إسلام ويب

الخسارة الكبرىللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أعظم خسارة يخسرها العبد في الدنيا والآخرة هي خسارة رضا الله سبحانه وتعالى، وإن أشنع طريق توصل إلى ذلك هي طريق الإدمان على المعاصي، وقسوة القلوب، وترك محاسبة النفس على النقير والقطمير، وإن أعظم مدرسة نقتدي بها، ونربي عليها أنفسنا هي مدرسة الصحابة والتابعين، فهم خير من حاسبوا أنفسهم، وخير من سلك الصراط، واهتدى بنور الله تعالى.

    1.   

    تجسيد الخسارة في الإدمان على المعاصي

    الحمد لله الذي جعل في الإيمان فرح القلوب، وجعل في الإسلام شرح الصدور، وجعل في الطاعة لذة النفوس، له الحمد سبحانه وتعالى، ذكره طمأنينة للقلوب، وشكره زيادة للنعم، نحمده على ما يحب ويرضى، وعلى آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، فله الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، له الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، له الحمد حمداً كثيراً طيباً كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، علم التقى، ومنار الهدى، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا إلى اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    موت القلوب هو الخسارة العظمى

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون!

    الخسارة الكبرى موضوع حديثنا، فيا ترى ما هي الخسارة الكبرى، والبلية العظمى، والحسرة الجُلىّ، التي ينبغي أن تبكي قلوبنا عليها دماً، وأن تفيض دموعنا لأجلها دمعاً، هل هي الأموال التي قد تسترق، أو الأرض التي قد تغتصب، أم هي الأحباب والأعزاء الذين يغادرون الحياة الدنيا؟! هل هي في المناصب والجاه الذي قد يضيع منه ذا أو ذاك؟! ما عسى أن تكون هذه الخسارة؟‍

    بفقه الإيمان، ومقياس الإسلام، ومعرفة الأكياس، إن المقاييس اليوم قد اختلت، الموازين وقد انتكست، أصبحت مثل هذه المعاني لا يعرفها إلا قلة من الناس، وأما من يستشعرها فأقل من القليل.

    أية خسارة هذه التي نصفها بالكبرى، والتي ينبغي أن يطول عليها أسفنا، وأن يعظم عليها ندمنا؟

    إنها موت القلوب وفقدان الإحساس، وذهاب الشعور الإيماني الذي يحرك القلوب إذا سمعت الآيات، وإذا أصغت للمواعظ، الذي يعصر القلوب ألماً، والنفوس حزناً، إذا قارفت المعاصي التي تجعل في النفس هماً، وفي الحلق غصة، وفي العين عبرة إذا تخلفت عن الطاعات، الذي يجعل المؤمن مشغولاً بنفسه، مصلحاً لعيبها، خائفاً من ذنبها، مجتهداً في حملها على أمر ربها.

    ولعلي أصور هذه الخسارة في واقع لا يكاد يبرأ منه أحد، كبيراً كان أو صغيراً، عالماً أو متعلماً، حتى الأئمة والمصلحون، والدعاة والمذكرون والواعظون، ذلك أن هذا البلاء قد عم وطم.

    لعلنا نصور هذه الخسارة ونحن نقول: كم من آيات القرآن تتلى فلا قلب يرق، ولا عين تدمع! كم من منكرات تراها الأعين، وتسمعها الأذان، فلا يضيق صدر، ولا يتمعر وجه!

    كم من الطاعات مهدورة متروكة وليس هناك مذكر ولا واعظ، ولا شاحذ للهمم إليها! كم من الواجبات لم ينتبه إليها أحد أو يؤديها والنفوس مع ذلك راضية سعيدة كأن شيئاً لم يحدث!

    كم من صلاة ضيعت! كم من فريضة وسنة أميتت! كم من بدع ظهرت ورفعت راياتها! كم وكم من أمور كثيرة!

    فتش قلبك وراجع نفسك، هل ثمة تأثر وتغير بحسب هذه الأحوال التي تتغير من حولنا، أم أننا قد ألفنا المعاصي فلم تعد القلوب تنكرها، وركنا إلى الدنيا فلم تعد النفوس تنبعث إلى الطاعات، ونظرنا إلى الملهيات والمغريات فلم يعد في النفس والقلب شيء تتعلق به إلا إياها؟!

    فقد الفرقان بين الحق والباطل

    أحسب أن هذه الأسئلة وهي تجول بخواطرنا نعرف أن إجاباتها مريرة، وأن حقائقها أليمة، وأن واقعنا في هذه القضية يستحق أن يوصف بأعظم من الخسارة الكبرى؛ لأننا نفقد جوهر حياتنا، نفقد الميزان الذي نعرف به مسيرنا، نفقد النور الذي نبصر به طريقنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29].

    إشراق الإيمان في القلب، وحياة القلب بالطاعات، ذلك هو الفرقان، ذلك هو النور الذي نميز به بين الحق والباطل، والذي نعرف به المنكر والباطل وإن كنا نجهل أدلته، وإن كنا لا نعرف أقوال العلماء فيه، فما بالنا اليوم والمنكرات الواضحة الجلية التي قامت عليها الأدلة القطعية بينة ظاهرة.

    انتبه معي إلى هذا الأمر الخطير الذي نفقده: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [الأنفال:29].

    ونتذكر معاً حديث وابصة بن معبد الذي نردده كثيراً: (الإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس، استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك)، ضاع منا القلب الذي يستفتى؛ لأنه فقد النور الذي به يبصر، والميزان الذي به يرجح، وبهذا يكون قد فقد حساسية الإيمان، وفقد الشعور الذي يجعله يهرب من كل ذنب ويقبل على كل طاعة وينبعث إليها.

    أي قلب هذا الذي سوف نستفتيه اليوم؟! إننا نستفتيه فيكاد لا ينكر الكبائر المجمع على حرمتها، فكيف به في أمور من الصغائر؟! وكيف به في أمور من المشتبهات؟! وكيف به في سعة وزيادة من المباحات؟! إننا إن استفتيناه اليوم ربما أقر بما نسمعه من أن الفنون جميلة، وأنها في خدمة الأمة، وأنها تصنع كيت وكيت، رغم ما فيها من العري والفجور والخنا والزنا وغير ذلك.

    فقد القلوب الواعية للقرآن المتدبرة لمعانيه

    أي شيء نفقده؟ إنا نفقد أعظم شيء، وأي شيء سنجده إذا فقدنا ذلك: هل سنجد الطعام والشراب، وصحة في الأبدان نغتر بها، ونظن أنها من نعم الله علينا، وقد تكون في كثير من الأحوال استدراجاً للغافلين وإمهالاً للمسرفين؟ نسأل الله عز وجل السلامة.

    يقو تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف:146] ، أليست القلوب اليوم إلا ما رحم الله مصروفة عن آيات الله فلا تكاد تعيها ولا تتدبرها؟

    يقول سفيان الثوري رحمه الله في تعليقه على هذه الآية: إنها في المذنبين المسرفين المتكبرين عن الحق يصرفهم الله فلا يتدبرون آياته.

    ويقول الله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] ، إن لم تشعر بتدبر القرآن، وتأثر القلب به فاعلم أن الأقفال والأغلاق قد أحكمت.

    انتبه إلى هذه الآيات العظيمة: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر:21] فإن لم تكن هناك خشية فإن القلوب أشد قسوة من الصخور الصماء في الجبال الشاهقة: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد:31] والتقدير: لكان هذا القرآن، هذا القرآن من قوته وعظمته وشدة معانيه يسير الجبال، ويقطع الأرض، ويحيي الموتى، فما باله لا يلقى آذاناً مصغية، وقلوباً حية، ونفوساً متأثرة؟!

    أفليس حقاً علينا أن نبكي على أنفسنا، ونقيم العزاء على قلوبنا، وأن نستشعر أن خسارتنا هذه هي مبدأ كل الخسارات التي توالت في حياة أمتنا؟!

    يوم ضيعنا هذه المشاعر الإيمانية، والحساسية الروحانية، والشفافية التعبدية، والروحانية اليقينية، فقدنا من بعد ذلك الطاعات، وأكثرنا من المعاصي، وتوالت فينا الجراحات والنكبات، وكما قال ابن القيم رحمه الله: الذنوب جراحات، ورب جرح يقع في مقتل، فكيف إذا أصاب الجرح قلبك؟! إنه يوشك أن ينزف قليلاً ثم يعلن شهادة الوفاة.

    واستمع إلى الإمام سحنون أحد أعيان فقهاء المالكية وقد وقع في ذنب، لكنه كان له قلب حي، فمضى على ضفاف دجلة في بغداد، وأخذ عوداً يضرب به على قدميه، مطأطئاً رأسه، متفكراً في حاله، متدبراً فيما وقع منه، وإذا به يقول:

    كان لي قلب أعيش به ضاع مني في تقلبه

    رب فاردده علي فقد ضاق صدري في تطلبه

    وأغث ما دام بي رمق يا غياث المستغيث به

    ذنب واحد أقض مضجعه، وجعله يتفقد نفسه، لأنه شعر أنه قد ضيع فيه قلبه الحي، وإيمانه اليقظ، وروحه الشفافة، وشعوره المرهف، ذلك الذي كان منه تيقظ وتنبه، حتى سأل ربه أن يرد عليه قلبه لتعود إليه حياته، وليحيا معه إيمانه، وذلك ما كان من أولئك النفر من الأجيال الصالحة ومن أسلافنا رضوان الله عليهم.

    الاغترار بكرم الله وعماية البصائر عن الحق

    يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار:6] أجمع أهل التفسير: أن هاهنا فهماً مغلوطاً يذهب إليه بعض الناس، كما ذكره بعضهم كـالقرطبي وابن كثير وغيرهما: (ما غرك بربك الكريم) فإن بعضهم يقول: غرني كرمك يا رب، قال: وهذا من الخطأ، وإنما ذكر اسم الكريم -كما ذكر الطبري- ليكون الإثم والذنب مستقبحاً إذا كان في مواجهة من أكرم وأنعم، وذكر ابن كثير رحمه الله: أن في الآية تهديداً ووعيداً لمن وقع في المعاصي وهو يعلم عظمة ربه، ويدرك كذلك كرمه فيقبح منه ذلك الذنب.

    واستمع إلى الأوصاف القرآنية: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، لماذا نختلف اليوم ولنا أعين وقد نستعين بمكبرات ونظارات، ثم يخفى علينا الحق؟! لأنه ضرب على القلوب الران، وانحرفت في النفوس الأهواء، وزاغت لأجل ذلك الآراء، وافترقت الأمة شيعاً وأحزاباً.

    واستمع إلى الوصف الذي ضرب صفة لأهل الكفر في أقصى درجاته: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23] ، أفلا نرى الأهواء المتبعة وهي قد نصبت آلهة جديدة؟! آلهة للسياحات، وآلهة للثقافات التي حقيقتها سخافات، وآلهة.. وآلهة.. وآلهة أخرى، وهي مما يتبعه الناس، ويسيرون وراءه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية:23].

    الآيات والأحاديث معروفة في المواعظ والدروس والمحاضرات والكتب، فكل شيء ظاهر بين معلوم، ومع ذلك نرى ما نرى من هذه الصور.

    سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا [الأعراف:146]، أفليس مثل هذا الوصف واقعاً في أحوالنا، ظاهراً في أمتنا؟! أفليس جديراً بنا أن نقف وقفة مع أنفسنا، نعالج بها أدواءنا، ونعوض بها خسارتنا؟!

    أي خسارة أعظم من أن يموت قلبك، وأن تموت نفسك، وأن تظلم روحك، إنها مسألة خطيرة، وقضية عظيمة.

    من فقه ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار بالله جهلاً).

    أي: من كان في قلبه خشية لله، وحب لله، وبغض لمعصية الله، وتعلق بطاعة الله، فذلك هو العلم، فإنما العلم الخشية، وإذا كان ثمة غرور بالله عز وجل، وإسراف في المعاصي، ونقول لأنفسنا وهماً وزوراً: إن الله غفور رحيم، وستر الله دليل على رضاه، وصحتنا وعافيتنا ونعمنا تدل على أننا على غير ما قد نخشاه على أنفسنا، فنكون حينئذ كالجاهل الأحمق الذي يسعى إلى حبسه بنفسه.

    1.   

    المدرسة الإيمانية لدى الصحابة ومن تبعهم

    من وعي أبي الدرداء لحقيقة الدنيا

    لعلنا نتأمل ونتأمل! فنستمع إلى مدرسة النبوة.. إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم:

    دخل أبو الدرداء إلى بلاد الشام، ورأى ما رأى، فوقف في أهل الشام منادياً: يا أهل الشام! أخ ناصح لكم!

    فاجتمعوا إليه يستمعون، فقال رضي الله عنه وأرضاه: ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيداً، وأملوا بعيداً، وجمعوا كثيراً، فأصبح أملهم غروراً، وجمعهم ثبوراً، ومساكنهم قبوراً.

    إنها بصيرة المؤمن الذي يعرف حقائق الأمور، ويدرك ما وراء المظاهر والمفاخر.

    فما بالنا اليوم وقد خطفت أبصارنا بهارج الدنيا! ما بالنا اليوم وكأننا لا نحتمل أن نستمع لهذه الكلمات العظيمة الوجيزة! لم يكن ثمة قول كثير، ولم يكن ثمة تفريع وتشقيق للمسائل، لكنها لغة القلوب، وكلمات الإيمان، وفقه الحياة الإيمانية الأخروية؛ تلكم هي النعيم، تلكم هي الحقائق، تلكم هي الخسارة الكبرى التي افتقدناها، فلم يعد أحد يستطيع أن يذكر مثل هذه الكلمات، كم تسمعون من الوعاظ، وكم تسمعون من العلماء، ولا يكاد يجري على ألسنتهم ما يدل على هذه المعاني الإيمانية؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وليس ذلك عاماً، لكنه كثير لا يستثنى منه إلا القليل ممن رحمهم الله، نسأل الله عز وجل أن يسلمنا.

    كلمات مضيئة لبعض الفقهاء

    لنستمر في هذا الأمر ولنكن فيه صرحاء، هذه كلمات لبعض الفقهاء يخاطب فيها من كان عنده حظ من العلم، وعنده نصيب من الكتاب، وعنده هدي من السنة؛ يقول:

    يا صاحب العلم! لا تغتر بالله ولا تغتر بالناس، فإن الغرور بالله ترك أمره، وإن الغرور بالناس اتباع هواهم، واحذر من الله ما حذرك من نفسه، واحذر من الناس فتنتهم.

    يا صاحب العلم! إنه لا يكمل ضوء النهار إلا بالشمس، كما لا تكمل الحكمة إلا بطاعة الله.

    يا صاحب العلم! إنه لا يصلح الزرع إلا بالماء والطين، كما لا يصلح الإيمان إلا بالعلم والعمل.

    لعل كل فقرة أو جملة نحتاج أن نكتبها ونجعلها في مجالسنا وبيوتنا؛ لنذكر بها أنفسنا نحن المنسبين إلى الإسلام، المنتمين إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أحيا القلوب بالإيمان، وزكى النفوس بالإسلام، وهدى العقول بفقه الإيمان عليه الصلاة والسلام، الذي كان يستغفر الله جل وعلا في يومه وليلته مائة مرة، بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك يستغفر في يومه وليلته مائة مرة، وربما استنكف بعضنا إن قيل له: استغفر الله، فقال: ماذا صنعت؟!

    ويحي وويحك هل تظن أننا لم نصنع شيئاً، كم في الواجبات من تضييع وتفريط وتقصير، وكم وكم مما أشرت إلى بعضه، ولعلنا نتنبه.

    ومضات إيمانية لبعض العلماء

    واستمع إلى المدرسة الإيمانية وهي تسير عبر الزمان، وتنساب من أولئك النفر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلى من وراءهم من أجيال الأمة إلى يومنا هذا، لكننا نحتاج إلى التذكر والتدبر:

    كان ابن الجوزي رحمه الله فقيهاً عالماً، لكنه صاحب إيمان وقلب، كان كثير من حديثه ألصق بالقلب والإيمان منه بالعلم والحجة والبرهان، يقول رحمه الله:

    من تفكر في عواقب الدنيا أخذ الحذر، ومن أبصر الطريقة هدي للسفر.

    ثم قال متعجباً، وأحسب أن عجبه سيطول لو كان قد أدرك زماننا: أعجب لأمرك يا من يوقن بأمر ثم ينساه، ويتحقق ضر حال ثم يغشاه: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب:37]، تغلبك نفسك على ما تظن، ولا تغلبها على ما تستيقن، أعجب العجائب: سرورك بغرورك، وسهوك في لهوك عما قد خبئ لك، أتغتر بصحتك، وتنسى دنو السقم، وتفرح بعافيتك غافلاً عن قرب الألم.

    لقد أراك مصرع غيرك مصرعك، وأبدى مضجع سواك قبل البيات مضجعك، فأين عبرتك وأين عبرتك؟ وأين حياتك من غفلتك؟!

    أليس هذا مما نحتاج أن نتدبر فيه؟

    وكان مكحول الشامي رحمه الله يقول في عبارة لها معنى القانون المطرد:

    إن أرق الناس في هذه الحياة قلوباً أقلهم ذنوباً.

    أي: إن فتشت عن رقة قلبك فلم تجدها فاعرف السر في ذلك، وأما إن كنت لا تدرك ذلك، ولا تراه مشكلة، ولا تعتبرها معضلة؛ فكبر على نفسك أربعاً، فإنك في عداد الأموات، وكما قال ابن القيم رحمه الله: ابحث عن قلبك في ثلاثة مواضع: عند الموت، وعند تلاوة القرآن، وذكر ثالثاً: ثم قال: فإن لم تجده فابك على نفسك، فإنه لا قلب لك.

    مفتاح التغيير في الأنفس

    إننا نحتاج -أيها الإخوة الأحبة- أن ندرك أن مفتاح التغيير هو في السنة الإلهية: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11].

    ولقد قلت مراراً: إننا نحسن النقد وكشف المعايب في الآخرين، وفي الأحوال العامة ننقد الحكام والحكومات، ونفرض على العلماء والدعاة، ولكننا لا نصارح أنفسنا لننظر إلى عيوبنا، ونفتش قلوبنا، ونبحث عن علل أنفسنا وأدوائها، ولو فعلنا ذلك لكان لنا من البصيرة ما نكون به بإذن الله عز وجل أقدر على سياسة أنفسنا، وإقامتها على أمر الله، ويكون من وراء ذلك من الخير ما لا نستطيع أن نقدر قدره، ولا أن نعرف أثره، أمر عظيم خطير، صوره كثيرة، وعلاماته عديدة، لا تخفى على عين، ولا تكاد تغيب عن كل عقل.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح قلوبنا، وأن يحييها بالإيمان، وأن يجعل فيها نور اليقين به، ولذة الطاعة المفضية إلى مرضاته.

    ونسأله عز وجل أن يعيذنا من الذنوب وآثارها.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    صور للقلوب الحية والنفوس المؤمنة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن حياة القلوب بالنور والإيمان هي حقيقة التقوى.

    وسأجعل للحديث تتمة، أقف في هذا المقام وقفات مع صور للقلوب الحية، والنفوس المؤمنة، التي كانت تدقق وتبحث عن أدق الدقائق في مثل هذه المعاني، مستحضرة ما روي عن المصطفى صلى الله عليه وسلم كما عند الإمام أحمد في مسنده: (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) .

    ولقد جلس الشافعي إلى مالك رضي الله عنه يتلقى عنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فرأى فيه نجابة وفراسة فقال: يا غلام! لا تهلك نعمة الله بمعصية الله. وكان الشافعي يقول مقالته المشهورة:

    شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي

    تأملوا هذه المواقف العظيمة الجليلة:

    موقف الفاروق عمر رضي الله عنه، ذلك الرجل الذي نعرف منه جانب شدته وقوته في الحق، لكنه كان يحمل بين جنبيه قلباً رقيقاً، فكان يقول رحمه الله يبين سبب مواقفه: والله لولا يوم القيامة لكان غير ما ترون.

    في أخريات عمره كان يحدث بعض الصحابة بعد أن اتسعت رقعة الإسلام، وتعاظمت فتوحاته، وكثرت الخيرات في أرضه، وإذا بـعمر يتحدث ويبكي ثم قال: والله لئن أبقاني الله عز وجل لأصنع وأصنعن، حتى لا يكون لأرامل ونساء العراق ما يحتجن إليه.

    وذكرت عنه المقالة الأخرى الشهيرة: لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها لم لم أسو لها الطريق؟

    وفي حديث أنس الشهير في الصحيح: (إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات).

    وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تتحسر وتتندم على تغير الأحوال واختلافها عما كانت عليه في زمن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتتمثل بقول الشاعر:

    ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في زمن كجلد الأجرب

    وهو زمن كان الصحابة فيه كثيرين، وكان القرآن فيه قد ملأ القلوب وملأ المحاريب، وكان فيه الجهاد في كل الثغور.. وكان فيه.. وكان فيه.

    وروى البخاري تعليقاً عن أبي الدرداء : أنه دخل على أم الدرداء مغضباً؛ فقالت: مالك يا أبا الدرداء ؟! قال: والله ما أعرف من أمة محمد شيئاً إلا أنهم يصلون جميعاً.

    لم يبق شيء يدله على ما كان عليه العهد الأول إلا صلاة الجماعة، وأما غير ذلك فقد رأى فيه تغيراً وتبدلاً.

    وها نحن نجد مثل هذه المعاني التي فاضت من الصحابة والتابعين، والتي كانت فيها المعاني تختلف عما نحن عليه، ألم نسمع ونقرأ أن السلف كان يعزي بعضهم بعضاً إذا فاتت أحدهم صلاة الجماعة، إنها مصيبة عندهم، إنها كارثة في حسهم، فكم من جماعات، وكم من صلوات قد ضاعت وفاتت وأخرت وأرجئت! وكم من واجبات نتأخر عنها فلا ندركها إلا في آخر وقتها؟ وأين هي الصفوف الأولى؟ وأين هو التبكير إلى التكبير.. وأين.. وأين؟

    واستمع وزد من ذلك ما شئت، فإن صور أسلافنا عظيمة، قال ابن سيرين رحمه الله وقد ركبته بعض الديون: إني لأعلم الذنب الذي حملت به الدين.

    كانوا يرون أن كل شيء يقع بهم له تفسير يتعلق بالطاعة والمعصية، فهذا ركبته الديون فلم يقل: ثمة خلل اقتصادي، ولم يقل: إن تخطيطي التجاري لم يكن جيداً، بل قال: إني لأعلم الذنب الذي حملت به الدين، قلت لرجل: يا مفلس! قبل أربعين سنة.

    كلمة كأنما اعتدى بها على الآخر، فقال: تلك هي سبب هذا الدين. وكيف ذكرها منذ أربعين، وأحسب أننا لا نستطيع أن نذكر ذنوبنا في أربعين ساعة؟ لأن الذنوب عندهم قليلة فصار إحصاؤها يسيراً، وتذكرها قريباً.

    وكان رجل من السلف يسير إلى المسجد، فاعترضه سفيه فشتمه، فأي شيء قال؟ قال: اللهم اغفر لي ذنبي الذي سلط به هذا علي، أي: لم يسلط علي هذا إلا بذنب أذنبته، ولذلك لم يتوجه إليه بل توجه إلى ربه.

    نكتفي بهذا ولعلنا نعيد القول فيه ونزيد؛ لتحيا قلوبنا، وترشد عقولنا، وتزكو نفوسنا، وتصلح سرائرنا، وتحسن أقوالنا، وتعظم صالحاتنا وطاعاتنا، إنه سبحانه وتعالى القدير الذي إذا سألناه أعطانا، والكريم الذي إذا التجأنا إليه أفاض علينا.

    نسألك اللهم حياة قلوبنا، وعظمة يقيننا، وزيادة إيماننا، وصلاح قلوبنا، وزكاة نفوسنا، وعبرة عيوننا.

    اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع.

    اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم تول أمورنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وأعقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.

    اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين، واكتبنا في جندك المجاهدين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.

    اللهم توفنا على التوحيد والطاعات، اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء!

    اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين!

    اللهم ووفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء!

    اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

    وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا بالذكر منهم ذوي القدر العلي، والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    اللهم صل وسلم وأكرم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.