إسلام ويب

غنائم العابدين وخسائر الغافلينللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن لله مواسم ونفحات، يغتنمها أهل الطاعات، ويضيعها أهل المعاصي والشهوات في اللهو والملذات، ومن أعظم تلك المواسم: شهر رمضان، شهر الرحمة والغفران، وخير ما في هذا الشهر العشر الأواخر، تلك الليالي المباركات، التي فيها ليلة هي خير من ألف شهر، وإن الناظر في أحوال سيد الخلق عليه الصلاة والسلام وأصحابه في العشر الأواخر ليرى البون الشاسع والفرق الواسع بيننا وبينهم، وربما كان أكثرنا على العكس تماماً من نهجهم والسير على خطى دربهم، فينبغي الاهتمام والجد لاغتنام المواسم الكريمة، والأوقات الشريفة، فيما يقرب العبد من ربه ومولاه.

    1.   

    فضائل رمضان وحال النبي عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر

    الحمد لله، الحمد لله على ما أفاض من الخيرات، وما وهب من الرحمات، وما كتب من مغفرة السيئات، وما تمنن به وتفضل من مضاعفة الحسنات؛ له الحمد رب الأرض والسماوات، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو أهل الحمد والثناء لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ويوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، له الحمد سبحانه وتعالى دائماً أبداً ما دامت السماوات والأرض.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله؛ علم الهدى ومنار التقى، شمس الهداية الربانية، ونور الرعاية الإلهية؛ أشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

    فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    استحضار فضل الله وشرف الزمان

    أيها الإخوة! غنائم العابدين وخسائر الغافلين في هذه الأيام الشريفة والليالي المباركة، ولم يبق من شهرنا إلا سبعة أيام، وهانحن إذا تأملنا واعتبرنا وجدنا أمرين لابد لنا من استحضار معانيهما، ومن تذكرهما:

    أولهما: فضل الله سبحانه وتعالى بما جعل من فضل الزمان، وما أكرمنا به من شرف المكان، وما وعدنا عليه من مضاعفة الأعمال والأجور، وما جعله في هذا الموسم من محو الخطايا والآثام.

    والثاني: هو عقل العاقلين، وفطنة المؤمنين، وتلهف العابدين، كي لا تضيع بقية الأيام، ولا تذهب سائر الليالي التي هي أشرف أيام وليالي شهر في العام، وأفضل عشر في الشهر وفيها ليلة القدر، حتى تكون القلوب موصولة معلقة بالله راغبة في ثوابه، مقبلة على طاعته كلما فتر عزمها أو ضعف جدها وسيرها جاءها من نداء الإيمان ومن فضل الرحمن ما يشد العزم، ويضاعف العمل.

    ونحن في هذه الأيام المباركة والليالي الفاضلة حري بنا أن نعيد التذكر لفضل الله، ونعيد الحساب لتقصيرنا في طاعة الله، وننتبه إلى أن الأيام والليالي إذا انقضت لا تعود، وأن مواسم الخير يوشك إذا تقوضت خيامها أن يرجع الناس فائزين رابحين، أو خاسرين محرومين، وكل مؤمن وعاقل يختار لنفسه الأمثل.

    وإذا كانت الأيام والليالي فيها من شأن الدنيا والآخرة، وراحة النفس، ولهو القلب مع جد العمل في الطاعة والذكر؛ فإن هذه الأيام والليالي لا تنبغي فيها الشركة، ولا يحسن فيها الاختلاط، بل لابد أن تكون ممحصة خالصة للطاعة والعبادة، وأن تكون ذات انقطاع عن الدنيا وتعلق بالآخرة، وهجر للغفلة وانغماس في الذكر، وقطع للخلائق واتصال بالخالق، وحياة للقلوب والأرواح، وهجر لحياة الجسوم والأشباح؛ فإننا في سائر أيامنا وليالينا يكاد يكون حظ الطاعة ونصيب العبادة قليلاً إلا من رحم الله.

    حال النبي صلى الله عليه وسلم في العشر

    لعلنا في أول وقفاتنا نرى الصورة المثلى والقدوة العظمى صلى الله عليه وسلم، أعظم الخلق عبادة لربه، وأشدهم خشية منه، وأكثرهم ذكراً له، وأعظمهم تعلقاً به، وأكثرهم وسعياً إلى رضوانه، فأي شيء كان حاله، وكانت عبادته صلى الله عليه وسلم؟ ليس في رمضان ولا في عشره الأواخر بل في سائر الأيام والليالي.

    ومع ذلك فلنا أن نتصور ونتدبر في حاله الذي وصف به في هذه الأيام والليالي الفاضلة، لعلنا ونحن نقف هذه الوقفات -التي نكاد نحفظها- ندرك تماماً أنه صلى الله عليه وسلم يعلمنا ويلقننا درساً عظيماً ينبغي ألا ننساه أبداً، وألا ننساه في هذه الأيام خصوصاً؛ فمن حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخلت العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله) ، وفي صحيح مسلم رواية أخرى تحتاج إلى مزيد تأمل: (كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره).

    ونحن نعلم ما كان اجتهاده في غيره: كان يقوم حتى تتفطر قدماه، ولا يدع قيام الليل في سفر ولا حضر، ويذكر الله في كل أحواله، ويستغفر الله في يومه وليلته مائة مرة، وكان صلى الله عليه وسلم أعظم عباد الله عبادة له.

    فكيف نتصور أنه كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره، أي اجتهاد فوق هذا الاجتهاد؟ وأي عبادة تزيد على هذه العبادة! إنها دروس عظيمة من سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، إنه يقول لنا: لابد من الزيادة، لأجل فضيلة هذا الشهر، وإدراك ختامه في هذه الليالي العشر، والتعرض لموافاة وموافقة ليلة القدر، ونيل عظيم الأجر بما هو أعظم من ألف شهر، أنريد ذلك ونحن نائمون غافلون وفي الأسواق لاهون وسائرون؟!

    أنريد ذلك ونحن ما نزال نتحدث بلغو القول وباطله؟!

    أنريد ذلك ونحن ما يزال ليلنا مع القنوات والأحجيات والألغاز؟! أنريد ذلك ونحن لا نزيد عما مضى في شهرنا بل ننقص منه؟!

    أنريد ذلك ونحن في كل طاعتنا وعبادتنا لا نبلغ عشر معشار ما كان عليه رسولنا صلى الله عليه وسلم؟!

    لعلي أترك لكم فرصة أن تتفكروا وتتدبروا كيف كان اجتهاده في هذه الأيام؟ وأي شيء يزيده على ما هو عليه من طاعة الله وعبادته؟

    وهذا حديث الترمذي من رواية أم سلمة قالت: (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلا أقامه) .

    وفي رواية الطبراني من حديث علي رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان، وكل صغير وكبير يطيق الصلاة) .

    وفي رواية أنس في وصف حاله في العشر: (إذا دخلت طوى فراشه، واعتزل النساء)، إنه إعلان أنها أيام غير الأيام، وليالي ليست كالليالي، وزمان يخرج عن زمان الدنيا إلى الآخرة، ووقت يستقطع من لهو الحياة وغفلتها إلى ذكر الآخرة والتعلق بها، ووقت لا تنبغي فيه الشركة ولا يحسن فيه الاختلاط بحال من الأحوال، فما بالنا نزيد من الاختلاط والتخليط حتى تقل العبادة، وتعظم الغفلة، ويندر الذكر، ويعظم اللهو، نسأل الله عز وجل السلامة.

    1.   

    غنائم العابدين في رمضان

    هذه امرأة من الصالحات تقول لزوجها في وصف أحوال المؤمنين: قد ذهب الليل، وبين أيدينا طريق بعيد وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن بقينا.

    تأمل هذا، وتأمل بعد رسول الهدى صلى الله عليه وسلم سير الأصحاب، واذكر بكاء المتهجدين، وتأمل أحوال العابدين، وانظر إلى سير القائمين الركع السجود من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعدهم من الصالحين، وقل مثلما قالت هذه العابدة:

    يا نائم الليل كم ترقد قم يا حبيبي قد دنى الموعد

    وخذ من الليل وأوقاته ورداً إذا ما هجع الرقد

    من نام حتى ينقضي ليله لم يبلغ المنزل أو يجهد

    قل لذوي الألباب أهل التقى قنطرة العرض لكم موعد

    متى يكون حظنا من الذكر والقيام إن كنا في هذه الأيام من أهل الغفلة والنيام؟!

    التعرض لرحمة الله تعالى ومغفرته في أواخر رمضان

    وإذا تأملنا وجدنا أن حالنا تحتاج إلى نوع من العزم والحزم والجد والشدة التي لا تسمح بقليل من التفريط فضلاً عن كثيره، ولا تسمح بشيء من الانشغال فضلاً عن سعته، وذلك ما ينبغي أن نتذكره ونحن ندرك تقصيرنا، ونعرف تفريطنا، ونستحضر عظمة وكثرة ذنوبنا، ونعلم كم هي غفلتنا ولهونا.

    إذا ما أوجعتك الذنوب فداوها برفع يد بالليل والليل مظلم

    ولا تقنطن من رحمة الله إنما قنوطك منها من ذنوبك أعظم

    فرحمته للمحسنين كرامة ورحمته للمذنبين تكرم

    من هذا المحروم الذي لا يتعرض للرحمة؟ من هذا الشقي الذي يعرض عن موسم المغفرة؟ من هذا الذي يغفل وينشغل بالأسواق في موسم يمكن أن نقول: إنه أعظم المواسم؟

    عندما نتأمل أبواب السماء مفتحة، وأبواب الجنة متزينة، والموسم قائم، والرب سبحانه وتعالى قد وعد عباده بليلة القدر، فكيف لا تجري للمؤمن على فراق هذا الشهر الدموع؟ كيف لا ننتبه لذلك ونحن قد لا يكون لنا إليه رجوع؟

    لابد أن ننتبه وندرك أن هذا الموسم وهذه الأيام جديرة أن نتأمل ما ذكر فيها من فضل الله، ومن ضرورة التعبد والتفرغ لطاعة الله.

    استدراك ما فات واغتنام رمضان قبل الفوات

    إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل، ومن كان قد أحسن فعليه بالتمام، ومن كان قد فرط، فليتدارك في حسن الختام، وإنما العبرة بالختام.

    سلام من الرحمن كل أوان على خير شهر قد مضى وزمان

    سلام على شهر الصيام فإنه أمان من الرحمن كل أمان

    لئن فنيت أيامك الغر بغتة فما الحزن من قلبي عليك بفاني

    حري بنا أن نبكي على أنفسنا دماً لا دموعاً إذا فرطنا في هذه الأيام، قد نقول بعد أسبوع أو بعد مضي الشهر: ليتنا فعلنا، ليتنا لم نفعل! قلها الآن وأنت ما زلت في هذه الأيام، وما زال بينك وبين الشهر سبعة أيام، قل ذلك قبل أن تقوله بعد فوات الأوان، وقبل أن تقوله بعد ألا يكون رمضان، أو بعد ألا تكون عشر ولا ليلة قدر، ولا عتق من النيران اختص به هذا الشهر لمزيد فضل وزيادة أجر وعظيم مضاعفة للثواب.

    فهذه نعمة الله، وإننا أحياناً نصنع صنيع الحمقى والمغفلين، فنترك ما بأيدينا ونتحسر عليه من بعد، ونفرط فيما ساقه الله عز وجل من رحمته وفضله إلينا، ثم نعض أصابع الندم عليه، وليس ذلك مرة واحدة بل مرات، وليس موسماً واحداً بل مواسم، وليس عاماً واحداً بل أعوام، ونجدد القول مرة أخرى ونقول: سنجتهد في عام قادم.

    ويأتي رمضان القادم، فلا أقول إنه يكون شراً من الذي قبله، لكن التغير والتغيير يكاد يكون غير ملموس، فهل عميت القلوب؟ هل ماتت النفوس؟ هل ضلت العقول؟ هل لم يعد لنا في حالنا وتذكرنا واتعاظنا ومواسم الخير التي يسوقها إلينا ربنا فرصة لنغير؟!

    ومتى يتذكر الغافل إن لم يتذكر في هذه الأيام؟ ومتى يقوم النائم إن لم يقم في هذه الليالي؟ ومتى يدع المذنب الذنب إن لم يدعه في هذا الموسم؟ ومتى يبكي الواحد منا على حاله وذنبه إن لم يبك في هذه الأيام والليالي؟ جدير بنا أن نتنبه حتى لا نندم بعد فوات الفرصة العظيمة من بين أيدينا:

    أتترك من تحب وأنت جار وتطلبهم وقد بعد المزار

    وتبكي بعد نعيهم اشتياقاً وتسأل في المنازل أين ساروا

    تركت سؤالهم وهم حضور وترجو أن تخبرك الديار

    فنفسك لُم ولا تلم المطايا ومت كمداً فليس لك اعتذار

    سنعض أصابع الندم عضاً شديداً إن نحن فرطنا في هذه الأيام التي نحن فيها، والليالي التي نحن نتفيأ ظلالها، ونستنير بأنوارها، ونترقب فيها ليلة القدر العظيمة.

    كان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، وكان ذلك -كما قال العلماء- قطعاً لانشغاله، وتفريغاً لباله، وتخلياً لمناجاة ربه، وذكره ودعائه، وكان صلى الله عليه وسلم يحتجز حصيراً يتخلى فيه عن الناس فلا يخالطهم، ولا يشتغل بهم.

    ومعنى الاعتكاف كما قال أهل الإيمان: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق.

    دعوة إلى عقد العزم على الاجتهاد والتعرض للرحمات

    يا ليلة القدر وهذه أيامها يا موسم المغفرة وهذه لياليه

    إننا نعقد العزم في هذه اللحظات ألا نضيع الأوقات، وألا ننشغل بالشهوات والملذات، وألا ننصرف إلى الأسواق والمشغلات، وألا نعمي قلوبنا بمشاهدة المسلسلات في الفضائيات. اعزموا الآن على أن نجعل عشرنا خيراً مما مضى من شهرنا، وأن نجعل ما بقي من أيامنا ليس فيها حظ إلا لطاعة ربنا بقدر طاقتنا وجهدنا.

    ولذلك ينبغي لنا أن نجتهد حتى نتعرض لرحمة الله، ونوافي فضل الله، ونشعر بأننا قد بذلنا من جهدنا وطاقتنا ما نتعرض به لرحمة الله عز وجل.

    يا ليلة القدر للعابدين اشهدي يا أقدام القانتين اركعي واسجدي

    يا ألسنة السائلين جدي واجتهدي

    يا رجال جدوا رب داع لا يرد

    لا يقوم الليل إلا من له عز وجد

    ليلة القدر ليلة الأنس بالطاعة والقرب، والمؤمنون يقبلون عليها، والغافلون يفرون منها بالغفلة واللهو والبعد؛ فاختر لنفسك يا أخي ما تحبه في أخراك، واختر لنفسك ما تظن أنه لا يكون وقد بقي من عمرك وأجلك لحظات، فاعلم أنها هذه هي اللحظات، فإن كنت ستفعل شيئاً، أو تستغفر من ذنب، أو تجد في عمل؛ فدونك هذه الأيام وهذه الليالي، واعلم بأنها موسم كل خير.

    إن أردت سؤالاً أو حاجة أو تفريج كربة أو شيئاً من كل حاجات أخراك ودنياك، فاعلم أن هذه هي الأيام والليالي التي يخلص فيها الدعاء الذي أمرنا الله عز وجل به: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، أمرنا بالدعاء ووعدنا بالإجابة: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].

    ادعوا ربكم تضرعاً وخفية دعاء ينبغي ألا ينقطع في هذه الأيام والليالي، وألا يتوقف في قنوت وسجود وخلوة واعتكاف حتى لا نكون من المفرطين في هذا الموسم العظيم، ولعلنا نتذكر أيضاً ونعتبر بأن هذا الموسم هو موسم المسارعة إلى الخيرات، وموسم عظيم في كل ما نحتاج إليه من الخير والذكر والاعتبار والادكار.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على الاجتهاد في هذه العشر ما لم نجتهد في سائر الشهر، ونسأل الله عز وجل أن ينيلنا برحمته ليلة القدر، وأن يكفر فيها عنا الوزر، ويضاعف الأجر، ويمنّ علينا بالعتق في ختام الشهر.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    خسائر الغافلين عن رمضان ولياليه

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    من لم يزك نفسه في عشر رمضان فاته التوفيق

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإنه لحري بنا أن نتأمل في حالنا، وأن ننتهز هذه الفرصة العظيمة، وهذه الأيام والليالي الفاضلة، إنها أيام القلوب والأرواح لا أيام الجسوم والأشباح، اعتكاف ننقطع به عن دنيانا، وصيام وقيام ننقطع به عن طعام وشراب إلا في أقل قليل مما يقيم الأود ويعين على الطاعة.

    إنها أيام من لم يجد فيها الفرصة ليزكي نفسه، ويطهر قلبه، ويمحو ذنبه، ويجدد عهده، ويؤكد توبته؛ أن يكون قد ضيع تضييعاً عظيماً وفرط تفريطاً كبيراً يخشى ألا يكون له بعده استدراك، لأنه مضى في غفلته، واستسلم لشهوته، وقعد مع كسله وعجزه وركونه إلى دنياه.

    إن ما نحتاج إلى التدبر فيه هو: أن نجعل هذه الأيام خالصة لله عز وجل، وفرصة لعلاج أدواء القلوب وأمراض النفوس، تلك القلوب التي قد اسودت من كثرة المعاصي والآثام، وأظلمت بكثرة ما قارفت من السيئات والمحرمات، تلك الأحوال التي تكاد أن تغرقنا في دنيانا فلا نرى مساحة تذكرنا بأخرانا، تلك الأيام والأعوام المتعاقبة التي ليلنا فيها نوم دائم أو سهر عابث، أفلا نجعل لنا حظاً من ليل ذاكر خاشع متبتل يكون لنا فيه حظاً من تعرضنا لرحمة الله عز وجل؟

    التحذير من الانشغال عن العبادة بالأسواق

    إن الأسواق التي تفتح أبوابها، والناس الذين يرتادونها، والشراء الذي يشغل الناس، واللهو الذي يعصف بكثير من إخواننا المسلمين جدير بنا أن نتعاون على منعه ودرئه وتغييره، ولو كان عند الناس معرفة حقيقية لرأوا أن أعظم شيء يحتاج إلى الإغلاق والقطيعة التامة في هذه الأيام هي الأسواق، انظروا ما كان يفعل أسلافنا، أتعرفون عن أي شيء كانوا ينقطعون عنه في هذه الأيام؟

    إنهم ينقطعون عن دروس العلم، وعن السؤال والفتوى، وأعمال من البر كثيرة، لماذا؟ لأنهم يرون أن هذه الأيام والليالي ينبغي أن تكون خالصة، ليس فيها انشغال حتى بطلب العلم وتعليمه على ما فيه من الفضل، فإذا أغلقت الدروس وأغلقت الكتب لأجل القيام والذكر والتلاوة والدعاء، فما بال الأسواق مشرعة؟ وما بال الملهيات والمشغلات تتضاعف وتزداد؟ ونسعى إلى مزيد من الشراء والصفق في الأسواق، ونشتري ما نسميه حلوى العيد، ولباس العيد وغير ذلك.

    نجمل ظواهرنا ولا نعنى ببواطننا، نجمل هذه الأجساد ولا نزين القلوب ولا الأرواح، كم هي هذه المآسي محزنة ومؤلمة؟ وكم هي وللأسف عظيمة وكثيرة، ومتكررة ودائمة؟ وكم تسمعون ذلك وربما تقولونه، فأي حال هذا الحال الذي لا يتغير فيه الخطأ الذي يجمع الناس على خطئه، والأمر الذي يوقن الجميع بأن غيره على أقل تقدير أولى منه؟

    قد تقولون: لا نملك من الأمر شيئاً، فأسأل نفسي وإياكم: هل تملكون أمر نفوسكم؟ وهل تملكون أمر بيوتكم؟ وهل تملكون أمر نسائكم وأبنائكم وبناتكم؟ أم أنكم تفرطون فيما تملكون وتلقون باللوم على غيركم فيما لا تملكون، وأنفسكم تغرون، وبمثل هذه الترهات تنشغلون ولا تستيقظون.

    كلنا ذاك الرجل الذي يحتاج إلى وقفة لابد أن تكون قوية وحازمة وشديدة ومؤكدة، وفي كل عام نقول ذلك، وسنظل نقول ذلك، وينبغي أن نقول ذلك، وينبغي أن نتواصى بذلك، حتى نغير في واقع أنفسنا، ونغير في داخل بيوتنا، ومن بعد نغير في دائرتنا ومجتمعنا، حتى تعود أمتنا إلى سالف عهدها.

    في مثل هذه الأيام ليس هناك شعار ولا عمل ولا شيء يذكر إلا الطاعة والعبادة والاعتكاف، والختم والدعاء والتضرع.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لطاعته ومرضاته، وأن يصرف عنا الغفلة واللهو، وأن يجعلنا من عباده الذاكرين، وأن يكتبنا في الصائمين القائمين، وأن يمن علينا بأن نكون من أهل ليلة القدر المغفورة ذنوبهم والمرحومين.

    اللهم إنا نسألك أن توفقنا للطاعات، وأن تصرف عنا الشرور والسيئات، وأن تغفر لنا ما مضى وما هو آت، اللهم أحي قلوبنا بمعرفتك، وزك نفوسنا بعبادتك، اللهم أصح أبداننا بطاعتك، اللهم إنا نسألك أن تطهر قلوبنا، وتزكي نفوسنا، وتخلص نياتنا، وتحسن أقوالنا، وتصلح أعمالنا، وتضاعف أجورنا، وترفع درجاتنا، وتمحو سيئاتنا، وتريننا برحمتك ورضوانك يا رب العالمين.

    اللهم إنا نسألك في هذه العشر المباركة والأيام والليالي الباقية أن توفقنا لمزيد الصيام والقيام والذكر والتلاوة والدعاء والتضرع والابتهال، اللهم اجعلها أيام دعاء ومناجاة، واجعلها اللهم أيام قبول ومغفرة، واجعلها اللهم أيام تصحيح وتغيير لأنفسنا إلى ما تحب وترضى يا رب العالمين.

    اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، وميتة السوء يا رب العالمين، اللهم أعذنا من الغفلة وجنبنا المحرمات يا رب الأرض والسماوات.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء، اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم تولَّ أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.

    اللهم اختم لنا شهر رمضان برضوانك، وبالعتق من نيرانك، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم رحمتك ولطفك بإخواننا المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية، اللهم اجعل هذه العشر عليهم عشر تفريج هم وتنفيس كرب، اللهم يا رب العالمين، اجعلها غياثاً لقلوبهم ونفوسهم وأرواحهم، وتثبيتاً لأقدامهم يا رب العالمين.

    اللهم إنا نسألك أن تحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأن تجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم اجعل ما بقي من هذا الشهر أيام عز ونصر وتمكين لهم يا رب العالمين.

    اللهم إنا نسألك أن تجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وأولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.

    عباد الله صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي؛ أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.