إسلام ويب

أصداء الحوار مع شباب الصحوةللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من القضايا المستجدة على الساحة: ظهور الجماعات والأحزاب والجمعيات، فعلى الشباب معرفة الضوابط الشرعية التي ذكرها العلماء في التعامل مع هذه المستجدات، وعليهم أيضاً أن يفقهوا واقعهم وفق كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ حتى لا يقعوا فيما لا تحمد عقباه.

    1.   

    قضايا جديدة

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، نحمده على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى.

    والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

    أما بعد:

    سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، هذا بعون الله تعالى هو الدرس السابع والعشرون من سلسلة الدروس العلمية العامة، وهو بعنوان:

    أصداء الحوار مع شباب الصحوة.

    وهذا العنوان ينبؤ بارتباط موضوع اليوم بالدرس الذي سلف بعنوان: حوار هادئ مع شباب الصحوة، فدرس اليوم رجع الصدى لذلك القول، وللمسائل التي ذكرناها فيما مضى، وقد جاءتني مشاركات عدة حاولت تلخيصها، وضم المتشابه منها بعضه مع بعض؛ حتى تنتظم في جملة قضايا ومسائل، يمكن عند معالجتها وذكرها أن نلم بما أشار إليه الإخوة، وما سألوا عنه، وما طلبوا من القول والتفصيل في المسائل التي عرضوا لها.

    وقبل أن أذكر تفصيل القضايا، أحب أن أؤكد على أمور مهمة:

    أولها: أن ما مضى من الموضوع الذي سبق، وهذا وغيره أيضاً إنما الباعث عليه بعون الله تعالى أن نصحو، والخلاصة والغرض هو تقويم المسيرة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الدين النصيحة)، ونحن نحتاج بالفعل إلى أن يقوم بعضنا بعضاً، وأن ينصح بعضنا بعضاً، بل هو من واجب المسلم تجاه المسلم، ومن أخلاق المسلم أن يتقبل النصح من إخوانه، بل يسعى إلى طلب النصيحة، وقد كان سلف الأمة وأعلام الأئمة يقبلون النصح، بل يطلبونه من غيرهم.

    الأمر الثاني: أن المسائل التي ذكرت إنما هي أمثلة للتوضيح، لم يكن المراد منها الحصر، ولا أنها تشمل كل القضايا المهمة التي يحتاج إليها الشباب أو تدور في أوساطهم.

    الأمر الثالث: أن القضايا التي تم اختيارها أو ذكرها كان الاجتهاد فيها أنها من باب الأهم قبل المهم، وأنها من الأولويات والموضوعات الأكثر ذكراً ووروداً وأخذاً ورداً بين كثير من الشباب؛ ولذلك يعتبر هذا الموضوع تتمة، وقد قسمت ما جاء فيه إلى عناوين رئيسة، وتحتها بعض هذه المسائل:

    أولها: قضايا جديدة:

    أي: أن هناك مشاركات وكتابات من بعض الإخوة تعرضت إلى قضايا جديدة لم نذكرها فيما مضى، ومنها:

    العمل الدعوي الجماعي، ووسائل ثبات الصحوة، وبين علم الشرع وعلم الواقع، وبين الوسائل والغايات.

    والبند الثاني: تحت عنوان مخاطر ومخاوف، وفيه قضايا مهمة منها:

    التكفير والتبديع.

    التنازع والاختلاف.

    الإسقاط والمصادرة.

    الحيرة والاضطراب.

    التعصب والحسد.

    التزكية والعصمة.

    البند الثالث: مطالبات وتوجيهات، ينتظم أيضاً جملة مسائل:

    التعامل والدعوة مع العامة.

    الدعوة والاهتمام بالأهل.

    التفاعل والبذل في سبيل الدعوة.

    وأخيراً: تساؤلات ومقترحات: أي وردت بعض التساؤلات عن قضايا محددة فيما مضى من الدرس الثالث، وبعض المقترحات نذكرها ونختم بها إن شاء الله.

    وفي الحقيقة هذه المسائل لها أهميتها، وفيها كثير من القول، وسأذكر بعض المشاركات بنصها عند الحاجة إلى ذلك أو خلاصة ما كان من مشاركة الإخوة جزاهم الله خيراً.

    أول بند: قضايا جديدة:

    العمل الدعوي الجماعي

    أولها: العمل الدعوي الجماعي:

    فقد كانت كثير من المشاركات تتحدث عن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى في إطار الجمعيات الإسلامية، وفي ظل التعاون على البر والتقوى، ومحاولة الاستفادة من الجهود، وضم بعضها إلى بعض، والحرص على الانتفاع بتجربة الآخرين، وإعانة الأخ لأخيه، وتقويته له من هذا السبيل، وكانت كثير من المشاركات تذكر إما مدحاً وثناءً على هذا الجانب، أو قدحاً وذماً له، وكأن غاية الأمر إرادة معرفة قول أهل العلم في مثل هذا، ولذا اجتهدت في جمع بعض فتاوى علمائنا ومشايخنا وأهل العلم؛ لنسلط الضوء على مثل هذا الأمر، لعل في ذلك ما يكشف جلية الأمر، ويزيل بعض الحيرة والاضطراب، وكذلك أتممه بنوع من الفوائد اللاحقة بذلك، فهنا جملة فتاوى أذكر بعضها قراءة ونصاً، وأشير إلى بعضها في مراجعها، وهذه بعض الفتاوى من اللجنة الدائمة للإفتاء والدعوة والإرشاد، وبعضها متفرقة في أزمنة مختلفة نذكرها بأرقامها وتواريخها أيضاً.

    فهذه الفتوى برقم (7831) في (3/12/1404هـ)، هذا نصها:

    السؤال: هل الأحزاب السياسية مباح تأسيسها، وعضويتها، أم مندوب إليها، أم مستحب تأييدها أم حرام تأسيسها ومناصرتها؟

    أشارت الفتوى إلى فتوى سابقة نصها: الإسلام يدعو إلى الوحدة، وأن يكون المسلمون على قلب رجل واحد يعتصمون بحبل الله، ويهتدون بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً، فإن ذلك أقوى لهم، وأنكى لعدوهم، قال الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، وقال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105]، وقال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46].

    لكن الاختلاف ظاهرة كونية، ذلك بأن عقول الناس وأفكارهم قد تباينت، وأن عواطفهم وميولهم قد اختلفت، وأن الأهواء المرذولة والعصبيات الممقوتة قد تسلطت عليهم وتمكنت من نفوسهم، فمزقتهم شر ممزق، فكان اختلافهم سنة كونية لا مناص منها، إلا بحول من الله، فمن كان اختلافهم عن اجتهاد سائغ، وتأويل مقبول، ولم يمنعهم من التفاهم والتآخي بينهم، فأولئك هم أهدى سبيلاً وأقوم قيلاً، ومن كان اختلافهم عن هوى مضل أو عصبية جاهلية فأولئك شر مكاناً وأضل سبيلاً.

    ويجب على المسلم أن يتعاون مع كل الجماعات الإسلامية فيما لديها من حق وصواب، وأن يجتنبها فيما وقعت فيه من خطأ وانحراف، وأن يجتهد في إرشادها، وبيان الحق لها بالحكمة والموعظة الحسنة، عسى الله أن يهديها على يديه سواء السبيل.

    ومن أراد أن يلتزم جماعة معينة منها، فليلتزم أسعدها بالحق وأتبعها لكتاب الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأئمة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم رضي الله عنهم أجمعين، مع مخالفتهم فيما علم أنه مخالف للحق، والنصح لهم في ذلك، وبالله التوفيق.

    هذا القول سنجد أن مضمونه متكرر في هذه الفتاوى التي سأذكر مزيداً منها، إذ القول يرجع الحكم في مثل هذا إلى ما هو مجتمع عليه، فإن كان الاجتماع على الحق والخير والتعاون على البر والتقوى، فإن ذلك محمود لا لذاته، بل لكونه محموداً في أصل الشرع لأمر الله سبحانه وتعالى ولهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم إن المرء إنما يتعبده الله سبحانه وتعالى بكتابه وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لا بقول أحد كائناً من كان، ولا بفرقة كائنة من كانت، وإنما ما كان مبنياً على اجتهاد سائغ مقبول في أمر من أمور الخير، وبذل في سبيل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فإن الإنسان يسعى ويحرص إلى متابعة الأوسط للحق، والأقرب إلى الصواب، والأسعد باتباع كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا تمنعنه الموافقة والمتابعة في هذا الخير الكثير من أن يخالفهم إذا وجد منهم مخالفة لأصل شرعي، وأن يكون همه وحرصه أن ينصح وأن يبذل النصح لمن وافقهم في أصل الخير، حتى يكون في هذا التناصح إكليل للخير وحيازة له.

    وهذا سؤال واستفتاء لسماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز وهذا نصه:

    يقول: في بلد غير هذه في الجامعة هناك جماعتان هما: اتحاد طلبة المسلمين، وجماعة التبليغ، فأيتهما الجماعة التي يريدها الإسلام، هذا مع العلم بأني أرى أن بعضهم أنشط في الدعوة وأسبق فيها؟

    فقال فضيلته جزاه الله خيراً: العصمة من الخطأ ومن الانحراف عن الصواب، إنما هي لكتاب الله ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه، ولإجماع الأمة، أما كل فرد من أفراد الأمة، وكل جماعة على حدتها من جماعات الأمة كجماعة التبليغ، أو جماعة اتحاد طلبة المسلمين، أو جماعة الإخوان المسلمين، أو جماعة أنصار السنة المحمدية، أو الجمعية الشرعية لإحياء الكتاب والسنة المحمدية، إلى آخر ذلك؛ فكل منها ليست معصومة، بل تخطئ وتصيب، ولها محاسن ومساوئ في الأحكام التي تدعو إليها أو تنشرها، وفي طريقة دعوتها إلى ما تعتقده وتعمل به، وتتبنى إرشاد الناس إليه، وحملهم عليه، وعلى كل جماعة من الجماعات الإسلامية أن تتعاون مع الأخرى فيما اتفقوا عليه من الحق، وأن تتفاهم معها فيما اختلفوا على ضوء الكتاب والسنة، عملاً بقوله عز وجل: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، عسى الله أن يهدي الجميع إلى سواء السبيل، وعلى كل طائفة من هذه الجماعات أن تنصح للأخرى، وتثني عليها بما فيها من خير، وترشدها إلى ما فيها من خطأ في الأحكام أو انحراف في العقيدة والأخلاق، أو تقصير في العلم والبلاغ بالتي هي أحسن، قصداً للإصلاح، وطلباً لاستدراك ما فات، لا ذماً لها وتعييراً، عسى أن تستجيب لما دعيت إليه، فتستكمل نقصها، وتصلح شأنها، وتجتمع القلوب على الحق، وتنهض بنصرته. اهـ.

    والمتأمل في هذا القول يرى عليه نورانية الوحي، ويرى فيه فقه الدعوة، ويرى فيه أيضاً العلم بمقاصد الشرع من ضرورة الائتلاف، والحرص على وحدة الأمة، مع النصح لله ولرسوله، وللأئمة المسلمين وعامتهم، ومع الحرص على أنه لا اتباع ولا انقياد بلا تردد وبلا سؤال، وبلا أية مراجعة، إلا لكتاب الله ولسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولإجماع الأمة المنعقد والثابت.

    إذاً: باتباع مثل هذه الفتوى وغيرها من فتاوى أهل العلم، يظهر أن الأمر مداره على اتباع الشرع وعلى تحصيل الخير، وعلى جلب المصالح ودرء المفاسد، وعلى أن الكمال المطلق لا يوجد ولا يتصور وجوده أصلاً إلا في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً فيه تعليم وتربية على أهم مقاصد هذا الدين، وهو ألفة القلوب، ووجوب تضافر الجهود، والمودة والمحبة، وأخوة الإيمان في قوله جل وعلا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، والله سبحانه وتعالى قد سمى الفئة الباغية إخواناً لبقية المسلمين وإن كانوا قد بغوا عليهم، وذلك كما في قوله جل وعلا: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:9]، فسمى تلك الطائفتين: مؤمنتين، وإنما إحداهما خالفت وبغت، أو اجتهدت وأخطأت، أو تنكبت سواء الصراط؛ ولذا من رأى أن وجود الخطأ كاف للمقاطعة بل والمنازعة بل والمحاربة، فإنه ما فقه أصل هذا الدين في عصمة دم المسلم وعرضه وماله، وما فقه أصل هذا الدين في وجوب الاعتصام والتآلف والأخوة، وما فقه أصل هذا الدين في وجوب التناصح والتكامل، وأن المسلم للمسلم كاليدين في حاجة إحداهما للأخرى، وأن المسلم للمسلم كالمرآة ينظر إلى أخيه فيرى فيه عيب نفسه، ويبصر خطأه من تقويم أخيه، وهذا كثير فيما سيأتي أيضاً من الفتاوى والأسئلة.

    وهذا سؤال وجه أيضاً لسماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز أذكره لوجازته ووضوحه في هذا الباب، وهذا نصه: السؤال: هل تعتبر قيام جماعات إسلامية في البلدان الإسلامية باحتضان الشباب وتربيتهم على الإسلام من إيجابيات هذا العصر؟

    قال سماحته: وجود هذه الجماعات خير، لكن عليها أن تجتهد في إفصاح الحق مع دليله، وألا تتنافر مع بعضها، وأن تجتهد بالتعاون فيما بينها، وأن تحب إحداهما الأخرى، وتنصح لها، وتنشر محاسنها، وتحرص على ترك ما يشوش بينهما، ولا مانع أن تكون هناك جماعات؛ لأنها كلها إن شاء الله تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ثم قال السائل: وبم تنصح الشباب داخل هذه الجماعات؟

    قال سماحته: أن يترسموا طريق الحق، ويطلبوه، وأن يسألوا أهل العلم فيما أشكل عليهم، وأن يتعاونوا مع الجماعات فيما ينفع المسلمين بالأدلة الشرعية، لا بالعنف ولا بالسخرية، بل بالكلمة الطيبة والأسلوب الحسن، وأن يكون الصالحون قدوتهم، والحق دليلهم.

    وهذا كما أشرت فيه ما فيه من الفطنة والفقه بهذا الدين.

    وهنا أيضاً سؤال لفضيلة الشيخ صالح الفوزان ، ونص السؤال يقول:

    ما رأي الشرع في بعض مسميات مثل: السلفيين ، وجماعة التكفير والهجرة، وأنصار السنة المحمدية، والجمعية الشرعية والجهاد؟

    فقال فضيلته: قال الله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [الشورى:13].

    وقال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103].

    ثم قال: هذه الآيات وغيرها كثير في القرآن الكريم، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي جاءت في معناها، كلها تحث على اجتماع الكلمة، وأن يكون المسلمون أمة واحدة، وجماعة واحدة، وفي مسمىً واحد وهو أهل السنة والجماعة، أو مسمى المسلمين والمؤمنين، ولا يتحقق هذا إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأن يسير المسلمون في دعوتهم على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سار عليه وعلمه لأمته.

    فالواجب على المسلمين أن ينهجوا نهجه، وأن يسيروا على خطواته، وأن يعتصموا بكتاب ربهم وسنة نبيهم، وعند ذلك لا يحصل اختلاف، ولا توجد مسميات متعددة، فإن هذا مما فرق وحدة المسلمين، وشتت شملهم، وأضعف جهدهم، وأوقع بينهم التخاذل والتناحر، والأسماء ليس لها دخل، إنما العبرة بالحقائق، ولو تسمت جماعة بالسلفيين أو بأي مسمىً من هذه المسميات التي ذكرتها، فالعبرة بالحقائق والمنهج الذي تسير عليه، إن كان مخالفاً لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم ليسوا سلفيين، وليسوا إخواناً مسلمين، وليسوا جماعة شرعية، أما إذا كانت الحقائق صحيحة، والمنهج مستقيماً، فالاسم أمره سهل. اهـ.

    وهذا فيه فطنة في أن التقويم إنما هو في حكم الشرع، فالإنسان عندنا في الحكم عليه أمور ثلاثة: الأقوال، والأفعال، والنيات، فالنية التي محلها القلب علمها عند الله سبحانه وتعالى، ليس لأحد أن يجترئ فيقول: إن فلاناً نيته كذا وكذا، وإن قصده كذا وكذا، ويجرمه أو يؤثمه بما لم يظهر قطعاً ويقيناً أن هذا مقصده.

    وبقي عندنا الأقوال والأفعال، والأقوال والأفعال لها في حكم الله سبحانه وتعالى وشرعه تفصيل كامل: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38]، فكل إنسان قال بقول أو عمل عملاً نرجعه إلى حكم الشرع، فإن وافق حكم الشرع صح فعله وعمله، ولا ضير إن كان هذا العمل قد أخذ له اسماً معيناً أو ربما صورة معينة، بل العبرة بالمسميات لا بالأسماء، وهذا الأمر مهم جداً؛ لأن كثيراً من الأشياء التي تجد في حياة الناس قد تكون لها أسماء معينة، لكن ينبغي التفطن إلى حقيقتها، وأن التصويب في ميزان الشرع عائد إلى الأقوال وإلى الأفعال.

    أنتقل إلى الكتاب المدون عن حياة الشيخ الألباني، وفيه سؤال عن هذا الأمر:

    يقول السائل: يقال: إن فضيلتكم يرفض أن يتعاون مع الجماعات الإسلامية كلها، إلا إذا انصاعت لمعتقداته الكلامية والفقهية، فما مدى صحة هذا القول؟

    يقول فضيلة الشيخ: أبداً، إن هذا الكلام زور وبهتان، فقد سبق أن سجلنا ثلاثة أشرطة وضحت فيها هذا الأمر بصراحة، وكان مما قلته: إنني أؤيد قيام الجماعات الإسلامية، وأؤيد تخصيص كل جماعة منها بدور اختصاصي سواء أكان سياسياً أم اقتصادياً أم اجتماعياً أو نحو ذلك، ولكن اشترطت أن تكون دائرة الإسلام هي التي تجمع هذه الجماعات كلها ، وذكرت أننا نحن معشر السلفيين لا نعمل إلا في سبيل أهم ما نزل به كتاب الله عز وجل، وبعث من أجله رسله ألا وهو التوحيد.

    قال: أعود ثانياً فأدعو المسلمين جميعاً إلى أن يرجعوا إلى دينهم الصحيح، والاعتماد في ذلك على كتاب الله أولاً، وعلى السنة الصحيحة ثانياً، وأصر على هذه الدعوة.

    ويقول: ولن نتراجع عنها مهما كانت الادعاءات والافتراءات، أقول هذا وأنا أتذكر السنوات الطوال التي عشتها، وكان يحضر دروسي خلالها أعضاء من الإخوان ومن حزب التحرير والتبليغ والمذهبيين، وفي هؤلاء من يصرح بتتلمذه عليّ، ويقر بالفضل. اهـ.

    فكيف نتهمه بعد ذلك بمحاربة الجماعات الإسلامية؟!

    ويقول: كل ما نخالف به تلك الجماعات، إنما هو الخروج على الكتاب والسنة في تربية أعضاء تلك الجماعات.

    فإذاً: التقويم هو أن ننظر في الأفعال والأقوال، ومدى انطباقها مع موافقة شرع الله سبحانه وتعالى.

    وللشيخ عبد الرحمن عبد الخالق باع واسع في هذا، وله اطلاع، أذكر منها نقولاً مستجادة في هذا الباب لعلها من أحسن ما قيل؛ باعتبار أنه أصاب وأطنب في هذا الجانب حتى إنه جمع ما كتبه في بعض الكتب، مثل (مشروعية العمل الجماعي)، و(الإمام ابن تيمية والعمل الجماعي).

    فيقول في مسألة عدم التصور الصحيح لمثل هذه الجماعات، أو الجمعيات الداعية إلى الإسلام، والباذلة جهداً في سبيل نصرة هذا الدين، ودعوة أبنائه إليه، يقول: ولأن كثيراً من الناس تختلف في أذهانه الأمور، فيجعلون الحكم واحداً في الفرق والأحزاب والجماعات والهيئات، ولا يميزون بين تجمع مشروع، وتجمع مبتدع، وتجمع ضال منحرف، ولا يميزون كذلك بين الظروف والملابسات وتغير الأحكام بتغير الزمان والمكان.

    ومن أجل ذلك لخص فقال: إننا يمكن أن نقسم الجماعات إلى ثلاثة أقسام:

    أولها: جماعة ضالة اجتمعت على بدعة مكفرة، وشذت عن إجماع المسلمين، وعن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذه أمرها واضح بين.

    الثانية: جماعة من أهل الإسلام اجتمعت على شيخ أو إمام أو عمل من الأعمال الصالحة، ولكنهم في اجتماعهم هذا أخذوا من الإسلام وتركوا، وقدموا اجتهاد إمامهم وشيخهم على اجتهاد غيره، كأتباع المذاهب المعروفة، أو كان لهم نوع تعصب لرأيهم ومنهجهم، أو بعض أمور مبتدعة لا تخرج من الدين، أو خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فلا شك أن جماعتهم مشروعة، وفيها من الحق بحسب ما التزموه، ومن الباطل بحسب ما أخذوه، ولا شك أن مثل هذه الجماعة مشروعة؛ لأن أصلها تعاون على البر والتقوى والدين، والله يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    وذكر أن الخطأ الواقع يرد بموجب حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم.

    الثالثة: جماعة مهتدية قائمة بالحق على هدي الكتاب والسنة وإجماع الأمة ونهج السلف، لا يتحركون إلا وفق أحكام الدين، ولا يجاهدون إلا على بصيرة، كما كان شأن الجماعات الإسلامية العاملة على مدار تاريخ الإسلام، وذكر أمثلة من جهود شيخ الإسلام ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم.

    ثم قال: والخلاصة أن أي جماعة تجتمع على مقتضى الكتاب والسنة والالتزام بإجماع الأمة، الذي فيه العصمة، ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم، هي جماعة مهتدية راشدة، ما دام أن اجتماعهم وفق هذه الأصول، ووفق قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    ثم ذكر مثالاً جيداً فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أبقى للأنصار اسمهم، وللمهاجرين اسمهم، بل ميز بعض الصحابة بما كان لهم من عمل سابق، فسمي أهل بدر: البدريون، وسمي أهل الفتح: مسلمة الفتح.

    وقال: إن هذا لم يكن فيه تفكك أو تحزب، وإن كان فيه معنى الاجتماع على الخير، فالأنصار كانوا يتنافسون مع المهاجرين في الخير، وكان لهم تجمعهم الذي يستجيبون فيه لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ثم ذكر أنه قد وقع بسبب ذلك بعض من الخطأ حينما تعصب بعضهم.

    ثم ذكر تنافسهم في الخير وذلك حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم الخزرج أن يقتلوا كعب بن الأشرف ، فأراد الأوس أيضاً أن يكون لهم منقبةً أخرى، وعهد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بقتل علم آخر من أعلام اليهود وهو سلام بن أبي الحقيق .

    ثم ذكر قصة عائشة رضي الله عنها وحادثة الإفك لما كان المتكلم من الخزرج، ورد الأوس وكان في ردهم نوع من الشدة، حتى قام سعد بن عبادة وكان رجلاً صالحاً، ولكن أخذته الحمية- فقال للأوسي: (كذبت لعمرو الله لا تقتله ولا تقدر على قتله)، وذلك عندما قال الأوسي للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن شئت يا رسول الله قتلناه) ، فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن المخالفة الشرعية، وأبقى أصل ما فيه الخير.

    قال هنا: والشاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه عن هذه التجمعات التي يمكن أن تؤدي فيها العصبية إلى مثل هذا، بل بقي للأوس اجتماعهم ورئاستهم، وللخزرج كذلك، وكانوا متعاونين في أكثر أمورهم على البر والتقوى، متنافسين في خدمة الدين، وأحياناً يقع منهم التعصب والإخلال في أصل الموالاة، ومع ذلك لم يكن هذا ليلغي اجتماعهم وجماعتهم.

    فإن قضية الخطأ في الأصل المشروع لا ينفي مشروعية الأصل، بل يثبت خطأ الفعل، وهذه مسألة مهمة جداً وقع الخلط بسببها عند كثير من الناس، فتجد أن مجرد وقوع خطأ معين في عمل معين يجعل بعض الناس يفتي بعدم مشروعية العمل كله، وهذا لا شك أنها نظرة غير صحيحة، فالأصل في الحكم الدليل من الكتاب والسنة، فإذا ثبتت المشروعية فإن ما يلحق بهذا الأمر المشروع من أخطاء في التطبيق، أو من خطأ يقع من فرد أو من مفت أو من مجتهد لا يمنع أصل ثبوت المشروعية لذلك العمل، بل نقول: هذا الأصل مشروع، وهذا الفعل خطأ لا يصح أن يكتسب المشروعية بانتسابه إلى ذلك الأصل.

    فإن قلنا: إن العمل بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، فإذا جاء الذي يأمر وينهى فأخطأ في الأسلوب فما نقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصبح محذوراً أو أصبح محرماً، لا، بل نقول: إن المشروعية باقية على أصلها، وهذا الفعل خطأ، وهو غير مشروع، ولو كان يقول: إنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ ولذلك الآن قد يحتج بعض الناس فيطالب بإلغاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخطأ قد يخطئه فرد من أفراد الهيئة مثلاً، فهذا بغي واعتساف في الحكم لا يصح مطلقاً؛ ولذلك ما يقال من وجود الخطأ أو الخلط أو بعض السلبيات في مثل هذه الأعمال الدعوية، التي تهدف أصلاً إلى التعاون على البر والتقوى وتقصد الخير، فإنها قد يقترن بها كما يقترن بأي عمل الخطأ، ويقترن بها بعض المضار، لكن على الإنسان أن ينظر إلى العموم، أي أمر غلب خيره على شره، وكانت المصلحة الناتجة عنه أكثر من المفسدة المترتبة عليه، فإنه يوهب قليل خطئه لكثير صوابه.

    وكذلك نقول لمثل هذا القائل: أليس أيضاً هذه الأخطاء والأخطار موجودة، وإن لم توجد هذه الأعمال والجمعيات، هل الحل لإزالة الفرقة أو التعصب أو وجود التنافر هو توجيه ونصح هذه الجمعيات والقائمين عليها وأفرادها، بحيث يلغون هذه السلبيات، ويبقون على الإيجابيات أم الحل أن ينفرط العقد؟!

    وإذا انفرط عقد الناس أليست هذه الأمور موجودة في المسلمين بانفرادهم؟ أليس المسلمون وهم منفردون يقع منهم التعصب، ويقع منهم التحزب، ويقع منهم الحسد، ويقع منهم البغي، ويقع منهم أحياناً المعاداة، وتقع منهم الأخطاء الشرعية؟! فليست وجود هذه الجمعيات هي الأصل في وجود هذه الأخطاء، فالأخطاء موجودة، وليس وجودها عن هذا التجمع أو عن هذا العمل، ولكن ينبغي لنا أن ننقي العمل من الشوائب، وأن نكمل فيه الإيجابيات التي ينبغي الحرص عليها وتكثيرها، أما أن ينسب كل خطأ وكل معضلة وكل مشكلة وكل سلبية في الأمة إلى هذا العمل الدعوي، وكأن كل السلبيات تنزه منها المسلمون وهم أفراد، وتنزهوا منها وهم يتبعون أحياناً مذاهب فكرية منحلة، أو وهم متلبسون بالمعاصي، أو وهم متقاعسون عن أمر الله سبحانه وتعالى، فبعض الناس ربما غلبت نظرته لهذه الأخطاء أو لهذه الآثار السلبية، فجعلت الصورة عنده سوداء لا بياض فيها مطلقاً، بل جعل كل ما في الأمة من بلاء عبر هذه القرون الطويلة، إنما هو ناشئ عن هذه الجمعيات الداعية إلى الله سبحانه وتعالى!

    وهذا لا شك أنه أمر غير متصور حتى بالعقل، كيف يكون الذين يلتزمون بالإسلام، ويرتادون المساجد، ويطلبون العلم في حلق العلم، ويسعون إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويبذلون من أموالهم، ويسعون في هذا الخير أن يكونوا هم سبب كل بلاء، وكل علة في هذه الأمة؟!

    فأحدهم أنقل نصه من كتابه يقول: أين تجد جذوة الخلاف؟ أين تجد أمراض النفوس؟ أين تجد المنافسة المقيتة؟ أين تجد النظرات الحديدية؟ أين تجد الفرقة الظاهرة؟ أين تجد البسمات الصفراوية؟ أين تجد التبرير والتغرير؟ أين تجد التحذير والتنفير؟ أين تجد القيل والقال؟ أين تجد التعسف والتأويل؟ أين تجد الإشاعات الباطلة؟ أين تجد الدعايات الفاشلة؟

    ثم يقول: إنك تجد هذا في الجمعيات والجماعات الدعوية!

    لا شك أن هذا شطط من القول، واعتساف في الرأي، ولا شك أيضاً أن هذا بعد عن القصد، ما الفائدة من مثل هذا؟ هل الحل كما أشرت هو أن يزول فصل الداء بالمنهج الشرعي؟

    هذه الأخطاء إنما هي ناشئة من الأفراد، وناشئة ربما من عدم الفهم الصحيح لهذا الدين، فليس الحل هو إصلاح الجوانب العارضة؛ ولذلك ذكرت هذه الجملة من الفتاوى، وغيرها أيضاً كثير.

    أختم بفتاوى اللجنة الدائمة للدعوة والإفتاء والإرشاد؛ لأن بعضاً منها موجز.

    يقول السائل: في هذا الزمان عديد من الجماعات وكل منها يدعي الانضواء تحت الفرقة الناجية، ولا ندري أيهما على الحق فنتبعه؟

    الجواب: كل من هذه الجماعات تدخل في الفرقة الناجية، إلا من أتى منها بمكفر يخرج عن أصل الإيمان، لكنهم تتفاوت درجاتهم قوة وضعفاً بقدر إصابتهم للحق وعملهم به، فاعرف منهم وجهة نظرهم، وكن مع اتباعهم للحق، ولا تبخس الآخرين أخوتهم في الإسلام فترد عليهم ما أصابوا فيه من الحق، بل اتبع الحق حيثما كان، ولو ظهر على من يخالفك فالحق رائد المؤمن.

    الموضوع في الحقيقة يحتاج إلى تطويل، لكن هذا ربما يغني بعض الإخوة الذين سألوا، وكان في بعض أسئلتهم حيرة واضطراب؛ ولذا حرصت على أن أجمع مثل هذه الأسئلة وإجابات أهل العلم عليها.

    وأذكر بعض المشاركات أو الأسئلة حتى نختم هذه النقطة.

    يقول أحد الإخوة: التشتت على كل الأحوال مذموم، والتوحد ورص الصفوف هو المطلوب، فلماذا لا يتم هذا الحوار بين قادة الجماعات لإيجاد قيادة واحدة؟

    وأحد الإخوة يقول منتقداً للمنتقدين: بعض الناس يلقي بالكلام جزافاً، ويتحدث عن الجماعات الإسلامية ومناهجها، وينقدها نقداً لاذعاً، ويذكر بعض الكتب.

    وأيضاً يسأل الأخ: ما حكم وجود الجماعات الإسلامية في العهد الحديث، وخاصة بعد سقوط الخلافة، حيث إن لهذه الجماعات خيراً كثيراً من دعوة العامة، والرد على مفتريات العلمانيين والمستشرقين؟

    فهذه وغيرها أجبنا عنها، ووضحنا القول فيها بمثل هذه النقول التي أظنها إن شاء الله فيها غنية وكفاية.

    وأنهي هذه المسألة بنقاط ثلاث مهمة:

    أولها: أنه ليس لجمعية إسلامية ولا جماعة دعوية أن تعتبر نفسها جماعة المسلمين؛ لأن كل هذه الجمعيات والجماعات من جماعة المسلمين، وهذا أمر مهم، وفيما أعلم أن أكثرها لا يرى ذلك لنفسه، بل كلهم يعلم أنه جزء من هذه الأمة، قائم ببعض الأمر وببعض الواجب.

    ثانيها: أن يكون أصل الولاء والبراء لله ولرسوله، ووفق شرع الله عز وجل، لا يكون مبذولاً لأجل الموالاة والموافقة في الجمعية أو الجماعة أو نحو ذلك، فإن الأصل ينبغي أن يكون مرتبطاً بشرع الله عز وجل.

    ثالثها: أن يكون التقديم والتأخير، والتفضيل والمدح والذم، إنما هو بمصطلح الشرع، لا بموجب رسوم وأنظمة تكون هي الأولى والمقدمة على ميزان الشرع، فلا مدح إلا لما مدحه الشارع، ولا ذم إلا لذلك.

    وهذه الأمور وغيرها بمثابة الضوابط المهمة والأساسية التي تقي من بعض المشكلات والسلبيات، التي ربما يأتي ذكرها في البند الثاني.

    وسائل ثبات الصحوة

    بعض الإخوة أشار إلى أننا ذكرنا في المرة الماضية بعض وجوه النقد وبعض الأخطاء، ثم يقول: ما هي الوسائل التي يمكن أن تثبت شباب الصحوة على المنهج الصحيح حتى لا يحصل ما يقع الآن، فإن بعض الناس يمضي في الطريق قليلاً ثم ينتكس، أو يمضي في الطريق ثم يشذ إلى انحراف غير مشروع؟

    فأذكر في ذلك نقاطاً في موجز لا يتسع المجال لتفصيله أقول: من هذه الوسائل وأهمها:

    أولاً: صفاء المعتقد ووضوح التصور.

    ثانياً: الارتباط بالقدوة من العلماء والدعاة، والرجوع إليهم.

    ثالثاً: التحصن بالعلم ومعرفة الشبهات.

    رابعاً: وجود المحضن التربوي الذي يزكي النفوس، ويطهر القلوب، ويعوّد على التزام الشرع، والخوف من الله سبحانه وتعالى، والتقوى له.

    خامساً: العناية بفقه الأولويات والاهتمامات؛ فإن كثيراً مما ورد من الأخطاء إنما يقع من أن الإنسان يقدم ما حقه التأخير، أو يؤخر ما حقه التقديم.

    سادساً: دراسة التاريخ، واستنباط العظات والعبر، والاستفادة من تجارب السابقين، وسير الأئمة والصالحين.

    سابعاً: حسن التعامل مع الآخرين، بما هو في شرع الله سبحانه وتعالى.

    ثامناً: فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حتى لا يقع الخطأ والخلل في مثل هذا.

    بين علم الشرع وعلم الواقع

    ذكر بعض الإخوة أن هناك من يقول: إن القول في السياسة أو الاعتناء بمعرفة الأخبار أو نحو ذلك ليس من الدين، وأنه ينبغي لطالب العلم فقط أن يقرأ كتب العلم في العقيدة والفقه والحديث، ولا شأن له بما وراء ذلك، ويذكر هذا الأخ في سؤاله ويقول: أليس هذا هو عين قول العلمانيين الذين يريدون أن يكون المسلم منشغلاً أو مرتبطاً فقط بالأحكام الفقهية، ولا يرتبط بواقع الحياة؟

    نقول: نعم، هذه هي تلك، لا فرق بين هذه وهذه، إلا أن هذا القول من مسلم، أو من طالب علم أو من موجه أخطر؛ لأن العلماني أو المستغرب لا يقبل منه الناس، لكنهم يقبلون من الخطيب أو الإمام أو الواعظ أو الداعية، فإن جاء مثل هذا القول من هؤلاء كان أشد خطورة في هذا الأمر.

    وأحب أن أوجز القول في هذا: فإن علم الشرع مطلوب، ومعلوم أن هناك واجبات عينية على الإنسان المسلم أن يتعلمها من فرائض الله سبحانه وتعالى، بدءاً من المعرفة بالله سبحانه وتعالى، ومعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما يتعلق بأركان الإيمان.

    ثم بعد ذلك معرفة الفروض العينية مثل: الصلوات وأحكام الطهارة، ثم ما يلزمه في وقته كالحج لمن أراده، أو الزكاة لمن وجبت عليه، وكل ما عدا ذلك فرض كفاية من الزيادة في العلم لمن أراد أن يتصدر للتعليم أو الفتوى أو غير ذلك، لكن علم الواقع أمر مهم جداً، وفيه رعاية اختلاف ظروف الزمان والمكان والأشخاص، وقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فكان السائل يسأله نفس السؤال، وتتعدد إجاباته صلى الله عليه وسلم، وما اختلفت إلا باعتبار اختلاف حال السائل، فذاك يسأله فيقول: (أوصني، فيقول: لا تغضب)، ويسأله الآخر ويقول: (أوصني، فيقول: لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)، وفي مسند الإمام أحمد وصححه الشيخ أحمد شاكر : (أن سائلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن القبلة في الصيام فأفتاه بمنعها، وجاء سائل آخر فسأله عن القبلة للصائم فأفتاه بجوازها، فلما سئل النبي عليه الصلاة والسلام قال: ذاك شاب لا يملك أربه، وذاك شيخ كبير ليس له في النساء مأرب)، فاختلف الجواب باختلاف حال السائل، وكذلك اختلاف حال الأمة وظروفها، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار في بيعة العقبة قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: (لو شئت أن نميل على أهل الوادي ميلة واحدة لفعلنا، قال: لا، فإنا لم نؤمر بذلك)، حقاً إنه صلى الله عليه وسلم يوحى إليه وهو مشرع، لكن على من جاء بعده أن يقتبس منه ويستنبط.

    وكذلك عليه الصلاة والسلام كان يعرف أحوال القبائل وعاداتها وتقاليدها؛ ولذا كان يحرص على إسلام زعماء القبائل؛ لأنه كان يعلم أن الناس تبعاً لقادتهم، وكان يعرف ما عليه أهل كل قوم، وأهل كل قبيلة من بعض العادات ومن بعض الرسوم والأمور التي يحرصون عليها، فكان يعرف كل هذا ويراعيه.

    بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر مقتبساً من غير المسلمين، فقد ورد عند الإمام مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كنت قد نهيتكم عن الغيلة، وإني رأيت فارس والروم يغيلون ولا يضرهم)، والغيلة: المقصود بها: الجماع في وقت الرضاع، فإنه قد يضر بالرضيع، لكن النبي عليه الصلاة والسلام رأى واقع الناس، ورأى ظروف الحال، ورأى أن مثل هذا لا حرج فيه، فلم ينههم عنه عليه الصلاة والسلام.

    وكذلك قال في شأن تأبير النخل: (أنتم أعلم بشئون دنياكم).

    فتتبع أحوال المسلمين، والتعرف على أخبارهم، ومعرفة مكائد الأعداء، لا شك أنه من أكثر ما يدفع به الضرر عن المسلمين، وتجلب به المصالح لهم، والإعراض عن مثل هذا لا شك أنه شطط في القول، وأنه مغايرة ومنافرة في طبيعة الواقع، فإن الإنسان في طبيعة حياته المعتادة في تجارته .. في وظيفته .. في عمله يرتبط بالواقع، ويسأل عن الأحوال، ويسأل عن الأسعار، ويسأل عن الوظائف، ويسأل عن الترقيات، ويسأل عن النظم واللوائح؛ ليعرف ما يتجنبه، وليعرف ما يأخذ به لينتفع به، فكيف في حال الدين وفي حال حيازة مصلحة الإسلام والمسلمين؟ هل يبقى لا يفطن إلى هذا ولا ينظر إليه؟

    لا شك أن هذا خطأ.

    بين الوسائل والغايات

    الناس يغيب عنهم أمر مهم وهو أن الوسيلة لا تراد لذاتها وإنما تراد لغيرها، أي للمطلب الذي تؤدي إليه، وأضرب مثالاً أبين فيه المقصود في هذا:

    لو أن شخصين رأيا منكراً، واتفقا على أن هذا منكر، وهما متفقان أنه يجب تغييره، لكن اختلفا في الوسيلة، فهذا يرى التعجل في إنكار المنكر، وذاك يرى التأني، أو هذا يرى أنه يمكن أن يكون التغيير باليد، أما الآخر فيرى أنه يكفي الوعظ لما يعلم من حال هذا، فإذا اتفقا في الغاية وفي أصل الحكم الشرعي ينبغي ألا يكون اختلاف الوسيلة مثار النزاع، بل أحياناً مثار اتهام! فيقول: إن هذا يقر المنكر ويرضى به، وإن هذا يساعد على المنكر؛ لأنه لم ينكره بالطريقة التي يتصورها هو، أو التي يريدها هو، إن لم تفعل مثلما كان يتصور ومثلما يرى أنه الأصلح والأكمل فأنت إذاً لست بمنكر للمنكر، ولست بمريد للخير!

    فهذا لا شك أنه خطأ، فإن بعض الناس يرى أموراً من الحكمة، ودقائق من مسائل العلم، ومعرفة بحال المنكر، أو بحال الواقع في المنكر، ويرى أنه يريد أن يأخذ أسلوباً آخر، فلماذا يكون هذا الشطط والإباء، مع أن الاتفاق في الغاية حاصل؟! كثير من المشكلات تقع بسبب هذا لا بسبب غيره.

    فهذه جملة من القضايا التي لم نتعرض لها فيما مضى، وذُكرت في بعض هذه المشاركات.

    1.   

    مخاطر ومخاوف

    ما ذكره الإخوة في كتاباتهم ينبئ عن شعور طيب، وعن حرص أكيد على الخير لهذه الأمة وشبابها، وعلى خير هذه الصحوة وخير ما فيها، فإن كثيراً من الكتابات كانت تشير إلى بعض الظواهر الخطرة خوفاً على هذه الصحوة وعلى هذا الخير، وأذكر منها كما أشرت في العناوين السابقة:

    التكفير والتبديع

    لا شك أن التكفير والتبديع أكثرها شراً وضرراً وخطراً؛ لأن فيه استباحة دماء؛ ولأن فيه إخراجاً عن الملة؛ ولأن فيه اجتراءً خطيراً ينبغي ألا يقدم عليه الإنسان من غير تثبت وتبين وحرص ودقة وتروٍ؛ ولذلك وقفتي فقط أن أبين أن هذه القضية في غاية الخطورة، وسنجعل لهذه القضية إن شاء الله مواضيع أخرى مستقلة بذاتها.

    جاء في الحديث عند الشيخين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما)، فليست القضية سهلة، إما أن يكون الذي اتهم بالكفر مستحقاً لهذه التهمة، وإما -والعياذ بالله- أن تكون هذه الكلمة والوصمة تعود على قائلها.

    وفي الحديث الذي في صحيح مسلم : (أنها إذا لم تقع على صاحبها رجعت على قائلها) والعياذ بالله! ولذلك قال ابن حجر : والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وقيل: الراجع هو التكفير لا الكفر.

    أي: أن التكفير يعود عليه ليس أصل الكفر.

    ويقول: ابن حجر الهيتمي أيضاً: من دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه، أي: رجع هذا الوصف عليه.

    ولذلك ينبغي أن نستيقن كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: (إلا أن تروا كفراً بواحاً لكم فيه من الله برهان).

    وينبغي أن نعرف أن هناك أموراً ثلاثة يدفع بها كثير من الأمور ومن أهمها التكفير، وينبغي النظر فيها قبل الحكم بالتكفير وهي:

    الأمر الأول: التأويل, كأن يقول قولاً كفرياً، لكنه متأول يحتاج إلى بيان وإلى إيضاح.

    الأمر الثاني: الجهل، كأن يقول قولاً أو يفعل فعلاً كفرياً وهو جاهل به غير عالم به.

    الأمر الثالث: الإكراه: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]، فلا بد من وجود الشروط وانتفاء الموانع، وليست القضية سهلة؛ ولذلك الأصل في المسلم الظاهر العدالة بقاء إسلامه وبقاء عدالته حتى يتحقق زوال ذلك بدليل شرعي، ولا يجوز التساهل بالتكفير أو التبديع أو التفسيق؛ لأن في ذلك محاذير كثيرة أعظمها:

    الأول: أنه افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم على المحكوم عليه بما ليس صحيحاً.

    الثاني: أنه يقع عليه ما يتهم به غيره إن لم يكن كذلك؛ ولذلك لا بد من النظر في دلالة الكتاب والسنة، وانطباق القول على هذا القائل المعين، فإن القول قد يكون كفراً، ولكن لا يكفر قائله؛ لأنه عنده بعض الأعذار التي تصرف عنه مثل هذا الأمر، والمسألة في مثل هذا طويلة.

    ذكر الشيخ الشنقيطي رحمة الله عليه في تفسيره كلاماً نفيساً في مسألة النهي عن تكفير المعين، والتنفير منها، فيقول: اعلم أنك إن مت ولم تقل في فرعون شيئاً لم يؤاخذك الله تعالى بذلك يوم القيامة، أي: ليس مطلوباً منك أصلاً أن تحكم على عباد الله، وأن تعطيهم درجات ومنازل في جهنم، هذا في الدرك الأسفل تتهمه بالنفاق، وهذا مخلد تتهمه بالكفر، وذاك مبتدع يستحق من الله عز وجل كذا وكذا، الأصل أنك لست مطالباً بهذا، لكنه يكون مهماً في أحيان كثيرة؛ لئلا تتميع الأمور، ولئلا يلتبس الحق بالباطل على الناس، فإن من أشهر كفره، وقال مقالة الكفر؛ ينبغي أن يبين أن هذا القول كفر، وأن المعتقد له مع وجود الشروط وانتفاء الموانع كافر، لكن تكفير المعين أمر آخر، حذر منه أهل العلم، وغالب أهل السنة لا يقولون بتكفير المعين، قال صاحب الطحاوية: ولا ننزل أحداً منهم- أي: من المسلمين- جنة ولا ناراً، وقال الشارح: أي: لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة: إنه من أهل الجنة أو من أهل النار، إلا من أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة أو من أهل النار.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: ثم حكم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبته -أي: الشخص المعين قد يقول قولاً فيه كفر، لكن حكم الوعيد يلغى في حقه بتوبته- أو حسنة ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه قد يكون الرجل حديث عهد بإسلامه، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً.

    يقول: وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فاحرقوني، ثم ذروني في البر والبحر، فوالله! لئن قدر الله علي ليعذبني)، هذا الحديث ذكره ابن تيمية في ثلاثة مواضع من فتاواه بتفصيل وتطويل واسع، يذكر فيه أنه لا بد ألا يكون هناك تعجل في التكفير إذ قد يكون استحق التكفير، لكن صرفه عنه صارف، ثم قال: وإني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً تارة وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ بالمسائل الخبرية القولية والمسائل العملية.

    التنازع والاختلاف

    النقطة الأخرى التي معنا مسألة التنازع والاختلاف، وهي قريبة من هذا، لكن هذه أخص، وهي عدم الفقه في مثل هذه الأمور، وهو أن هناك أموراً لا يمكن اجتماع الأمة فيها على قول واحد، بل إن الله جل وعلا قضى -وقضاؤه فيه عدل وحكمة ورحمة- أن أموراً كثيرةً يظل فيها اختلاف، ومن تلك الأمور الاختلاف في المسائل الفقهية الفرعية، وبعض ما ليس معلوماً من الدين بالضرورة، وبعض المسائل الدقيقة التي قال عنها ابن تيمية : ليست أدلتها جلية واضحة، ويقع فيها الاختلاف، ووقع في سلف الأمة، ويقع في حاضر الأمة، وسيقع أيضاً في مستقبل الأمة، فلماذا يكون التنازع والاختلاف فيما هو سائغ فيه الاجتهاد؟

    ينبغي ألا يكون هناك تنازع واختلاف إلا فيما يخرج عن المعلوم من الدين بالضرورة، أو يخالف صريح القرآن والسنة النبوية المطهرة، أو الذي يأتي ببدعة مكفرة واضحة بينة، وبين له ثم لم يرتدع، وهذا أمره ظاهر بين لا أظن أنه يلتبس، ولكن كثيراً من النزاع والخلاف الواقع هو فيما دون ذلك، وللأسف أنه يقع في مثل هذا التنازع والاختلاف التشهير والتعيير، مع أن الأمر لا ينبغي أن يكون كذلك، وإنك تجد من أثر هذا أن يشهر أو يعير بأهل الخير لمجرد اختلاف في الاجتهاد، وهذا لا شك أنه انتكاس وانعكاس في الموازين كما قال أبو العلاء :

    إذا وصف الطائي بالبخل مادر وعيّر قساً بالفهاهة باقل

    وقال السها للشمس أنت خفيةٌ وقال الدجى يا صبح لونك حائل

    وطاولت الأرض السماء سفاهةً وفاخرت الشهب الحصى والجنادل

    فيا موت زر إن الحياة ذميمةٌ ويا نفس جدي إن دهرك هازل

    وإن كثيراً من الأمور أحياناً يقع فيها مثل هذا الأمر.

    الإسقاط والمصادرة

    الإسقاط والمصادرة هي أعلى درجات الاختلاف والتنازع دون التكفير، وهو أنه مجرد أن يكون بينه وبين آخر اختلاف يحرص أن يسقطه، وأن يصادر قوله بالكلية، بما فيه من حق وصواب، وبما فيه من حسن وإساءة، وهذا لا شك أنه من البغي والعدوان، وقد سبق في درس الحوار أن ذكرت نصاً لشيخ الإسلام ابن تيمية فيما يتعلق بمثل هذا الأمر، فإنه قد يكون في عمل الإنسان الصائب بعض الخطأ، فيدفع الآخر الذي ينكر هذا الخطأ إلى خطأ أكبر حينما يرد العمل كله بصوابه وخطئه، وهناك بعض الناس أحياناً يجترئ ويعتد بالخصومة، فإذا كان خصماً أو مفارقاً أو مخالفاً لشخص آخر فإنه ينظر أي السبل أسرع في إسقاطه، وأي الطرق أنجح في مصادرة قوله، أو إبطال التفاف الناس حوله، أو إبطال سماع الناس له.

    ويختلف هذا باختلاف الناس، قد يأتيك شخص ويقول لك: هذا لا يحب العلم، هل أنت ممن يتحرز منه؟ أو يقول: ترى أن بعض الأمور ليست مطابقة للأولى، ومخالفة لما ينبغي أن يكون، فيأتيك من هذا المدخل، فهو ينظر المدخل الذي يناسبك ليصرفك عن فلان أو عن فلان أو عن الكتاب الفلاني، أو عن كذا، ينظر إلى أيسر الطرق دون أن يراقب الله سبحانه وتعالى في ذكر الخير والحسنات، وذكر الصواب والإشارة إلى ما يحصل به للمنصوح من الفائدة، فإن الذي استنصحك قد استأمنك وألقى في عنقك أمانة من الله عز وجل أن تؤدي له القول خالصاً لله، فلا تغشنه في نصيحتك وتأتي له بهذا النوع من الأساليب التي لا يستخدمها إلا من لا خلاق له ولا إيمان عنده، ولا تقوى ولا ورع من أهل الدنيا ومن أهل المناصب ومن أهل السياسة المحضة، الذين همهم أن يغنموا وأن يكسبوا ولو كان ذلك على حساب غيرهم، ولو كان ذلك بغياً وعدوناً، ولو كان ذلك كذباً وافتراءً، ولو كان ذلك تدليساً وتوهيماً للناس، فإن مثل هذا لا شك أنه من أكبر الخطأ والخطر، وكثيراً من مثل هذه الأمور تلتبس على الشباب، فإنه يرى خيراً ويسمع خيراً، ثم يأتيه من يأخذ من بين هذا الخير أمراً معيناً يجعله أساساً وركيزة ليوهم سامعه أو مستنصحه ألا يغرنك هذا الخير، ولا تغرنك هذه الكثرة، ولا تغرنك هذه الإيجابيات، فإنها كلها غير مؤسسة على أمر صحيح، ولا بد أن تبتعد عنها، وأن تنأى بنفسك عنها! فهذا لا شك أنه خطر عظيم ينبغي أن يتوقاه الإنسان.

    الحيرة والاضطراب

    نشأ عن الطعن في الدعاة حيرة واضطراب عند كثير من الشباب، فهو يقول: هذا مخالف، وهذا يقول كذا، حتى إن بعض الدعاة، أو بعض أهل العلم يذكر بعضهم في بعض قولاً.

    ونقول: من رحمة الله بهذه الأمة أن جعل لها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل لها إجماع الأمة، وجعل لها من الأئمة الذين في قولهم كثير الصواب، ويقل عندهم الخطأ.

    وأيضاً جعل للإنسان الدعاة الذين يستعين بهم على معرفة الحق من الباطل، وعلى أن يثبته الله سبحانه وتعالى على الصواب.

    وكذلك ينبغي للإنسان ألا يكون متسرعاً، بمعنى: ألا يأخذ الحكم سريعاً، بل ينبغي له ألا يكون ضيق النفس يريد أن يصل إلى حل مشكلة خطيرة في دقائق وثوان معدودة.

    وكذلك ينبغي له أن يتجرد من ضعف الشخصية التي تجعله تبعاً لغيره، يقول له: يمين، يقول: نعم، اليمين صحيح، فإذا قال: شمال، قال: الحكمة في الشمال، إذا قال: إلى أعلى، قال: ليس هناك أفضل من مثل هذا! لا يكن أحدكم إمعة، لا تقلد الناس في دينك، بل ينبغي أن تكون -مع توقيرك ومحبتك لمن تثق به- صاحب بصر وصاحب نظر، والإنسان عنده في نفسه وإيمانه ما يكون كاشفاً له من القول الناشئ عن الحسد، أو عن الاختلاف، فيعرف مثل هذا ويكتشفه، قال معاذ رضي الله عنه: (إن على الحق نوراً يدل عليه).

    فليس كل قول ينبغي أن يأخذه الإنسان ويتبعه، والحيرة والاضطراب تزول بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلى العلماء الذين يستنبطون الأحكام من الشرع، ويبينون مثل هذه الفتاوى التي تصدرنا بها هذا القول، فإن كثيراً من الحيرة والاضطراب تنشأ عندما يجعل الإنسان دينه هبة لكل أحد، فهو يستفتي أي أحد، أو يستفتي من هو أسبق منه بيوم في الاتباع، أو زميله في المدرسة، بل ينبغي أن يرجع إلى الراسخين في العلم الذين عندهم أمران مهمان:

    غزارة علم، وعمق تقوى لله عز وجل.

    فالأمر الأول: يعصم من الخطأ والضلال.

    الأمر الثاني: يعصم من الانجراف وراء الأهواء والعصبيات، ولا بد أن يجتمع الأمران.

    والله سبحانه وتعالى نسأل أن يزيل عنا أسباب الحيرة بما في نور القرآن ونور هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

    التعصب والحسد

    التعصب والحسد من الآفات التي تقع من الناس أفراداً وجماعات، وغالباً ما يكون أساس الخلط والوقوع فيها أمران:

    الأول: عدم الفقه والفهم.

    الثاني: الانسياق وراء الهوى، ومقتضيات الانتصار للنفس، فإن الإنسان إذا أحب شيئاً تعصب له، وكرس جهده لنصرته، وللدفاع عنه ضد كل ما يناوئه، والله عز وجل جعل لنا من مثل هذا الأمر عصمة؛ لأنه لا محبة ولا ولاء دائم إلا لما هو مرتبط بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والمؤمن يُحب لما فيه من الخير، وقد يكره أيضاً مع محبتك له لبعض ما فيه من المعصية، فلا تكون المعصية التي فيه داعيةً إلى بغضه بالكلية، بل إن الفاسق والعاصي يجتمع فيه الحب والبغض، بحسب قربه من موافقة الحق، أو بعده ومعارضته له، والذي يتعصب يفوته فقه كثير من مقاصد هذا الدين، ومن أهمها:

    أن الأمة لا بد أن تكون أمة واحدة، وأن الأخوة الإسلامية أصل أصيل في هذا الدين، وأن أمر التعاون ينبغي أن يكون بين المسلمين ضد أعدائهم، وبين من هو أقل ضرراً وانحرافاً ضد من هو أكثر ضرراً وانحرافاً، وهذا كان دأب علماء الأمة وفقهائها الذين أحسنوا معرفة مقاصد الشريعة، فلا يقودن مثل هذا التعصب إلى مثل هذه الأمور.

    التزكية والعصمة

    بعض الناس يقول: نسمع أحدهم يقول: فلان لا نزكيه على الله، ثم يطنب في مدحه، وفي حقيقة الأمر أنه لا يرد له قولاً، ويوافقه على كل شيء، ولا يسمع إلا منه، ولا يقبل إلا منه.

    لا شك أن التزكية في الأمر الظاهر مشروعة ومطلوبة، وكذلك مطلوب معرفة العالم والداعية وصاحب الخير، لكن النبي عليه الصلاة والسلام هو المعصوم، وغيره كل يأخذ من قوله ويرد، وينبغي ألا يكون هذا الأمر مجحفاً، ولا فيه نوع من المبالغة في مثل هذا الأمر؛ لأن هذا فيه نوع من تقليد المرء دينه الرجال، وأن كل ما قال هذا فهو صحيح.

    وقد أشرت في الدرس الماضي إلى أن من الأخطاء: المبالغات التي تجعل الناس في حيرة واضطراب، أو التي تجعلهم عند المقارنة والتمحيص لا يجدون هذا التطابق بين القول المبالغ فيه وبين الحقيقة الواقعة، فلا بد أن ننتبه لمثل هذا، وأن نتجنب مسألة التعصب أو التزكية المطلقة.

    وقفة سريعة ومهمة في نفس الوقت مع بعض الأساليب التي يقع فيها الناس، أو يلبس عليهم أن فيها مسوغات شرعية، فإذا أراد القدح قال: فلان هداه الله، ثم حط عليه حطاً منكراً، أو فلان جزاه الله خيراً وبارك فيه، ثم بعد ذلك كأنه يرى أن مثل هذا القول مسوغاً للذي بعده من القدح، وهذا لا شك أنه من الخطأ الكبير.

    وأيضاً يلتبس على الناس أحياناً مسألة إحقاق الحق، وأن الحق أحق أن يتبع، فيستبيح لمثل هذا أعراض الآخرين، ويتعصب ضدهم، وينبزهم بما ليس فيهم، أو بما هو فيهم، لكنه ما استخدم الطريق المشروع في إزالته أو إبلاغهم إياه.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: فمن الناس من يغتاب موافقةً لجلسائه وأصحابه وعشائره، وقد ذكر بعض الإخوة عين هذه المسألة، فقال: إن بعض الشباب يجتمعون في مجالسهم ليس لهم هم إلا أن ينتقدوا الآخرين، سواءً من أقرانهم أو من الدعاة أو من العلماء، بل حتى تناولوا بعض علماء الأمة الذين قد أفضوا إلى ما قدموا، وأبلوا في نصح الأمة بلاءً حسناً، وذكر السائل أمثال النووي وابن حجر رحمة الله عليهما.

    فتجد بعض الناس مجالسهم تفكه بأعراض الناس والعياذ بالله، ودوام النقص الذي لا يلتفت إلى الخير، ولا يبني ولا يوجه إلى العمل، بل هو نوع من الأسباب المفضية إلى قسوة القلب، وإلى انطماس نور البصيرة، وإلى قلة الفقه في الدين، وإلى ذهاب الورع والخشية والتقوى لله عز وجل؛ ولذا أشرت فيما مضى إلى ما ذكره ابن القيم في فوائده حيث يقول: إن أعلى الهمم، همة طلب علم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن أخس الهمم في طلب العلم تتبع شواذ المسائل، والمسائل المختلف فيها، قال: وقل أن يفلح من أخذ بهذا السبيل.

    وهذا في العيان وفي الواقع ظاهر، والدليل عليه واضح في كثير من الحالات.

    ويقول: شيخ الإسلام ابن تيمية : فمن الناس من يغتاب موافقةً لجلسائه وأصحابه وعشائره، مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون فيه، أو فيه بعض ما يقولون، لكن يرى أنه لو أنكر عليهم لقطع المجلس، واستثقله أهل المجلس، ونفروا عنه، فيرى أن موافقتهم من حسن المعاشرة، وطيب المصاحبة، وقد يغضبون فيغضب لغضبهم، فيخوض معهم.

    ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى، تارة في قالب ديانة وصلاح، فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحداً إلا بخير، ولا أحب الغيبة ولا الكذب، وإنما أخبركم بأحواله، ويقول: والله إنه مسكين، أو رجل جيد، ولكن فيه كيت وكيت، وربما يقول: دعونا منه، الله يغفر لنا وله، وإنما قصده استنقاصه وهضم جنابه.

    ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة يخادعون الله بذلك، كما يخادعون مخلوقاً.

    وقد رأينا منهم ألواناً كثيرة من هذا وأشباهه، ومنهم من يرفع غيره رياءً، فيرفع نفسه فيقول: دعوت البارحة في صلاتي لفلان لما بلغني عنه من كيت وكيت، ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقد فيه، أو يقول: فلان بليد الذهن، قليل الفهم، وقصده مدح نفسه، وإثبات معرفته، وأنه أفضل منه، فتسأله ما رأيك في فلان؟ فيقول: ليس عنده كذا وكذا؛ ليبين أن عنده غير الذي عند غيره.

    ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة، فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد، وإذا أثني على شخص عنده أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح، أو في قالب حسد وفجور وقدح ليسقط ذلك عنه.

    ومنهم من يخرج الغيبة في قالب السخرية واللعب؛ ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزئ به.

    ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب، وهذا كثير، فيقول: تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت! ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت! لكن صيغة هذا الكلام يدل على القدح، هذا كلام شيخ الإسلام في مثل هذه الصور التي ابتلينا بكثير منها، نسأل الله سبحانه وتعالى العافية!

    التعميم في الأحكام

    من الأخطاء المهمة في هذه القضايا سواء التعصب أو التنازع أو التكفير أو التنفير غير الأمور المهمة التي أشرت إلى بعض منها عند تعليقي على بيان سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز التعميم، وهو أكبر خطأ، التعميم في الحكم، فلا يقول: فلان كذا، لا، بل يقول: أهل البلد الفلاني كذا، والجماعة الفلانية كذا، وأهل مسجد كذا فيهم كذا، من قال: إن الناس كلهم على قول ورأي واحد؟!

    لا يصح التعميم في الحكم، لو قيل: إن أهل هذا المسجد كلهم فيهم خصلة ابتداع، فهذا تعميم خاطئ، ولا يمكن أن يكون كل الناس لهم رأي واحد.

    إذاً: لا يصح التعميم في مثل هذه الأحكام، سواء كان في الأفراد ككل، أو كان في الفرد الواحد فتقول: فلان فيه جلافة، لمجرد موقف واحد كان في وقته غليظاً أو فظاً أو غاضباً أو كذا، فعممت موقفاً واحداً على سائر حياته! لا يصح هذا.

    أو فلان لا يعرف، ولا يعلم، جاهل؛ لأنه سئل عن مسألة فقال: لا أعلم.

    وهذا التعميم من الأخطاء الشائعة وللأسف.

    وكذلك النظر إلى مرحلة من مراحل الحياة، قد يكون الإنسان في فترة من فترات حياته مسرفاً على نفسه بالمعاصي ثم تاب، فنقول: فلان فاسق، باعتبار أول حاله ولو تاب، ولو أتى بألف دليل ودليل لا يقبل منه! وهذا لاشك أنه مخالف لشرع الله سبحانه وتعالى، ولمقتضى العقول.

    ومن هذه الأمور: عدم الإنصاف، والتركيز على السلبيات دون الإيجابيات، والله سبحانه وتعالى أمرنا بالعدل حتى مع الأعداء، وأمرنا بالمعاملة الحسنى حتى مع أهل الكتاب: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46]، فكيف لا يكون ذلك لإخواننا في الإسلام؟!

    عدم التثبت

    عدم التثبت هي الآفة الكبرى، يجعل أذنه لاقطة لكل خبر، ويجعله مسلم التصديق، ويحق في بعض الناس قول الله عز وجل: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور:15]، وهذا تعبير قرآني فريد، التلقي بالأذن، لكنهم لما أسرعوا في نقله من آذانهم إلى ألسنتهم قال: (تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ)، ليس هناك وقت ولا فاصل بين التلقي والإرسال، مباشرة يرسل من غير تروٍ ولا تثبت، وينسى قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6].

    وأيضاً هناك أسباب كثيرة ينبغي أن يتنزه عنها الإنسان، منها:

    اتباع الهوى.

    الجهل.

    سوء الظن بالآخرين.

    الموافقة للأصدقاء وأصحاب الأهواء.

    1.   

    مطالبات وتوجيهات

    الوقفة قبل الأخيرة: مطالبات وتوجيهات، أذكرها بعناوينها لما ورد في مشاركات الإخوة.

    أحسن التعامل والدعوة للعامة

    إن على الشباب أن يحسنوا التعامل والدعوة للعامة، فبعضهم يذكر أن كثيراً من الشباب إذا رأوا منكراً، أو رأوا تاركاً أو متخلفاً عن الصلاة، أو رأوا عاصياً، لا ينبعثون له، ولا يقومون بأدنى الواجب فيه؛ لأنهم منغلقون على أنفسهم، حريصون على دروس العلم، وعلى حفظ القرآن، ولا يوجهون أحداً إلا بعضهم بعضاً، وربما يستنكف الواحد منهم أن يخاطب العامي، ويراه دون ذلك، أو أحياناً يرى أن غيره أولى.

    نقول: نعم، قد يكون غيره أولى بالتعليم، لكن تقديم هذا لا يعني إغفال هذا بالكلية.

    الدعوة لعامة الناس، والحرص على إصلاح المنكرات العامة، والمظاهر العامة، لا شك أنه من أعظم أسباب بقاء الصلاح، وإصلاح الناس من بعد، فإنك إن تركت هذه الأمور والمنكرات والناس على جهلهم؛ لتعلم طلبتك فحسب، أو لتربي تلاميذك فحسب، فبعد ذلك ماذا سيكون؟ سيكون انحراف في المجتمع، وهذا الانحراف قد يؤثر على طلبتك، ويفسد ما تربوا عليه من الخير والصلاح، ولن تجد بعدهم من يكون مؤهلاً لأن ينتفع بالعلم ويستفيد من التربية.

    الدعوة والاهتمام بالأهل

    مسألة كثيرة الشكوى، وهي: تعامل الشباب مع أهلهم وأسرهم وذويهم، فإن خير كثير من الشباب مبسوط وموهوب خارج بيوتهم، وخارج أهليهم، والله سبحانه وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، وكما يقولون: الأقربون أولى بالمعروف، وكثير من هؤلاء الشباب لا يقيم في بيته درساً، تراه حافظاً للقرآن، مجوداً له، على حظ من العلم، على فصاحة في اللسان، على طلاقة في البيان، أما في بيته فلا يقدم لأهله أدنى الواجب، وهذا لا شك أنه من أكبر الخلل، وأكبر الاضطراب في التصور، وهو أمر تكثر الشكوى منه، ولعل من المناسب أن هذه الشكوى جاءت من نفس الشباب الذين ذكروا مثل هذه العلة، وهذا النقص.

    وهذا يقع به نوع من الخلل من وجه آخر، وهو أن الآباء والأسر تكون نظرتهم لهذا الملتزم الصالح نظرة غير محمودة، ويكونون معترضين على مثل هذا، بحكم أنهم لا يكون عندهم موازين شرعية في التقويم، فيعتبرون كل عمله ليس فيه خير، ويقولون: كنت قبل ذلك نرى منك بعض الخير، أما حين دخلت في هذا المسلك ما رأينا منك خيراً قط، وهذا لا شك أنه يعتبر من آثار عمل العبد، فأنت كنت سبباً في إيجاد هذا الفهم وهذا القول الخاطئ لأهلك؛ لأنك كنت سبباً في هذا التصور وهذا القول.

    لذلك ينبغي أن يفقه الإنسان وخاصة الشاب أن أول الناس ببره وبخيره وبعلمه وبصلاحه هم أهله؛ لأن الناس إنما يخالطهم في فترات قصيرة، أما الأهل فإن الإنسان لا يستطيع أن ينفصل عن أهله، عن أبيه، عن أمه، عن زوجته، عن أبنائه، قد يكون مع زملائه في العمل، مع زملائه في الدراسة، ثم تتفرق بهم السبل، أما هؤلاء فإذا ما أصلح ما بينه وبينهم فإنه يبقى دائماً في نزاع وشقاق، ولاشك أيضاً أن هذا من أعظم البر، ومن أعظم إسداء المعروف للأهل.

    التفاعل والبذل في سبيل الدعوة

    أذكر للإيجاز المشاركة التي جاءت في هذه المسألة؛ لأنها غنية عن التعليق، يقول الأخ:

    إن شباب الصحوة يعايشون صحوتهم، يبذلون جهدهم في نشرها، غير منتظرين أجراً من أحد، ولكن المثوبة من الله عز وجل، وعلامة صدق الباطن الانفعال الفردي للصحوة والدعوة، فمن أخلص لشيء أعطاه كل ما يملكه، فماله ووقته وجهده وفكرته وكل إمكاناته في خدمة الصحوة والدعوة، وتحت تصرفها، فهو يقدم صحوته على طعامه وشرابه، ويؤثرها على زوجته وأولاده، ويتصورها في يقظته ومنامه، ويبذل لها ماله؛ ليكسب لها الانتشار والبقاء، ويتألف بها الأعوان، ويتعب جسمه ليبلغ بها أبعد الأسباب في النجاح، ويعيش ليحمل هذا الأمر، لا ليكون هو محمولاً عندها، وعندها يصدق ظاهراً وباطناً.

    فكثير من الشباب يتحدثون في مثل هذه الأمور، لكنهم لا يتحركون في أعماق قلوبهم، ولا يتحركون كثيراً في واقع حياتهم، وهذا للأسف ربما من أثر الواقع العام في مجتمعاتنا العربية، كما يقولون: نحن قوم نجيد الكلام ولا نحسن العمل، وهذه تنعكس آثارها علينا.

    1.   

    تساؤلات ومقترحات

    وردت بعض التساؤلات عن بعض القضايا التي ذكرت فيما مضى، من ذلك استشهاد عائشة رضي الله عنها بقول لبيد :

    ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في زمن كجلد الأجرب

    يقول السائل: أليس هذا قولاً محذوراً فيه نوع من النقد والتذمر من الزمان؟

    نقول: ليس هذا داخلاً في مثل هذا، بل هو نوع من ذكر فضيلة الزمن السابق، وما وقع من الخلل والخطأ في الزمن اللاحق، وليس فيه تمن للموت، ولا سب للدهر، وإنما هو وصف للحال، وفي الصحيح عند البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: (ما من زمان يأتي إلا والذي بعده شر منه) فوصف الزمان بالشر أو بوقوع الفساد ليس محذوراً، بل هو من التنبيه على ما وقع فيه من خطأ وفساد.

    وأيضاً سائل سأل عن مسألة بعينها في النص الذي نقلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية من (اقتضاء الصراط المستقيم) فيما يتعلق بمسألة المولد النبوي، وقال: هل يفهم من الكلام أنه إقرار وإباحة؟

    قلت فيما مضى في نص كلام الشيخ: إنه ليس له أصل مشروع، وهو مبتدع، لكن كان الاستدلال من كلام الشيخ أنه قد يكون فيه خير وهو بدعة، وكان الكلام أنه لا بد من إزالة البدعة وإحلال السنة، فإن لم يستطع فإزالة البدعة، وإخلاؤها من غيرها، يعني: أن يبقى الأصل من السنة والخير عامراً، أما إن اقتضى زوال الابتداع اليسير مع فوات الخير الكثير فهذا غير صحيح في مراعاة المصالح والمفاسد.

    فالمولد في ذاته غير مشروع، وليس له أصل من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، ولا صحابته رضوان الله عليهم، ولا سلف الأمة، ولا أعلام الأئمة المعروفين، والمعتبرة أقوالهم.

    وأخيراً: هناك جملة من المقترحات فيما يتعلق ببعض الموضوعات في الدرس وغيرها، وأشير أيضاً أن بعض مشاركات الإخوة التي وردت ستكون إن شاء الله موضوعات مستقلة؛ فإن كثيراً من المشاركات جاءت حول موضوع القراءة وطلب العلم، وما هو الأولى فيها، وكيف الطريقة في طلب العلم، ومثل هذا إن شاء الله يكون موضوعاً مستقلاً.

    وكذلك بعض المطالبات والمشاركات سنفرز لها موضوعات إن شاء الله فيما يأتي.

    ونسأل الله جل وعلا أن يكون هذا الحوار وغيره خيراً ونفعاً وفائدةً، وأن يعيننا الله به على أنفسنا، وأن نتجرد فيه من ذواتنا، ومن أهوائنا، ومن حظوظ أنفسنا؛ لنكون أتبع لكتاب الله ولسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    وبالنسبة لبقية الأسئلة سنفرد لبعضها مع ما مضى درساً ننتقي فيه بعض هذه الأسئلة المهمة؛ لأنه وردت أسئلة مهمة، لكن يضيق الوقت عنها، وسنجمعها ونصنفها مع بعض الأسئلة الماضية لتكون إن شاء الله في إجابات واحدة.

    نسأل الله عز وجل التوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.