدات.

    قوله: (ونقل الأقدام إلى الجماعات). ولو تأملنا أيها الإخوة الأحبة في هذه الكفارات لوجدنا أنها كلها تتصل بالصلاة، من انتظار لها واستعداد لها بالوضوء، وانتقال إليها إلى المسجد، وهذا يدل على تعظيم شأن الصلاة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أرأيتم لو أن نهراً غمراً يجري في باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا).

    ثلاث درجات

    قوله: (وأما الدرجات: فإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام).

    إذاً: هذه فيها حكمة أيضاً؛ لأن جزءاً كبيراً منها يتعلق بالعبادات المتعدية التي تنتقل إلى الآخرين، مثل إطعام الطعام للفقراء وللمحتاجين وللضيوف، فهذا من رفع الدرجات عند الله عز وجل.

    قوله: (وإفشاء السلام) أي: على من عرفت ومن لم تعرف، فهذا حق من حقوق المسلم على المسلم.

    قوله: (والصلاة بالليل والناس نيام) هذا غالباً لا يكون إلا عن إيمان وقصد في الطاعة، وقصد في رضا الله عز وجل؛ لأن الناس نائمون، أي: قد قضوا حاجاتهم فسكنوا إلى بيوتهم، أو تعبوا فركنوا إلى راحتهم وهكذا.

    ثلاثة حق على الله عونهم

    ننتقل إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه أبو هريرة ، وهو في مسند الإمام أحمد وفي سنن الترمذي والنسائي وهو عند الحاكم في مستدركه، والبيهقي في سننه أيضاً عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف) .

    أركز في هذا الحديث على معنيين؛ لأن المكاتبة ليست موجودة في عصرنا كثيراً، ومعناها أن العبد يكاتب سيده على مال حتى يشتري نفسه ويعتقها.

    المعنى الأول: أن الله عز وجل تكفل بعون المجاهد الذي يقصد إعلاء كلمة الله عز وجل، فإن تخلينا عنه فنحن الذين نخسر؛ لأن الله سبحانه وتعالى معينه وإن عارضه الآخرون وضيقوا عليه سبل الجهاد، ولأنهم في آخر الأمر سيتحقق فيهم وعد الله جل وعلا: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].

    إذاً: إذا أراد المجاهد أن يجاهد في سبيل الله، فالله عز وجل سيسهل له ويعينه وييسر عليه بإذنه سبحانه وتعالى، فإن نازعته نفسه أو ركنت به إلى الدنيا أعانه الله، وإن نازعته الزوجة والأبناء أعانه الله، وإن شق عليه أمر الجهاد أعانه الله، وإن وجد من معاداة الأعداء شدة وبلاءً أعانه الله، وإن وجد من بعض إخوانه أو بعض المسلمين أو المتمسلمين خذلاناً ونكوصاً أعانه الله، ففي كل مرحلة عون الله عز وجل متحقق.

    المعنى الثاني: قوله: (والناكح يريد العفاف) أي: يعف نفسه عن الحرام الذي حرمه الله سبحانه وتعالى، وقد أفاض العلماء في هذه الخصلة على وجه الخصوص؛ لأنها من الأمور الجبلية الفطرية المتكررة، والجهاد لا يكون مستمراً متكرراً، والمكاتبة تكون مرة واحدة ويعتق بعدها العبد، أما هذا فغالباً ما يكون الأمر مستمراً معه حتى يتحقق له الحلال الذي يعف به نفسه.

    ثلاثة لا يدخلون الجنة

    نختم أيضاً ثلاثيات الكتاب والسنة بحديثه عليه الصلاة والسلام، الذي يرويه الطبراني في معجمه، من حديث عمار بن ياسر ، ويرويه البيهقي في الشعب والحاكم في المستدرك، لكن من حديث ابن عمر ، قال عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً: الديوث، والرجلة من النساء، ومدمن الخمر). أما رواية ابن عمر في المستدرك فقال: (العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء).

    نعرف حرمة الخمر فلا نحتاج إلى التوسع في ذلك، أما عقوق الوالدين فأمره عظيم، لكن ما ابتلينا به أكثر أو ما ظهر التساهل والترخص فيه أكثر هو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (الديوث) وهو الذي يرى السوء في أهله فيتغافل عنه أو يرضى به.

    ولذلك قال ابن القيم : هذا الحديث يدل على أن أصل الدين الغيرة، فمن لا غيرة له لا دين له.

    الذي لا يغار لحرمات المسلمين التي تنتهك، ولا لأرضهم التي تستلب، ولا لشعائر الدين التي تحارب، هذا الذي ليس في قلبه غيرة ولا حمية ليس في قلبه دين، ولذلك تجد مثل هذا يرى السوء في أهله ثم لا ينكره أو يتغافل عنه أو يرضى به.

    وهذا وللأسف متحقق في بعض بيئات المسلمين، فترى الرجل قد يرى زوجته وهي حاسرة الرأس، عارية الذراعين، مكشوفة الساقين، قد تلطخت بما جملت به نفسها، ثم إذا به يقدمها لأصدقائه ويعرفهم عليها، أو يفعل ما لا يمكن أن يقال في مثل هذا المقام، وهؤلاء ولا شك أنهم معنيون بهذا الحديث ومقصودون به، ويشملهم شمولاً أولياً ظاهراً بيناً لا شك فيه؛ لأن هذا هو التعريف الذي ذكره العلماء، وأصله من ديوثة الإبل أو الجمل إذا روضته وذللته بحيث يكون ذليلاً يقبل ما تريد منه، وكذا هذا الديوث الذي يرى السوء في أهله، أو يرى مخالفة أهله لأمر الله فيتهاون، ويروض نفسه حتى يتعايش مع هذه المنكرات والعياذ بالله!

    قال العلماء في هذا: من كان يظن بأهله الفاحشة ويتغافل لمحبتها، فيصدق فيه هذا الوصف، ولذلك يقول ابن القيم : أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له، والغيرة تحمي القلب وتحمي الجوارح، وترفع السوء والفواحش، وعدمها يميت القلب، فتموت الجوارح، فلا يبقى عندها دفع -أي: للمنكرات- والغيرة في القلب كالقوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة كان الهلاك.

    قوله: (والرجلة من النساء)، أي: المسترجلة من النساء، أو المتشبهة بالرجال، قال المناوي في فيض القدير: المتشبهة بالرجل في الزي والمهنة، لا في الرأي والحكمة؛ فإن مشابهة المرأة للرجل في الرأي والحكمة والعلم أمر محمود مطلوب.

    ولذلك تجد بعض النساء تريد أن تتشبه بالرجال لا في العلم ولا في الحكمة، ولا في مواضع الخير التي يشترك فيها الرجال والنساء، وإنما تتشبه بالرجال في اللباس، وفي الاختلاط، وفي المهنة.

    ونحن نعرف أيضاً أن هذا الذي ذمه النبي صلى الله عليه وسلم صار منتشراً في كثير من بيئات المسلمين، وخاصة البيئات الإعلامية، فتراهم يفتخرون ويقولون: أول امرأة عربية أو مسلمة تفعل كذا وكذا، أو تعمل في مجال كذا وكذا من المجالات التي لا تصلح إلا للرجال، ولا يمكن أن تتحقق إلا بالاختلاط ونحو ذلك، ثم يجرون معها المقابلات، ويسألونها عن تجربتها وريادتها، والصعوبات التي واجهتها، إلى آخر ذلك مما نعرفه أيضاً.

    1.   

    ثلاثيات من الآثار والأخبار والحكم

    ننتقل إلى ثلاثيات من الآثار والحكم، وأذكر منها مجموعات بعضها مع بعض حتى نضم القرين إلى القرين.

    ثلاثيات تتعلق بالأخوة والصحبة

    وهذه بعض الثلاثيات في شأن العلاقات والأخوة بين الناس، قال ميمون بن ميمون : أول المروءة: طلاقة الوجه، والثاني: التودد، والثالث: قضاء الحوائج.

    قال بعض الحكماء: الإخوان ثلاث طبقات، وتأملوا هذه الكلمة فإنها جميلة، قال: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنها، وطبقة كالدواء لا يحتاج إليها إلا أحياناً، وطبقة كالداء لا يحتاج إليها أبداً.

    وأيضاً عن مجاهد أنه قال: ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه، وثلاث من العي -أي: الجهل-: أن تعيب على الناس، وأن ترى من الناس ما يخفى عليك من نفسك، وأن تؤذي جليسك فيما لا يعنيك.

    فهذه كلها في شأن علاقات الإخوان فيما بينهم.

    إذاً: من المروءة كما قال ميمون هنا: طلاقة الوجه، ثم التودد، ثم قضاء الحوائج، وطلاقة الوجه نعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال عنه: (تبسمك في وجه أخيك صدقة) وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى بعض أصحابه تتهلل أسارير وجهه فرحاً، فهذا كأنه العنوان، إذا أطلقت وجهك بالسماحة والرضا والابتسامة، فكأنك تشجع هذا على أن يقبل عليك أو يسألك أو يسلم عليك، لكن إذا قدمت عليه ورأى جبينك مقطباً، ونظرك إليه شزراً وكأنه قد دهمك من الهم والغم لرؤيته شيء كثير، فلا شك أنه ستنقبض نفسه منك، ولا يكون بعد ذلك سلام ولا كلام، ولو صار كلاماً فإنه لا قيمة له، بل مجاملة باردة جافة ليس فيها صدق المودة، ولا حقيقة الأخوة والتودد والتلطف بالكلام الطيب، بالإحسان، بالإكرام، بالتقديم والإجلال، فإن هذا من الأمور التي يحسن من الناس مراعاتها.

    وبعض الملتزمين أحياناً يرى أن الشدة أمر مطلوب، فإذا تكلم لا يتكلم إلا جزلاً، وإذا صافح لا يصافح إلا بشدة، وإذا عامل لا يعامل إلا بنوع من الاحتراز والتحفظ الشديد، وهذه يبوسة ليست مطلوبة، وجفاف غير مرغوب فيه، لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم هيناً ليناً سمحاً بشوشاً ودوداً، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، يقول عز وجل: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54].

    أخي! إذا لقيت بعض المقصرين فلن له، فلعل لينك يكون سبباً إلى وداده لك وتقديره لك، ومما يجعله يستمع لدعوتك ونصحك.

    وبعد ذلك تأتي الظواهر من قضاء الحوائج، فإذا أصابت أخاك المسلم مصيبة، أو احتاج إلى مساعدة، فتقضي له حاجته، وهذه الأمور لها فضائل وأجور عظيمة، ففي حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه). وقد طبق النبي عليه الصلاة والسلام هذا في مواقف كثيرة، ومنها حينما جاءه قوم من مضر وقدموا عليه عليه الصلاة والسلام فحث الناس على الإنفاق، ولا نريد أن نطيل في هذا الحديث.

    وأما طبقات الإخوان: فنوع كالغذاء لا يستغنى عنه، فأنت كل يوم تحتاج إلى الطعام والشراب، فكذلك أنت تحتاج إلى الإخوان الذين يذكرونك بالله، ويسرون عنك إذا أصابك هم وغم، ويكونون معك على ما يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء كالغذاء لا يمكن أن تستغني عنهم، لا بد أن يكون لك من أصحابك وخلانك أهل صدق وأهل إيمان وأهل دعوة، إذا نسيت ذكروك، وإذا ذكرت أعانوك، ويكون أحدهم بالنسبة لك كالمرآة كما قال عليه الصلاة والسلام، ترى فيه قصور نفسك، وترى فيه خلل كلامك، وترى فيه قصور تصرفاتك، ولا يكون منك ومنه إلا كما قال عليه الصلاة والسلام: (المسلم للمسلم كاليدين تغسل إحداهما الأخرى) فمثل هذا الأخ زينة في الرخاء وعدة في البلاء، إذا لقيته فعض عليه بالنواجذ.

    الثاني: كالدواء تحتاج إليه في وقت معين، وهذا ممن قد تستفيد منه لكن لا تتمكن من مخالطته ودوام صحبته، فمثلاً العلماء لا يكون من السهل دائماً أن تكون مخالطاً لهم، لكن العالم تحتاجه، فإذا عن لك سؤال فقهي أو مسألة ذهبت إليه فسألته، أو إذا احتجت من شخص معين إلى حاجة هو فيها مختص وهو بها عالم فإنك تذهب إليه وهكذا.

    الصنف الثالث: كالداء، أي: المرض، لابد أن تأخذ تطعيماً عند المرض؛ لأن الاحتراز من المرض أمر مطلوب، كذلك الحجر الصحي، ومنع الاختلاط، وعدم استخدام الأدوات حتى لا تنتقل العدوى، فهؤلاء الذين عندهم القيل والقال، وغيبة الناس وذمهم، وإيغار الصدور، وتأجيج نيران الحقد بين الناس، والسعي بين الناس بالنميمة.

    أو صنف آخر: وهم الذين لا تسمع منهم خيراً، ولا تسمع منهم إلا التهييج على الشهوات والمحرمات، والترغيب في ارتكاب المعاصي والمنكرات، فهؤلاء داء ومرض، إذا اقتربت منهم لا تسلم أن تصيبك عدوى، فتقع فيما هم واقعون فيه.

    كذلك من صفاء الود البدء بالسلام، والتوسيع في المجلس، والدعاء للإخوة بأحب الأسماء إليهم.

    أما العي فهو نوع من الداء الذي ذكرناه: أن تعيب على الناس، وأن ترى من الناس ما يخفى عليك من نفسك، وأن تؤذي جليسك فيما لا يعنيك، وهذه جملة وافرة في هذا المعنى، والأقوال فيها أيضاً كثيرة.

    ثلاثيات تتعلق بالزهد في الدنيا

    ثلاثيات أخرى نأخذها في باب آخر، وهو: باب الصلة بالدنيا والزهد فيها أو التعلق بها:

    عن يحيى بن معاذ الرازي وكان من الصالحين ومن العباد، قال: طوبى لمن ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى ربه قبل أن يلقاه.

    وفي هذا المعنى مقالة أخرى قريبة منها لـإبراهيم بن أدهم وكان من الزهاد العباد أيضاً، وسئل: كيف أخذت بهذا الزهد وسلكت هذا المسلك؟ فقال: بثلاثة أشياء: رأيت القبر موحشاً وليس معي مؤنس، ورأيت الطريق طويلاً وليس معي زاد، ورأيت الجبار قاضياً وليس معي حجة.

    وقال بعضهم في هذا المعنى أيضاً: إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين، وزهده في الدنيا، وبصره بعيوب نفسه.

    فهذه المعاني أيها الإخوة الأحبة! هي تذكير لنا فيما يتعلق بنظرنا إلى الدنيا وصلتنا بها وعملنا فيها، فإن الذي يتفكر في هذه الحياة الدنيا وحقيقتها وسرعة زوالها وانقضائها، وكثرة شقائها وعنائها، وذهاب وفناء لذاتها وشهواتها، وأن وراءها قبراً، وأن وراءها حياة برزخية، وأن وراء ذلك حساباً ووقوفاً بين يدي الجبار؛ من أدرك ذلك عرف أن السعادة له فيما قاله يحيى بن معاذ : طوبى لمن ترك الدنيا قبل أن تتركه، والمقصود بالترك هنا ليس ترك المباحات وليس ترك أسباب المعاش، وإنما ترك التعلق والانشغال والانغماس والدوران في هذه الدنيا، كما قال عليه الصلاة والسلام: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش).

    هذا الذي لم يعد له هم إلا دنياه، ولم يعد له تفكير إلا فيها، ولم يعد له سعي ولا جهد إلا في تحصيلها، ولم تعد له خصومة ولا نزاع إلا في الحصول على حطامها، وكم من الناس اليوم في هذا الميدان، نسأل الله عز وجل أن يسلمنا.

    أما قوله: وبنى قبره قبل أن يدخله، أي: بالعمل الصالح، وبالاستغفار، والاستعاذة من عذاب القبر، وبالصلوات والدعوات.

    وقوله: وأرضى ربه قبل أن يلقاه، أي: بما يعمل من الخير، وما يخلص فيه من الطاعات والأعمال الصالحة، وبمعنى ذلك أيضاً: وحشة القبر فلا أنيس إلا العمل الصالح، وطول الطريق فلا زاد إلا العمل الصالح، والوقوف بين يدي الجبار ولا حجة إلا العمل الصالح.

    فهذا الذي ينبغي أن نتذكره.

    وقوله: إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين، أي: فقاده الفقه في الدين إلى الزهد في الدنيا، وقاده هذا الفقه في الدين أيضاً إلى أن بصره بعيوب نفسه.

    1.   

    ثلاثيات من تجارب الحياة

    ننتقل إلى النوع الثالث، وكما قلت: اتفق أن جعلنا هذه الثلاثيات ثلاثيات في أقسامها، وثلاثيات في مجاميعها، وثلاثيات في نصوصها ومضامينها، وكلها متفرقة.

    ثلاثيات من تجارب الحياة، وهي عبارة عن بعض الرأي أو التجربة التي قد يستفيدها الإنسان في حياته، وهذا بعض ما أحببت أن أذكر به نفسي وإخواني مما قد يلمسه الإنسان من واقع الحياة.

    ثلاثية الإنجاز والعمل

    الأولى: ثلاثية الإنجاز، بعض الناس يريد أن يعمل، ويريد أن يحقق الآمال، ويريد أن ينجب، ويريد أن يرتقي في بعض المراكز، وفي بعض الميادين، ولكنه يريد ذلك وهو نائم ملء عينيه، وضاحك ملء شدقيه، وهذا لا يمكن أن يكون:

    لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

    الحياة لابد لها من كفاح، ولابد لها من جد، ولابد لها من عمل، كيف سيكون حاله وهو جالس في مكانه لم يعمل؟ يعني: مثل ما يقولون: مكانك سر، فهذا كما قال بعض الأدباء: الأماني بضاعة الموتى، أي: الحمقى، والأحمق هو الذي يقول: لو كان كذا، لو كان عندي كذا.

    ويذكرون عن بعض الحمقى أنهم قد يذكرون الأماني وكأنها قد تحققت فيختلفون عليها فيتضاربون عليها، وهم ما زالوا في كلام وفي فراغ.

    فالعمل والإنجاز لابد له من أمور، ولابد له من متطلبات، وهذه بعضها: وهي الإصرار والاستمرار والإخلاص إذا أردت أن تنجز عملاً، فلابد أن تكون قد حددت هدفك، وعرفت مقصدك، وتحريت الإخلاص، وحددت الغاية والثمرة المرجوة من هذا، وعلمت أن في هذا مصلحة شرعية ومصلحة دنيوية، حينئذ تصر على أن تحقق هذا العمل وأن تنجزه، وأما بعض الناس يريد أن يعمل، ولكن يقول: ولماذا هذا؟ يكفيني أقل منه، ويرضى بالدون، وكما قال المتنبي :

    ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام

    فينبغي للإنسان أن يصر على معالي الأمور، إذا رأى أمراً حسناً جيداً وهو من المعالي ومن الأمور العظيمة والكبيرة والجسيمة، فلابد له أن يصر على إنفاذه وتحقيقه ولا يرضى بالدون؛ لأن الدون يظهر أن همته ضعيفة، وأن عزمه كليل، وأنه ليس من أصحاب الجلد والقوة، فلابد من الإصرار، فإن فشلت تجربة لا يكتفي ويغلق الباب، ولو فشلت تجربة ثانية، وربما ثالثة، أو وجدت عوائق، لابد أن يكون مصراً، وكما ذكروا أن النملة الصغيرة مثل في الإصرار والدأب بشكل عجيب، فتراها إذا أرادت بلوغ الشيء وبلغت بعضاً منه أو أوله فإنها لا تركن ولا تخلد إلى الراحة، بل تستمر حتى تصل إلى النتيجة.

    إذاً: على المرء ألا يرضى بالمنزلة التي هو فيها، وإذا أراد الاستمرار، فلابد له أيضاً من الحرص على الاسترواح حتى يتجدد نشاطه، وحتى تستجد له في كل يوم فكرة جديدة، وفي كل وقت تفريع جديد يقوده إلى تشغيل ذهنه، وإلى قوة رغبته في تحقيق هذه الأمور والمنجزات.

    وهذه أمور لو نظرنا إليها في واقع الحياة لوجدناها، ولو نظرنا إليها في واقع التجارب القديمة والحديثة لوجدناها، فقل أن تجد إنساناً عصامياً أو قد نال مراتب عالية، أو قد بدأ من الصفر إلا وهو عنده إصرار عجيب، واستمرارية دائبة، وابتكار وتجديد مستمر لا يتوقف، وهذا هو الذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم، لا أن يكون محباً للعجز والعمل اليسير؛ لأن كثيراً من الناس إذا كان العمل فيه دوام، فإنك تراه يبحث عن عمل أقل منه، ولو بأقل عوائد أو بأقل فوائد، فينبغي للإنسان أن يتنبه لهذا.

    ثلاثية التعامل

    ثلاثية التعامل أعني بها: كيف تتعامل مع الناس في أمور الحياة المعتادة، وذكرت فيها ثلاثة أمور: البساطة، والصراحة، والسماحة.

    أما البساطة: فهي البعد عن التكلف، وقد ورد في حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه عن أبي أمامة (البذاذة من الإيمان). والبذاذة معناها رثاثة الهيئة، وترك الترفه وإدامة التزين والتنعم في البدن والملبس، والمقصود بها ترك المبالغة في الأناقة والمظاهر.

    نجد اليوم عند الناس مبالغة في العناية بالمظاهر عموماً، سواء مظاهر المركب، أو مظاهر الملبس، أو مظاهر المسكن، وضاع في ذلك كثير من الأموال.

    فالإنسان اليوم هو مع نفسه شيء، وهو مع الناس شيء آخر، يلبس لهم لباساً، ويبني لهم مسكناً، وكأنه شيء آخر، وتعقدت الحياة بسبب ذلك، فلذلك تجد بعض الناس أصبح أسيراً للمظاهر، وإذا أنكرت عليه شيئاً أو وجهته إلى شيء يقول: كيف أصنع، لا أستطيع أن أترك هذا، أو لا أستطيع أن أفعل هذا!

    لماذا؟ يقول لك: سيقول الناس كذا، أقول: يا أخي! كن مع الناس على البساطة، فإذا جاءك الضيف فأعطه الجود من الموجود، والإكرام ليس في الطعام، وإنما الإكرام بالاستقبال والتقدير والاحترام، فهذه المبالغات التي شاعت بين الناس أعطوها من القدر والحجم ما هو زائد عن الحد، ولا أعني بذلك ترك الأمور المشروعة، فالمداراة والمجاملة في الأمور المعقولة المحدودة مطلوبة شرعاً، وإكرام الضيف، وحسن الهيئة، كل ذلك مطلوب، لكن المقصود به ألا يتجاوز الحدود؛ لأن عدم البساطة يؤدي إلى العجب والفخر والتكبر.

    فإذا قصد بعدم مبالغته وتكلفه ألا يبخل في هذا الجانب، وأن يؤثر القصد والتوسط ونحو ذلك؛ فإن هذا أمر مطلوب ومحمود.

    أما الصراحة فهي مهمة، وكما يقولون: الصراحة راحة، بعض الناس يتعود في معاملته للناس ألا يصارحهم، فيحرجونه بطلب شيء فلا يستطيع أن يقول: لا أستطيع، سبحان الله! يا أخي كن مع الناس بصراحة ووضوح مع الأدب ومع حسن العرض، ومع كمال الإجلال، ومع توافر الاحترام.

    ولا تعني الصراحة البذاءة بحال من الأحوال؛ لأن الصراحة نوع من الصدق مع حسن المعاملة، لكن بعض الناس على حياء زائد عن الحد، فلا يملك أن يقول: لا، إذا كان لا يستطيع، ولا يملك أن يقول: نعم لشيء يريده أحياناً، فينبغي أن نتذكر حديث أسماء بنت يزيد لما قالت: (يا رسول الله! إحدانا تقول للشيء تشتهيه: لا أشتهيه، أيعد هذا كذباً؟ قال: إن الكذب يكتب كذباً حتى تكتب الكذيبة كذيبة).

    فلماذا يا أخي تكلف نفسك ما لا تطيق، ولماذا تقول بلسانك ما ليس في قلبك، ولماذا تظهر من حالك ما ليس في الحقيقة؟! أضف إلى ذلك أن المجاملة التي تعارض هذه الصراحة تذهب أمراً مهماً، وهو واجب النصيحة، فالذي لا يتعود على الصراحة لا يستطيع أن ينصح؛ لأن الصراحة فيها إقامة للحق وبذل للنصح، فإذا كان لك صديق حبيب بينك وبينه مودة ومحبة، تجد أنك أحياناً تحرج منه، فيخطئ فلا تقول له إنك أخطأت، ويقع في أمور مشينة فلا تنصحه وتنبهه؛ لأنك لم تتعود على الصراحة، وكثيرون هم الذين يتعاشرون فترة طويلة من الزمن وليس بينهم صراحة، فلا يستفيد هذا من هذا، ولا هذا من هذا.

    أما السماحة فمعلوم أن الأمور والحياة بطبيعتها فيها أخطاء، وفيها هفوات، فينبغي للإنسان أن يكون متجاوزاً عن الهفوات، مبادراً إلى مغفرة الزلات، وإلى العفو عما قد يكون من عبارات أو كلمات، ويكون سمحاً ودوداً يستوعب الآخرين، ويسعهم بأخلاقه، ورحابة صدره، وسعة حلمه، ووافر عقله؛ لأن بعض الناس قد تقوده الصراحة إلى نوع من الاحتكاك والشدة، نحن لا نريد ذلك، نريد أن تستقيم ثلاثية التعاون حتى تكون بسيطاً فلا تتكلف، صريحاً فلا تنافق وتداهن، وسمحاً فلا تتشدد، وهذه أيضاً أمور فيها من واقع الحياة شواهده كثيرة، وفوائده إن شاء الله أيضاً كثيرة.

    نقف عند هذا الحد؛ حتى نستطيع أن نمر على بعض الأسئلة أو التعليقات، خاصة وأن بعضها يتعلق بالدرس من حيث هو، ومن حيث بدء استئنافه، ولعلي أن أنتهز الفرصة في تعليقي على بعض هذه الأسئلة، فيما يتعلق بالدرس في أوقاته القادمة إن شاء الله.

    1.   

    الأسئلة

    طلب إلقاء دروس عن البدعة وغيرها

    السؤال: كنت قد وعدت في دروس سابقة بدرس عن البدعة، ودرس عن كلام ابن القيم في الصواعق المرسلة، وهذا الوعد كان في رمضان في أثناء درس شرح لمعة الاعتقاد؟

    الجواب: لا بأس أن يكون هناك إن شاء الله تعريج على الموضوع الأول؛ لأن موضوع البدعة موضوع كامل شامل هام، وكنت قد تعرضت له جزئياً في درس المنهج في حماية العقيدة، ذكرت فيه أربعة أبواب، منها: باب الردة، ومنها: باب الولاء والبراء، ومنها: باب الغلو، ومنها: باب خاص بالبدعة، ولكن لعلنا أن نأخذ هذه الاقتراحات.

    ذكر أسباب انقطاع الشيخ عن الدروس

    السؤال: هذا أخ يقول إنه يتشوق للدروس، لكن يفاجأ بالانقطاع ويسأل عن السبب؟

    الجواب: السبب كما يقولون باللهجة الدارجة: العين بصيرة واليد قصيرة، كانت هناك مشاغل وعوارض، أضف إلى ذلك سعينا إلى أن نجدد لكم اللقاء مع مشايخ متعددين، وكانت لنا في الأسابيع الماضية ثلاثة لقاءات كلها لم تتحقق، وثلاث محاضرات كلها لم تقع، طرأت ظروف لضيوفنا ومن دعوناهم، ولم يتحقق ذلك فكنا في انتظار، وكلما انتظرنا طال الأمد حتى بدأ الدرس بداية اضطرارية لا اختيارية.

    عدم منافاة الأخطاء التي تحصل أثناء الغضب للعدل إذا تيب منها

    السؤال: الإنسان أحياناً يغضب، ويقول بعض الكلمات، ولكنه يتذكر ويستغفر، فهل هذا ينافي العدل في الغضب؟

    الجواب: هذا لا ينافيه؛ لأن العدل المقصود به الحكم الذي تحكمه وتمضي عليه، أما كلمة ندت منك من غير قصد، أو خرجت عند انفعال ثم رجعت عنها فاستغفرت، فهذا هو سمت المؤمنين: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201]، وأيضاً: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:135].

    الأضرار التي تصيب المحسود من الحاسد

    السؤال: ما هي الأضرار التي قد تصيب المحسود؟

    الجواب: النبي عليه الصلاة والسلام قال: (العين حق) وقال في حديث آخر: (إن يكن شيء يسبق القدر فالعين) فالعين لها حقيقة ملموسة، وهذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام يؤكدها، واستعاذته عليه الصلاة والسلام في دعائه: (وأعوذ بك من كل عين لامة) يدل على هذا أيضاً، والأمر الذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام العائن حين جيء به إليه أمره أن يتوضأ، فأخذ فضل وضوئه ومائه وأمر المعيون أن يغتسل به، فبرئ من أثر تلك العين.

    فهذا كله يدلنا على أن العين حق، ولذلك إذا رأيت نعمة أو رأيت شيئاً مما يعجب فقل دائماً: ما شاء الله تبارك الله، وادع لصاحبه بالخير، وادع الله عز وجل أن يرزقك ما ينفعك، فإنك لا تدري إن رزقت الغنى هل تكون صالحاً وتبقى على طاعتك وخيرك وحرصك على رضوان الله عز وجل، أم تبطر وتطغى؟! فلذلك ينبغي للإنسان أن يدرك هذا، وذلك بأن يتجنب الحسد ويعود نفسه على السماحة والكرم في النفس وحب الخير للآخرين، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

    حقيقة الاقتصاد في المعاش

    السؤال: بعض الناس إذا اقتصد قال عنه الناس إنه بخيل، فماذا يصنع؟

    الجواب: لا تلتفت إلى أقوال الناس، لكن انظر إلى ميزان الشرع، فهل بلغ بك الاقتصاد إلى البخل؟ فأنت أعرف بنفسك، يقول عز وجل: بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [القيامة:14] وهناك واجبات، وهناك ضروريات، وهناك تحسينيات، وهناك حاجيات، كل شيء له قدره، فينبغي للإنسان ألا تختلط عليه الأمور.

    واجب الحاسد تجاه المحسود بعد وقوع الحسد منه

    السؤال: من وقع منه حسد، فماذا يصنع؟

    الجواب: يكفي الاستغفار والتوبة إن شاء الله تعالى إن صدق وأخلص، وإن علم أو غلب على ظنه أن من أصابته هذه العين، وقد تضرر، فليكن سمحاً وليذهب إليه ويقول له: إني رأيت منك كذا وكذا، فوقع في نفسي، فربما كان ذلك مني، ويتوضأ كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام، ويأخذ فضل ماء وضوئه ويعطيه للمعيون حتى يغتسل به، فيبرأ بإذن الله عز وجل، وهذا كان من فعل النبي عليه الصلاة والسلام.

    كثرة مواطن إجابة الدعاء

    السؤال: هناك دعوة مستجابة لخاتم القرآن وغيره، لماذا لم تذكر ذلك؟

    الجواب: نعم، نحن ذكرنا حديثاً واحداً، ولا يمنع أن هناك أحاديث أخرى فيها أصناف وأنواع وأعمال فيها يجاب الدعاء، فليس المقام مقام الحصر، وإنما هو مقام الذكر، فما ذكر لا يعني أن غيره خارج عنه.

    وجه تعلق مشاهدة الجنس عبر القنوات بالدياثة

    السؤال: هل رؤية المشاهد المخزية من المشاهد الجنسية في القنوات الفضائية، وهذه الرؤية من الرجل وزوجته وبناته وأبنائه، هل الرضا بهذه المناظر من الدياثة، ويدخل في هذا الوعيد؟

    الجواب: أقول والله أعلم: إن هذا من مثله ويدخل فيه؛ لأنه إذا لم يكن عنده غيرة أن ترى بناته هذه المناظر، أو يرى أبناؤه هذه الأمور المحرمة، فلا شك أن هذا ضعف في قلبه وغيرته، نسأل الله عز وجل السلامة!

    ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم، ونريد إن شاء الله أن نستفيد جميعاً، فإن كان لأحدكم ملاحظة أو تعليق، أو وجد فائدة في درس قد مضى، أو في درس يقترحه، فلا شك أن المسألة منكم وإليكم، ونحن يستفيد بعضنا من بعض، ونحمد الله جل وعلا، ونصلي ونسلم على رسوله محمد عليه الصلاة والسلام.