إسلام ويب

الكنز المفقودللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يبحث كثير من الناس ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً عن السعادة، وربما تنفق كثير من الأموال طلباً للسعادة، وتعس من ظن أن السعادة هي في المأكل والمشرب والملبس.. إن السعادة هي الكنز الذي فقده كثير من الناس، وبحثوا عنه في غير مظانه، فليعلم هؤلاء أن السعادة كل السعادة في طاعة الله .. في القرآن والسنة .. في قراءة سير السلف الصالح، عندما يعمر الإيمان القلوب، وتسعد النفوس وإن جاعت البطن يوماً وشبعت يوماً.

    1.   

    البحث عن السعادة

    الحمد لله جعل الإيمان أماناً ونوراً للقلوب، وجعل الإسلام سلامةً وشرحاً للصدور، وجعل الهداية سعادةً ونعيماً للنفوس، ووعد أهل التقوى بسعادة الدنيا وبنعيم الجنان، أحمده سبحانه وتعالى على توالي نعمه، وتعاظم فضله، نحمده جل وعلا هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، تبارك اسمه، وجل قدره، وعم نواله، وكثرت أفضاله سبحانه وبحمده، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، وله الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا، حمداً كثيراًطيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله كافة للناس أجمعين، وبعثه رحمةً للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وبصر به من العمى، وكثرنا بدعوته من بعد قلة، وأعزنا من بعد ذلة، وهدانا من بعد ضلالة.

    وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، ما من خيرٍ إلا وأرشدنا إليه، وما من شرٍ إلا وحذرنا منه، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون!

    يتعب كثيرٌ من الناس نفسه ليله ونهاره، ويشقى صبحه ومساءه، ليجمع من عرض الدنيا ما يكثر به ماله، وما يعظم به رصيده؛ طلباً للسعادة والهناء في الدنيا، ويذل كثيرٌ من الناس نفسه، ويحكم كيده، ويدبر أمره لينال المنصب والجاه، أو ليحوز النفوذ والسلطان؛ طلباً لسعادةٍ وعزةٍ وعظمةٍ في هذه الحياة، وكثيرون آخرون يتفننون ويبتكرون، ويقبلون ويدبرون من أجل أن يفوزوا بقلب فتاة حسناء؛ طلباً للذة من لذات هذه الحياة.

    ويضرب الناس شرقاً وغرباً، ويذهبون يميناً وشمالاً، كلهم في هذه الحياة يبغى السعادة والهناء، يبحث عما ترغب فيه نفسه، ويطرب له قلبه وتسكن إليه جوانحه، وتطمح له آماله، وكثيرٌ من هؤلاء قد يحوزون من الأموال الشيء الكثير، وقد ينالون من الجاه أعظمه وأكثره، وقد يفوزون من لذائذ الدنيا بأحلاها وأجملها، ومع ذلك ترى في صدورهم حرجاً، وترى في نفوسهم غماً وهماً، وترى على قلوبهم قتراً وظلماً وظلاماً، لا يجدون طعماً للراحة، ولا يجدون لذةً للحياة إذا كانوا بعيداً عن الإيمان بالله عز وجل، وعن لذة الطاعات، بعيداً عن سعادة العبودية لله سبحانه وتعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:123-124] آيات قلائل من كتاب الله عز وجل تفسر سر هذا البحث الدءوب عن هذا الكنز الثمين في هذه الحياة العريضة من أولئك البشر الذين لا يحصي عددهم إلا الله سبحانه وتعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123] وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] فتش في شرق الأرض وغربها، اذهب إلى أي بقعة من بقاع الأرض، ابحث في أي جنسٍ من الأجناس ستجد القاعدة القرآنية الربانية: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123] والتعبير القرآني بصيغة المضارع الذي يتجدد دائماً، والحكم القرآني مطرد لا يتخلف، والوعد الرباني ثابتٌ لا يتغير: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] والتنكير مع التنوين للتعميم، أي: معيشة في كل جانبٍ من جوانب الحياة، معيشة اقتصاد، معيشة اجتماعٍ، معيشة سياحة، كلها ستكون ضنكاً في كل صور الضنك التي يراها الناس أو لا يرونها، يلمسونها ويشعرون بها أو لا يلمسونها.

    وهكذا يجد المؤمن أن عنده السر الذي يفقده الكثيرون، والضياء الذي يخبط لفقده الكثيرون، والنعمة التي قال عنها أسلافنا: لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف، نعمة الإيمان، ولذة الطاعة، وحلاة العبودية، نعمة الاستقامة أمرٌ عظيمٌ نغفل عنه، وربما لا نقدر قدره، والناس يتيهون بحثاً عنه وهو بين أيدينا، كتابٌ تتلى آياته من الله سبحانه وتعالى، فيه الهدى والنور: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء:9] وسنةٌ للمصطفى صلى الله عليه وسلم تشرق أنوارها في كل جانب من جوانب الحياة، وتضيء معالمها كل درب من دروب هذه الدنيا بهديٍ تام كامل، وسيرةٍ نقية عطرة للمصطفى صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنتي) هذا الذي بين أيدينا هي الكنوز والمفاتيح التي بها تشرق أنوار القلوب، وتنشرح الصدور، وتضاء النفوس وتطمئن، وتهدى العقول، وترشد البصائر، فما بال أمة الإسلام يعتريها ما يعتريها مما ألم بغيرها ممن أعرض عن ذكر الله عز وجل؟ إنه بقدر بعدها عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقدر تركها لمنهج السعادة الربانية الذي رسمه الله عز وجل وشرعه في هذا الإسلام، وفي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم:

    أملٌ هفت إليه قلوب الناس في الزمن التليد

    أملٌ له غور القديم كما له سحر الجديد!

    أملٌ إليه سعى الملوك كما إليه رنا العبيد!

    وتزاحموا كالهيم يدفعها الصدى عند الورود

    وتساءلوا عنه ولكن من يجيب ومن يفيد؟

    فمشرقٌ ومغربٌ وكلاهما يرجو البعيد

    عادوا وكل سؤالهم أين السعادة والسعيد؟

    قالوا السعادة في الغنى فأخو الثراء هو السعيد

    قالوا السعادة في النفوذ وسلطة الجاه العتيد

    قالوا السعادة في الغرام الحلو في خصرٍ وجيد

    قالوا السعادة في السكون وفي الخمول وفي الخمود!

    قل للذي يبغي السعادة هل عملت من السعيد؟

    إن السعادة أن تعيش لفكرة الحق التليد

    هذي العقيدة للسعيد هي الأساس هي العمود

    من عاش يحملها ويهتف باسمها فهو السعيد

    من عاش في ظلال الإيمان، وفي طاعة الرحمن، وفي نصر ة الإيمان، فهو الذي يكون سعيداً بإذن الله عز وجل.

    1.   

    آثار الإيمان والطاعة في تحقيق السعادة

    لنلتفت إلى كتاب ربنا وسنة نبينا، لنرى إشراقات الأنوار التي تدلنا على سعادة القلوب وسكينة النفوس، التي يبحث عنها الناس اليوم وقد رأيت أثر الهموم على وجوههم سواداً وظلاماً، وعلى أجسامهم كهولة وانحناء، وفي كلماتهم تضجراً وتبرماً، وفي أعمالهم نزقاً وطيشاً، ما وجدوا برد اليقين في قلوبهم، ما وجدوا لذة الحياة الإيمانية في نفوسهم.

    فهذه آيات القرآن تشرق علينا حتى تبدد هذه الظلمات التي تكاثفت من أثر الشهوات والشبهات، ومن أثر البعد عن أنوار القرآن وسنة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

    سعادة الحياة لا تكون إلا بالعمل الصالح، والإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمؤمن يجد السعادة لأن له وجهة واحدة، وغاية واحدة، وعبودية واحدة لا تتفرق مشاعره، ولا تضطرب خفقات قلبه بمشاعر متباينة كغيره من الذين لا يخافون الله فيخافون من كل شيءٍ سوى الله، ولا يتعلقون بالرجاء لله فيرجون كل أحدٍ سواه، فيبقون في هذه الحياة في اضطراب.

    أما المؤمن فأساس سعادته إيمانه بربٍ واحد، له يخشع، وله يخضع، وله يحب، ولأجله يبغض، وفيه يوالي، وفيه يعادي، فهو قد توحدت جهته قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين [الأنعام:162-163].

    لا شيء في هذه الحياة عند المؤمن إلا وهو لله، فالمال مالُ الله .. والولد والذرية من رزق الله .. وكل شيءٍ في هذه الحياة ينبغي أن يجعله طاعة وعبوديةً لله، فتنتظم الحياة كلها، ليس فيها دنيا وأخرى متباينتان مختلفتان، وإنما هما متوائمتان متلاقيتان إحداهما يعمل فيها ويحرث، والأخرى يجني فيها ويحصد بإذن الله عز وجل، فتكون نفسه مطمئنة، وقلبه قد توحد مع وجهته ولم شعثه، ولم يعد له في هذه الحياة من قصد وغاية إلا رضا الله سبحانه وتعالى.

    تحقيق الأمن والطمأنينة

    وثانية عظيمة من عظائم السعادة، وكبيرة من كبائر أسبابها وأسسها: الأمن والطمأنينة:

    لأن صاحب المال والجاه إذا كان يعيش في خوف ورعب لا يسعد بماله ولا بجاهه، بل ربما يطلب سكينة ساعة وهدوء يوم ولو بذل في ذلك ماله كله، والمؤمن قد وعده الله عز وجل في دنياه وأخراه بالأمن والطمأنينة: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:62-64].

    وفي الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) حتى قال: (ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)، يكون ربانياً يحظى بوعد الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38] يحظى بتحقيق وعد الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] ألم نر الصحابة رضوان الله عليهم وهم كوكبة نجوم حول القمر الساطع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يقابلون المصاعب والشدائد وقلوبهم أثبت من الجبال الشوامخ، لا يهتزون ولا يخافون لأن الإيمان قد سكب في قلوبهم أمناً وطمأنينة، والله سبحانه وتعالى قد قال: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] ترى طمأنينة المؤمن، وسكينة نفسه، وهدوء باله من أثر إيمانه وتعلقه بربه سبحانه وتعالى.

    ألم نر تلك المواقف العصيبة التي مرت بالنبي صلى الله عليه وسلم من مثل يوم الأحزاب: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [الأحزاب:10] في ذلك الموقف العصيب يكبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويبشر أصحابه، فتنزل بشرياته طمأنينة على القلوب، وأمناً وسكينة في النفوس، فلا تجد المؤمن جزعاً ولا هلعاً ولا خائفاً؛ لأن أمن الإيمان هو أعظم أمن يمكن أن يكون، لا يمكن أن يكون الأمن بالقوة ولا بالشرط، ولا بالأجهزة، ولا بالمتابعة، وإنما الأمن أمن الإيمان الذي يراقب فيه العبد ربه، ويخلص فيه لمولاه، ويسعى فيه لرضا الله سبحانه وتعالى، فتعود الحياة كما كانت في عهد أسلافنا رضوان الله عليهم حياة أمن وأمان، وسلامة وإسلام، ليس فيها هذا العدوان، ليس فيها هذا الإجرام، ليس فيها هذا الكيد والمكر السيئ الذي امتلأت به دنيا الناس اليوم، فلم يعد أحدٌ يطمئن إلى جار، ولا يأمن إلى صديق، فضلاً عن أن يركن إلى غريب أو بعيد، ولذلك تبقى الحياة شعلة من نار، وتبقى جمرة من شقاء عندما يفقد الناس الأمن، وعندما يفقدون الطمأنينة، ولا أمن إلا في ظلال الإسلام، وبتحكيم شرع الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38].

    انشراح الصدر وسكينة النفس

    وثالثة هي من أمور السعادة والهناء، وهي انشراح الصدر وسكينة النفس التي يشعر بها الإنسان بعيداً عن الأمور التي ذكرناها في شئون الأمن، قال سبحانه: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام:125].

    هذه أيضاً ربما لا يشعر بها كثير من أهل الإيمان والإسلام لأنهم قد ألفوها، لكنهم لو رأوها في الذين اضطربت نفوسهم، وحرجت صدورهم، فضاقت الدنيا رغم سعتها في وجوههم، وأظلمت رغم أنوارها في أعينهم، فعاد الواحد منهم ينتحر كما نرى في دول الكفر، أو يقتل أبناءه، أو يقتل زوجته، أو ما نرى من صور الاضطراب والحيرة وضيق الصدر والتبرم؛ لأن هذا الذي قد بعد عن الإيمان وطاعة الرحمن فقد أساس سكينة نفسه، فلا يعود منتظماً في تصرفاته، ولا يعود منطقياً ولا فطرياً في أفعاله، ولذلك قد آتى الله عز وجل أهل الإيمان النور الذي يبعث الضياء في الصدر والقلب، فيكون حينئذ على بينة من ربه قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] الذي في الظلمات لا بد أن يخبط خبط عشواء، لا بد أن يقع في حفرة، لا بد أن يأتي ليضرب فتقع ضربته في غير موضعها، بل ربما ترتد إليه، وهكذا يقع حال المتخبط بعيداً عن الإيمان.

    حب العبادة وأداء الطاعة

    ورابعة أيضاً: هي أن الطاعة تجر الطاعة وراءها، وأن العبادة تقود إلى عبادة بعدها، وأن الهداية تفتح أبواباً أكثر من الخير والهدى والنعمة الربانية التي يسوقها الله عز وجل لأهل الطاعة والهداية والاستقامة قال تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا [مريم:76] كلما أقبلت على الله زاد عطاء الله لك، كلما أقبلت على الطاعات شعرت بلذةً وسعادةً وهناءةً في قلبك وفزت بها، كما يقبل الذي قد بلغ به العطش مبلغاً على الماء العذب البارد وهو إليه مشتاق وله محب، وهو من أجله يمكن أن ينتظر وأن يغالب الصعاب حتى يبلغ هذه الغاية.

    وحسبنا في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين لنا تلك اللذة العظيمة عندما يقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) وعندما كان ينادي بلالاً: (أرحنا بها يا بلال ! أرحنا بها يا بلال !) أرحنا بهذه الطاعات من عوبة الحياة ومشكلاتها، من عوارضها وشواغلها، اجعل لنا واحةً في هذه الصحراء نتفيأ ظلالها، ونشرب ماءها، ونقطف ثمارها، فتتجدد حياتنا، ويزداد إيماننا، ويعظم يقيننا، ويزداد اندفاعنا نحو الخير، وتتوالى أعطيات الله عز وجل من الهداية: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد:17] لتعلم أنك حينئذٍ في عطاءْ من الله، وفي نعمة من الله ما تزال تتجدد لعجز غيرك من أهل الخسران: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:178].

    فتح أبواب الرزق

    وخامسةٌ يفكر فيها الناس كثيراً، ويرونها المقياس الذي قد غلب على عقول كثيرين من الناس، وهي الأمور المادية المحسوسة، من المال والأبناء والزوجة، ونعيم هذه الحياة، أين الطريق إليه؟ وهل كتب على المؤمن أن يبقى محروماً في هذه الدنيا حتى يؤتى النعيم في الآخرة؟

    أهل الإيمان لا ينظرون إلى هذا، ومع ذلك جاء الوعد الرباني الذي جعله الله عز وجل سنةً في هذه الحياة، إن فمورد الرزق وطريقه، وأبواب هذه الحياة الدنيا إنما تستفتح بطاعة الله عز وجل، إن مقاليد الرزق هي الطاعات والعبادات لله عز وجل، ألم نسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه كما في صحيح البخاري: (من أراد أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه)، ربط هذا بهذا، وقال الله عز وجل كما في قصة نوح: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10-12].

    إن الطاعة من أبواب الرزق العظيمة: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96]، هكذا يبين لنا القرآن هذه القاعدة، والنبي عليه الصلاة والسلام قد قال: (لو أنكم تتوكلون على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، لو أن الناس تعلقوا بالله، وأخلصوا لله، وأيقنوا بوعد الله، وجعلوا وقتهم وجهدهم وطاقتهم في طاعة الله، ولم يرتكبوا ما حرم الله؛ لفتح لهم الله عز وجل من أبواب الرزق ما لا يحتسبون؛ لأن الله عز وجل قال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    ونعلم أيضاً أن أبواب الرزق ليست في كثرتها، وإنما في بركته، فكم من كثيرٍ ممحوق البركة لا ينفع ولا يفيد! وكم من قليلٍ يجعل الله عز وجل فيه البركة! ويرزق العبد المؤمن معه الرضا بما قسم الله له فيكون هناءةً على هناءته، وسعادة على سعادته.

    فافهم أخي المؤمن وتنبه إلى ما وعد به الرسل أقوامهم عندما يوجهون إليهم دعوتهم، كما قال نوح ، وكما قال غيره في قوله عز وجل: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3]، وقال جل وعلا: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ [هود:52].

    هكذا أيضاً ينبغي أن ندرك أن حظ هذه الحياة الدنيا إنما يدرك بالطاعة والإيمان، فنسأل الله عز وجل أن يعطينا أعطيات الإيمان، وأن يفتح لنا أبواب العطاء من خلال الطاعة، ومن خلال العبودية والإخلاص لله سبحانه وتعالى.

    اللهم إنا نسألك أن تفتح لنا أبواب الخير والرزق، وأن تجعل قلوبنا بالإيمان مطمئنة، وأن تجعل صدورنا بالإسلام منشرحة، وأن تجعل نفوسنا بما أعطيتنا راضية طامعة.

    أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    من السعادة شكر النعمة والصبر على المصيبة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من التقوى أن يكون الإنسان متصلاً بالله سبحانه وتعالى، مبتغياً رضاه، داعياً إلى الطاعة والعبودية، مبتعداً عن كل ما يسخط الله سبحانه وتعالى حتى يمن الله جل وعلا عليه بطمأنينة قلبه، وسكينة نفسه، وانشراح صدره، وهدوء باله، وبلوغ أمانيه ومآربه في مرضاة الله سبحانه وتعالى.

    ومن السعادة ما هو متعلق بتفريج الهموم، وتنفيس الكروب، وما هو متعلق بدفع ما يقضي الله عز وجل من أمور الحياة من مصائب أو متاعب، والمؤمن في هذا متميز بأن عنده من إيمانه ويقينه بقضاء الله وقدره، ورضاه بما يكتبه الله سبحانه وتعالى عليه؛ ما يجعل المصائب تتحول عنده بإذن الله عز وجل إلى أمور يحمد الله عز وجل عليها، ويحتسب أجرها عند الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156] (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن)، المؤمن المتعلق بالله لا تكون عنده هذه العوارض أمراً مغيراً بصلته بالله، أو أمراً يجعله يعترض على قضاء الله وقدره، أو على ما قسمه الله عز وجل له من رزقه، بل يسعد بذلك ويطمئن به، ويرد الأجر عند الله سبحانه وتعالى، ويحمد الله على قضائه وقدره، ويضاعف له الأجر والمثوبة.

    والأحاديث في ذلك كثيرة لمن فقد بصره، أو فقد ولده ثم صبر واحتسب ورضي وحمد، فإن له من الأجر عند الله عز وجل ما الله سبحانه وتعالى به عليم.

    فهكذا نجد السعادة الإيمانية تدفع العوارض الدنيوية التي يقضيها الله عز وجل، فتنقلب بإذن الله إلى مزيدٍ من ترسيخ الأقدام على طريق الإسلام، وإلى مزيدٍ من ترسيخ اليقين والإيمان في القلوب، وإلى مزيدٍ من الثقة بوعد الله سبحانه وتعالى كما كان من شأن الرسل والأنبياء، وكما قال الله عز وجل في شأن نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40].

    عندما تحل بك المصيبة تجد من برد اليقين، ومن رضاك بقضاء الله وقدره، ومن ثقتك بوعد الله عز وجل، ومن احتسابك الأجر؛ ما يبدد أثر هذه المصائب وما يرفع همومها وغمومها، وما يجعلك بإذن الله عز وجل تنطلق إلى مرضاة الله عز وجل بعزمٍ أقوى وأشد، وبهمة أعلى وأرفع، وهذا لا يكون لأحدٍ إلا للمؤمن.

    ثم انظر إلى السعادة حتى آخر لحظةٍ من لحظات الحياة، عندما يأتي الموت الذي تكرهه النفوس بطبيعتها وتنفر منه، ومع ذلك يأتيك من أثر الإيمان ما أنت في أشد الحاجة إليه، وما أنت في أعظم لحظات السعادة التي يحزن فيها الآخرون عليك وأنت تنظر تثبيت الله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27]، هذا التثبيت هو تلقين الحجة وما يفتحه الله عز وجل لك من أبواب جنانه، فإذا بك ترى أهل الإيمان وأهل الطاعة قد أشرقت أسارير وجوههم عند الاحتضار، وقد رنت أبصارهم إلى ما وراء الحجب والأستار مما جعله الله عز وجل لهم من النعيم في الجنان، وإذا بك ترى ذلك الصحابي الذي يندق الرمح في صدره وينفذ من ظهره، فإذا به يبتسم ويقول: (الله أكبر فزت ورب الكعبة!)

    انظر إلى السعادة التي يستأنف بها العبد المؤمن الحياة الحقة بعد الحياة الدنيوية، وانظر إلى السعادة التي يراها المؤمن لأنه يرى فضل الله عز وجل ينتظره، ويحسن الظن بربه وخالقه ومولاه سبحانه وتعالى، وانظر في مقابل ذلك إلى أهل الشقاء والكفر والمعصية كيف تظلم وجوههم، وتتلعثم ألسنتهم، وكيف يعظم خوفهم وهلعهم في تلك اللحظات؛ نسأل الله عز وجل أن يثبتنا بالقول الثابت، وأن يهون علينا سكرات الموت.

    فانظر إلى سعادة الإيمان كيف تنفذ حتى إلى هذه اللحظات الحرجة، وانظر إلى ما وراء ذلك من وعد الله بنعيمه المقيم بالأجر والثواب العميم! وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فرحين بما آتاهم الله من فضله [آل عمران:169]، شهادةٌ قرآنية بحياة نعيم أبدية عند الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] هذه أعطيات سعادة الإيمان، هذه سعادة الحياة الدنيا، وسعادة مفارقتها، وسعادة ما بعدها في الحياة الأخرى، قد حبانا الله عز وجل إياها بنعمة الإسلام، وأكرمنا بها بنعمة الإيمان، وبسط لنا طريقها وأنارها لنا بالقرآن والسنة، وقد وجدنا لذتها، وجربناها فيما يفتح الله عز وجل به علينا من الطاعة، وقد كان لنا فيها موسم عظيم في رمضان فلم نحرم أنفسنا من هذه السعادة، ولم نشق أنفسنا بالبحث عن أمور السعادة في غير بابها.

    تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس

    كيف تسلك طريقاً لا يوصل إلى الغاية، والطريق قد نصبها الله عز وجل، ودعا إليها رسوله صلى الله عليه وسلم، وسار عليها الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم، وظهرت لنا نتائجه وثماره، فالله الله في طاعة الله، والله الله في الإخلاص وصدق الإيمان بالله، والله الله في عظمة التوكل والثقة بالله، والله الله في الطاعات والقربات والإقبال على الخيرات، والمنافسة والمسارعة إلى الطاعات؛ حتى نجد أثر ذلك سعادة في قلوبنا، وانشراح صدرونا، وسكينة نفوسنا، وحتى نجد بركة في رزقنا، وحتى نجده إن شاء الله نجابة وذكاءً وبراً في أبنائنا، وحتى نجده تيسيراً وتسهيلاً وتوفيقاً في أعمالنا:

    إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده

    فهذا خبر الله عز وجل ساقه إلينا، وجعله بين أيدينا، فينبغي ألا نحرم أنفسنا، وألا نظلم قلوبنا، وألا نضيق صدورنا، وألا نفوت هذا الخير العظيم.

    فالله أسأل أن يجعل من الإيمان في قلوبنا أمناً ونوراً، وأن يشرح صدورنا بالإسلام، وأن ينور قلوبنا بالإيمان، وأن يهدي بصائرنا بالقرآن.

    اللهم إنا نسألك التقى والهدى، والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا هداة مهتدين، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، اللهم ثبت أقدامنا، وأحسن ختامنا.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء، اللهم مكن في هذه الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الفسق والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم زد إيمانهم، وعظم يقينهم، وفرج كربهم، ونفس همهم، وعجل نصرهم، وادحر عدوهم يا رب العالمين!

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولاتنا لهداك، واجعل عملهم في رضاك، اللهم ارزقهم بطانة صالحةً تدلهم على الخير وتحثهم عليه، وتنهاهم عن الشر وتمنعهم منه يا سميع الدعاء!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابةً لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] وترضوا على الصحابة الكرام وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.