اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الصياد الماهر للشيخ : علي بن عمر بادحدح


الصياد الماهر - (للشيخ : علي بن عمر بادحدح)
إن الداعية المسلم كالصياد الماهر، وذلك أن الداعية يصيد الناس من بحار الشهوات والمعاصي، ومن غابات الدنيا، بشباك الحكمة والموعظة الحسنة، فيجب عليه إذن أن يعد عدته، وأن يهيئ نفسه، وأن يستفرغ جهده في مهمته، وأن يستفيد من صيده.
الدعاة صيادو الخلق بشباك الحق
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، نحمدك اللهم حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على آلائك ونعمك التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما تحب يا ربنا وترضى، نحمدك اللهم على نعمك المتواليات، وعلى أفضالك الغامرات، نحمدك اللهم على كل حال وفي كل آن، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيد الأولين والآخرين إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من اقتفى أثرهم وسار على دربهم، ونهج نهجهم، إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك ومن التوكل إلا عليك، ومن الخوف إلا منك ومن الرجاء إلا فيك، أنت ولينا في الدنيا والآخرة، برحمتك يا أرحم الراحمين! وبعد:
 فضل الدعوة إلى الله
غني عن القول أننا لا نحتاج إلى الإفاضة في فضل ذلك الصيد، أعني: فضل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر يطول الحديث فيه. وحسبنا منه تذكرة أن الله جل وعلا أثنى على هؤلاء الدعاة الذين يتهيئون لصيد الخلق إلى حياض الحق، فيقول سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33]. فتلك مرتبة عليا يبينها النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث علي بن أبي طالب عند الإمام البخاري : (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، وكذلك يبينها لنا من حديث أبي مسعود عند الإمام مسلم : (من دل على خير فله مثل أجر فاعله)، فيدفعك ذلك إلى أن تعرف هذا الأمر، وأن تعرف كذلك عظمة الثواب الذي يتصل فلا ينقطع، ويدوم دواماً في الحياة وبعد الممات، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)، وذكر منها: علمٌ ينتفع به، وهذا العلم هو ذلك التوريث للدعوة والسيرة الحسنة والقدوة الكاملة.
من آداب الداعية

  خروج الداعية لدعوة الناس
وقد ذكرنا أن الصياد لا يقبع في بيته بل يخرج، وتأمل هذه المقالات وهذه الأمثلة التي تنعي عليك جلوسك في بيتك، وقعودك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأخرك عن إرشاد الخلق، وعدم خروجك إليهم لتبصرهم بما هم فيه من الخطأ، وما يقعون فيه من الزلل: فهذا طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وأرضاه أحد المبشرين بالجنة، يقول: إن أقل العيب على المرء أن يجلس في داره! وما أقواها من كلمة! فكيف بما هو أكثر من ذلك؟ثم استمع إلى عطاء بن أبي رباح ، من جلة التابعين، ومن أئمة علمائهم في مكة المكرمة، وهو يقول: لأن أرى في بيتي شيطاناً خير من أن أرى في بيتي الوسادة؛ لأنها تدعو إلى النوم! فانظر إلى فقه القوم كيف دفعوا الجسد للنهوض، وكيف أرادوا ألا تركن أنفسهم إلى الدنيا، وألا يظلوا منكمشين عن الناس، يحبسون العلم بصدورهم، ويحبسون الحكمة بأفواههم، فهذا التابعي الجليل كان يرى أن مخدة النوم التي تدعو إلى الكسل وإلى التثاقل وعدم الخروج، كان يراها أشد عليه من الشيطان الذي يخطر بينه وبين نفسه.ثم تأمل أيضاً تلك المقالة من الغزالي القدير -رحمة الله عليه- وهو يقول: (اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خالياً في هذا الزمان عن منكر)، عن منكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس، وتعليمهم وحملهم على المعروف، فما دمت قاعداً في بيتك فلابد أن يلحقك نوع قصور وبعض إثم؛ لأنك ما خرجت لتعرف الناس وتصحح نهجهم. ونمضي من بعد ذلك مع فعل النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن بزغ نور الإسلام في أول صلة بين الأرض والسماء، من قول ( اقرأ ) الأولى، التي نزل بها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاءته: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، وجاء من قبلها يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:1-2]. ولما نزل قول الله جل وعلا وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] خرج عليه الصلاة والسلام من بيته، ورقى الصفا وجعل ينادي: يا بني فهر! يا بني عدي! وجعل ينادي قريشاً بطناً بطناً، ثم يقول لهم عليه الصلاة والسلام: (أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً ببطن هذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أفكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب أليم، فقال أبو لهب -عليه لعنة الله-: تباً لك، ألهذا جمعتنا؟!).واسمع لهذا الحديث عند البخاري من رواية ابن عباس وعند أحمد بسند رجاله رجال الصحيح عن رجل من بني مالك بن كنانة -وهو صحابي، وجهالة الصحابي لا تضر- قال: (رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يتخللها، فيقول: يا أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وأبو جهل في إثره يحثو عليه التراب، ويقول: لا يغوينكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم، وتتركوا اللات والعزى)، فتأمل هذا النص وهو يقول: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يتخللها)، يعني: ينطلق إلى المواسم، إلى الأسواق، يخرج إلى الناس، يلقاهم في مجامعهم، يغشاهم في مجالسهم، وتلك أول خطوة في السير، وأول خطوة في طريق الدعوة، وروى البخاري أيضاً من حديث أنس رضي الله عنه: (أن الصحابة من الأنصار جاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا له: لو أتيت عبد الله بن أبي رأس المنافقين -يعني: لو أتيته لتدعوه، ولعلهم كانوا يقصدون أنه قد يصد عن الدعوة إن لم يؤت إليه؛ لشرفه ومقدراه، فما استعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك- فقال: انطلقوا بنا إليه، وانطلق عليه الصلاة والسلام يركب حماره، وانطلق المسلمون معه يمشون، فقال ذلك المنافق عليه لعنة الله للنبي: إليك عني! والله لقد آذاني نتن حمارك، فرد عليه بعض الصحابة رداً غليظاً يكافئ قوله). وشاهد الحال أن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق إلى أهل النفاق لدعوتهم. ثم انظر إلى النص الآخر، وهو عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كنا جلوساً في المسجد، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: انطلقوا إلى يهود، انطلقوا إلى يهود). يستنهض الناس معه انطلاقاً وخروجاً إلى الناس في مجامعهم، فلما جاءهم ودخل عليهم، وهم في بيت المدراس أي: الذي يتعلمون فيه قال: (يا معشر اليهود! أسلموا تسلموا أسلموا تسلموا قالوا: بلغت يا أبا القاسم ! قال: ذاك أريد. ثم أعاد عليهم مرة أخرى فقال: أسلموا تسلموا قالوا: قد بلغت يا أبا القاسم !). ثم قال: (اعلموا أن الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم، فمن وجد منكم بماله شيئاً فليبعه، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله). فهكذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحرك، ولاقى القوم من كفار قريش في أسواقهم، ولاقى القوم من اليهود في مدارسهم، ولاقى القوم من المنافقين في تجمعاتهم، وخرج في كل حدب وصوب، وخرج إلى الطائف لما وجد البيئة المكانية غير ملائمة، فأراد أن يشق للدعوة طريقاً في موضع آخر، ثم لقي ما لقي من السخط والإعراض، وجاءه ملك الجبال -كما في البخاري في الصحيح- وقال: (لو شئت أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت، فقال: لا، لعل الله يخرج من أصلابهم من يؤمن بالله ورسوله). فانظر عظيم الحرص على هداية الخلق، وانظر عظيم التعلق بالدعوة وعدم اليأس، وانظر إلى سعة الصدر، وطول النفس، وعظيم الصبر عنده صلى الله عليه وسلم.ثم نرى ذلك نهج الصحابة رضوان الله عليهم، نهج أتباع محمد عليه الصلاة والسلام، والأمثلة في ذلك تطول، فـعمر رضي الله عنه ما فتحت بلد من بلاد الإسلام إلا وأخرج إليها علماً من أعلام الصحابة رضوان الله عليهم، فبعث إلى الشام معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبا الدرداء ، بعثهم لأهل الشام، وبعث لأهل الكوفة ابن مسعود رضي الله عنه معلماً ووزيراً.ولم يكن ذلك شأن الصحابة فحسب، بل هو شأن من جاء بعدهم وسار على نهجهم، فإذا نحن مع سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث رحمة الله عليه وهو يقول: والله لو لم يأتوني لأتيتهم في بيوتهم، يعني: أصحاب الحديث. (لو لم يأتوني لأتيتهم في بيوتهم) فلا ينتظر الناس حتى يأتون إليه يطلبون العلم منه، وذلك شاهد حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي أخبر أن مثله كمثل الغيث الذي أصاب أرضاً، فتنوعت هذه الأراضي التي جاءها ذلك الماء، فمنها ما هي قيعان سبخة لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، ومنها ما تمسك الماء ولكنها لا تظهره، ومنها ما تمسك الماء وتنبت الكلأ، فتلك التي تعلي راية الحق وتصدع بقول الحق، وتوصل كلمة الحق إلى كل أحد، فذلك كان دأب القوم.وتأمل في قصة مالك بن دينار التي يذكرها ابن الجوزي ، وهو يبين لنا عظيم الفطنة والحركة في مسألة اصطياد الناس: يذكر أنه جاء لص إلى بيت مالك ليسرق منه، فدخل -و مالك من الزهاد ليس عنده من الدنيا قليل ولا كثير- فجعل يقلب، فإذا بالبيت ليس فيه ما يستدعي السرقة، وبصر به مالك فقال: يا هذا! أفاتك حظك من الدنيا؟ قال: نعم. قال: فهل لك في شيء من الآخرة؟ قال: فماذا؟ قال: توضأ وصل ركعتين، ثم ما لبث أن أخذه لصلاة الفجر، فقال له بعض الناس: من هذا؟ قال: جاء ليسرقنا فسرقناه! فهذه هي الروح التي بها ينطلق الداعية، وينطلق بها الصياد الذي يصيد الخلق إلى طريق الحق، وكما قال الشاعر: إني رأيت وقوف الماء يفسده إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب والأسد لولا فراق الأرض ما افترست والسهم لولا فراق القوس لم يصب الذي يبقى في مكانه لا يحصل له شيء، وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً).إذاً: لابد من الحركة، ولا يمكن للإنسان أن يكسب رزقه في الدنيا وهو جالس في بيته، فكذلك لا يمكن أن يكسب أجره في الآخرة بإرشاده للناس وتبصيرهم وهو جالس في بيته لا يتحرك ولا يتقدم، ولذلك كان فقه القوم من أهل البصيرة يعتمد على أن الإنسان لابد له أن يغشى مجامع الناس، وأن يخالطهم، أما العزلة والانحسار وعدم الاحتكاك فهذا ذم ليس بعده ذم، ولذلك حتى المتأخرون ينبهون على ذلك، فهذا الرافعي الأديب -وهو قريب العهد بنا- يقول عن الذي انعزل عن الناس: يحسب أنه قد فر من الرذائل إلى فضائله، ولكن فراره من مجاهدة الرذيلة هو في نفسه رذيلة لكل فضائله، ثم يتابع فيقول: وماذا تكون قيمة العفة والأمانة والصدق والوفاء والبر والإحسان، إذا كانت فيمن انقطع في صحراء أو على رأس جبل؟! أيزعم أحد أن الصدق فضيلة في إنسان ليس حوله إلا عشرة أحجار؟! مع من يصدق؟! وكيف نعرف صدقه وهو لم يدخل مع الناس ليخبرهم أو يعاشرهم فيعرفون حاله؟! ثم قال: وايم الله؛ إن الخالي من مجاهدة الرذائل جميعاً لهو الخالي من الفضائل جميعاً! فلذلك لابد من فهم المبدأ الأول والأساس الأول: وهو أنه لابد أن تخرج، ولابد أن تخالط، ولابد أن تعاشر، ويكون غرضك في ذلك أن تصلح وأن توجه، وأن ترشد، ولذلك يذكر ابن القيم عن بعض السلف أنه كان يقول: يا له من دين لو أن له رجالاً! الدين موجود في القرآن وفي السنة، لكن من ينقله؟ ومن يطبقه؟ ومن يمثله في واقع الحياة؟ ومن يبشر به الناس؟ ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37] أي: ذوي الرجولة الكاملة.وعن بعض السلف أنه جاء إليه بعض الناس، فقالوا له: أتيناك في حويجة فقال -وهو لا يرضى أن يكون صاحب الأمر البسيط والهين-: إذا كانت حويجة فالتمسوا لها رجيلاً على قدرها! ولذلك إن كنت تريد أن تكون على ذلك السبيل الذي قال الله سبحانه وتعالى فيه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]، فينبغي أن تكون رجلاً لا رجيلاً، وهذا المبدأ الأول.
عدة الداعية
عدة الداعية كثيرة، ولكن أسسها يمكن أن تذكر في إيجاز، ويندرج تحتها كثير من الفروع، ومن أساسها:
  الربانية
العدة الخامسة: الربانية:فإن الداعية ما لم يكن موصولاً بالله، متميزاً في هذا الشأن، فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن ينجح في مهمته، ما لم يمرغ جبهته بالسجود، ما لم يعود عينه دمعة الخشوع، ما لم يستحضر قلبه في تلاوة القرآن، ما لم يدم رفع كفه دعاءً لله سبحانه وتعالى، ما لم يعود نفسه الإنفاق في سبيل الله، ما لم يكن لسانه رطباً بذكر الله، ما لم يكن متميزاً بهذه الصلة، فلا شك أنه مهما كان في ظاهر سلوكه الذي يظهر به أمام الناس قدوة، لكنه يحتاج إلى الصلة التي تخفى على الناس، وفيها تثبيته وقوته، وفيها يبقى على دعوته إلى أن يلقى الله سبحانه. هذه كانت عبارات موجزة فيما يتصل بعدة ذلك الداعية وآدابه.
معرفة الداعية مقامات المدعوين وفهم نفسياتهم
وقد قلنا: إن هذه العدة لا بد أن تكون مناسبة للصيد، فالشبك للبحر، والسهم للبر، والبندقية للطير، ونحو ذلك، فليس من الفطنة ولا من الحكمة أن تأتي للعامي فتحدثه في أصول الفقه، وتأتي للذي عنده بصر في العلوم الطبيعية فتحدثه عما ليس له به صلة.هذا نوع من عدم الإتقان، كأنك جئت إلى البحر لتصطاد سمكة ببندقية! فإنها لن تصيب، وإن أصبت فهي إصابة طائشة، ولذلك فإن على الداعية معرفة مقامات المدعوين، وفهم نفسياتهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما سمع مقالة العباس له: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فلو جعلت له شيئاً! تلطف الرسول صلى الله عليه وسلم في المدخل إلى أبي سفيان ، وصاده من هذا المكمن، فقال: (من جلس في داره فهو آمن، ومن دخل في البيت الحرام فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، ولماذا أبو سفيان على وجه الخصوص؟ لأجل هذه السمة التي كانت فيه، رضي الله عنه وأرضاه.ويبين لنا صفوان بن أمية منطقاً آخر، يجعله أيضاً منهجاً في هدي الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبغض الخلق إليّ، فما زال يعطيني، -أي: من المال- حتى كان أحب الخلق إليّ. وكذلك فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع مسلمة الفتح يوم حنين، حيث أعطاهم وأعطاهم تأليفاً لقلوبهم، فكل إنسان له مدخل، وله مناسبة معينة، والمناسبة تختلف باختلاف الأشخاص وباختلاف أحوال الأشخاص، وقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، فهذا سائل يقول له: (أوصني، فيقول النبي: لا تغضب)، والآخر يسأله: (أوصني، فيقول: لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)، وثالث يسأله فيجيبه بإجابة أخرى، وما تنوعت الإجابات إلا لمناسبة أحوال هؤلاء الناس، فلابد أن تعرف ذلك الصيد، وما هي العدة التي تناسبه: إن كان من أهل العلم فمدخله العلم، وإن كان من أهل العلاقات الاجتماعية، فمدخله كيف راعى الإسلام تلك العلاقة وضبطها، وإن كان من أهل التجارة والاقتصاد، فمدخله كيف حث الإسلام على العمل والسعي في كسبه، وكيف يتعامل معه، ولابد أن يصدم الإنسان حينما لا يدرك هذه الغاية وهذه الحقيقة، فيتعثر في النجاح، فيأتي وليس عنده إلا نفس العدة، يريد أن يصيد بها كل خلق الله وبنفس الأسلوب، وهذا لا يحصل به الصيد، بل هو نوع من أنواع تنفير الصيد الذي سيأتي حديثنا عنه لاحقاً. ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم نجابة ابن عباس قال: (اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل) ولما رأى في ابن عمر مزية العبادة قال: (نعم الرجل عبد الله ! لو كان يقوم من الليل) ولما رأى في أبي بصير شكيمة الحرب قال: (ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال).فبحسب الحال الذي تقتضيه الدعوة، وبحسب الحال الذي في هذا الشخص كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه، ولذلك كان الصحابة مختلفين في التخصص، ولم يكونوا كلهم على شكل وتخصص واحد، بل كان كل منهم يتميز بميزة: فـأبي أقرؤهم، ومعاذ أعلمهم بالحلال والحرام، وزيد أفرضهم، وهكذا، ومن راعى ذلك كانت له النفوس صيداً سهلاً لا يحتاج إلى مزيد عناء، والذي يأتي بمفتاح ويدخله في موضعه فإن بابه يفتح سريعاً، أما إن كان فيه نوع من عدم المناسبة فإنه يحاول ويحاول، وقد يفتح وقد لا يفتح، وقد يكسر مفتاحه بالكلية، وقد يكسر القفل أيضاً، ولذلك ينبغي أن تكون صاحب بصيرة، فإذا جئت إلى قفل تفتحه، وما دخل المفتاح، أو علمت أنه ليس مفتاحه، فلا تكن غبياً فتصر على أن تفتحه بهذا المفتاح، فإنك بذلك تعطل المفتاح وتعطل القفل، ولن تظفر بنتيجة، بل غير مفتاحك، وغير أسلوبك، وغير عدتك، فإن هذا هو الذي ينبغي أن يكون.
  الربانية
العدة الخامسة: الربانية:فإن الداعية ما لم يكن موصولاً بالله، متميزاً في هذا الشأن، فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن ينجح في مهمته، ما لم يمرغ جبهته بالسجود، ما لم يعود عينه دمعة الخشوع، ما لم يستحضر قلبه في تلاوة القرآن، ما لم يدم رفع كفه دعاءً لله سبحانه وتعالى، ما لم يعود نفسه الإنفاق في سبيل الله، ما لم يكن لسانه رطباً بذكر الله، ما لم يكن متميزاً بهذه الصلة، فلا شك أنه مهما كان في ظاهر سلوكه الذي يظهر به أمام الناس قدوة، لكنه يحتاج إلى الصلة التي تخفى على الناس، وفيها تثبيته وقوته، وفيها يبقى على دعوته إلى أن يلقى الله سبحانه. هذه كانت عبارات موجزة فيما يتصل بعدة ذلك الداعية وآدابه.
انتهاز الداعية للفرص والمواقف
وكان النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً ينتهز الفرص، فذات مرة مر عليه الصلاة والسلام بجدي أسك ميت، أي: جدي ميت مقطوع الأذن فقال: (من يشتري هذا بدرهمين؟ فسكت القوم، فقال: من يشتري هذا بدرهم؟ فقالوا لما قال ذلك: والله يا رسول الله! لو كان حياً لما كان لأحدنا فيه حاجة! فقال: لهوان الدنيا على الله أهون من هذا عليكم) فالنبي صلى الله عليه وسلم انتهز هذه الفرصة وهذه المناسبة فرمى رميته؛ لأنه ليس في كل مرة تتاح الفرص، فلا ينبغي أن يكون الصيد في موضع مناسب وفي ظرف مهيأ وأنت تغفل عنه، فإذا هرب الصيد احتجت إلى أن تلاحقه، وأن تنصب له الشراك، فما دام قد تهيأ بين يديك، وجاء في الظروف المناسبة، فدونك فارم سهمك حتى تصيب. وكذلك لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام المرأة وهي تبحث عن ابنها، فلما رأته ضمته إلى صدرها وألقمته ثديها قال: (أترون هذه ملقية بولدها في النار؟ قالوا: هي أرحم به من ذلك، فقال: والله إن الله لأرحم بكم من هذه بولدها). ونبه النبي عليه الصلاة والسلام معاذاً إلى طبيعة القوم الذين سيأتيهم عندما أرسله إلى اليمن، فقال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب) فهم ليسوا مثل غيرهم من أهل الشرك (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم استجابوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات، ثم أعلمهم إن استجابوا لذلك أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم).ثم حذره بعد ذلك من الأساليب التي تنفر الصيد، فقال: (وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).إذاً: أعطاه كل العدة التي يحتاجها باعتبار اختلاف الحال، ثم أعطاه التدرج الذي يحتاج إليه، ثم حذره من الأمور التي ينفر بها صيده، وتتعطل بها مهمته. وقلنا من بعد ذلك إنه ينبغي على الصياد أن يتفقد عدته ويجهزها، كذلك الداعية إذا أراد أن يذهب لدرس أو لعظة أو لقوم في مجلسهم لابد أن يتهيأ له بمراجعة معلوماته، ويتهيأ بما يحتاج إليه المقام، وقلنا إنه كلما زادت عدته وذخيرته كلما كان صيده أكثر كما أشرنا، وقلنا لابد أن يفحص المنطقة ويحدد الموقع، وهذا المقصود به أن يعرف أحوال الناس: هل هم قوم قد غلب عليهم الانحراف في الاعتقاد، أو قوم غلب عليهم انحراف في سلوك، أو قوم غلبت عليهم الغفلة، فلا يمكن أن تأتي إلى قوم وإلى مجتمع وأنت لا تعرف طبيعة الإعلام الذي يوجههم، ولا طبيعة العلم الذي يدرسونه، ولا طبيعة الأعراف الاجتماعية المتحكمة فيهم، فالمجتمع القبلي غير المجتمع الحضري. فلابد أن تدرس ذلك كله، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرس هذا الأمر، ويعرف التفاوت بين الناس، والاختلاف في شأن القبائل وفي شأن أعيان الناس، وفي شأن العادات التي كانت مترسخة فيهم، ولذلك حتى سياسة التدرج في التشريع كانت موافقة لذلك؛ فقد قالت عائشة : لم يكن أول ما نزل (لا تشربوا الخمر)، وإنما نزل أول الأمر آيات الإيمان والاعتقاد، فلما تاب الناس وفاء الناس إلى الإسلام نزل (لا تشربوا الخمر) وحرم الله سبحانه وتعالى بعد ذلك الخمر.
  الربانية
العدة الخامسة: الربانية:فإن الداعية ما لم يكن موصولاً بالله، متميزاً في هذا الشأن، فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن ينجح في مهمته، ما لم يمرغ جبهته بالسجود، ما لم يعود عينه دمعة الخشوع، ما لم يستحضر قلبه في تلاوة القرآن، ما لم يدم رفع كفه دعاءً لله سبحانه وتعالى، ما لم يعود نفسه الإنفاق في سبيل الله، ما لم يكن لسانه رطباً بذكر الله، ما لم يكن متميزاً بهذه الصلة، فلا شك أنه مهما كان في ظاهر سلوكه الذي يظهر به أمام الناس قدوة، لكنه يحتاج إلى الصلة التي تخفى على الناس، وفيها تثبيته وقوته، وفيها يبقى على دعوته إلى أن يلقى الله سبحانه. هذه كانت عبارات موجزة فيما يتصل بعدة ذلك الداعية وآدابه.
صفات أساسية يجب على المسلم التحلي بها

  تسخير الداعية لكل الطاقات والجهود في سبيل الدعوة
وآخر الأمر الذي نلفت النظر إليه أن الداعية مثل الصياد في أمر مهم، وهو أن الصياد لا يستغني بقوته، ولا يكتفي فقط بفطنته، ولا يستخدم حاسة واحدة من الحواس، بل هو يستخدم حاسة النظر، ويستخدم حاسة الشم، ويستخدم العقل والتفكير، ويحتاج إلى القوة القلبية في الشجاعة لمواجهة المخاطر، ويحتاج إلى القوة الجسدية لمصارعة الصيد أو غير ذلك.وكذلك الأمر في حال الداعية، فلا تتصور أنك يمكن أن تكون ناجحاً إلا إذا أخذت من كل جانب بحظ ونصيب، فأنت تحتاج إلى قوة الإيمان والقوة النفسية، لتقوى على المجابهة، وتحتاج إلى القوة البدنية لتجاهد في سبيل الله سبحانه وتعالى، وتحتاج إلى القوة العقلية لتكون صاحب بصر وحكمة في سياسة الأمور، وفي التخلص في المواقف المحرجة، وتحتاج أيضاً إلى النظر، وتحتاج إلى السمع.. وكل شيء، فكذلك ينبغي أن تسخر الجهود كلها في هذا الشأن وفي هذا الصدد.وجملة القول الذي نحب أن نشير إليه وأن نختم به، أنه لابد أن نعرف أن الأمر ليس على سبيل التهاون أو سبيل الاختيار، وليس على سبيل الهامشية في حياة الإنسان المسلم، بل هو كما قال الله سبحانه وتعالى في شأن تحمل الرسالة وتحمل المهمة: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12]. وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]. وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الأمر في قوله تعالى: قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2] وفي قوله: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، ووصف المؤمنين بأنهم بعضهم من بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فليس الأمر شيئاً عارضاً، وإنما هي مهمة لابد أن تكون ثابتة وأصيلة ودائمة ومستمرة، ويستفرغ لها الجهد كله، والطاقات كلها ليكون هذا الإنسان الداعية صياداً ماهراً، وكلنا ينبغي أن يكون ذلك الرجل، فلا تقعد في بيتك لأنك ستخلد إلى النوم، وتتعلم فن التثائب كما قال بعض الدعاة، ولن يكون لعلمك حينئذ -إن كنت صاحب علم- تأثر وتأثير، ولن يكون له أثر في الحكمة والبصيرة، وهذا أمر لابد أن يتعاون الجميع عليه، لأنه من أعظم البر والتقوى، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] والله سبحانه وتعالى نسأل أن يوفق الدعاة إلى دينه، وأن يسدد خطاهم، وأن يوحد كلمتهم، وأن يلهمهم الرشد والصواب، وأن يوفقهم لما يحب ويرضى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العلمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأسئلة

  حاجة الدعاة إلى العمل الجماعي حتى تؤتي الدعوة ثمارها
السؤال: هل يستطيع الصياد أن يصيد منفرداً بهذه المهارة؟ الجواب: المهارة في أصلها فردية، لكن النتيجة لا تكون إلا جماعية، ونحن الآن تكلمنا عن الصياد، والصيادين يعملون معاً، ولهم سوق واحد يبيعون فيها، وربما يستعين بعضهم ببعض فيأخذ هذا شبكة ذاك أو يستعين به، وكما يقال: الناس بعضهم لبعض -وإن لم يفطنوا- خدم.فلا يمكن للإنسان أن يستغني عن الآخرين في شئون الحياة، ولا في شئون المهنة، فالصياد لا يستغني عن الصيادين، والمهندس لا يستغني عن المهندسين، والطبيب لا يستغني عن الأطباء، والداعية لا يستغني عن الدعاة، وطالب العلم لا يستغني عن العلماء وطلبة العلم، فلابد أن تتضافر الجهود لتكون المسألة متكاملة، لأننا حينما نتكلم عن الصيد هنا فإننا نتكلم عن صيد قلوب وصيد عقول وصيد أرواح، لابد له أن يبقى حياً متنامياً، ونحن نريد أن نبعث أمة دب فيها الضعف، ووهنت قواها، وتسلط عليها أعداؤها فما يمكن لإنسان أن يملك سيفه وأن يفل الصفوف وهو واحد منفرد: تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت آحادا وأعداؤنا تجمعوا أشتاتاً علينا فلابد أن يكون دأب المؤمن هذا الأمر، وليلتفت في ذلك إلى صيغة الأمر الجماعي في كل أقوال الله سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43].. تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]، ما خوطب الفرد المسلم منفرداً، حتى في الأمور العامة في العبادات هو يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ويدعو له ولأمة الإسلام اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] وشعائر الإسلام كلها مبنية على الجماعية؛ فالصلاة في جماعة، والصوم في وقت واحد للأمة كلها، والحج يجمع أشتات الناس وأخلاطهم من أهل الإيمان في موضع واحد، وما من أمر إلا والانتداب إليه في هذه الصورة الجماعية، مما يؤكد أنه لابد لمثل هذا الأمر أن يكون على هذا النهج، وكان بعض السلف يدعو في رجال معه، وكان سهل بن سلامة -كما ذكر الطبري في أحداث عام مائتين وعشرة في تاريخه- يأخذ البيعة على الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان بعض السلف يخرجون ولا يستصحبون معهم إلا رجالاً لا يأكلون إلا من عمل يدهم، حتى يكون ذلك أدعى إلى الإخلاص، وإلى القبول وإلى التوفيق في حصول المقصود، فلا شك أن الإنسان الذي يكون منفرداً وحيداً لا يستطيع فعل الأمر على وجهه، بل حتى في المهمة الواحدة يحتاج المرء إلى من يعينه، فالصياد الذي يريد أن يصيد سمكاً بشبكة يحتاج إلى من يعينه، فيكون هناك غالباً اثنان أو ثلاثة أو أربعة يقومون بعمل مشترك، ويركبون زورقاً واحداً، وينصبون الشبكة ويفردونها، ويقتسمون العمل فيما بينهم فهذا تكون مهمته رمي الشبكة، وذاك تكون مهمته الأخذ، وذاك تكون مهمته توجيه الزورق، وهكذا.والإنسان في طبيعة خلقته كل شيء فيه متكامل، وجسمه هذا يعلمه الجماعية، إذ لا يستغني عقله عن يديه، ولا يده عن قدمه، فلا يمكن أن يمشي على يده؛ لأن رجله جعلت لهذا الأمر، ولا يمكن أن يأخذ برجله؛ لأن يده جعلت لهذا الأمر.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الصياد الماهر للشيخ : علي بن عمر بادحدح

http://audio.islamweb.net