إسلام ويب

الصياد الماهرللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الداعية المسلم كالصياد الماهر، وذلك أن الداعية يصيد الناس من بحار الشهوات والمعاصي، ومن غابات الدنيا، بشباك الحكمة والموعظة الحسنة، فيجب عليه إذن أن يعد عدته، وأن يهيئ نفسه، وأن يستفرغ جهده في مهمته، وأن يستفيد من صيده.

    1.   

    الدعاة صيادو الخلق بشباك الحق

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، نحمدك اللهم حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على آلائك ونعمك التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما تحب يا ربنا وترضى، نحمدك اللهم على نعمك المتواليات، وعلى أفضالك الغامرات، نحمدك اللهم على كل حال وفي كل آن، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيد الأولين والآخرين إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من اقتفى أثرهم وسار على دربهم، ونهج نهجهم، إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك ومن التوكل إلا عليك، ومن الخوف إلا منك ومن الرجاء إلا فيك، أنت ولينا في الدنيا والآخرة، برحمتك يا أرحم الراحمين! وبعد:

    صفات الصياد الماهر

    أيها الإخوة الأحبة! فمع الدرس الرابع من الدروس العامة نقضي هذا الوقت بعون الله جل وعلا، ودرس اليوم عنوانه (الصياد الماهر).

    وأول ما نبدأ به من الحديث: ما يتعلق بالصياد ووصفه، وكيف يكون ماهراً؟ ثم ما شأننا وهذا الصياد؟ ثم بعد ذلك حينما نربط بين الأمرين، نمضي قدماً لننتفع بما نحتاج إليه في مهمة عظيمة من مهمات حياتنا، ينبغي لنا أن نعرفها وأن نتبصر بها، فنقول:

    أولاً: ما عرف الناس صياداً يصيد وهو قابع في قعر داره، أو جالس على حلس في بيته، بل لابد له أن يخرج إلى مكان الصيد حتى يصطاد.

    والثانية: أنه لا يمكن أن يخرج خلواً من عدته ليس معه إلا يدين خاويتين، بل لابد له من عدة يأخذها معه حتى يصطاد بها، ونحن نعرف أيضاً أنه يحتاج إلى تفقد عدته؛ ليطمئن إلى صلاحيتها للصيد، ولينتبه إلى فعاليتها التي يحتاج إليها، ومن بعد ذلك فإننا نعرف أنه يختار لكل نوع من الصيد عدته التي تخصه، فهو يعد الشباك لصيد البحر، ويعد السهام لصيد البر، ويعد البندقية لصيد الطير، وكل عدة لا تنفع إلا لصيد معين، فهو إذن لابد أن يحدد العدة على حسب الصيد الذي ينطلق إليه ويرغب في صيده.

    وكذلك نعلم أنه كلما هيأ عدته وكثر أسبابها فإن ذلك يعود عليه بغنيمة أوفر في الصيد، فالذي عنده شبكة صغيرة لا يصيد مثل الذي عنده شبكة كبيرة، والذي عنده ذخيرة قليلة لا يصيد مثل الذي عنده ذخيرة كثيرة، فلاشك أن للعدة وتهيئتها أثراً بالغاً في عظم الصيد وكثرته.

    ثم نمضي مع هذا الصياد بعد أن هيأ عدته وكثرها وجعلها مناسبة لصيده، وخرج من داره، فإنه قطعاً ولا شك سينطلق إلى مكان مناسب يتحرك فيه، ويرجع منه بصيد وافر، فلن يذهب مثلاً إلى مياه ضحلة ليس فيها سمك، أو يذهب إلى أرض فضاء ليس فيها صيد؛ لأنه حينئذ لن يكون صياداً فضلاً عن أن يكون صياداً ماهراً، فإذاً: لابد أن يختار المكان المناسب، وهذا المكان هو الذي تتوفر فيه أعداد كثيرة، وأسباب من النجاح وفيرة.

    ثم إذا وصل إلى ذلك المكان لاشك أنه يحتاج أولاً إلى أن يفحص المنطقة، وأن يدرس الموقع دراسة جيدة، حتى يحدد لنفسه المكان المناسب الذي يتهيأ فيه لصيده، فإذا كان الأمر يحتاج إلى تخف تخفى عن الوحوش أو عن الغزلان التي بمجرد رؤيته تفر منه، وإذا كان الأمر يحتاج إلى رحب من المكان لينطلق ويعدو فلا شك أنه سيختار ذلك الموقع.

    فإذاً مجرد وصوله إلى المكان المناسب لا يكفي، بل يحتاج إلى أن يدرسه وأن يفحصه، ومن بعد ذلك أن يتفاعل معه، فيقدر الموقع ويقرر المكمن الذي يستعد فيه لصيده، ثم نرى الصياد من بعد ذلك متربصاً كامناً متحلياً بالصبر، موصوفاً بطول النفس، لا يمكث فقط خمس دقائق فإن وجد صيداً وإلا رجع! هذا إن كان هاوياً، أما إذا كان ذلك الصيد مصدر رزقه فإنه لاشك سيمكث مهما طال الزمن، ومهما امتد الوقت.

    ومن بعد ذلك نجده إذا بصر بصيده يجتهد اجتهاداً كبيراً في إصابة الصيد، فلا يتعجل ويرمي بذخيرته كيفما اتفق، بل يتأنى، وكما يقال: ينشن تنشيناً دقيقاً، لماذا؟ لأنه إذا أخطأ في تلك الإصابة فلا شك أن ذلك سيفوت عليه الصيد، ويحتاج من بعد ذلك إلى كرة أخرى، وإلى زمن آخر أطول؛ فلذلك لابد له من أن يستفرغ جهده في أن تكون الضربة الأولى هي الصائبة، فحينئذ يوفر على نفسه وقته ويوفر عدته، ويوفر جهده.

    ونمضي معه أيضاً فإذا به يحرص كل الحرص على عدم تنفير الصيد، وهذه صفة مهمة في الصياد، فتراه يسير على أطراف قدميه، ويتوقى إحداث الصوت؛ لئلا ينفر الصيد، بل هو يبالغ في إحكام الطعم الذي يقدمه حتى لا ينفر منه الصيد، وهذه سمة أساسية في الصياد، أما إن كان غير ذلك فتراه بحركة طائشة ينفر صيده أو بطعم فاسد يقتل صيده، وهذا لا يمكن أن يكون بحال ماهراً ولا صياداً.

    ثم إننا نجده من بعد ذلك لا يدب إلى نفسه اليأس، بل إذا فاته الصيد في المرة الأولى عاود الكرة مرة أخرى في زمن آخر، وإذا كانت الأرض أو الموقع غير مناسب انتقل إلى غيره، لماذا؟ لأنه لابد له من الصيد؛ فهو لا يستغني عنه لأنه مصدر رزقه، ثم أيضاً نجده لا ينصرف عن مهمته بعوارض أخرى، فلا يصرفه مثلاً جمال المنظر في البحر وزرقته، والشمس ولون غروبها، فيتأمل في ذلك المنظر الجميل، أو يضع بندقيته جانباً، وينظر في رواء الأشجار، وطيب الثمار، وخرير المياه! فإنه بذلك قد توجه وجهة أخرى، ونسي المهمة التي خرج لأجلها، وبالتالي سيضيع الثمرة التي خرج ليقطفها.

    وآخر الأمر: فإننا نجد ذلك الصياد إذا وصل بصيده انتفع به من وكل وجه من الوجوه، فإذا بلحمه يؤكل، وإذا بجلده يدبغ، وإذا بقرنه يباع، فلا يترك منه شيئاً إلا وينتفع به انتفاعاً كاملاً.

    المسلم الكامل وعلاقته بالخلق

    هذه صورة لهذا الصياد، فما صلتنا به؟ وهل سنتحدث عن صيد اللؤلؤ أو عن صيد السمك، أو عن صيد الطيور، أو عن أي شيء من هذه الأمور؟

    ليس ذلك هو مقصدنا وغايتنا، وإنما هي تقدمة وتوطئة لما نريد أن ننبه عليه، وأن نتأمل فيه، ونربط الربط الذي ينقلنا إلى جوهر الموضوع ولبه، فنمضي مع بعض أقوال عبد القادر الجيلاني وهو يبين لنا صفات المسلم الكامل، والزاهد البصير، فيقول لنا في وصفه: (الزاهد الكامل في زهده لا يبالي من الخلق، لا يهرب منهم بل يطلبهم)، ثم يقول: (المبتدي يهرب من الفساق والعصاة، والمنتهي يطلبهم)، يعني يخرج إليهم، قال: (وكيف لا يطلبهم وكل دوائهم عنده؟!).

    ثم يأتي الموضع الذي سينقلنا إلى الربط بين القضيتين فيقول: (من كملت معرفته بالله عز وجل صار دالاً عليه، يصير شبكة يصطاد بها الخلق من بحر الدنيا) فإذاً: حديثنا عنك أيها المسلم! عنك أيها العالم! عنك أيها الداعية! عنك أيها الواعظ! وكما قال بعضهم: العلماء يصطادون الخلق بشباك الحق، فأنت صياد لكنك تصيد الناس، من الفسق إلى الطاعة، من الكفر إلى الإيمان، من الغفلة إلى التذكر، فمهمتك في هذه الحياة أن تكون صياداً ماهراً، وكما أشرنا سابقاً أن للصياد صفات، ورأينا كيف تتحقق له صفة المهارة، وكيف يحظى في آخر الأمر بالثمرة التي يرجوها، فكذلك نمضي معك وأنت صياد داعية، لنرى معاً كيف ينبغي أن تصيب، وكيف ينبغي أن تأخذ ذات المنهج، وأن تسير على ذات الخطى التي أخذ بها ذلك الصياد الذي أسلفنا ذكره.

    فضل الدعوة إلى الله

    غني عن القول أننا لا نحتاج إلى الإفاضة في فضل ذلك الصيد، أعني: فضل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر يطول الحديث فيه.

    وحسبنا منه تذكرة أن الله جل وعلا أثنى على هؤلاء الدعاة الذين يتهيئون لصيد الخلق إلى حياض الحق، فيقول سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].

    فتلك مرتبة عليا يبينها النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث علي بن أبي طالب عند الإمام البخاري : (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، وكذلك يبينها لنا من حديث أبي مسعود عند الإمام مسلم : (من دل على خير فله مثل أجر فاعله)، فيدفعك ذلك إلى أن تعرف هذا الأمر، وأن تعرف كذلك عظمة الثواب الذي يتصل فلا ينقطع، ويدوم دواماً في الحياة وبعد الممات، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)، وذكر منها: علمٌ ينتفع به، وهذا العلم هو ذلك التوريث للدعوة والسيرة الحسنة والقدوة الكاملة.

    1.   

    من آداب الداعية

    حرص الداعية على الدعوة

    بعد بيان الفضل للدعوة يأتي الحرص عليها، فالذي تكون المسألة بالنسبة له هواية عارضة، أو قضية ثانوية، أو عملاً يشغل به فضول أوقاته، ليس هو الذي نركز عليه في حديثنا، وليس هو الذي يعبر عنه قول الله سبحانه وتعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    وليس هو الذي مضى طول عمره وهو في هذا الشأن، وهذا الطريق، امتثالاً لقول الله سبحانه وتعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99].

    فلابد أن نعرف -كما مر بنا في وصف الصياد- أننا قصدنا به الذي يعتبر الصيد مهمته وطلبته ومصدر رزقه، فكذلك نقصد هنا: المسلم الذي يرى الدعوة مهمته، ويرى الدعوة فريضته، ويرى الدعوة واجبه، كما جاء في نصوص كثيرة متضافرة ليس في الوقت مجال لذكرها.

    وتأمل في سياق سريع ذلك الحرص الفريد العجيب الذي مثله لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حينما جعل مهمته وغايته في الحياة هي هداية الناس، ودعوتهم إلى طريق الله سبحانه وتعالى، حتى خاطبه القرآن في شدة حرصه، فقال الله جل وعلا: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]، وقال الله سبحانه وتعالى: إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [النحل:37]، وقال سبحانه وتعالى: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127].

    وذكر من حاله عليه الصلاة والسلام: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6]، أي: لعلك قاتل نفسك، ومتلف جسدك، ومضيع وقتك وأنت تتبع القوم، وتمضي في إثرهم، وهم يعرضون عنك، أنت تريد لهم الخير وهم يبتعدون عنك! ومع ذلك كان هذا الحرص من منطلق الفهم الصحيح لعظمة الرسالة، ولخيريتها، فالذي يعرف الخير ينبغي أن تكون نفسه -بتأثرها بذلك الخير- تحب الخير للآخرين، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، والنفس التي ترى النور تأسى وتحزن على الذين يعيشون في الظلام، يتخبطون فيه، وينزلقون مرة بعد مرة، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فجعلت الهوام والفراش يقعن فيها، وجعل يذبهن عنها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار).

    لابد لك أن تكون حريصاً غاية الحرص على هداية الخلق، وأن تعرف أن هذه المهمة واجبة، وأن هذه الرسالة عظيمة، وأنها ينبغي أن يستفرغ لها كل الوقت، ومعظم الجهد، وكل الفكر؛ حتى تؤتي ثمارها، كما كان على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    خروج الداعية لدعوة الناس

    وقد ذكرنا أن الصياد لا يقبع في بيته بل يخرج، وتأمل هذه المقالات وهذه الأمثلة التي تنعي عليك جلوسك في بيتك، وقعودك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأخرك عن إرشاد الخلق، وعدم خروجك إليهم لتبصرهم بما هم فيه من الخطأ، وما يقعون فيه من الزلل: فهذا طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وأرضاه أحد المبشرين بالجنة، يقول: إن أقل العيب على المرء أن يجلس في داره! وما أقواها من كلمة! فكيف بما هو أكثر من ذلك؟

    ثم استمع إلى عطاء بن أبي رباح ، من جلة التابعين، ومن أئمة علمائهم في مكة المكرمة، وهو يقول: لأن أرى في بيتي شيطاناً خير من أن أرى في بيتي الوسادة؛ لأنها تدعو إلى النوم!

    فانظر إلى فقه القوم كيف دفعوا الجسد للنهوض، وكيف أرادوا ألا تركن أنفسهم إلى الدنيا، وألا يظلوا منكمشين عن الناس، يحبسون العلم بصدورهم، ويحبسون الحكمة بأفواههم، فهذا التابعي الجليل كان يرى أن مخدة النوم التي تدعو إلى الكسل وإلى التثاقل وعدم الخروج، كان يراها أشد عليه من الشيطان الذي يخطر بينه وبين نفسه.

    ثم تأمل أيضاً تلك المقالة من الغزالي القدير -رحمة الله عليه- وهو يقول: (اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خالياً في هذا الزمان عن منكر)، عن منكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس، وتعليمهم وحملهم على المعروف، فما دمت قاعداً في بيتك فلابد أن يلحقك نوع قصور وبعض إثم؛ لأنك ما خرجت لتعرف الناس وتصحح نهجهم.

    ونمضي من بعد ذلك مع فعل النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن بزغ نور الإسلام في أول صلة بين الأرض والسماء، من قول ( اقرأ ) الأولى، التي نزل بها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاءته: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، وجاء من قبلها يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:1-2].

    ولما نزل قول الله جل وعلا وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] خرج عليه الصلاة والسلام من بيته، ورقى الصفا وجعل ينادي: يا بني فهر! يا بني عدي! وجعل ينادي قريشاً بطناً بطناً، ثم يقول لهم عليه الصلاة والسلام: (أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً ببطن هذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أفكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب أليم، فقال أبو لهب -عليه لعنة الله-: تباً لك، ألهذا جمعتنا؟!).

    واسمع لهذا الحديث عند البخاري من رواية ابن عباس وعند أحمد بسند رجاله رجال الصحيح عن رجل من بني مالك بن كنانة -وهو صحابي، وجهالة الصحابي لا تضر- قال: (رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يتخللها، فيقول: يا أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وأبو جهل في إثره يحثو عليه التراب، ويقول: لا يغوينكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم، وتتركوا اللات والعزى)، فتأمل هذا النص وهو يقول: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يتخللها)، يعني: ينطلق إلى المواسم، إلى الأسواق، يخرج إلى الناس، يلقاهم في مجامعهم، يغشاهم في مجالسهم، وتلك أول خطوة في السير، وأول خطوة في طريق الدعوة، وروى البخاري أيضاً من حديث أنس رضي الله عنه: (أن الصحابة من الأنصار جاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا له: لو أتيت عبد الله بن أبي رأس المنافقين -يعني: لو أتيته لتدعوه، ولعلهم كانوا يقصدون أنه قد يصد عن الدعوة إن لم يؤت إليه؛ لشرفه ومقدراه، فما استعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك- فقال: انطلقوا بنا إليه، وانطلق عليه الصلاة والسلام يركب حماره، وانطلق المسلمون معه يمشون، فقال ذلك المنافق عليه لعنة الله للنبي: إليك عني! والله لقد آذاني نتن حمارك، فرد عليه بعض الصحابة رداً غليظاً يكافئ قوله). وشاهد الحال أن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق إلى أهل النفاق لدعوتهم.

    ثم انظر إلى النص الآخر، وهو عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كنا جلوساً في المسجد، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: انطلقوا إلى يهود، انطلقوا إلى يهود). يستنهض الناس معه انطلاقاً وخروجاً إلى الناس في مجامعهم، فلما جاءهم ودخل عليهم، وهم في بيت المدراس أي: الذي يتعلمون فيه قال: (يا معشر اليهود! أسلموا تسلموا أسلموا تسلموا قالوا: بلغت يا أبا القاسم ! قال: ذاك أريد. ثم أعاد عليهم مرة أخرى فقال: أسلموا تسلموا قالوا: قد بلغت يا أبا القاسم !). ثم قال: (اعلموا أن الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم، فمن وجد منكم بماله شيئاً فليبعه، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله).

    فهكذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحرك، ولاقى القوم من كفار قريش في أسواقهم، ولاقى القوم من اليهود في مدارسهم، ولاقى القوم من المنافقين في تجمعاتهم، وخرج في كل حدب وصوب، وخرج إلى الطائف لما وجد البيئة المكانية غير ملائمة، فأراد أن يشق للدعوة طريقاً في موضع آخر، ثم لقي ما لقي من السخط والإعراض، وجاءه ملك الجبال -كما في البخاري في الصحيح- وقال: (لو شئت أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت، فقال: لا، لعل الله يخرج من أصلابهم من يؤمن بالله ورسوله).

    فانظر عظيم الحرص على هداية الخلق، وانظر عظيم التعلق بالدعوة وعدم اليأس، وانظر إلى سعة الصدر، وطول النفس، وعظيم الصبر عنده صلى الله عليه وسلم.

    ثم نرى ذلك نهج الصحابة رضوان الله عليهم، نهج أتباع محمد عليه الصلاة والسلام، والأمثلة في ذلك تطول، فـعمر رضي الله عنه ما فتحت بلد من بلاد الإسلام إلا وأخرج إليها علماً من أعلام الصحابة رضوان الله عليهم، فبعث إلى الشام معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبا الدرداء ، بعثهم لأهل الشام، وبعث لأهل الكوفة ابن مسعود رضي الله عنه معلماً ووزيراً.

    ولم يكن ذلك شأن الصحابة فحسب، بل هو شأن من جاء بعدهم وسار على نهجهم، فإذا نحن مع سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث رحمة الله عليه وهو يقول: والله لو لم يأتوني لأتيتهم في بيوتهم، يعني: أصحاب الحديث.

    (لو لم يأتوني لأتيتهم في بيوتهم) فلا ينتظر الناس حتى يأتون إليه يطلبون العلم منه، وذلك شاهد حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي أخبر أن مثله كمثل الغيث الذي أصاب أرضاً، فتنوعت هذه الأراضي التي جاءها ذلك الماء، فمنها ما هي قيعان سبخة لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، ومنها ما تمسك الماء ولكنها لا تظهره، ومنها ما تمسك الماء وتنبت الكلأ، فتلك التي تعلي راية الحق وتصدع بقول الحق، وتوصل كلمة الحق إلى كل أحد، فذلك كان دأب القوم.

    وتأمل في قصة مالك بن دينار التي يذكرها ابن الجوزي ، وهو يبين لنا عظيم الفطنة والحركة في مسألة اصطياد الناس: يذكر أنه جاء لص إلى بيت مالك ليسرق منه، فدخل -و مالك من الزهاد ليس عنده من الدنيا قليل ولا كثير- فجعل يقلب، فإذا بالبيت ليس فيه ما يستدعي السرقة، وبصر به مالك فقال: يا هذا! أفاتك حظك من الدنيا؟ قال: نعم. قال: فهل لك في شيء من الآخرة؟ قال: فماذا؟ قال: توضأ وصل ركعتين، ثم ما لبث أن أخذه لصلاة الفجر، فقال له بعض الناس: من هذا؟ قال: جاء ليسرقنا فسرقناه!

    فهذه هي الروح التي بها ينطلق الداعية، وينطلق بها الصياد الذي يصيد الخلق إلى طريق الحق، وكما قال الشاعر:

    إني رأيت وقوف الماء يفسده إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب

    والأسد لولا فراق الأرض ما افترست والسهم لولا فراق القوس لم يصب

    الذي يبقى في مكانه لا يحصل له شيء، وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً).

    إذاً: لابد من الحركة، ولا يمكن للإنسان أن يكسب رزقه في الدنيا وهو جالس في بيته، فكذلك لا يمكن أن يكسب أجره في الآخرة بإرشاده للناس وتبصيرهم وهو جالس في بيته لا يتحرك ولا يتقدم، ولذلك كان فقه القوم من أهل البصيرة يعتمد على أن الإنسان لابد له أن يغشى مجامع الناس، وأن يخالطهم، أما العزلة والانحسار وعدم الاحتكاك فهذا ذم ليس بعده ذم، ولذلك حتى المتأخرون ينبهون على ذلك، فهذا الرافعي الأديب -وهو قريب العهد بنا- يقول عن الذي انعزل عن الناس: يحسب أنه قد فر من الرذائل إلى فضائله، ولكن فراره من مجاهدة الرذيلة هو في نفسه رذيلة لكل فضائله، ثم يتابع فيقول: وماذا تكون قيمة العفة والأمانة والصدق والوفاء والبر والإحسان، إذا كانت فيمن انقطع في صحراء أو على رأس جبل؟! أيزعم أحد أن الصدق فضيلة في إنسان ليس حوله إلا عشرة أحجار؟! مع من يصدق؟! وكيف نعرف صدقه وهو لم يدخل مع الناس ليخبرهم أو يعاشرهم فيعرفون حاله؟! ثم قال: وايم الله؛ إن الخالي من مجاهدة الرذائل جميعاً لهو الخالي من الفضائل جميعاً!

    فلذلك لابد من فهم المبدأ الأول والأساس الأول: وهو أنه لابد أن تخرج، ولابد أن تخالط، ولابد أن تعاشر، ويكون غرضك في ذلك أن تصلح وأن توجه، وأن ترشد، ولذلك يذكر ابن القيم عن بعض السلف أنه كان يقول: يا له من دين لو أن له رجالاً! الدين موجود في القرآن وفي السنة، لكن من ينقله؟ ومن يطبقه؟ ومن يمثله في واقع الحياة؟ ومن يبشر به الناس؟ ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37] أي: ذوي الرجولة الكاملة.

    وعن بعض السلف أنه جاء إليه بعض الناس، فقالوا له: أتيناك في حويجة فقال -وهو لا يرضى أن يكون صاحب الأمر البسيط والهين-: إذا كانت حويجة فالتمسوا لها رجيلاً على قدرها! ولذلك إن كنت تريد أن تكون على ذلك السبيل الذي قال الله سبحانه وتعالى فيه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]، فينبغي أن تكون رجلاً لا رجيلاً، وهذا المبدأ الأول.

    1.   

    عدة الداعية

    عدة الداعية كثيرة، ولكن أسسها يمكن أن تذكر في إيجاز، ويندرج تحتها كثير من الفروع، ومن أساسها:

    إيمان الداعية بما يدعو إليه

    الإيمان الصادق العميق، ذلك الإيمان الذي يظهر جلياً في ثلاثة أمور:

    إيمان بأن الأجل بيد الله.

    وإيمان بأن الرزق بيد الله.

    وإيمان بمراقبة الله سبحانه وتعالى.

    هذا هو الإيمان المؤثر، وليس فقط الإيمان النظري أو الجدلي: يحفظ من الكتب، ويحفظ من المقالات، ويعرف من المعضلات والمشكلات الشيء الكثير ثم لا تجد له رقة في قلب، ولا قوة في حق، ولا ثباتاً على إيذاء، فذلك كما قال الله سبحانه وتعالى: يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [النساء:77]، ولا شك أن الذي يخرج من قلبه هذه الخشية لله سبحانه وتعالى، لا يمكن أن يكون ذلك النموذج الذي يتهيأ بعدته للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ولاشك أننا نعرف في ذلك أمثلة كثيرة سواء من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو من سيرة أصحابه رضوان الله عليهم.

    تقوى الله تعالى

    العدة الثانية: وهي جامعة شاملة، تبين كل ما يلحق بذلك، وهي قول الله سبحانه وتعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:197].

    زاد التقوى أعظم عدة الداعية، لأن فيها حياة للقلوب، ونور للبصيرة، فلا تتأثر بالشبهات، وهذه التقوى تحتاج إلى عهد وإلى ميثاق وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل:91]، وتحتاج إلى مراقبة لله سبحانه وتعالى دائمة الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:218-219]، وتحتاج إلى محاسبة كاشفة، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18]، وتحتاج إلى مجاهدة دائمة موصولة وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69].

    حرص الداعية على التفقه في الدين

    العدة الثالثة: العلم والفقه في الدين:

    والفقه أوسع دائرة من مجرد العلم الذي ينصرف الذهن فيه إلى ما يحفظ من كتاب الله، أو ما يعرف من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ما يعرف من أحكام الفقه، فإن الفقه في الدين هو نوع من العلم والبصيرة، وهذه مسألة مهمة وعدة من العدد اللازمة للداعية، وليس العلم بكثرة المحفوظ، وإنما بحسن الفهم، ولذلك لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس قال: (اللهم فقه في الدين، وعلمه التأويل).

    الفقه في الدين: بصر بالمقاصد، معرفة بالأولويات، ترتيب للأهميات، إدراك لواقع الحال، معرفة لأثر المتغيرات، تنبه لاختلاف الأشخاص والنفوس، كل ذلك نوع من الفقه في الدين، ولذلك أحاط الله سبحانه وتعالى بكل شيء علماً، ثم منَّ على رسوله صلى الله عليه وسلم بمنة العلم، فقال جل وعلا: وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء:113]، وقال قائل السلف: ليت شعري ماذا أدرك من فاته العلم، وماذا فاته من أدرك العلم.

    من فاته العلم فلا حياة لقلبه، ولا صحة لعمله؛ لأنه فاقد للعلم الذي يبصر بذلك كله، ومن أدرك العلم فقد بصر بأمر الله سبحانه وتعالى، وبهدي الرسول عليه الصلاة والسلام، وحصل خير الدنيا، ويرجى له خير الآخرة، فماذا فاته؟! هل فاته شيء من رزق أو قوت أو مال؟ كل ذلك عند المسلم هين يسير.

    وجاء عن لقمان الحكيم عند تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ [لقمان:12] أنه قال لابنه: جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل السماء. والعلم مقدم على العمل، بل هو مفتاح العمل فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19]، كيف تستغفر الله إن لم تكن على علم ومعرفة بالله سبحانه وتعالى وعظمته والإيمان به؟! كيف يمكن أن تسير في التزامك أولاً فضلاً عن دعوتك من غير ذلك الزاد المهم في هذا الباب؟! وينبغي أن ننبه إلى أن هذا العلم وهذا الفقه يشمل مسائل كثيرة، نوجزها في أمور، أولها:

    تعلم ما لا يسع المسلم جهله مما يحتاج إليه من أمور الإيمان وأحكام العبادات والمعاملات، وكما قال أهل العلم: إن العلم فرضان:

    الأول فرض عين، وهو إجمالاً: معرفة الله جل وعلا، ومعرفة أسمائه وصفاته، وتعظيمه سبحانه وتعالى، وخشيته ومحبته، ويلحق بذلك أيضاً تعلم المفروض عليك من أحكام الصلاة التي لابد لك منها، ومن أحكام الزكاة إن كنت صاحب مال، ومن أحكام الحج إن استطعت إليه، ومن أحكام البيع والشراء إن كنت ممن يدخلون في بابه، هذا أمر لا مناص منه.

    والثاني: فرض كفاية، وهو: الاستزادة من العلم فوق هذا القدر، فلا تحرم نفسك أنوار القرآن والوقوف على معانيه، ولا تحرم نفسك هدي النبي صلى الله عليه وسلم والوقوف على سيرته، ولا تحرم نفسك مما نقل أو مما خلد التاريخ من آثار المتقدمين في أنواع العلوم فقهاً وأصولاً وحديثاً، وكل علم من علوم الدين والشريعة، فإن ذلك كلما زاد كانت العدة والذخيرة كثيرة، والشبكة كبيرة، وكلما أحسنت الصيد، فالعالم له أثر في الناس غير طالب العلم، والعامي غير طالب العلم، فبحسب ما تزيد من عدتك وتزيد من علمك وبصيرتك يكون لك في هذا الشأن قدم سابقة، ونتيجة أكبر.

    ويلحق بذلك أيضاً مما يتعلق بالعلم: البصر بالواقع والعلم به، وهذه مسألة مهمة، فقد جد في حياة الأمة كثير من الفتن، وكثير من المذاهب الردية، وكثير من المفاسد، والحكمة تدعو أن يكون الداعية ملماً بها، لا أن يعيش في هذا العصر يقرأ كتبه فقط، بل يستنزل ذلك المكتوب ليطبقه أو لينفعل ويتفاعل به مع الواقع، حتى يمكن أن ينتفع به.

    تمثل القدوة في الداعية والتزامه بما يدعو إليه

    العدة الرابعة: الالتزام والقدوة:

    لابد أن يكون من أعظم العدة التزامك بما تدعو إليه، وكونك قدوة للناس، فيما تحثهم وتحضهم عليه، ويشهد له قول الله سبحانه وتعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

    ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أصحابه أن يحلقوا رءوسهم، وأن يحلوا إحرامهم؛ لأنه قد عقد الصلح، وعزم على الرجوع، شق ذلك على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سلمة مغضباً، فقال: (هلك الناس! قالت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: أمرتهم فلم يأتمروا، قالت: يا رسول الله! فإن الناس قد دخل عليهم من ذلك الأمر شيء عظيم، لو أنك بادرت فحلقت لفعلوا، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وحلق رأسه، فابتدر القوم يحلقون، حتى اختلفت أمواسهم وسالت دماؤهم)، فكان ذلك التقدم بالفعل والتطبيق أقوى في التأثير من مجرد القول، وهذا هو شأن الإنسان الذي ينبغي أن يكون على هذا الأمر، ولذلك قال الشافعي : من وعظ أخاه بفعله كان هادياً، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال، وهذا أمر مهم جداً.

    الربانية

    العدة الخامسة: الربانية:

    فإن الداعية ما لم يكن موصولاً بالله، متميزاً في هذا الشأن، فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن ينجح في مهمته، ما لم يمرغ جبهته بالسجود، ما لم يعود عينه دمعة الخشوع، ما لم يستحضر قلبه في تلاوة القرآن، ما لم يدم رفع كفه دعاءً لله سبحانه وتعالى، ما لم يعود نفسه الإنفاق في سبيل الله، ما لم يكن لسانه رطباً بذكر الله، ما لم يكن متميزاً بهذه الصلة، فلا شك أنه مهما كان في ظاهر سلوكه الذي يظهر به أمام الناس قدوة، لكنه يحتاج إلى الصلة التي تخفى على الناس، وفيها تثبيته وقوته، وفيها يبقى على دعوته إلى أن يلقى الله سبحانه.

    هذه كانت عبارات موجزة فيما يتصل بعدة ذلك الداعية وآدابه.

    1.   

    معرفة الداعية مقامات المدعوين وفهم نفسياتهم

    وقد قلنا: إن هذه العدة لا بد أن تكون مناسبة للصيد، فالشبك للبحر، والسهم للبر، والبندقية للطير، ونحو ذلك، فليس من الفطنة ولا من الحكمة أن تأتي للعامي فتحدثه في أصول الفقه، وتأتي للذي عنده بصر في العلوم الطبيعية فتحدثه عما ليس له به صلة.

    هذا نوع من عدم الإتقان، كأنك جئت إلى البحر لتصطاد سمكة ببندقية! فإنها لن تصيب، وإن أصبت فهي إصابة طائشة، ولذلك فإن على الداعية معرفة مقامات المدعوين، وفهم نفسياتهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما سمع مقالة العباس له: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فلو جعلت له شيئاً! تلطف الرسول صلى الله عليه وسلم في المدخل إلى أبي سفيان ، وصاده من هذا المكمن، فقال: (من جلس في داره فهو آمن، ومن دخل في البيت الحرام فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، ولماذا أبو سفيان على وجه الخصوص؟ لأجل هذه السمة التي كانت فيه، رضي الله عنه وأرضاه.

    ويبين لنا صفوان بن أمية منطقاً آخر، يجعله أيضاً منهجاً في هدي الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبغض الخلق إليّ، فما زال يعطيني، -أي: من المال- حتى كان أحب الخلق إليّ.

    وكذلك فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع مسلمة الفتح يوم حنين، حيث أعطاهم وأعطاهم تأليفاً لقلوبهم، فكل إنسان له مدخل، وله مناسبة معينة، والمناسبة تختلف باختلاف الأشخاص وباختلاف أحوال الأشخاص، وقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، فهذا سائل يقول له: (أوصني، فيقول النبي: لا تغضب)، والآخر يسأله: (أوصني، فيقول: لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)، وثالث يسأله فيجيبه بإجابة أخرى، وما تنوعت الإجابات إلا لمناسبة أحوال هؤلاء الناس، فلابد أن تعرف ذلك الصيد، وما هي العدة التي تناسبه: إن كان من أهل العلم فمدخله العلم، وإن كان من أهل العلاقات الاجتماعية، فمدخله كيف راعى الإسلام تلك العلاقة وضبطها، وإن كان من أهل التجارة والاقتصاد، فمدخله كيف حث الإسلام على العمل والسعي في كسبه، وكيف يتعامل معه، ولابد أن يصدم الإنسان حينما لا يدرك هذه الغاية وهذه الحقيقة، فيتعثر في النجاح، فيأتي وليس عنده إلا نفس العدة، يريد أن يصيد بها كل خلق الله وبنفس الأسلوب، وهذا لا يحصل به الصيد، بل هو نوع من أنواع تنفير الصيد الذي سيأتي حديثنا عنه لاحقاً.

    ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم نجابة ابن عباس قال: (اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل) ولما رأى في ابن عمر مزية العبادة قال: (نعم الرجل عبد الله ! لو كان يقوم من الليل) ولما رأى في أبي بصير شكيمة الحرب قال: (ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال).

    فبحسب الحال الذي تقتضيه الدعوة، وبحسب الحال الذي في هذا الشخص كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه، ولذلك كان الصحابة مختلفين في التخصص، ولم يكونوا كلهم على شكل وتخصص واحد، بل كان كل منهم يتميز بميزة: فـأبي أقرؤهم، ومعاذ أعلمهم بالحلال والحرام، وزيد أفرضهم، وهكذا، ومن راعى ذلك كانت له النفوس صيداً سهلاً لا يحتاج إلى مزيد عناء، والذي يأتي بمفتاح ويدخله في موضعه فإن بابه يفتح سريعاً، أما إن كان فيه نوع من عدم المناسبة فإنه يحاول ويحاول، وقد يفتح وقد لا يفتح، وقد يكسر مفتاحه بالكلية، وقد يكسر القفل أيضاً، ولذلك ينبغي أن تكون صاحب بصيرة، فإذا جئت إلى قفل تفتحه، وما دخل المفتاح، أو علمت أنه ليس مفتاحه، فلا تكن غبياً فتصر على أن تفتحه بهذا المفتاح، فإنك بذلك تعطل المفتاح وتعطل القفل، ولن تظفر بنتيجة، بل غير مفتاحك، وغير أسلوبك، وغير عدتك، فإن هذا هو الذي ينبغي أن يكون.

    1.   

    انتهاز الداعية للفرص والمواقف

    وكان النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً ينتهز الفرص، فذات مرة مر عليه الصلاة والسلام بجدي أسك ميت، أي: جدي ميت مقطوع الأذن فقال: (من يشتري هذا بدرهمين؟ فسكت القوم، فقال: من يشتري هذا بدرهم؟ فقالوا لما قال ذلك: والله يا رسول الله! لو كان حياً لما كان لأحدنا فيه حاجة! فقال: لهوان الدنيا على الله أهون من هذا عليكم) فالنبي صلى الله عليه وسلم انتهز هذه الفرصة وهذه المناسبة فرمى رميته؛ لأنه ليس في كل مرة تتاح الفرص، فلا ينبغي أن يكون الصيد في موضع مناسب وفي ظرف مهيأ وأنت تغفل عنه، فإذا هرب الصيد احتجت إلى أن تلاحقه، وأن تنصب له الشراك، فما دام قد تهيأ بين يديك، وجاء في الظروف المناسبة، فدونك فارم سهمك حتى تصيب.

    وكذلك لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام المرأة وهي تبحث عن ابنها، فلما رأته ضمته إلى صدرها وألقمته ثديها قال: (أترون هذه ملقية بولدها في النار؟ قالوا: هي أرحم به من ذلك، فقال: والله إن الله لأرحم بكم من هذه بولدها).

    ونبه النبي عليه الصلاة والسلام معاذاً إلى طبيعة القوم الذين سيأتيهم عندما أرسله إلى اليمن، فقال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب) فهم ليسوا مثل غيرهم من أهل الشرك (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم استجابوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات، ثم أعلمهم إن استجابوا لذلك أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم).

    ثم حذره بعد ذلك من الأساليب التي تنفر الصيد، فقال: (وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).

    إذاً: أعطاه كل العدة التي يحتاجها باعتبار اختلاف الحال، ثم أعطاه التدرج الذي يحتاج إليه، ثم حذره من الأمور التي ينفر بها صيده، وتتعطل بها مهمته.

    وقلنا من بعد ذلك إنه ينبغي على الصياد أن يتفقد عدته ويجهزها، كذلك الداعية إذا أراد أن يذهب لدرس أو لعظة أو لقوم في مجلسهم لابد أن يتهيأ له بمراجعة معلوماته، ويتهيأ بما يحتاج إليه المقام، وقلنا إنه كلما زادت عدته وذخيرته كلما كان صيده أكثر كما أشرنا، وقلنا لابد أن يفحص المنطقة ويحدد الموقع، وهذا المقصود به أن يعرف أحوال الناس: هل هم قوم قد غلب عليهم الانحراف في الاعتقاد، أو قوم غلب عليهم انحراف في سلوك، أو قوم غلبت عليهم الغفلة، فلا يمكن أن تأتي إلى قوم وإلى مجتمع وأنت لا تعرف طبيعة الإعلام الذي يوجههم، ولا طبيعة العلم الذي يدرسونه، ولا طبيعة الأعراف الاجتماعية المتحكمة فيهم، فالمجتمع القبلي غير المجتمع الحضري.

    فلابد أن تدرس ذلك كله، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرس هذا الأمر، ويعرف التفاوت بين الناس، والاختلاف في شأن القبائل وفي شأن أعيان الناس، وفي شأن العادات التي كانت مترسخة فيهم، ولذلك حتى سياسة التدرج في التشريع كانت موافقة لذلك؛ فقد قالت عائشة : لم يكن أول ما نزل (لا تشربوا الخمر)، وإنما نزل أول الأمر آيات الإيمان والاعتقاد، فلما تاب الناس وفاء الناس إلى الإسلام نزل (لا تشربوا الخمر) وحرم الله سبحانه وتعالى بعد ذلك الخمر.

    1.   

    صفات أساسية يجب على المسلم التحلي بها

    صبر الداعية وعدم استعجاله للنتائج

    ثم بعد أن يتربص ويكمن الصياد يحتاج إلى الصبر، وكذلك هذا الداعية، لابد أن يتربص وأن يتأنى، ولذلك تأمل في نصيحة عائشة رضي الله عنها لقاص أهل المدينة في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ورجاله رجال الصحيح، قالت له: ثلاثاً لتبايعني عليها أو لأناجزنك، فقال: ما هن؟ قالت له: اجتنب السجع من الدعاء، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يفعلونه، ولا تمل الناس، ولا تحدثهم إلا في الجمعة مرة واحدة، فإن زدت فاثنتين، فإن زدت فثلاثاً، ثم قالت له: ولا ألقينك تأتي القوم وهم في حديثهم فتقطع عليهم، ولكن إذا فرغوا وأقبلوا عليك فحدثهم.

    إذاً: انظر إلى مسألة الصبر، فلا ينبغي للإنسان إذا تعلم كلاماً أو أخذ مبدأ أن يقذف به على أول عابر، وأن يتخلص منه في أول مناسبة، كأن يأتي إلى ناس في مناسبة زواج فيحدثهم عن الموت، أو يعكس الأمور ويخلط بينها، عليه أن يكون كالصياد عندما يضع شبكته من الليل ويتأنى حتى يتجمع السمك فيها، ثم يأتي ويأخذها برفق، وقد كان لذلك الوقت ولذلك التأني حظه. فلذلك قلنا: لا بد أن يتربص وأن يتحلى بالصبر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مضرب المثل في ذلك، فقد كانوا يعرضون عنه هنا فيأتيهم من هنا، وتفوت الفرصة الأولى فيلاحق الفرصة الثانية، وهذه مسألة مهمة جداً نلمحها كثيراً في المواقف العمرية، أعني مواقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورحمه الله؛ فقد كان يستعجل في بعض الأحيان ويريد أن يحسم القضية، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام ببصيرته النافذة وحكمته الكاملة يرجئ الأمر مرة بعد مرة، وبعد ذلك تظهر حكمة الرسول عليه الصلاة والسلام هي الصائبة، ويظهر قوله وتصرفه هو الذي أتى بالثمرة.

    ومن ذلك ما جاء عن المقداد بن عمرو أنه قال: أسرت الحكم بن كيسان في معركة، فأراد أميرنا ضرب عنقه، فقلنا دعه حتى نقدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام فأطال، فقال عمر : علام تكلم هذا يا رسول الله! والله لا يسلم هذا آخر الأبد، دعني أضرب عنقه، ويقدم إلى أمه الهاوية، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل على عمر ، يعني: يتركه ولا يرد عليه ولا يقبل عليه، حتى أسلم الحكم ، فقال عمر : فما هو إلا إن رأيته قد أسلم حتى أخذني ما تقدم وما تأخر، وقلت: كيف أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً هو أعلم به مني، ثم أقول: إنما أردت بذلك النصيحة لله ورسوله، فقال عمر : فأسلم وحسن إسلامه، وجاهد في الله حتى قتل شهيداً ببئر معونة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم راض عنه ودخل الجنان، فهذا مثل نحتاج أن نتدبره ونتملاه.

    عدم اليأس من المدعوين والحذر من تنفيرهم

    إذاً لابد للداعية أن يتحلى بالصبر وطول الأناة، وهذا يقتضي منا أن نقول: إنه ينبغي ألا يكون لليأس إلى نفس الداعية سبيل؛ لأنه يحتاج إلى أمور: يحتاج إلى أن يدقق التصويب، وأن يستفرغ الجهد في الإصابة، لئلا ينتج عن الخطأ نوع من تنفير الصيد.

    وهذا أمر مهم، فتنفير الصيد قضية خطيرة تقع في أسلوب التعامل في الدعوة، فلا بد أولاً أن يحسن اختيار الطعم المناسب مهما كان غالي الثمن، فلا بد أيضاً أن يستخدم الداعية الطريقة التي يستميل بها القلوب، والتي يرغب فيها المدعو ترغيباً حسناً، فإن كان ممن يتألف بالمال فليكن طعمه المال، وإن كان ممن يتألف بحسن الكلام وفصيح البلاغة فليكن كذلك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم -على ما مضى أيضاً من استغلال الاختلاف في النوعيات- كان يشجع حسان رضي الله عنه ويقول: (اهجهم وروح القدس معك)، ويقول عنه وعن غيره من الشعراء الذين نافحوا عن الإسلام: (والله لكأنكم تنضحونهم بالنبل)، فلا بد أن يقدم الأمر الذي يحتاج إليه، والذي يناسب ذلك الإنسان، فالذي يحب الأدب وهو مغرم بالبلاغة فليكن اجتهادك أن تقدم له هذه المادة، إن كنت بارعاً فيها، أو التمس له من يكون بها بصيراً.. وهكذا.

    ثم الأمر الثاني: هو الخطأ الفادح الذي يقع به تنفير الصيد بسبب حركة معينة، أو صوت معين، ومن ثم قد يعود الصيد وقد لا يعود، فلذلك لا بد أن يكون الإنسان صاحب بصر وفطنة في ألا يفرط فيما يقع تحت يده

    قيد صيودك بالحبال الواثقة

    فمن الجهالة أن تصيد غزالة وتفكها بين الخلائق طالقة

    ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام وقعت له من الوقائع ما بين لنا بها كيف كان تصرفه مؤلفاً ومرغباً ومحصلاً للصيد، وكان بعض أصحابه يتعجل فينفر الصيد، ومن ذلك قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فابتدره الصحابة ليزجروه، فقال النبي لهم: (دعوه لا تزرموه) وفي رواية: (لا تقطعوا على الأعرابي بولته)، فلما قضى الأعرابي لم يأمره عليه الصلاة والسلام أن يغسل بولته، وإنما أمر الذين أرادوا أن يمنعوه، وقال: (صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء، ثم قال له: هذه بيوت الله لا يصح فيها شيء من الأذى)، وفي بعض الروايات -كما في رواية الترمذي - أن هذا الرجل قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً.

    وقصة معاوية بن الحكم السلمي معروفة، وذلك لما جاء ودخل في الصلاة، ثم عطس رجل فشمته، وكان لا يعلم منع الكلام في الصلاة، قال: (فجعلوا يحدون النظر إليّ -يعني: يرى الناس ينظرون إليه- فقال وهو في الصلاة: واثكل أمياه، مالكم تنظرون إليّ؟! قال: فجعلوا يضربون على أفخاذهم، فعلمت أنهم يسكتونني فسكت، فلما قضيت الصلاة دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما كهرني ولا نهرني، ولكن قال لي: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن منه) أو كما قال.

    ومثل النبي صلى الله عليه وسلم تمثيلاً واضحاً في ذلك الرجل الأعرابي لما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل أحسنت؟ قال: ولا أجملت، فابتدره الصحابة، ثم أعطاه مرة أخرى وقال: هل أحسنت؟ قال: ولا أجملت، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته وأعطاه، وقال له: هل أحسنت؟ قال: نعم، وأجملت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن في نفوس أصحابي شيئاً، فلو أعلمتهم أنك رضيت، فأعلن ذلك، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه الحادثة أو في غيرها كما في بعض الروايات: (مثلي ومثل هذا كمثل رجل نفرت منه دابته، فجعل الناس يسوقونها فتنفر منهم، فقال: خلوا بيني وبينها، وتوصل إليها بشيء من خشاش الأرض، فتألفها وجاءت) فبعض الناس ينفر الصيد إما بتجهم وغلظة في تعامله، أو بشدة ونبوة في لفظه، أو بجهل وخلط في علمه، وهذه كلها تسيء ولا تنفع.

    عدم انصراف الداعية عن مهمته الأساسية بصوارف الدنيا

    وقلنا أيضاً في الصياد إنه لا يصرفه عن الصيد شيء من الصوارف كمنظر جميل أو نحو ذلك، وكذلك ينبغي ألا ينصرف الداعية إلى غير مهمته الأساسية، فتتعلق عيونه بأموال الناس ممن يدعوهم، أو يتعلق بحسن صورهم، أو بحسن ما يقع منهم من أمور فيها بعض الإيجابيات، أو حتى يفتن بما يسميه الناس لذة الاستتباع، فيرى الناس من حوله فيفرح بذلك، فينشغل بعد ذلك عن مهمته الأساسية بالبهرجة التي تحيط به، والناس الذين يمشون خلفه، وينصرف بذلك عن جوهر القضية.

    وهذا مكمن خطر ومزلق وخيم، لأن الإنسان أحياناً يكون هذا أول قصده، ثم من بعد ذلك تحيط به ظروف فإذا به ينشغل عن مهمته بأمر آخر، وينسى أنه إنما أراد من الناس دعوتهم إلى الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يبتغي الأجر إلا من الله، وكل الرسل والأنبياء جاء القرآن يذكر على ألسنتهم مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [يونس:72].

    ذلك التجرد الذي لا يصرفه عن هدفه بأي أمر آخر حتى بلذة الاستبباع فقد ذكر ابن القيم في فوائده أن ابن مسعود كان يسير فسار في إثره ناس قال: هل لكم من حاجة؟ قالوا: لا. ولكنا نحب أن نمشي معك، فقال: لا تفعلوا فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع.

    لماذا تذل نفسك لإنسان مثلك، ولو كان صاحب خير وصاحب حق، إن كانت لك به حاجة لتستفيد من علمه أو تنصره أو تسأله أو ترافقه في أمر فلا بأس، وفيه فتنة للمتبوع فإذا به ينشغل بعد ذلك فإذا لم يأته الناس ولم يحتفوا به امتنع عن أن يدعوهم فانحرف بذلك عن النهج، ولذلك كان من فضائل الإمام البخاري رحمة الله عليه أنه كان يقول: قد استوى عندي المادح والذام. فلا يشغله المدح بأن يفرح وينصرف إليه، فإذا أطنب الناس في حسن بلاغته صار يحفظ الأشعار وينمق العبارات ويبعد عن المضمون وهو روح القول وحياة القلب وصدق اللهجة.

    وإذا استحسنوا منه شيئاً آخر كحكمته أو حسن تصرفه في الأمور صار يبتكر أموراً حتى يبدي فيها تصرفاً حسناً وهكذا، فينبغي للإنسان أن ينتبه ألا ينصرف عن المهمة الأساسية بأي عارض من العوارض مهما كان هذا العارض مغرياً أو جميلاً أو ملفتاً للنظر فإن ذلك مكمن خطر ينبغي أن ينتبه منه.

    حسن رعاية الداعية للمدعوين والحرص على توجيههم

    وقلنا في آخر الأمر: إن على الصياد أن ينتفع بصيده، فلا يتركه هملاً وإنما ينتفع به بكل وجه من الوجوه.

    وهذا الذي بذرت في قلبه بذرة الخير، ووضعت في نفسه حب الالتزام لابد أن ترعى البذرة حتى تستوي على سوقها، وحتى تؤتي ثمارها، وحتى يكون هذا الذي تأثر صياداً آخر فيكثر الصيد، ويعظم الأثر، ولذلك لابد أن تنفذه في كل شأن من الشئون، وإن كان يتقن أمراً فلابد أن تشغله به، وأن تعهد به إليه، وأن ترعاه في مهمته الجديدة التي ينتقل بها من دور الأخذ إلى دور العطاء، ومن دور الطلب إلى دور التعليم والإرشاد، وهذا أمر مهم.

    بعض الناس يذكر الناس ويعظهم، وربما يرشدهم ويربيهم، ثم لا يوجههم لأن يكونوا دعاة خير، وأن ينقلوا ما فطنوا إليه من العلم وما بصروا به من الحق، ولا يأخذ بيدهم في هذا الطريق، فإذا انقطع عنهم انقطعوا ورجعوا إلى حالتهم الأولى، وكان كالذي بذر بذراً وكان معه ماء، فهو يسقي الماء ثم يترك ولا يقف عند بذرته حتى تنمو وحتى يزيل عنها الآفات ويخرج عنها العوالق.

    فلابد من الانتفاع بمن يستجيب للدعوة متأثراً بها، وهكذا كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما دخل أحد في الإسلام ولا استجاب لدعوة الله إلا عهد به إلى من يعلمه ويرشده، وإلا أعطاه من المهمات ما ينشغل به، ويكون مجاهداً في سبيل الله، وداعية إلى دين الله سبحانه وتعالى، لما أسلم عمير بن وهب رضي الله عنه دفعه النبي عليه الصلاة والسلام إلى بعض أصحابه وقال: (خذوا أخاكم فعلموه أمر دينه) وكذلك كان الصحابة كلهم؛ فـربيعة بن كعب كان صغيراً فانشغل بالعبادة، وأسامة بن زيد تولى قيادة الجيش، والآخر ذهب سفيراً للإسلام من مكة إلى المدينة، وهو مصعب بن عمير ، ما كان أحد منهم يبقى بلا استنفاذ لطاقته، ولا توجيه لإمكانياته لتصب الجهود كلها مع بعضها البعض.

    تسخير الداعية لكل الطاقات والجهود في سبيل الدعوة

    وآخر الأمر الذي نلفت النظر إليه أن الداعية مثل الصياد في أمر مهم، وهو أن الصياد لا يستغني بقوته، ولا يكتفي فقط بفطنته، ولا يستخدم حاسة واحدة من الحواس، بل هو يستخدم حاسة النظر، ويستخدم حاسة الشم، ويستخدم العقل والتفكير، ويحتاج إلى القوة القلبية في الشجاعة لمواجهة المخاطر، ويحتاج إلى القوة الجسدية لمصارعة الصيد أو غير ذلك.

    وكذلك الأمر في حال الداعية، فلا تتصور أنك يمكن أن تكون ناجحاً إلا إذا أخذت من كل جانب بحظ ونصيب، فأنت تحتاج إلى قوة الإيمان والقوة النفسية، لتقوى على المجابهة، وتحتاج إلى القوة البدنية لتجاهد في سبيل الله سبحانه وتعالى، وتحتاج إلى القوة العقلية لتكون صاحب بصر وحكمة في سياسة الأمور، وفي التخلص في المواقف المحرجة، وتحتاج أيضاً إلى النظر، وتحتاج إلى السمع.. وكل شيء، فكذلك ينبغي أن تسخر الجهود كلها في هذا الشأن وفي هذا الصدد.

    وجملة القول الذي نحب أن نشير إليه وأن نختم به، أنه لابد أن نعرف أن الأمر ليس على سبيل التهاون أو سبيل الاختيار، وليس على سبيل الهامشية في حياة الإنسان المسلم، بل هو كما قال الله سبحانه وتعالى في شأن تحمل الرسالة وتحمل المهمة: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12]. وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5].

    وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الأمر في قوله تعالى: قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2] وفي قوله: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، ووصف المؤمنين بأنهم بعضهم من بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فليس الأمر شيئاً عارضاً، وإنما هي مهمة لابد أن تكون ثابتة وأصيلة ودائمة ومستمرة، ويستفرغ لها الجهد كله، والطاقات كلها ليكون هذا الإنسان الداعية صياداً ماهراً، وكلنا ينبغي أن يكون ذلك الرجل، فلا تقعد في بيتك لأنك ستخلد إلى النوم، وتتعلم فن التثائب كما قال بعض الدعاة، ولن يكون لعلمك حينئذ -إن كنت صاحب علم- تأثر وتأثير، ولن يكون له أثر في الحكمة والبصيرة، وهذا أمر لابد أن يتعاون الجميع عليه، لأنه من أعظم البر والتقوى، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] والله سبحانه وتعالى نسأل أن يوفق الدعاة إلى دينه، وأن يسدد خطاهم، وأن يوحد كلمتهم، وأن يلهمهم الرشد والصواب، وأن يوفقهم لما يحب ويرضى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العلمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    وصف الجيلاني للمسلم الكامل في كتابه الفتح الرباني

    السؤال: ما اسم الكتاب الذي ذكر فيه الشيخ عبد القادر الجيلاني تلك الكلمات في أول الدرس؟

    الجواب: هي من كتاب الفتح الرباني، وهي من نقل صاحب المنطلق في الدعوة نقلها عن الفتح الرباني للجيلاني .

    توجيهات لطالب العلم

    السؤال: لا أستطيع أن أعبر عن مدى المشكلة، فأنا أحاول القراءة، ولكن لا أجد لها وقتاً، وإذا قرأت لا أستفيد، وإذا استفدت في بعض الأحيان فإنه يداخلني الرياء بذلك.

    الجواب: هذا ربما يكون قد مر الحديث عنه في الدرس الماضي، ونوجزه للأخ فنقول: إن أهم قضية هي صدق النية والإخلاص لله سبحانه وتعالى، ثم يأتي الشعور بالأهمية للعلم، والحاجة إلى البصر بالدين، وأن يكون متصوراً لمدى فائدة الاطلاع والقراءة -الفائدة العلمية، والفائدة العملية- في حياة قلبه وحماسه حينما يقرأ أقوال أهل العلم، وحينما يعرف سيرتهم ونحو ذلك من الأمور.

    فلابد أولاً من توفر الأسس النفسية التي هي أساس الانطلاق في هذا الأمر، ثم من احتاج شيئاً استطاعه، من احتاج إلى المال وافتقر إليه وجد السبيل إليه، أما الذي يشعر بأنه مستغنٍ عن المال فلا يهمه ولو فاته المال ما التفت إلى ذلك، لكن إذا علم شدة الحاجة التمس الطريق، وإن كانت القراءة تشق عليه فعليه أن يخصص لها وقتاً يتوفر فيه فراغ الذهن، والصفاء الفهم، ثم يبدأ بالقليل ولا يكثر على نفسه، ثم كذلك يبدأ بالأقرب إلى نفسه، فإن كان يحب قصصاً بدأ بها، وإن كان يحب أدباً بدأ به، ليتعود الكتاب ويتعود النظر إليه، فحينئذ يمكن بعد ذلك أن تصبح المسألة دربة له وعادة عنده يستفيد منها.

    وأما أنه لا يستفيد فلا يعجل على نفسه، فإن الإنسان في أول الطلب، وفي بداية الاطلاع لا يشعر بالفائدة المباشرة، ولا يرسخ في ذهنه كثير مما يقرأ وما يطلع عليه، فلا يستعجل في ذلك، فإن المسألة تحتاج إلى دوام، وإلى الكثير من الاطلاع، وحينما نسمع بعض أهل العلم، وبعض طلبة العلم وعندهم زاد من النصوص، وزاد من الأقوال، وزاد من الوقائع، فما جاء ذلك من قراءة أولى ولا من قراءة قليلة، ولكن نقول: إذا قرأت أول مرة فإنه يثبت عشرة بالمائة على سبيل المثال، ثم حينما تواصل القراءة يثبت في ذهنك من بعد عشرون بالمائة، ويمر بك مثلاً النص في كتاب، ثم يمر بك في كتاب آخر، ثم يمر بك شرحه في موضع آخر، ثم يمر بك إشارة إليه فيرسخ في ذهنك حينئذ، وكما أشرت من قبل فإن من أهم الأمور زكاة العلم، وإنفاق العلم زكاته، فلابد أن يخرج ما عنده، فإذا حفظ شيئاً فليحدث به، حتى يذاكره، فإن حياة العلم مذاكرته كما قال أهل العلم، فيذاكر العلم بينه وبين أصحابه وأقرانه، ثم يعلم من هو دونه، فإن التعليم هو الذي يثبت العلوم؛ لأنك حينما تعلم ترجع إلى الكتاب، وترجع إلى المسألة، ثم تحاول أن تحفظ، ثم تلقي فيكون من ذلك تضافر الحواس، وتضافر الحواس مهم، فإذا استخدمت في القراءة حاسة البصر، ثم استخدمت حاسة اليد في أن تضع خطوطاً، ثم استخدمت حاسة الكلام فتكلمت، أو كتبت بيدك لتدرس وتشرح، كلما زادت الحواس التي تتعامل مع المعلومة الواحدة كلما زاد ثبوتها ورسوخها، وليستعن بالله سبحانه وتعالى قبل ذلك وبعده، فإن الله سبحانه وتعالى هو المعين.

    توجيه الدعاة إلى ضرورة الخروج إلى الناس ومخالطتهم

    السؤال: هناك الكثير من الصيادين الكسالى الذين يريدون أن يأتي الصيد إلى عتبة بابهم، فهلا أعطيتهم نصيحة موجزة بالغة؟

    الجواب: أظن فيما ذكرناه من كلام طلحة بن عبيد الله ومن كلام عطاء بن أبي رباح ما يعبر عن هذا، وكما يقول الرافعي الأديب:

    إن لم تزد على الدنيا كنت أنت معنىً زائداً عليها. إذا لم تكن لك إضافة من قول أو عمل أو جهد فأنت أصلاً زيادة لا قيمة لك ولا أثر لك، فإذاً أنت إنسان زائد في هذه الدنيا، وكما قال من علق على هذه المقالة: هذه صفعة وليست قولة، هذه صفعة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لكن ميت القلب ضعيف الهمة يحتاج إلى إحياء، إذ هو بمثابة الميت الذي يحتاج إلى إنعاش، مثل الذي يكون في غرفة الإنعاش عنده ألف خط وخط، خط للتنفس وخط للتغذية، وأمور كثيرة يحتاج إليها، أما الذي فيه حياة القلب ولو بنسبة معينة فإن التذكرة والكلمة توجهه، ولذلك قال الحسن البصري : لا تكن أقل من شاة الراعي، قيل: وما شاة الراعي؟ قال: تحركها الإشارة وتفزعها الكلمة. شاة الراعي إذا هشها من جهة تحركت، وإذا صاح بها أو أشار إليها تحركت، وأما أنت فتسمع القول وتسمع القرآن الذي تندك له الجبال، وتصدع به الأرض، وتسمع حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وتقرأ القصص والسير ثم لا تتحرك، فهذا كما قال ابن القيم : اطلب قلبك في ثلاثة مواضع: عند تلاوة القرآن، وعند الدعاء لله سبحانه وتعالى، إلى أن قال: فإن لم تجد قلبك فكبر على نفسك، فإنه لا قلب لك.

    فلابد للإنسان أن يتنبه، وهذا الذي يريد أن يبقى في بيته من قال له أن يخرج ليكسب رزقه، أو ليذهب إلى وظيفته، أو ليبرز عند الناس حتى يأخذ منزلته الاجتماعية؟ لماذا لا يقعد في بيته؟ فالرسول عليه الصلاة والسلام، قال: (أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر هل يهدى إليه) أفلا يقعد هذا أيضاً فيأتيه رزقه إلى بيته، ويأتيه الناس يعطونه الجاه والتقدير.

    فنحن نراه في أمر الدنيا يسعى إليها، فيتفرغ بجهده وعمله ليكسب الرزق، ويهتم بهندامه وقوله حتى يلقى المنزلة والحظوة عند الناس، ولا يكون شيء إلا بالجهد والعمل، والكسالى وصفهم الله سبحانه وتعالى بأنهم من أهل النفاق؛ لأنهم كسالى حتى في العبادة، قال تعالى: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142]. ولا نريد أن نكون كمثل القائل الذي يريد أن يأتي إليه كل شيء:

    سألت الله يجمعني بسلمى أليس الله يفعل ما يشاء

    حتى في الأمور المهمة في حياة الإنسان يريد أن تأتي إليه من غير تعب، فهذه قضية مذمومة، وثمة كلمات كثيرة عظة في هذا الأمر، لكن حسبنا ما ذكرنا، فإن كانت له حياة قلب فإنه إن شاء الله متعظ، وإن كان غير ذلك فيحتاج إلى أن ينتبه أولاً إلى الأسس التي يحيي بها نفسه وقلبه.

    حاجة الدعاة إلى العمل الجماعي حتى تؤتي الدعوة ثمارها

    السؤال: هل يستطيع الصياد أن يصيد منفرداً بهذه المهارة؟

    الجواب: المهارة في أصلها فردية، لكن النتيجة لا تكون إلا جماعية، ونحن الآن تكلمنا عن الصياد، والصيادين يعملون معاً، ولهم سوق واحد يبيعون فيها، وربما يستعين بعضهم ببعض فيأخذ هذا شبكة ذاك أو يستعين به، وكما يقال: الناس بعضهم لبعض -وإن لم يفطنوا- خدم.

    فلا يمكن للإنسان أن يستغني عن الآخرين في شئون الحياة، ولا في شئون المهنة، فالصياد لا يستغني عن الصيادين، والمهندس لا يستغني عن المهندسين، والطبيب لا يستغني عن الأطباء، والداعية لا يستغني عن الدعاة، وطالب العلم لا يستغني عن العلماء وطلبة العلم، فلابد أن تتضافر الجهود لتكون المسألة متكاملة، لأننا حينما نتكلم عن الصيد هنا فإننا نتكلم عن صيد قلوب وصيد عقول وصيد أرواح، لابد له أن يبقى حياً متنامياً، ونحن نريد أن نبعث أمة دب فيها الضعف، ووهنت قواها، وتسلط عليها أعداؤها فما يمكن لإنسان أن يملك سيفه وأن يفل الصفوف وهو واحد منفرد:

    تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت آحادا

    وأعداؤنا تجمعوا أشتاتاً علينا فلابد أن يكون دأب المؤمن هذا الأمر، وليلتفت في ذلك إلى صيغة الأمر الجماعي في كل أقوال الله سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43].. تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]، ما خوطب الفرد المسلم منفرداً، حتى في الأمور العامة في العبادات هو يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ويدعو له ولأمة الإسلام اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] وشعائر الإسلام كلها مبنية على الجماعية؛ فالصلاة في جماعة، والصوم في وقت واحد للأمة كلها، والحج يجمع أشتات الناس وأخلاطهم من أهل الإيمان في موضع واحد، وما من أمر إلا والانتداب إليه في هذه الصورة الجماعية، مما يؤكد أنه لابد لمثل هذا الأمر أن يكون على هذا النهج، وكان بعض السلف يدعو في رجال معه، وكان سهل بن سلامة -كما ذكر الطبري في أحداث عام مائتين وعشرة في تاريخه- يأخذ البيعة على الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان بعض السلف يخرجون ولا يستصحبون معهم إلا رجالاً لا يأكلون إلا من عمل يدهم، حتى يكون ذلك أدعى إلى الإخلاص، وإلى القبول وإلى التوفيق في حصول المقصود، فلا شك أن الإنسان الذي يكون منفرداً وحيداً لا يستطيع فعل الأمر على وجهه، بل حتى في المهمة الواحدة يحتاج المرء إلى من يعينه، فالصياد الذي يريد أن يصيد سمكاً بشبكة يحتاج إلى من يعينه، فيكون هناك غالباً اثنان أو ثلاثة أو أربعة يقومون بعمل مشترك، ويركبون زورقاً واحداً، وينصبون الشبكة ويفردونها، ويقتسمون العمل فيما بينهم فهذا تكون مهمته رمي الشبكة، وذاك تكون مهمته الأخذ، وذاك تكون مهمته توجيه الزورق، وهكذا.

    والإنسان في طبيعة خلقته كل شيء فيه متكامل، وجسمه هذا يعلمه الجماعية، إذ لا يستغني عقله عن يديه، ولا يده عن قدمه، فلا يمكن أن يمشي على يده؛ لأن رجله جعلت لهذا الأمر، ولا يمكن أن يأخذ برجله؛ لأن يده جعلت لهذا الأمر.