إسلام ويب

المساجد أحكام وآدابللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يخفى على المسلم أهمية المساجد وعظيم قدرها؛ إذ هي بيوت الله عز وجل التي تقام فيها أكبر شعائر الدين وأجلها، فحري بكل مسلم أن يعرف للمساجد حقها وقدرها، وأن يعظمها حق تعظيمها، وذلك بعمارتها بذكر الله عز وجل، والتأدب فيها بالآداب الحميدة التي بينها لنا الشرع الحكيم.

    1.   

    أهمية المساجد ومعرفة آدابها

    الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، رفع السماوات بلا عمد، وبسط الأرض ومد، وأفاض النعم بلا حصر وعد، له الحمد سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وبما يوافي ويكافئ فضله وإنعامه، له الحمد كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير.

    وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، هو الرسول المجتبى والنبي المصطفى، علم الهدى ومنار التقى، بصر الله جل وعلا به من بعد عمى، وأرشد به من بعد غواية، وكثر به من بعد قلة.

    وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! المساجد بيوت الله جل وعلا؛ فيها يذكر اسمه، ومنها ينادى إلى طاعته وعبادته، وفيها تحيا القلوب، وترق الأرواح، وتسجد الجباه، وتترتب بالذكر الألسنة، وتتراص الصفوف، وتتوحد وتأتلف النفوس.

    فضل المساجد وعمارها

    المساجد بيوت الله عز وجل لها أحكام وآداب، وقد كثر من عدد غير قليل من إخواننا المصلين شكواهم من عدم معرفة تلك الأحكام، ولا مراعاة تلك الآداب، بل تجاوزوا ذلك إلى ما هو أخطر وأعظم ضرراً وشراً، ومن ثمَّ فالمسجد وخطبته تعالج الأوضاع التي يعيشها أهل المسجد ومن يجاوره، كما تعالج أوضاع الأمة كاملة.

    فإن لنا في هذا المقام وقفات كثيرة، وهي لا تتحدث عن شرق أو غرب، ولا عن بلاد في هذه الجهة أو تلك، إنما تتحدث عنا وعما يجري في مسجدنا وواقعنا، ومثله وغيره كثير من المساجد.

    فكيف الأمر ونحن نتحدث عن بيوت الله عز وجل التي ذكر الله عز وجل نسبتها إليه فقال: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، وقال: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ [التوبة:18] إنها بيوت الله عز وجل، فهل هي في المقام والقدر وفي الرعاية والحفظ تعطى حقها؟! وهل نجعلها مثل بيوتنا على أقل تقدير؟!

    وهل نحن عندما نأتي إليها أو نكون فيها أو نتعامل في داخلها نراعي حرمتها، ونراعي مقامها؟ فقد صح عند البخاري من حديث عثمان عن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له مثله بيتاً في الجنة)، فهي بيوت الله جل وعلا.

    والصورة الأخرى التي ينبغي أن نستشعرها ونحن نقدم هذا الحديث هي: أن عُمَّار المساجد هم أهل الله عز وجل وعباده، وهم في خلاصة الأمر صفوة من العباد والخلق الذين يجيبون نداءه، ويسعون إلى طاعته، ويقبلون إلى مرضاته، فكيف بهذه الصفوة إذا كانت تخل بالأحكام، ولا تراعي الآداب، ولا تلتفت إلى الحرمة، بل ويقع من البعض ما هو أكثر من ذلك، يقول الحق سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18] يقول ابن كثير : شهد الله بالإيمان لعُمَّار المساجد. وذكر ابن كثير : أن عبد بن حميد روى في مسنده عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما عُمَّار المساجد هم أهل الله). ورواه البزار كذلك عن أنس . وروى عبد الرزاق عن عمر بن ميمون أنه قال: (أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها)؛ لكن الضيف ينبغي أن يراعي أدب المكان، وأدب المضيف، وهو الرحمن سبحانه وتعالى، فنحن في بيوته، ونحن إنما جئنا لعبادته، ونحن إنما تفرغنا لذكره، فكيف بنا نخدش ذلك أو لا نلتفت إلى الأمور الواجبة؟

    1.   

    ذكر الآداب المطلوبة للمسجد

    التجمل والتزين لدخول المسجد

    إن هذه البيوت بيوت الله سبحانه وتعالى؛ لأجل ذلك أمرنا الله ونبهنا أن نراعي ما يجب لها فقال: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31]، قال ابن كثير في تفسيره: وفي هذه الآية مع ما ورد في السنة النبوية أنه يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، ويستحب الطيب لأنه من الزينة، والسواك لأنه من تمام ذلك.

    وقال السعدي : كذلك يحتمل أن المراد بالزينة هنا ما فوق ذلك من اللباس النظيف الحسن، ففي هذه الآية الأمر بستر العورة في الصلاة، واستعمال التجمل فيها، ونظافة السترة من الأدناس والأرجاس.

    ونحن إذا ذهبنا لزيارة أحد من الأصدقاء فضلاً عن الفضلاء تزينا لذلك، ولبسنا من الثياب أحسنها، ووضعنا من أنواع الطيب أعطرها، وجعلنا لأنفسنا من الهيئات أفضلها، فإذا جاء بعضنا إلى المساجد رأيته وهو يأتي بثياب النوم التي لا يرضى أن يستقبل بها أحداً في بيته.

    وربما وجدت بعضهم وهو يأتي في ثياب مهنته وقد اسود بعضها، وفي بعضها من القذر وكراهة الرائحة ما فيها، وبعضهم يأتي بملابس قد كتب عليها من الكلمات ومن الصور ما لا يليق أن يكون في بيت من بيوت الله عز وجل، وربما وجدت بعضاً وفي لباسه ما يعد مخالفاً لستر العورة إما من قصر أو ضيق أو تشبه أو نحو ذلك، وهذا خلاف الأمر الرباني لأخذ الزينة اللازمة.

    وكان من هيئة الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله أنه إذا خرج إلى المسجد اغتسل ولبس أحسن ثيابه وتطيب، فإذا خرج لم يكن يكلم أحداً ولا يكلمه أحد حتى يدخل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيصلي، ثم يشرع فيحدث بحديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، هكذا كانوا يعرفون حق قدومهم على بيوت الله عز وجل من غير مخيلة ولا رياء ولا مبالغة، ومن غير استهانة وتفريط وعدم مراعاة حرمة وقدر، وغير ذلك.

    وكذلك نذكر هنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم المشهور المعروف الذي يتبادله الناس ويتذاكرونه وكثيراً ما يخالفونه، وهو حديث جابر عند البخاري وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا، أو فليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته). قال بعض العلماء استنباطاً من هذا الحديث: إن الآكل لهذه الثمرة قبل الصلاة تسقط عنه الجماعة، ويجب عليه ألا يصلي مع الناس لئلا يؤذيهم.

    والمقصود هنا كراهة الرائحة، وكل ما هو من هذا الباب داخل فيه وملحق به، فالمدخنون الذين يؤذون الناس برائحتهم شاءوا أم أبوا قد آذوا المصلين وآذوا ملائكة الله المقربين، وكانوا على هيئة ليست هي الهيئة التي يحبها الله لمن يأتي إلى بيته ليتعبد ويذكر ويسجد، ومثل ذلك من يأتون إلى المساجد بعد أن فرغوا من أعمالهم مباشرة من غير أن يتهيئوا ولو بمسح وجوههم، ولو بإزالة العرق عن جباههم، فضلاً عن أن يغيروا ملابسهم؛ ليزيلوا هذه الروائح الكريهة.

    وبعضهم يأتي والأقذار على بدنه أو على ثيابه، ينفرك منظره من أن تكون إلى جواره في الصف، وتضايقك رائحته، فلا تكاد تشعر بما تريد أن تقبل عليه من طاعة الله وعبادته، فبالله عليكم هل مثل هذا إذا أراد أن يذهب لزيارة صديق من أصدقائه سيذهب على تلك الهيئة؟! أهانت بيوت الله عز وجل في النفوس حتى بلغت مثل هذا المبلغ؟ وهل ذهب الاستشعار والتعظيم لبيوت الله عز وجل حتى ندخلها كأنما ندخل مكاناً لا قيمة له ولا حرمة ولا اعتبار؟!

    إنها صور تكررت حتى صارت مألوفة، وحتى أصبح مثل قولي هذا مستنكراً مستهجناً، أو يعد فيه من المبالغة ما فيه، وأنه تشديد في غير موضعه، فبالله عليكم إن لم نتواص بذلك في بيوت الله التي نجعلها لطاعة الله عز وجل فبمَ نتواصى من بعد؟

    ونحن نعرف من هذا صوراً كثيرة، ونحسب أننا إذا تذكرنا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وإذا عرفنا آدابه وهديه الذي تلقاه عنه أصحابه فإننا ندرك أن المخالفة للسنة والهدي ليست في الصور المحدودة التي تجول في أذهاننا، بل هي في جملة هذا الهدي، ومنه تعظيم المساجد ومراعاة حرمتها، وأخذ الأدب اللازم واللائق بها.

    روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أيما رجل خرج من بيته يوم الجمعة واغتسل ثم ادهن وتطيب من طيب امرأته، فخرج يريد الصلاة، ثم دخل فصلى ركعتين ولم يحدث أحداً، فأنصت حتى يفرغ الإمام ثم صلى مع الناس؛ غفر الله له ما بين تلك الجمعة إلى الجمعة الأخرى).

    فانظروا إلى مجموع الوصف كله؛ فهو الذي يوجب لصاحبه ذلك الأجر، وبقدر النقص يكون النقص، فإن من لا يراعي ذلك ولا يتهيأ له لا ينال مثل هذا الأجر في هذا الحديث.

    ونحن نعلم أيضاً أن النفوس تتأثر بالأعمال، فإذا جئنا لنخرج إلى المسجد استحضرنا هذه المعاني، ثم عملنا من العمل تطيباً وتطهراً وإحساناً في اللباس واستحضاراً للنية ووقاراً في الهيئة وكفاً للسان وغير ذلك؛ فإننا إن جئنا إلى المسجد حضرت وخشعت قلوبنا، وتذكرت عقولنا، وكنا على حال غير الحال التي نكون فيها.

    تطهير المساجد

    قال ابن كثير وغيره في قول الله عز وجل: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36] قال: أن تطهر من الأدناس والأرجاس ولغو الأقوال والأفعال، فإن رفع ذكر الله ليس بمجرد تلاوة القرآن وإقام الصلاة، بل يدخل فيه مثل هذه الأمور.

    ونظافة المساجد أمرها مهم عظيم، وأجرها كبير، كما روى أبو داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد) فإنك حين تأخذ قشرة أو قشة صغيرة فتقمها من المسجد وتطهره وتنظفه يكون ذلك من الأعمال التي تعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا العمل من ضمن الأعمال التي لها أجر خاص لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    ونرى كذلك ذلك الحديث العظيم الذي يدلنا على الفضل وعلى التقدير النبوي والمقياس الإسلامي الذي ينبغي أن نراعيه؛

    روى البخاري وغيره من حديث أبي هريرة : (أن امرأة أو رجلاً -وتغليب الرواية: أنها امرأة- كانت تقم المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: تأخذ ما يكون في المسجد من الأذى والقذى فتلمه وتخرجه- فماتت، فافتقدها النبي صلى الله عليه وسلم، ولما علم بها قال: أفلا كنتم آذنتموني حتى أشهدها؟ ثم سأل عن قبرها، فذهب وصلى عليها بعد دفنها).

    لقد كانت امرأة مجهولة ليست معروفة، حتى إن الصحابة عندما ماتت لم يذكروا خبرها للنبي عليه الصلاة والسلام، فالتفت إليها النبي وافتقدها وسأل عنها، وعاتب على أنهم لم يذكروا له موتها، ثم ذهب فصلى عليها عليه الصلاة والسلام.

    ونحن ربما نعمل العكس، فنحن الذين نوجد القذى في المسجد، ودورات مياه المساجد شاهدة بذلك، إذ يعمل الناس فيها من التخريب ومن التلويث ما كأنهم قصدوه عمداً أو أرادوه؛ حتى يجعلوا بيوت الله عز وجل بهيئة وصورة لا تليق بها، ولو كان ذلك في بيوتهم لدعوا بالويل والثبور وعظائم الأمور، ولكانوا أحرص ما يكونون على مثل هذه النظافة التي لا يأبهون بها ولا يحرصون عليها في بيوت الله عز وجل.

    خفض الصوت وعدم التشويش والفوضى

    وهناك أمر آخر: وهو الآداب المرعية في داخل المسجد:

    فكم تسمع من حديث ليس فيه ذكر ولا طاعة، بل ربما كان حديثاً في أودية الدنيا، أو غيبة أو نميمة، وكم ترتفع الأصوات، وكم تعلو الضحكات، حتى إن بعض الناس ربما يختلف عليه الأمر ويلتبس هل هو في مسجد أو في مكان آخر، ولا أريد أن أقول: في مقهى!

    استمعوا إلى هذا الحديث الذي عند البخاري في صحيحه يرويه السائب بن يزيد قال: (كنت في المسجد، فحصبني رجل -يعني: رماني بحصاة صغيرة من ورائي- فالتفت فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال لي: اذهب فائتني بهذين الرجلين -رجلان كانا يتحدثان بصوت عالٍ- قال: فأتيته بهما، فقال: من أنتما أو من أين أنتما؟ فقالا: من الطائف. فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما -أي: ضرباً- ترفعان أصواتكما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم!) وفي رواية: (في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    وقال الإمام مالك رحمه الله بكراهة رفع الصوت في المسجد مطلقاً.

    وقال ابن عابدين في حاشيته على مذهب أبي حنيفة : يسوغ رفع الصوت إلا أن يشوش على المصلين، ولو بذكر أو قراءة.

    وبعض الناس يقرأ القرآن كأنما يريد أن يسمعه خلق الله كلهم ويشوش على الآخرين.

    وبعضهم يتحدث بالأحاديث كأنما هو في بيته أو غير ذلك، ونرى من هذا صوراً كثيرة مزعجة تشوش على العبادة والطاعة، وقد تنفر بعض الناس من حضور المساجد وشهودها، وهذا مما ينبغي لفت النظر إليه والانتباه له، وهو أمر ظاهر وبين.

    1.   

    ظواهر سلبية في المساجد

    سلبية ظاهرة التسول في المساجد

    إن الصورة المحزنة المؤلمة المتكررة الدائمة التي ألفها الناس حتى صاروا ينكرون على من ينكرها هي: السؤال في المساجد والتسول فيها، مع أننا نسمع قول الله جل وعلا: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18] قال السعدي في تفسيره: المقصود الأمران معاً: دعاء العبادة، ودعاء المسألة.

    فكيف تسأل في بيت الله غير الله؟ وقد كان هشام بن عبد الملك يطوف مرة بالبيت الحرام، فلقي بعض العلماء من أئمة التابعين، فسلم عليه وقال له: سلني حاجتك. قال: إني أستحي من ربي أن أسأل غيره وأنا في بيته!

    فلما خرج قال: نحن الآن قد خرجنا من المسجد فسلني حاجتك. قال: من أمر الدنيا أم من أمر الآخرة؟ قال: من أمر الدنيا؛ فأمر الآخرة لا أملكه. قال: أنت تملك الدنيا؟ قال: لا. قال: فإني لم أسألها ممن يملكها فكيف أسألها مما لا يملكها!

    وهذا من الأمر المهم، ولكننا نلتفت هنا إلى حديث لو تأملنا في نصه لأدركنا أننا لا ننتبه ولا نتعلم ولا نعرف هدي النبي صلى الله عليه وسلم على الوجه الصحيح، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاري في صحيحه، يقول فيه المصطفى عليه الصلاة والسلام: (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا)، فهذا لا يسأل الناس مالاً، وإنما ضلت عليه ناقته فيقوم فيقول للناس: بعيري هل رآه منكم من أحد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا). وفي رواية أخرى عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نشد عن الجمل الأحمر؟ ثم قال: لا رده الله عليه).

    هذه مسألة مهمة ينبغي أن نعرف أن السؤال وخاصة على الهيئة التي نراها من التشكي، وعرض ما قد يكون صحيحاً أو غير صحيح من أنواع البلاء والابتلاء الرباني، كأنما هو اعتراض على قدر الله، وكأنما هو شكوى لغير الله، ثم هو في غير موضعه الصحيح وعلى غير صفته المشروعة في حال من الأحوال، فإن أنكر مُنكِرٌ أو قال: لا تفعل هذا، تحركت القلوب برحمة غير مدركة للحكمة، وربما أنكرت على ذلك المُنكِر، وهذا من الأمور التي ينبغي التنبه إليها.

    وقد ذكر المفسرون في قوله عز وجل: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ [الجن:18] وكذلك في قوله: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف:29] أن الدعاء قسمان: دعاء العبادة، ودعاء المسألة، فلا يسأل في بيوت الله غير الله جل وعلا.

    ظاهرة عبث الأطفال وإزعاجهم في المساجد

    ومن ذلك الصغار من الأبناء الذين لا يعلمهم آباؤهم آداب المساجد، يعيثون فيها فساداً، ويلعبون فيها، بل إنهم قد يجعلون فيها من النجاسات والقاذورات ما لو كان عشر معشاره في بيت أحدنا لقام على ابنه ضرباً ووعيداً؛ حتى يزجره عن ذلك ويمنعه منه، وهم يسرحون أبناءهم في المساجد كأنما يسرحونهم في الملاعب أو الملاهي غير عابئين ولا آبهين بذلك.

    وكم كانت الشكوى من هؤلاء الأطفال في يوم الجمعة؛ حيث لا يكاد الناس أن يسمعوا الخطبة من كثرة إزعاج أولئك الصغار، وآباؤهم من رواد المساجد المداومين على الصلاة المعروفين بأشخاصهم وأعيانهم! ولكن لا يلتفتون إلى ذلك، ولا يرون أن فيه تفريطاً وتقصيراً منهم، فربما يلحقهم الإثم بما يشوشون على المصلين ويفقدونهم من الخشوع أو الانتفاع بالاستماع، وهذا أمر كثير بين، ولنا من بعد ما هو أشد وأخطر، فالله الله في بيوت الله وفي مساجد الله أن تعظم، وأن يرفع فيها اسمه، وأن يتهيأ المسلم لها بما ينبغي لها.

    نسأل الله عز وجل أن يبصرنا بديننا، وأن يلزمنا كتاب ربنا، وأن يجعلنا مهتدين بهدي نبينا صلى الله عليه وسلم، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    من أحكام المساجد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    حكم تخطي الرقاب في المسجد

    أما بعد: أيها الأخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من تقوى الله تعظيم حرمات بيوت الله، ومراعاة حقوقها، والتزام الأدب اللازم لها، وإن الأمر أيها الأحبة ليس فيه إمكان للإحصاء لكل المخالفات، وإلا فإن هناك كثيراً وكثيراً منها، ومن ذلك تخطي الرقاب الذي يحصل في الجمعة وغيرها، وهو منهي عنه، ومما قد وردت النصوص بأنه قد يبطل على صاحبه ويذهب أجره في صلاة الجمعة.

    حكم حجز الأماكن في المسجد

    ومن ذلك ما يحصل من حجز الأماكن، حيث لا يأتي الإنسان إلى الصفوف الأولى إلا متأخراً، ثم يكون قد جعل له موضعاً بغير حق، حتى لا يأخذه غيره، ولا يكون له بذلك -والله أعلم- أجر؛ لأنه لم يبكر.

    والمقصود بفضل الصف الأول التبكير، وأن يسابق إليه، وأن يستحقه بهذا التبكير الذي يبادر إليه.

    أهمية التعاون في الحفاظ على حرمات المساجد

    وهناك صور أخرى كثيرة، ومنها أمور أصبحنا نشكو منها، وذلك أن بعضاً من الشباب على وجه الخصوص يمكثون في المسجد وفي ملحقه ولا يؤدون الصلاة مع الجماعة، وهم يرونها، ويمكثون في أوقات أخرى يقضونها باللعب والهجر وغير ذلك من أمور لا تليق مطلقاً، ولا أحد من الناس يلتفت أو ينكر أو ينتبه.

    بل إننا قد شكونا من أمور أعظم من ذلك؛ لأننا نرى في دورات المياه إبر المخدرات؛ حيث يدخلون إلى بيوت الله ليتعاطوها في دورات المياه، أو في ملحقات المساجد، وأقول هذا لنلفت النظر أننا جميعاً مقصرون، وأننا مفرطون؛ لأننا لا نتعاون ولا نتكاتف لنجعل بيوت الله عز وجل مأرز إيمان وموطن تصحيح وتقويم وتهذيب ومحطة يخرج منها الناس باستقامة في سلوكهم وتهذيب في أخلاقهم وحسن في أقوالهم، لا أن تكون مجرد محطة عابرة أو ربما في بعض الأحوال يأتي الناس إلى المساجد ليقوموا بأعمال محرمة أو تكون ملتقىً لاتفاقات وأعمال آثمة، وذلك كله واقع حاصل غير مبالغ فيه، بل هو حقائق ألجأت إلى مثل حديثنا هذا وغيره، وهذا مما ينبغي التحرز منه خاصة في شهر رمضان؛ لأنه تكون المساجد فيه مفتوحةً وقتاً أطول، وإذا بها مفتوحة لينام النائمون، ويتحدث المتحدثون، وتضيع الأوقات، ولا تراعى الحرمات.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على أن نجعل بيوت الله عز وجل مكاناً معظماً محترماً، فينبغي لنا أن نتعاون في ذلك، وأن يتكاتف فيه أهل المسجد وأهل الحي، ومصلو الجمعة جميعاً، فينبغي أن يوجد التواصي بالحق، وأن يكون التواصي بالصبر، والنصح والمنع لما يستحق المنع مما ليس مشروعاً؛ وهذا كله من التواصي الذي أمرنا به، والذي يستحق به أهل الإيمان الاستثناء من الخسران.

    نسأل الله عز وجل أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً.

    اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى.

    اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

    اللهم تول أمرنا وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.

    اللهم إنا نسألك لقلوبنا الصفاء والنقاء، ولأبداننا الصحة والعافية، ولنياتنا الإخلاص وقصد وجهك الكريم، ولأعمالنا الصحة وموافقة سنة نبيك الكريم صلى الله عليه وسلم.

    اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.

    اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    اللهم أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين.

    اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.

    اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم انصر وثبت وأعن عبادك وجندك المجاهدين في أرض فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين.

    اللهم اربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم، وأفرغ على قلوبهم الصبر واليقين، وثبتهم في مواجهة المعتدين، وحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين!

    اللهم ارحم عبادك المستضعفين في كل مكان يا رب العالمين!

    فرج اللهم همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وامسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء.

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانةً صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

    وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    والحمد لله رب العالمين.