إسلام ويب

قراءة في دفاتر المذعورينللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العداء بين المسلمين والكفار عداء عقائدي لا يمكن تناسيه أو التغافل عنه؛ ولهذا فإن أعداء الإسلام يكيدون له ولأهله ليل نهار، ويستخدمون في كيدهم وحربهم شتى الوسائل والطرق، ولكن كثيراً من المسلمين غافلون عن أعدائهم، بل إن منهم من يوالي الأعداء ويعمل معهم في الكيد للإسلام والمسلمين!

    1.   

    أهمية معرفة خطط وتدبير الأعداء

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على جليل نعمه ووافر عطائه وعظيم كرمه ومنّه سبحانه وتعالى، نحمده جل وعلا كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه؛ والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيد الأولين والآخرين نبينا محمد صادق الوعد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين وعلى من اقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين!

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! نحمد الله أن هيأ هذا اللقاء الطيب المبارك، ونسأله جل وعلا أن يجعله في ميزان حسناتنا، وأن يوفقنا فيه لما يحب ويرضى.

    قد مضى درسنا الأول بعنوان: النقد والتقويم معالم وضوابط، وهذا هو درسنا الثاني وعنوانه: قراءة في دفاتر المذعورين.

    والغرض من ذلك: تصوير قضية مهمة، وتسليط الضوء على أمور لابد للمسلم من أن يعرفها ويقف عليها؛ ليتصحح عنده الفهم، وليكون ذلك عوناً له على العمل فيما يعود عليه وعلى أمته بالنفع والفائدة.

    وتتبادر الأسئلة من خلال عنوان الدرس: من هم هؤلاء المذعورون؟ ومن أي شيء يخافون؟ ولماذا تخوفهم من الشيء الذي يعلنون خوفهم منه؟

    ومن بعد ذلك: ما هي المبررات والمغالطات التي يعرضونها للناس تخويفاً وتبريراً لما يذكرونه من الأوهام؟

    وفي آخر المطاف: توضيح وبيان للحقيقة في ظل وضوء منهج الإسلام.

    نقصد بهؤلاء المذعورين صنفين اثنين:

    أولهما: فريق الأعداء.

    والثاني: ربما يصح أن نطلق عليه: عقوق الأبناء؛ لأن مصدر الخوف عند هؤلاء وهؤلاء هو هذا الدين الإسلامي العظيم، ويعبرون عن هذا التخوف في صور شتى ومقالات متعددة، بل في أعمال ضخمة كبيرة تبذل فيها الطاقات المادية والعلمية، وحتى الطاقات العملية التغييرية.

    1.   

    تخوف الكفار من الإسلام

    المعْلَم الأول الذي نقف عنده هو: إثبات هذا التخوف، وشواهده من الأقوال والأفعال.

    إن الذي يتأمل يجد هذه الصرخات ليست وليدة اليوم ولا وليدة هذا الزمن الذي نحن فيه، وإنما هي قديمة، فإن المتأمل في بدايات النهضة الأوروبية الحديثة في أواخر القرن الماضي ومطالع هذا القرن يجد أنها مع كل تقدم تحرزه ومع كل نصر جزئي تحققه تنبه على خطورة الإسلام، وعلى تخوفها من بعض المقومات الخاصة التي يتمتع بها هذا الدين.

    فالذين دخلوا من النصارى إلى بيت المقدس توجه قائدهم إلى قبر صلاح الدين ليقول: هانحن قد عدنا يا صلاح الدين!

    وكذلك كانت تصريحاتهم في تلك الأيام تدل على أنه لابد أن يكون الإسلام بعيداً عن واقع الحياة.. بعيداً عن مخالطة القلوب... بعيداً عن تصورات العقول.. بعيداً عن الحكم والسيطرة والتوجيه لحياة المسلمين.

    ولكننا نتجاوز تلك المرحلة؛ حتى لا نتحدث عن تاريخ بعيد، وإنما نسلط الضوء على الفترة القريبة التي ربما لا تتجاوز العشر سنوات إلا بزمن يسير.

    فنذكر بعض الملامح من النقول التي تبين هذا التخوف بشكل عام؛ ثم من بعد نخصص هذا الحديث في نقاط محددة:

    هذا أحد الكتاب الغربيين في مجلة (صن داء تلغراف) في عام (1978م) يقول: إن مجرد الاكتفاء بمراقبة الانتفاضة الإسلامية في الشرق الأوسط لن يفيدنا بشيء، وإذا لم نبادر إلى مقابلة هذه الانتفاضة بعنف عسكري يفوق عنفها الديني فإننا نكون قد حكمنا على العالم النصراني بمصير مهين يجلبه على نفسه إذا استمر تهاوننا في مواجهة المسلمين المتطرفين!

    والذي ينظر إلى هذا الحديث مع ربطه بالواقع يتعجب لهذا التخوف! فإن المتحدث يتحدث باسم دول كبرى ودول لها تقدم تكنولوجي وقوة عسكرية وسياسات خارجية؛ وفي المقابل يتحدث عن مجموعات من المسلمين الذين تنبهت عقولهم وتيقظت نفوسهم إلى وجوب تمسكهم بدينهم، وتحققهم بهويتهم، وليس عندهم من المادة -التي هي أحد مداخلات الصراع- أي شيء يذكر! ومع ذلك نجد هذه النبرة القوية المذعورة الخائفة تطالب بعنف عسكري أقوى من العنف الديني، يعني: أقوى من قوة هذه التوجهات المنبثقة عن إيمان صادق وعقيدة قوية راسخة.

    وفي صحيفة (الحروزاليم بوست) في عام (1978م) يقول سفير إسرائيل في الأمم المتحدة: إننا نشهد اليوم ظاهرة غريبة ومثيرة للاهتمام! وتحمل في ثناياها الشر للمجتمع الغربي بأسره! وهذه الظاهرة هي: عودة الحركات الإسلامية التي تعتبر نفسها عدوة طبيعية لكل ما هو غربي، وتعتبر التعصب ضد اليهود بشكل خاص وضد الأفكار الأخرى بشكل عام فريضة مقدسة.

    وهذا أيضاً تصريح له دلالته في التخوف على العالم بأسره من مجرد هذه الأصوات التي بدأت ترتفع وتنادي بالإسلام ليكون مطبقاً في واقع الحياة.

    ونلحظ أن التخوف يكون أكثر تخصيصاً في مسألة ربط هذه التوجهات بالواقع المعاصر!

    فهذه التوجهات ترى أن العداء ضد اليهودية أو ضد أعداء الإسلام فريضة مقدسة، وهذا هو مكمن التخوف الأكبر عندهم في هذا الجانب.

    مقالات يهودية تبين تخوفهم من الإسلام

    عقدت ندوة نظمها معهد (شلواح) في جامعة تل أبيب، وهذا المعهد يعتبر أكثر المعاهد المتخصصة في دراسات الشرق الأوسط كما يسمى، اجتمعوا في هذه الندوة لدراسة هذه الظاهرة المرعبة المخيفة في تصوراتهم وفيما يرون من آفاقها المستقبلية حسب تحليلاتهم ودراساتهم.

    ونقتطف بعض المقالات القصيرة، ولكنها معبرة:

    يقول أحدهم: ما من قوة تضاهي قوة الإسلام من حيث قدرته على اجتذاب الجماهير؛ فهو يشكل القاعدة الوحيدة للحركة الوطنية الإسلامية.

    ويقول الآخر: إن المساجد هي دائماً منبع دعوة الجماهير العربية إلى التمرد على الوجود اليهودي.

    وهنا نلمح التخصيص؛ بمعنى: أن القضية ليست كلاماً عاماً، وإنما هو كلام مخصص في بعض الأمور التي هي من صميم هذا الدين.

    ويقول ثالث: إن الإسلام قوة سياسية واجتماعية قادرة على توحيد الجماهير وخاصة في الضفة الغربية؛ حيث يقوم علماء الدين المسلمون بمهمة توحيد الصفوف ضد اليهود.

    ويقوم الرابع معلناً التخوف في شكل إعلان ظاهري يشكل عنواناً رئيساً فيقول: إن الصحوة الإسلامية الجديدة تزعج الإسرائيليين كثيراً، فإسرائيل تعرف أنه إذا فشلت مبادرات السلام -في ذلك الوقت- مع مصر فإنها ستكون هدفاً للجهاد المقدس.

    وهنا أيضاً توضع بعض النقاط على الحروف في نوع من التخصيص ضد بعض الأمور المتصلة بالإسلام.

    وكذلك ترجمت جريدة القبس الكويتية نصاً لمقابلة رئيس وزراء العدو الإسرائيلي السابق قال فيها تعقيباً على مواجهات وقمع تعرض له المسلمون الملتزمون بدينهم، فحينما سئل عن هذا الأمر في بعض الديار الإسلامية وعن تصوره له ومعارضته للديمقراطية وللتعايش السلمي قال: إنني قد وافقت على ذلك! ثم قال: وأقنعت المعترضين بأنه يجب عليهم أن يتناسوا التقاليد الديمقراطية حينما يتعلق الأمر بالمسلمين!

    مقالات نصرانية تبين تخوفهم من الإسلام

    تقدمت بعض الصيحات المذعورة من الجهة اليهودية. وإذا واصلنا أيضاً فإننا نجد أن القضية أوسع من ذلك؛ فإننا نجدها أيضاً تعم الجانب الآخر، وهو جانب النصرانية، فنجد أيضاً أن التصريحات المعاصرة تدل على هذا التخوف الكبير.

    فقد ترجمت صحيفة القبس لقاءات لمجلس الأمن القومي الأمريكي، وبعض المعلومات التي تتوافر عندهم، ومن ذلك: إنه طلب تزويد الإدارة الأمريكية بما يتوافر لديها من معلومات تتعلق بالحركة الإسلامية؛ للاستعانة بها في وضع الخطط الكفيلة بالقضاء على خطرهم قبل فوات الأوان.

    وليست القضية في هذا الإطار فقط، وإنما تشمل دائرةً أوسع، كما يصرح أحد الكتاب الغربيين فيقول: إنه لا العالم الغربي ولا الاتحاد السوفيتي يستطيعان أن يرقبا بهدوء هذه اليقظة الإسلامية التي لو أسيء توجيهها من قبل الجماعات المتعصبة لنتج عن ذلك ليس هلاك إسرائيل وحدها فقط وإنما زعزعة استقرار جزء كبير من العالم، ولم تسلم من ذلك لا الحضارة الغربية ولا الحضارة الشيوعية.

    فإذاً: تجسيد الخطر وتركيزه يظهر لنا فيه أن الخائفين من هذا الخطر المتوهم أو من هذه الظاهرة الجديدة ليسوا فئةً معينة ولا عقيدةً واحدة، وإنما الكفار أجمعون؛ لأن الكفر ملة واحدة! فكل جانب من جوانب العالم الذي ينطلق من عقيدة أو تصور معين نجد أن هذا الأمر يظهر جلياً في هذه التصريحات كلها.

    ثم أيضاً نجد أن هذه التصريحات ترتبط بشكل ظاهر مع التغيرات المهمة في واقع الحياة.

    فنجد أن المقالات تبين هذا الجانب؛ فإحدى الكاتبات تصرح بقولها: إن على الغرب أن يدرك أنه أعجز من أن يواجه هذه الصحوة مواجهة عسكرية أو أن يواجهها مواجهة اقتصادية، وإن من الأفضل أن يسالم الغرب الإسلام.

    وأستاذ في العلوم السياسية يقول: نتنبأ بأنه خلال الأربعين سنة القادمة سيكون الإسلام الجماهيري قوة أيدلوجية في العالم!

    بمعنى: أن هذا هو مكمن التخوف؛ ولذلك يبدأ التصريح ضد هذا التخوف فيقول: إذاً: أبيدوا هذه الأشباح التي تنتظر البعث، أسكتوها إلى الأبد.

    1.   

    تركيز الأعداء على تحديد معالم الصراع مع المسلمين وإعدادهم لذلك

    هذه الصرخات ليست فقط مجرد تخوف، وإنما هي نوع من تركيز العداء، ونوع من تحديد معالم الصراع مع المسلمين.

    وإذا أردنا أن نركز هذا الجانب في غير الأقوال فإننا نجد معلومات خطيرة تبين لنا هذا الجانب، ففي عام (1980م) على سبيل المثال عقدت في الجامعات الأمريكية ومراكز الأبحاث المتخصصة بدراسات الشرق الأوسط في خلال عام واحد فقط سبعة عشر مؤتمراً وندوة؛ لتدرس الجوانب المختلفة المتعلقة بالإسلام!

    ثم في غير ذلك الجانب نجد هناك ما يدل على هذا في وقائع أخرى، منها: انعقد في مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة (جورج تاون) ندوة عن الإسلام والدراسات العربية لمدة يومين.

    وأيضاً جمعية دراسات الشرق الأوسط في مؤتمرها السنوي العشرين والحادي والعشرين في أمريكا خصصت هذين المؤتمرين لدراسة الظاهرة الإسلامية.

    وأيضاً جاء تصريح بأن أحد رؤساء مراكز الأبحاث تلقى مبلغاً قدره خمسون ألف دولار من وكالة المخابرات المركزية مقابل تنظيم مؤتمر عالمي عن الإسلام الأصولي.

    وعقدت وزارة الخارجية الأمريكية عام (1987م) ملخصاً حول الأصولية الإسلامية ووجهات نظر على السياسة الأمريكية.

    وأيضاً على مستوى أوروبا عقد مؤتمر أوروبي في لكسمبورج غرضه أيضاً دراسة ظاهرة المد الإسلامي.

    1.   

    تخوف الكفار من انتشار الإسلام في بلاد الكفار

    دراسة هؤلاء المذعورين تبين أنهم بالفعل يحددون كثيراً مما يخشون منه؛ فإنهم لم تصب دراساتهم فقط على الظاهرة الإسلامية التي بدأت تنبعث في ديار الإسلام، بل ركزوا الحديث أيضاً عن الإسلام الذي بدأ يتسرب في ديار الغرب وأمريكا والاتحاد السوفيتي وكل مكان في غير موطنه الأصلي كما يمكن أن يسمى؛ وإن كان الإسلام لا موطن له، وإنما هو في كل العالم وفي كل الديار.

    فإحدى الصحف السويدية تنشر مقالاً عنوانه: الإسلام يغزو أمريكا، وتقول: إن الإسلام بدأ ينتشر في الولايات المتحدة الأمريكية بسرعة مذهلة، وتقول الصحيفة: إن الأمريكيين -وبالأخص السود منهم- بدءوا يدخلون في الإسلام أفواجاً.. أفواجاً! كما يلتحق بهم أيضاً المهاجرون إلى أمريكا من شرق آسيا والشرق الأقصى.

    وأضافت عن إحصائيات رسمية قدمها مركز إعلام الاتحاد المسيحي في بريطانيا: بأن معدل بناء المساجد في أمريكا هو مسجد واحد في كل أسبوع.

    ولك أن تتخيل مدى الرعب الذي يمكن أن يستولي على أعداء الإسلام حينما تكون هذه الإحصائيات صادرة عن مراكز متخصصة من بينهم أنفسهم.

    وحينما يقال: مسجد في كل أسبوع، ليس المقصود أن المساجد مثل هذه، وإنما قد تكون شقة صغيرة أو صالة صغيرة تشكل مسجداً؛ وهذا في حد ذاته يثير الرعب عندهم!

    أيضاً: ذكرت صحيفة إيطالية عن مندوب لها في القدس المحتلة أنباء ندوة عقدت في معهد في إسرائيل تحت عنوان: الاتحاد السوفيتي وجورباتشوف وإسرائيل واليهود، ونسبت إلى مدير وزارة الخارجية السابق القول: إن الإسلام عدو مشترك لإسرائيل والاتحاد السوفيتي.

    وكيف يكون عدواً مشتركاً؟

    في هذا إشارة إلى احتفاظ أعداد كبيرة من المسلمين تقدر بأكثر من خمسين مليون مسلم بعقيدتهم وإسلامهم، وبدء تحرك هذا الإيمان الكامن في قلوبهم؛ ليظهر بصورة جلية في بعض الظواهر التي اكتشفت أو التي ظهرت مؤخراً، كما نعلم من تداعي الأحداث وتتابعها.

    يقول الكاتب: لأول مرة في تاريخ الاتحاد السوفيتي وإسرائيل يجدان عدواً مشتركاً هو الأصولية الإسلامية! وهذا قد يتحول إلى نقطة حاسمة في العلاقات بين البلدين.

    وهذا الكلام كان قديماً، وأظن أن النقطة الحاسمة التي كان يتنبأ بها الكاتب قد حصلت كما هو معلوم.

    وأيضاً في فرنسا أصبحت المقالات مكثفة بشكل عجيب حول الظاهرة الإسلامية في المجتمع الفرنسي.

    ونعلم القصص البسيطة التي ذكرت، مثل: قصة الحجاب لبعض الفتيات المغربيات المسلمات في المدارس الفرنسية، ونعرف أيضاً قصصاً أخرى.

    ونذكر هنا أن وزير الخارجية الفرنسي السابق أصدر أوامره إلى كبار موظفي الوزارة لإعداد تقرير عن فرنسا ذات الألف مسجد أو الألف مئذنة، على أن يحوي كافة التفاصيل عن تأثير الأصوليين الإسلاميين.

    والمجلات في فرنسا الآن أغلب المقالات المنشورة عن الإسلام تنشر بعنوان: (فرنسا الألف مئذنة) أو (فرنسا الإسلام القادم) وأحد الكتاب ألف كتاباً كاملاً أسماه (فرنسا ضاحية الإسلام).

    وإذا كنا نرى المجتمع الغربي الذي إلى الآن الزائر له لا يرى هذه الظاهرة بذلك الشكل، إلا أن التخوف يملأ القلوب، ويسيطر على العقول، ويفكر في المستقبل، ويحلل الظواهر تحليلاً دقيقاً يعيدها إلى أصولها ومبادئها التي تتحكم في مساراتها، وأعطي هذا التخوف عندهم حجماً كبيراً جداً أكثر مما نتصور نحن، بل ربما يظن البعض أن القوم عندهم مبالغات، وما في نظرهم إلا أنهم يتنبئون بما يرون أن الحقائق تؤدي إليه.

    لذلك يقول جيل كيبل في كتابه: "فرنسا ضاحية الإسلام": إن هذه الانفجارة الكبرى في تأكيد الهوية الإسلامية خلال ما يقل عن العقدين الأخيرين تمثل مشكلة تواجه المجتمع الفرنسي لم يسبق له مواجهة مثيل لها من قبل. أي: مطلقاً.

    وهذا الأمر واضح في كثير من النصوص التي تبين لنا هذا المجال.

    1.   

    خطر المنافقين الموالين للكفار على الإسلام والمسلمين

    تقدم ذكر فريق الأعداء، والآن نذكر فريق العاقين من الأبناء؛ الذين هم -للأسف- كما قيل:

    أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني

    وغالب هؤلاء تربوا في أحضان الغرب، أو تأثروا تأثراً انهزامياً بحضارة الغرب وفكر الغرب، وانسلخوا ضمنياً في واقع حياتهم بشكل ظاهر عن الإسلام، وانسلخوا في واقع أفكارهم بشكل متستر عن واقع هذا الدين، فلذلك نجدهم يكررون نفس الصيحات، ولكن -للأسف- بشكل أعمق.

    وهم أكثر خطراً بالنسبة للمسلمين، مما يسبب الحزن والأسى بشكل أكبر؛ وذلك ناشئ لأنهم يتكلمون بألسنتنا، وهم من جلدتنا، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكما قال الشاعر:

    وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند

    هؤلاء كانوا في وقت مضى يسيرون مع التيار الغالب الذي كان يغطي على حقائق الإسلام، والذي كان يحكم بقوته وغلبته على عقول وقلوب الناس في أوائل هذا القرن الذي شهد انبهار المسلمين بالغرب والذي شهد الانكسار العسكري للمسلمين في ظل الاستعمار الأوروبي أو الغربي، والذي شهد في ذات الوقت الضعف العلمي في الحياة الثقافية العلمية الإسلامية.

    وفي ذلك الوقت كان هؤلاء القوم يعلنون عداءهم السافر للإسلام، ولا يجدون غضاضة في ذلك.

    وأيضاً: كانوا يشكلون بصورة عملية: التوافق المباشر والتطابق الضمني بل والمشاركة العملية في تغييب الإسلام عن واقع المسلمين وعن واقع المجتمع المسلم.

    وهم يعلنون هذا الأمر بصورة -وللأسف- أشد قبحاً، وأكثر بعداً عن الحق، وأكثر جرأة على الحق من الكفرة ومن الأعداء الحقيقيين.

    بعض النقول التي تبين حقد المنافقين على الإسلام والمسلمين

    وها نحن نستعرض نقولاً سريعة؛ لنخلص إلى حقيقة الموضوع، وربما لا نذكر بعض الأسماء، وقد نذكر بعضها بحسب ما يقتضيه المقام:

    فهذا أحدهم يقول: هذه هي النتيجة بالضبط التي يريدها المسلمون أو هذه الجماعات المسلمة، وهي نتيجة معلنة بالسلاح في المساجد والشوارع والمعاهد؛ حيث تقام محاكم التفتيش الإسلامية جهراً، وتصدر أحكامها، وتنفذ حرق محلات الفيديو، وجلد الرجل الذي يمشي مع زوجته أو أخته، وتحطيم خشبات المسارح ودور السينما، وعندما لا يجد القاضي الذي يطارد المفسدين أو أحد المفسدين سوى القانون أو الدولة فإنه يستقيل من منصبه؛ ليؤلف كتاباً عنوانه (مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة)!

    وهو يقصد أشخاصاً بأعيانهم، لكن الذي يحلل هذا النص يجد أنه يريد أن يثير الرعب في نفوس الناس من الإسلام، وأن يصوره بصورة مرعبة وبعيدة عن الناحية العلمية التي يدعيها أمثال هؤلاء، وبعيدة عن الواقع الذي يشهد في كل موقف من مواقفه وحدث من أحداثه بغير كلام هؤلاء.

    وهم بهذا الكلام يخفون الأمور الخاصة بهم التي يخشون من ضياعها منهم.

    ويقول مرة أخرى: إن نجاح الجماعات الإسلامية في الاستيلاء على الاتحادات الطلابية ونوادي أعضاء هيئة التدريس فرض إرهاباً فكرياً يومياً على الأساتذة والطلاب، فأصبح من الممكن استبعاد نصوص لبعض كبار الأدباء، كـتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ... إلى آخره.

    ثم يقول: إن تغييراً جزئياً ونسبياً في برامج التدريس ومناهجه في مصلحة الأفكار الدينية أصبح يهدد الأمن التعليمي والنظام التعليمي!

    الإنسان حينما يفكر يرى أن السابقين -وإن كانوا من الأعداء- كانوا أكثر منطقية، وكانوا أكثر واقعية في عرض الصورة، وكانوا معتمدين على دراسات وعلى إحصاءات، وعلى أمور دقيقة، وليس على مجرد التهويش أو مجرد حصول فرصة للهذيان أمثال هؤلاء الذين يكتبون وينشر لهم، أو يتحدثون ويذاع لهم، أو يتولون السلطة في مواقع معينة فيمارسون بالفعل ما يقولونه بأفواههم.

    ومثل هذا كثير؛ فأحدهم يقول: ونبحث دائماً عن المستفيد -يعني: في الدعوة إلى الإسلام- فأنا أقول: إن المستفيد من الإسلام ومن الاستيلاء على الحكم في مصر باسم الدين -وهو يمثل كلاماً عن دولة بعينها باسم الدين- وانتقال هذا الحكم المستبد تحت راية الإسلام إلى أخرى في المنطقة هم من يتصورون ويصورون أن الحكم الديني هو خط الدفاع لمواجهة الشيوعية، فالمستفيد -إذاً- هو من يروج الآن لنوع من الرأسمالية تحت حماية دينية، وهو نوع طفيلي غير منتج برءوس أموال مستوردة.

    وهذا يخرج عن دائرة التحذير إلى دائرة الخصومة الشخصية! ولذلك يقول في التخويف من وجود النظام والحكم الإسلامي الذي فيه الخير كله: إن ذلك من شأنه عودة مصر والمنطقة كلها مئات السنين إلى الخلف!

    وهذه القضية يشوه ويخوف بها أمثال هؤلاء في هذه القضايا، وبعض هذه الصيحات تدخل في قضية أو في جزء من الناحية المنهجية في طبيعة عرضهم لهذا الاتجاه أو لهذا الأمر.

    ثم نذكر أيضاً بعض هذه النصوص حتى ننهي الحديث عنها؛ لننتقل إلى قضية أخرى.

    يقول هذا الرجل تأكيداً على أن القضية متعلقة ببعض الأمور: إذا حكم الإسلام وأردنا أن نتصور أن الإسلام لابد أن يحكم وأن يكون هو الموجه للأدب وللفن ولربط العلاقات الاجتماعية وإلى غير ذلك.. يقول: إذاً: من الذي سيحكم على البرامج والأفلام وكذا بأنها مؤمنة أو كافرة؟ إنهم بشر سوف يؤولون كل شيء حسب معتقداتهم السياسية ومصالحهم الاجتماعية تحت ستار الالتزام الإعلامي الرسمي من جانب الدولة بحكم أن الدولة أو أن الأمة أو المجتمع المسلم لابد أن يحكم بالإسلام.

    يقول: وهذه كلها عدوان صريح على ما يؤكده الدستور من حرية الفكر والتعبير والاعتقاد!

    وهذا الأمر يؤكد أنهم يقصدون جوانب معينة، وهذه الجوانب يراد بها أفكاراً، ويراد بها أعمالاً، ويراد بها ممارسات منحرفة عن الدين، وحينما يظهر الدين الحق والرأي الصادق الصحيح للإسلام سوف تكون هذه الأمور خارج الأقواس وخارج التأييد، لذلك يكثرون من الحديث حولها.

    ولذلك يقولون: إن هذه الأعمال ستصادر الأعمال الفكرية والعقلية الكبيرة، وذكروا أمثلة: مثل (مع الشعر الجاهلي) لـطه حسين و(في الحكم) لـعلي عبد الرزاق و(الفتوحات المكية) لـابن عربي و(أولاد حارتنا) لـنجيب محفوظ ..وغيرها من الكتب التي تمس بصورة مباشرة عقيدة ونظام الإسلام، ولذلك لم يكن لها مكان عند المسلمين، وحينما بدأ هذا الدين يحيا في قلوب الناس بدأ التخوف من هذه الظاهرة، وللأسف! يعلن ذلك بألسنة عربية وبأسماء إسلامية!

    إذاً: هذا هو الجانب الأول، وهي: صيحات الرعب أو التخوف على صورتها الأولى والمبسطة.

    1.   

    الجوانب التي تخوف الكفار والمنافقين من الإسلام

    النقطة الثانية: ما هي الجوانب التي تجعل هؤلاء يتخوفون أو يعلنون الرعب والخوف من هذا الإسلام ومن هؤلاء المسلمين؟

    إن المتأمل في هذا الطرح يجد أن هناك ثلاثة أمور هي موضع الجدل والنقاش، وهي موضع التخوف الأكبر، وهذه الأمور الثلاثة هي من صميم هذا الدين، ولكنها كانت في أوائل هذا القرن غائبة أو ضعيفة الصوت، ولما بدأ صوتها يظهر وصورتها تتضح كان التركيز عليها أكثر، وهذه النقاط الثلاث هي:

    تطبيق الشريعة الإسلامية، وصلة الإسلام بالواقع والعمل السياسي، ومبدأ الجهاد في الإسلام.

    ولا ترى أحداً من هؤلاء إلا وهو يتطرق إلى هذه الجوانب الثلاثة إما كلها وإما بعضها على وجه الانفراد، أما ما عدا ذلك من الدوائر الأخرى فإنها لا تثار كدائرة العبادات المحضة، بمعنى: العبادات التي يراد أن تكون منفصلة عن واقع حياة الناس، أو جانب الأخلاقيات التي يرى أيضاً بأنها عبارة عن نوع من التعامل الحضاري ونوع من العلاقات الإنسانية، وكذلك الجانب الثالث الذي يسلم بعض هؤلاء به وهو: جانب حكم الشريعة فيما يسمى بالأحوال الشخصية كالطلاق والزواج، فمثل هذه لا تثار؛ بل تستخدم لتكون هي صورة الإسلام وحقيقته الكاملة، وأما ما وراء ذلك من هذه الأمور الثلاثة التي أشرت إليها في ناحية تطبيق الشريعة أو التعامل الإسلامي مع السياسة أو مبدأ الجهاد الإسلامي؛ فإن هذه الثلاثة يراد لها أن تكون بعيدة عن الواقع في حياة المسلمين.

    ولذلك نقف عند كل جانب من هذه الجوانب وقفات متأنية ومختصرة، ولكنها -إن شاء الله- مركزة ونافعة.

    تخوف أعداء الله من قيام حكم الإسلام

    الجانب الأول: الجانب السياسي الذي جاء أصلاً في كتاب الله سبحانه وتعالى كقواعد عامة وكأحكام تشريعية تفصيلية في بعض الأحوال، وجاء أيضاً كأقوال وتطبيقات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء بعد ذلك امتداداً تاريخياً طويلاً عبر قرون كثيرة، كل هذا يراد أن يلغى، ونجد التحريف والتحوير فيه.

    لكن يهمنا أن نخوض أولاً مع هذا الخلل في التفكير، ومع هذا الانحراف في التصور؛ لنبين كيف يعرى الإسلام من هذه الجوانب على وجه الخصوص؛ لغرض إبقائه في دائرة الضعف التي تسهل السيطرة عليها، ويسهل تهميش دوره في واقع الحياة، وبعد ذلك ستكون وقفتنا مع الرد على مثل هذه القضايا أو الانحرافات.

    فأحدهم يقول: الإسلام لم يفرض نظاماً إسلامياً مفصلاً، والخلافة ليست نظاماً محدد المعالم!

    ومن العجيب أن يستشهد هذا وأمثاله بقول أبي بكر رضي الله عنه: (إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على خير فأعينوني، وإن أخطأت فقوموني)، وأيضاً بقول عمر رضي الله عنه المشابه لهذا القول.

    قالوا: هذا إعلان من أبي بكر ومن عمر أنهم سيجتهدون، وأنه ليس عندهم إلا مراعاة المصلحة وتحقيق الأهداف القومية أو الوطنية -كما يدعون- وبالتالي فإنهم يعلنون للناس أن يشاركوا معهم مشاركة سياسية في النقد والتقويم، وليس هناك شيء من عند الله، وليس هناك منهج للحكم في هذا الدين، وليس هناك حدود لا يجوز تجاوزها، وليس هناك نظام يعتبر الالتزام به ديناً يدين المسلم به لله سبحانه وتعالى.

    بل أغرب أحدهم إغراباً عجيباً وجاء بجهل فاضح حينما قال: إن أول العلمانيين -عياذاً بالله- هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ لأنه حوّر الحكم الإسلامي، وجاء بمستحدثات بناءً على المصلحة، وليست هي منصوصة في الدين، فهو أخذ الجانب المدني وأسس الحياة، ووضع لبنة الحياة المدنية من منطلق عصري يتابع المتغيرات ويرعى المصالح، وليس له بالدين صلة ولا نسب.

    ويقول أيضاً: ورأي آخر نرفضه كذلك يرى أن للإسلام نظاماً في الحكم مفصل المعالم متميز القسمات أقامه النبي صلى الله عليه وسلم، وألزم المسلمين من بعده بإقامته، وأنهم أقاموه بالفعل أيام الخلافة الراشدة قبل أن تتحول إلى ملك عضوض، وأن على المسلمين أن يرفضوا كل ما حولهم من أنظمة الحكم والسياسة، وأن ينحوها عن مقاعد السلطة والرئاسة؛ ليضعوا النظام الإسلامي على رأس دولتهم الجديدة.

    ثم يقول: هذا الكلام مرفوض وغير مقبول! ويقصد: أنه غير مقبول من الناحية العلمية، كما يدعي هو وغيره.

    ومثل هذا الدكتور محمد خلف الله الذي كتب كتابات كثيرة في قضايا تمس أصل هذا الدين والاعتقاد بالله سبحانه وتعالى وبالقرآن وبالسنة، وكان قد أثار موجة كبيرة من سخط الغيورين على هذا الدين، فإنه يؤكد هذا الجانب أيضاً فيقول: نظام الحكم في الإسلام نظام مصدره الاجتهاد وليس النص، وما جاء عن اجتهاد يمكن أن يستبدل باجتهاد آخر!

    ولاحظ أن القضية يراد أن تقرر؛ حتى يكون هناك مجال للمدخل على هذا الحكم أو النظام الإسلامي.

    فإذا قلنا: إنه حكم ونظام من عند الله فإن القضية تبقى أنه ليس لأحد من البشر أن يغير، ولكن إذا قلنا: إنه اجتهاد فهنا يفتح الباب على مصراعيه للتغيير والتحوير، بل للمخالفة الصريحة لهذا الدين!

    فلذلك يقول: إن النظام مصدره الاجتهاد وليس النص، وما جاء عن اجتهاد يمكن أن يستبدل باجتهاد آخر؛ حتى يأتي الاجتهاد الجديد بما يحقق المصلحة، والجماعات الدينية يجب أن تترك هذه القضية؛ لتكون محل اجتهاد جديد! ويقول: إن الفكر السياسي في نظام الحكم هو فكر بشري خالص، وتستطيع المؤسسات العلمية مثل كليات العلوم السياسية أن تجتهد فيه؛ إذاً: فليس للدين شأن أو حكم أو قول فصل في هذا الميدان وهذا المجال.

    أيضاً: يكرس أحدهم نفس الفكرة بقوله: نحن مطالبون بأن نكون متبعين للرسول صلى الله عليه وسلم بالتزام سنته التشريعية -أي: تفسير القرآن- لأنها دين، أما سنته غير التشريعية -ومنها تصرفاته في السياسة والحرب والسلم والمال والاجتماع والقضاء ومثلها وما شابهها من أمور الدنيا- فإن اقتداءنا به يتحقق بالتزام المعيار الذي حكم تصرفه، وهو بقاء الدولة، فقد كان يحكم فيها على النحو الذي يحقق المصلحة للأمة، فإذا حكمنا بما يحقق المصلحة للأمة كنا مقتدين بالرسول صلى الله عليه وسلم حتى -وانظر هذا الكلام العجيب الغريب التناقض- ولو خالفت نظمنا وقوانيننا ما روي عنه صلى الله عليه وسلم في السياسة من أحاديث؛ لأن المصلحة بطبيعتها متغيرة ومتطورة!

    إذاً: المسألة عنده تقتضي أننا لا نلتزم، وأن التزام السنة واتباع الرسول وتعظيمه إنما هو التزام بالسنة التشريعية التي هي -كما يدعي- تفسير القرآن، وإن كان تفسير القرآن في ذاته يرد على مثل هذه الفرية.

    وليته عدد بعض الشئون البسيطة وإنما عدد كل الأمور: السياسة والحرب والسلم والمال والاجتماع والقضاء وما شابهها وما يماثلها.

    إذاً: كل شيء -ما عدا ركعات الصلاة وفرضية الزكاة والحج- يجوز تبديله، وانتهى الأمر إلى هذه الغاية الضيقة المحدودة التي تعارض أصل هذا الدين!

    وهناك تشويهات سنعرض لها بعد ذلك.

    والكتابات في هذا الجانب كبيرة وكثيرة جداً، بل نجد أن التركيز في كتابات من يطلق عليهم المفكرون أو المنظرون أو المستنيرون كلها بلا استثناء صبت في هذا الجانب، وتخصصت فيه، مما يدل على حرب هؤلاء لهذا الدين، وعلى عمالتهم لأعدائه.

    في الفترات الماضية كانوا هم المفكرين، وكانوا هم المنظرين، وكانوا هم المستنيرين، ولكن ما كانوا يتعرضون لهذه القضايا بهذا التركيز، لكن لما تقدمهم في ذلك أئمتهم وأسيادهم وأوعزوا إليهم ساروا على نفس الخطى، ومضوا في ذاك الركاب، ينعقون بما لا يعرفون، ويهرفون ويخرفون كما سيظهر لنا من بعض أقوالهم.

    ونستطيع أن نقول: إنه تولى كبر هذه القضايا بعض الكتب التي ركزت هجومها على هذه الأمور الثلاثة؛ وهي أمور مهمة من صميم هذا الدين، فهناك كتاب: (قبل السقوط) لـفرج فودة، وهناك كتاب: (الحركة الإسلامية بين الوهم والحقيقة)، وهناك كتاب: (بين الفقه والشريعة والقانون)، هذه الكتب كلها صبت في هذا الجانب في حرب الإسلام.

    تخوف أعداء الله عز وجل من تطبيق الشريعة الإسلامية

    الجانب الثاني: جانب الشريعة وتطبيقها، وهو جانب له ملامسة إلى حد ما بالجانب الأول، لكن الجانب الأول هو أعم. يدّعي المنافقون أنه لا صلة مطلقاً للإسلام بالسياسة في أي جانب من الجوانب، وهذا الجانب الثاني هو نوع من التخصيص إلى أعلى المطالب، أو إلى أعلى الصور التي يمثلها تفاعل الإسلام مع السياسة، وهو أن ترقى إلى أن تطبق شريعة الله سبحانه وتعالى، وأن تحكم أوضاع هذه الحياة.

    ومن العجيب أننا نجد أن هؤلاء القوم يخلطون في ذلك خلطاً عجيباً! ومن ذلك: أن خلف الله يقول: إن القرآن الكريم كان يلفت ذهن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس على الناس بوكيل أو مسيطر أو جبار أو ما إلى ذلك من كل ما هو من شئون الحكم والرئاسة، وعلى أساس من هذا كان القرآن الكريم يطلب إليه أن يترك أمر عقاب الناس على مخالفتهم لتعاليم الله إلى الله نفسه!

    وطبعاً تجد أمثال هؤلاء ينصبون أنفسهم مفسرين للقرآن، وشارحين للسنة، بل حتى متكلمين على صحة الأحاديث وضعفها!!

    فأحدهم يستشهد لإبطال الجهاد بالحديث الضعيف: (جئنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)، ثم حينما يأتي إلى بعض الأحاديث الآمرة بالجهاد يقول: وهذا الحديث ليس من الأحاديث الصحيحة التي يعتمد عليها!

    وهذا نوع من الافتراء والتجرؤ في هذا الجانب.

    نجد محمد عمارة يقول: إن أحداً لن يستطيع الزعم بأن الشريعة يمكن أن تثبت عند ما قرره نبي العصر! يعني: أن الشريعة التي كانت على عهد محمد صلى الله عليه وسلم من المستحيل أن يزعم أحد أنها تثبت إلى هذا العصر، ويمكن أن تطبق في هذا الزمن.

    ويقول أحمد كمال أبو مجد : ويسرف البعض في تصوير تميز الإسلام عقيدة وشريعة عن كل ما عداه، ويتصور لذلك أن تطبيق الشريعة يعني أولاً سقوط كل التشريعات الوضعية المطبقة في بلاد المسلمين، وإقامة نظام جديد تماماً على أسس اعتقادية وأخلاقية جديدة، وهذا وهم.

    وهو لا يقول: إنه ليس هناك صلة بين الإسلام وتطبيق الشريعة أو بين تطبيق الشريعة وواقع الحياة، لكن يصوغها بصورة تفرغها من محتواها فيقول: إن دين الإسلام بصفة خاصة يمتد اختصاصه إلى جميع جوانب الحياة الفردية والجماعية للمؤمنين به.

    وهذه المقدمة تغريك بأن الرجل يتوافق مع حقيقة هذا الدين، يعني: أنه يشمل كل مظاهر الحياة، لكنه يقول: ولكنه امتداد عناية ورعاية وتوجيه، وليس بالضرورة أن يكون امتداده امتداد اختصاص وتدخل مباشر بالتنظيم وتقديم الحلول النهائية الثابتة!

    وما معنى أن يكون امتداد الإسلام هو امتداد رعاية وتوجيه؟ يعني: أن الإسلام يقول لك: أحسن في معاملتك، ويقول للمسلم: أنت ينبغي أن تكون مثالاً للتسامح، وأنت ينبغي أن تكون رمزاً للسلام؛ هذا معنى أنه يدخل في نطاق الحياة الاجتماعية والسياسة، ولكن في ظل رعاية وتوجيه عام، وليس في ظل امتداد نظام محدد وأحكام مشروعة.

    ولذلك يتضح هذا الأمر جلياً عند هؤلاء القوم، إما بصراحة سافرة وإما بالتفاف حول الأمر من غير أن يكون هناك بعد أو من غير أن يكون هناك اختلاف في حقيقة المضمون.

    والشريعة يصورونها أننا بعد تطبيقها سنجد نصف المجتمع مقطعي الأيدي، وثلة منهم مرجومين، وبعضهم مجلودين، وغير ذلك!

    والذي يتصور هذا في الحقيقة إنما يثبت التهمة على نفسه؛ لأن الإسلام لا يقطع إلا يد السارق، ولا يجلد ولا يرجم إلا الزاني، ولا يجلد إلا شارب الخمر، فالذي يتصور أن المجتمع سيتحول إلى مشوهين وذوي عاهات فإنه يحكم على المجتمع الذي يعيش فيه بأنهم شاربو الخمور، وأنهم زناة، وأنهم سارقون، وأنهم.. وأنهم؛ لأن الإسلام ما جاء بهذه العقوبات إلا في هذا الجانب.

    يقول خلف الله -وهو أكثرهم جنوحاً عن الحق وأكثرهم أقوالاً كفرية-: إن خروج المعاملات من نطاق الشرع إلى نطاق القانون قد حقق لها ألواناً من الحرية والانطلاق لم يكن لنا بها عهد من قبل! يعني: أن هذه الأنظمة في المعاملات لما خرجت عن نظام الإسلام تطورت، وأصبح لها مرونة وحرية، وقدمت بشكل جيد وحسن، ولذلك يقول: إن الشريعة كانت -والعياذ بالله- تعوق الإنسان عن الغوص في ميادين الفضاء والأجواء وميادين البحار!

    وأيضاً نجد أن هذه القضية تتصور في أمور أخرى حينما نجد أن الأمر يغتال قضية التاريخ الإسلامي؛ لأن التاريخ الإسلامي يمثل تطبيق الشريعة في معظم فترات التاريخ، كما سيأتي الحديث عنه.

    لكننا نجد أن هؤلاء يصورون القضية تصويراً آخر؛ فيجعلون النظام والحكم للإسلام الذي طبق أو الشريعة التي طبقت إنما كانت صورة من صور الجمود، وصوراً من صور التخلف.

    يقول محمد جابر الأنصاري : إن هذا المجتمع العربي المتحضر اقتحمته الموجة الرعوية العثمانية القادمة من سهول آسيا الصغرى بالغزو المباشر، فقطعت استمراريته الحضارية ونموه الاقتصادي والإنتاجي، كما فعلت الموجة التركية الأولى في عهد المعتصم بالمجتمع العربي.

    لذلك القضية التي ينبغي للمسلمين التنبه لها هي: أن حكم الخلافة وأن حكم التشريع الإسلامي كان نعمة وخيراً ووحدة للأمة، وهذه القضية المهمة تواجه هذا العداء لهذا الغرض!

    ولذلك هذا الكاتب يتعجب من المحاولات العجيبة التي تحاول إعادة الاعتبار للتاريخ العثماني ولتاريخ السلاطين الأتراك في العالم العربي الإسلامي؛ باعتبارهم رموزاً للجامعة الإسلامية وللكيان الإسلامي الواحد، وهذا المنحنى التاريخي الجديد للثقافة العربية الإسلامية المعاصرة مرده إلى إخفاق في الحركات القومية والتقدمية التي ثارت على الخلافة العثمانية.

    وشاهد الحال أننا نجد أن أمثال هؤلاء يركزون على قضية مهمة، وهي: أن تطبيق الشريعة سيأتي بقضيتين خطيرتين لا وجود لهما في الواقع، والقضية الأولى ذكرناها وهي: إقامة الحدود، والقضية الثانية ما يسمونه بإقامة النعرات الدينية أو الفتنة الطائفية بين المسلمين وغير المسلمين.

    وعلى هاتين النقطتين يقوم أساس حديثهم، والكلام الذي يخوضون فيه في هذا الجانب.

    وخلاصة القول: أنهم يريدون من هذه القضية أن يبعدوا الإسلام عن التطبيق؛ وذلك من خلال جوانب ثلاثة:

    الأول: أن قضية التشريع ليست محددة المعالم، وليست مطلوبة بشكل ديني.

    الثاني: أن هذه الشريعة فيها من الأمور التي كانت تناسب العصر في وقت مضى، ولكنها لا تناسب في عصور أخرى.

    الثالث: أن تطبيقها يؤدي إلى سلبيات وإلى مخاطر يصورونها للناس في هذا الجانب.

    تخوف أعداء الله عز وجل من الجهاد في سبيل الله

    الجانب الثالث: جانب الجهاد، وهو أحد معالم هذا الدين، بل عده بعض العلماء الركن السادس من أركان الإسلام تأكيداً على أهميته.

    ونظراً لاقتران الحياة الإسلامية التي بدأت تعود إلى المجتمعات المسلمة بشمول هذا الدين وبقواه الفاعلة كان لها ارتباط بهذا المبدأ وبهذا الفرض الكفائي الذي ينتقل أحياناً إلى أن يكون عينياً، فلذلك كان التركيز على هذا الأمر وتشويهه والالتفاف حول قضاياه بشكل أو بآخر، فتجد أن هذا المبدأ الذي قام أو يقوم على أساس ديني وعلى أساس فيه حماية لهذا الدين ونشر له يحور في حس هؤلاء بطريقة ملتفة أحياناً وواضحة أحياناً أخرى.

    فأحدهم يقول: فلا الحرب التي سميت بحرب الردة كانت دينية، ولا حرب علي رضي الله عنه مع خصومه كانت دينية؛ لأنها كانت حروباً في سبيل الأمر -أي: الرئاسة والخلافة والإمامة- وهذه تعتبر طبيعة سياسية ومدنية، ومن ثمَّ كانت الحرب التي نشبت لأجلها سياسية ومدنية هي الأخرى، وليس لها أي مبدأ من مبادئ الإسلام.

    ويصور هذا الكاتب التحليل التاريخي للجهاد أنه لم يستقر على مبدأ ديني ثابت ومطلق، وإنما يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم نشأ في بيئة قريش، وكفار قريش كانوا متطرفين في العداء ضد الإسلام، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصبر، وأن يتلافى الصدام مع قريش في ذلك الوقت، ثم لما انتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة نزل قول الله سبحانه وتعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج:39-40]، فيأتي هذا المحلل لمثل هذه الآية ويقول: الجهاد على مقتضى هاتين الآيتين ليس حرباً مقدسة مطلقة غير مشروطة، وإنما هي حرب مقيدة مشروطة، فهي تحدد السبب، وتشير إلى الأعداء، وتضع ضوابط، وتسن الأخلاقيات!

    ثم ينطلق ليحلل باقي الفترات التاريخية والجهاد الإسلامي فيقول: من الخطأ أن نعتبر أن قتال الدولة الأموية التي توسعت بعد الخلافة الراشدة كان جهاداً إسلامياً، بل كان عبارة عن توسع سياسي وسيطرة في ظل وجود قوة داخلية، إذا ما كان هناك استثمار لها في الحروب يمكن أن تبدل مشاكل داخلية!

    ويقول: الدولة الأموية كان فيها معارضة سياسية، وكان فيها نعرات تواجه القومية العربية -كما تسمى- وبالتالي كان من الحنكة السياسية التي تجمع بين أمرين تفريغ هذه المشكلات إلى الخارج، واكتشاف مناطق نفوذ أخرى. إذاً: ستتوجه هذه الكوادر والتفاعلات إلى القتال باسم الجهاد، وباسم الدين؛ حتى يصرفوا هؤلاء الناس عن معارضة الدولة إذا صح التعبير!

    أي: أن هذا الجهاد الذي كان في الفترة الأموية لم يكن جهاداً إسلامياً، ولم يكن فيه شهداء، ولم يكن فيه أي شيء من هذه الأشياء التي تغرينا.

    بل قاموا باستعراض بقية فترات التاريخ التي تتضح فيها هذه الناحية، وأظهر شيء يتحدثون عنه هو الخلافة العثمانية وما كان من شأنها وتوسعها.

    ثم ليس هذا فحسب، بل حتى الجهاد والحرب ضد أهل الكتاب أيضاً يفسر تفسيرات أخرى، فنجد أن الآيات القرآنية الصريحة الواضحة في الأمر بالجهاد تحور لتكون ذات أهداف محدودة.

    فهذا العشماوي يقول: الجهاد أو الحرب المقدسة بصريح نصوص القرآن وصحيح الواقع الإسلامي هو: دفاع عن النفس لرد عدوان أو صد أذى؛ فهو لا يكون على الإطلاق ابتداءً بالعدوان، كما لا يكون فقط مبادرة بالإيذاء، وإنما على قدر ما يكون العدوان يكون الرد، وعلى نحو ما يكون الإيذاء يكون الأذى.

    أي: أنه يلتزم بضوابط الدفاع، فلا يزيد عما يكفي لرد العدوان، وبهذا المعنى يكون الجهاد أسلوباً كريماً وباعثاً قوياً ودافعاً سامياً للارتقاء بالذات، والسمو بالنفس، والعلو بالروح!

    أي: أنه جعل الجهاد المذكور في النصوص عبارة عن جهاد النفس، وأما النصوص الأخرى فإنما تعني فقط الحالات التي كان فيها عداء معين يقتضيه الواقع السياسي الذي كان في ذلك الجانب.

    ثم يقول: إن المعنى السليم للجهاد فسر خطأً من جانب بعض الفقهاء، وحرف عمداً من جانب بعض السلطات في التاريخ الإسلامي؛ فبعض الفقهاء الذين أثروا على العقل الإسلامي يقولون: إن الصلة بين الإسلام وغيره من الدول والمجتمعات هي الحرب دائماً، وأن السلم ليس إلا هدنة مؤقتة ريثما يتهيأ المسلمون للحرب.

    وزاد البعض أنه من غير الجائز لإمام المسلمين أن يتعاقد على سلم دائم مع بلد من بلاد الحرب؛ لأن في مثل هذا السلم إلغاء لفريضة الجهاد.

    ولست أدري ماذا يريد بهذا البعض، ونحن نعلم أن كتب الفقه كلها بلا استثناء تشتمل على كتاب وباب كامل اسمه: الجهاد وأحكام الفيء والغنيمة، بل يقول الإمام النووي في المجموع: إن من واجبات الإمام: الغزو والجهاد في سبيل الله؛ قال: وأقله: أن يكون في العام مرة واحدة.

    ونجد التفصيلات والتفريعات في أحكام الجهاد وفي أحكام الجزية في كتب الفقه وغيرها.

    1.   

    أهمية الوقوف أمام أعداء الله عز وجل ودحر مخططاتهم

    هذه القضايا الثلاث -كما أشرت- هي محور هذا الهجوم بشكل واضح وسافر؛ ولذلك ينبغي للمسلم أن يتنبه إلى هذه الظاهرة.

    والذي يتأمل في هذه الدعاوى يجد أنها ساقطة، وسقوطها سهل التوضيح لمن كان متربياً وعارفاً بالقرآن والسنة؛ لأنها أمور بدهية في هذا الدين، فحينما نقول مثلاً: إن هذا الدين بالنسبة لشموليته لهذه الحياة ينتظم جميع الجوانب حتى الجوانب السياسية نجد أن هناك معالم كاملة وشاملة تدل على هذا الأمر، وليس مجرد إطلاقات عامة؛ فإننا نجد -على سبيل المثال- في سورة التوبة أنظمة متكاملة في السلم والحرب، والمعاهدات والمعاقدات بين الدول، وهكذا قضية التعامل مع الأنظمة الأخرى.

    وكذلك نجد أن قضية ارتباط الحكم بالدين واضحة في كثير من النصوص القرآنية التي تؤيد ذلك، سواء مما يذكره القرآن من قصص الرسل والأنبياء، كقصة داود عليه السلام أو مما يقرره القرآن بذاته؛ فإننا نجد أن هناك صورة متكاملة لا تخفى على الإنسان حينما يتلو آيات القرآن.

    وأما جعل نصوص القرآن تتعلق فقط بالحوادث التي وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأنها فقط جاءت في ظل الظروف التي كانت للمسلمين فهو نوع من إلغاء استمرارية القرآن الذي قال الله سبحانه وتعالى عنه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، وكذلك في هذا إبطال لقول الله سبحانه وتعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38]، وكذلك ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من ختمه الرسالات، وأن هذا الدين وهذا القرآن هو الخالد الباقي إلى قيام الساعة.

    وكذلك القضية الثانية نجد أن الواقع التاريخي فضلاً عن النصوص المتكاثرة القرآنية وأكثر منها نصوص السنة؛ تؤكد جانب تطبيق الشريعة الإسلامية، وأن الإسلام جاء بتفصيل كثير من الأحكام في جوانب الحياة كلها، سواءً الجوانب الاقتصادية أو غيرها؛ فنجد النصوص في كتب الفقه تستشهد بالآيات القرآنية في تحريم الربا وفي الأمور الأخرى المتعلقة بالبيع وبالشراء والمداينة وغير ذلك، وتأتي نصوص السنة لتبين الأمور الأخرى التفصيلية، مثل: الرهن، والشفعة وغيرها من الأحكام، ففيها تدقيق وتفصيل كامل.

    ثم نجد أيضاً أن القرآن جاء بتفصيلات دقيقة فيما يتصل بالعلاقات الاجتماعية من الزواج والطلاق والرجعة والنفقة ونحو ذلك، وهكذا فصلتها سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    ونجد كذلك أن الجوانب الأخرى المتعلقة بجانب العقوبات أيضاً جاءت فيها الحدود، مثل: حد السرقة، وحد الزنا، ففيها تفصيلات دقيقة لا تحتمل المغالطة أو المواربة.

    فهذه التفصيلات مذكورة في كتب الفقه التي هي من أعظم الكتب وأكثرها؛ فإن أغزر ما كتب المسلمون هو في الفقه وفي الفروع الفقهية التي ضبطت في ظل النصوص الإسلامية القرآنية والنبوية الصريحة، أو في ظل الاجتهادات وفق قواعد وأصول معينة تستند إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فما تجد حكماً ولا قضية إلا وتجد في الكتب الفقهية الموسعة تعريجاً عليها، وتفصيلاً لها، ووضع ضوابط لفروعها في ظل هذه النصوص من القرآن والسنة.

    ثم كذلك نجد أن التطبيق العملي في التاريخ الإسلامي كله يبرهن على هذه القضية، وأن النبي عليه الصلاة والسلام طبق شريعة الله سبحانه وتعالى في شتى المجالات.

    1.   

    حقيقة الجهاد في الإسلام

    قضية الجهاد في سبيل الله على الصورة التي ذكرها هؤلاء غير واردة ولا متطابقة مع منهج هذا الدين في نصوص القرآن وفي نصوص السنة وفي تطبيقات الواقع العملي؛ فالله سبحانه وتعالى يقول في نداء المؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة:123]، ونداءات القرآن في شأن الجهاد قوية وواضحة، كقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا [التوبة:38].

    وقد جعل الله سبحانه وتعالى مرتبة المجاهد أعلى وأسمى من غير المجاهد، وجعل في كل حركة وسكنة في طريق المجاهد أجراً يتضاعف له، كما قال الله سبحانه وتعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ [التوبة:120].

    وهذه النصوص تدلنا على أن القضية أصيلة ومطلقة، وليست محدودة، وإنما هي لتثبيت هذا الدين ونشره ومنع من يحولون بين الناس وبين معرفته على حقيقته؛ لأن الله سبحانه وتعالى بين شأن الكافرين بأنهم: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8].

    وكذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكر شيئاً من الأعمال وبالغ في تفضيله مثلما ذكر في شأن الجهاد؛ فقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن فضل الجهاد فقال للسائل: (هل تستطيع حينما يخرج المجاهد أن تقوم فلا تنام، وأن تصوم فلا تفطر؟ قال: ومن يطيق ذلك؟! قال: لو فعلت ذلك ما بلغت أجر المجاهد) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، بل إنه عليه الصلاة والسلام بين تعلق المؤمن بهذه الفريضة وبهذا الأمر في هذا الدين بأنه هو الأمر الوحيد الذي يتمنى المؤمن لأجله أن يعود إلى الدنيا ليقتل في سبيل الله لما يرى من الكرامة والأجر العظيم عند الله سبحانه وتعالى.

    ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قارع الكفر والشرك لم يكن ينطلق قطعاً من الضرورة المدنية لدولته أو من الضرورة الاقتصادية لمجتمعه، وإنما كان الأمر واضحاً وجلياً في قوله سبحانه: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39]، وأيضاً كان واضحاً أن القضية كانت باسم هذا الدين، ولأجل نشر راية هذا الدين، وكذلك سار أصحابه من بعده.

    وكل انحراف عن هذا المعنى إنما هو مغالطة للتاريخ وتفريغ لمحتواه، أما المغالطة فظاهرة، وأما التفريغ فكيف يمكن أن يفسر الإنسان أن هؤلاء المسلمين الذين لم تكن لهم قوة ضاربة خرجوا من جزيرتهم وقوضوا الممالك الكبرى والعظمى؟! وكيف فتحوا الديار شرقاً وغرباً؟! وكيف كانوا مع جهادهم وقتالهم يمثلون الحضارة والتعامل الإنساني الرائع؟! وكيف كانوا يمثلون الحرية الدينية في ظل قول الله سبحانه وتعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256]؟! حتى اعترف كل أعدائهم بأنهم مثلوا هذا الجانب تمثيلاً صادقاً وواقعاً.

    وخلاصة القول: أن هذا التخوف الذي يظهر من الأعداء ومن بعض الأبناء إنما يبين حقيقةً واضحة، وهي: أن هذا الدين بحقيقته الكاملة وشموليته الواقعة وتفاعله الكامل مع هذه الحياة هو الأمر الذي يخشى منه أعداء الله سبحانه وتعالى، وبالتالي فإنهم يلتمسون لحربه كل طريق.

    والطرق في ذلك متنوعة وكثيرة ربما يأتي لها مجال حديث، لكنها تنصب أساساً في إجراءات وقائية وفي إجراءات عدائية.

    أما الوقائية فهي: الضرب والطعن في المبادئ، والتشكيك في الحقائق، والتزوير في التاريخ؛ حتى لا يستطيع أحد أن يستفيد أو أن يستند إلى هذه الأمور بعد أن تكون قد عراها هذا الأمر، فيكون هناك وقاية من هذا الجانب، وهذه الوقاية غايتها أن يحال بين الناس وبين الفهم الصحيح للإسلام.

    والإجراءات العدائية: تشمل ألواناً من الحرب الإعلامية، ومن الحرب المباشرة عسكرية كانت أو اقتصادية، وكذلك تتضمن التضييق في كل الجوانب، وخاصة من الناحية الاقتصادية.

    وهذه الأمور كلها يمكن أن يجدها الإنسان، ولكن اليقين الذي يكون عند الإنسان المؤمن هو وعد الله سبحانه وتعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، وهو وعد الله سبحانه وتعالى بأن هذا الدين هو المنتصر: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ [يوسف:21].

    وكذلك وعد النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكر مما يكون في مستقبل الزمان بالنسبة للمسلمين وانتصار دولتهم وارتفاع رايتهم.

    فالمؤمن الذي يبقى على هذه الحقائق لا يحول بينه وبينها حائل، بل يمكن أن يكون هو اللبنة الصحيحة والصالحة لبناء المجتمع المسلم المتكامل، ولتطبيق شرع الله سبحانه وتعالى التطبيق الذي كان على عهد النبي عليه الصلاة والسلام وعهد أصحابه من بعده.

    وهو كذلك المؤهل لأن يكون المجاهد في سبيل الله سبحانه وتعالى الذي يحول بين القوى التي تمنع الناس من معرفة الدين وتحول بينهم وبين الدخول فيه أفواجاً.

    وهذا يقتضي أموراً كثيرة، كقوة الإيمان، وصحة العلم، وصحة العبادة، ونشر العلم الصحيح، وكذلك العمل التطبيقي، وهذا هو الذي ينبغي أن يفهمه المسلمون في ظل هذه الصيحات التي تخوف منهم، والتي تتربص بهم، والتي تستعدي الجهود عليهم، والله سبحانه وتعالى غالب على أمره: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ص:88] .

    الله سبحانه وتعالى نسأل أن يوفق المسلمين لمعرفة حقيقة دينهم، وأن يجعلهم متبصرين بحقيقة أعدائهم، وأن يجعلهم متمسكين بما أمر الله سبحانه وتعالى وبما أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.