إسلام ويب

الهول الأكبرللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كثيراً من الناس ما قدروا الله حق قدره، وما عرفوا أنه القوي الجبار الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ومما يدل على قوته وعظمته سبحانه ما يحصل من زلازل وكوارث عظيمة، فيجب على المسلم أن يقف مع ذلك ويتأمل فيه، فإن لذلك دلالات وأسباباً، ومن ذلك أن الله عز وجل يبين لعباده عظيم قدرته وقوته، وأن المخلوق مهما عظم وقوي فإن الله أعظم وأقوى، ويجب أن نعلم أن هذه الزلازل والكوارث إنما هي بسبب الذنوب والمعاصي، فلنتب إلى الله عز وجل ولنرجع إليه.

    1.   

    الزلازل المدمرة والأمواج المهلكة

    الحمد لله له جنود السماوات والأرض، لا يعجز قدرته شيء في السماوات ولا في الأرض، له الحمد سبحانه وتعالى هو القوي المتين، أمره بين الكاف والنون، إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون، له الحمد سبحانه وتعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على ما أفاض من النعم، وما صرف من الشرور والنقم، نحمده سبحانه وتعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وأرسله إلى الناس كافّة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوب غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً.

    وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! حديث الناس عن الهول العظيم، والزلازل المدمرة، والأمواج المهلكة، صورة مرعبة وهول مفزع، وأمر ليس لأكثر الناس به عهد سابق، أمر من الأمور الكونية القدرية التي لها عندنا معاشر المؤمنين فقه خاص ينبغي أن نؤكد عليه، وأن نذكر به، ليس وقوفنا مع الأمواج العاتية التي تبلغ ارتفاعاتها من عشرين إلى أربعين متراً فيما وقع، وفيما هو من الناحية العلمية تصل إلى نحو مائة متر في الارتفاع، وهذا معناه أن ارتفاعها يبلغ ارتفاع مبانٍ تصل إلى عشرات الأدوار.

    ثم فوق ذلك تدخل إلى اليابسة متجاوزة حدودها التي أمسكها الله عز وجل عنها طوال الأيام والأعوام التي لم يكن الناس يلتفتون إلى ذلك ولا يعتبرون به، تدخل إلى عمق اليابسة حتى وصلت في بعض المناطق إلى ثمانية كيلو مترات، وتضرب بقوة عاتية وتحمل صخوراً يصل وزنها إلى عشرين طناً، وتغمر الأرض بمائة طن من المياه لكل متر مكعب في الأماكن المواجهة لها، فهل يصدق الناس هذا لولا أنه كان رأي العين! ولولا أنه خلف وراءه أكثر من عشرين ومائة ألف قتيل في الإحصاءات القريبة، وعدداً مجهولاً من المفقودين، وأكثر من خمسة ملايين من المشردين، ومئات بل آلاف الملايين من الأموال والخسائر، هل حصل ذلك خلال عقد كامل؟

    إنه حصل في سويعات من يوم أو يومين، ويمتد الهول إلى أماكن بعيدة في جنوب شرقي آسيا ليصل إلى جوانب من إفريقيا، ليقطع طولاً من المسافات شاسعاً، إذ إن هذه الأمواج تصل سرعتها إلى ثمانمائة كيلو متر في الساعة مقارنة بذلك سرعة الطائرات النفاثة، وهذه صورة مبسطة مما ينبغي أن تنقشع به الغشاوة عن الأعين، وأن يجلي كدر وصدأ القلوب من جديد، عندما تعم الغفلة وتضرب بسكونها وإلفها وعاداتها، فلا يلتفت عقل، ولا تنظر عين، ولا يتدبر قلب.

    إن هذه الحقائق قد سمعها الناس جميعاً، وربما عند بعضكم من تفصيلاتها أكثر مما قلت ومما قد أقول، لكن ما وراء ذلك؟ ما الذي ينبغي أن نلتفت إليه ونستفيد منه، ونحن قد سلمنا الله جل وعلا من كل هذا الهول العظيم، والخطب الجسيم، والدمار الكبير؟ فلننتبه! وإليكم هذه الوقفات:

    1.   

    عظيم قدرة الله تعالى

    أولها: الانتباه إلى قدرة الله:

    فقدرة الله لا يعجزها شيء، قدرة لا يستطيع الخلق أن يتصوروها، ولا أن يعرفوا مدى حجمها، ولا أن يحيطوا بآثارها وما قد ينجم عنها، وذلك في حس المؤمن له آثار كبيرة، إن علمت أنه جل وعلا رب الأرباب، وملك الملوك، وجبار السماوات والأرض، وأنه كما قال جل وعلا: وللَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الفتح:4]، وأنه كما قال جل وعلا: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر:31] وأنه كما قال سبحانه وتعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] فما بالك تستمد القوة من غير قوة الله؟! وما بالك تخضع وتخاف وتذل لقوة الخلق والبشر؟! وأين هذه القوة؟! لو كانت على هذه السواحل الطائرات الحربية، والدبابات المدمرة، فهل ستقف أمام هذه القوة العاتية من زلزال في ثوان معدودات أو دقائق قليلة؟! ومن أمواج ماء البحر الذي نركبه ويركبه الناس كل يوم؟!

    ثم انظر وتأمل ما الذي يجري في واقع المسلمين وواقع الأمة اليوم، وقد خضعت الرقاب، وذلت الأعناق، وسلمت الديار؛ خوفاً من قوة تسمى: قوة عظمى، ولله جل وعلا القوة العظمى قال عن نفسه: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58] هو الذي بين لنا حقائق ذلك في كتابه: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:74].

    إن الذين ركنوا إلى قوى الأرض ما قدروا الله حق قدره، وما أيقنوا أن الله هو القوي العزيز: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً [فاطر:44].

    ونموذج قرآني واحد أقدمه ليكشف عن بعض هذه القوة عند قوم كانوا جبابرة في الأرض، وكانوا قد سخروا وذللوا كثيراً من أسباب الأرض حتى نحتوا الجبال، وجعلوا بيوتهم وقصورهم في أعماقها وبطونها، قوم كانوا يرون أنه ليس هناك من هو أقوى منهم، ولا من هو أقدر على مواجهتهم: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:15-16].

    مستكبرون، مغترون بقوتهم، يقولون بلسان الكفر والفجور: من أشد منا قوة؟! كل قوى الأرض تخضع لنا، ونحن قادرون على البطش بها، وعلى الانتصار عليها، وينسون الذي خلق، والذي مكن من الأسباب، وأنه جل وعلا قادر على قهرهم، فأرسل عليهم واحداً من جنده في أيام وأحوال عارضة، فانتهى أمرهم، ودخلوا في سجل التاريخ مع الهالكين، لم يحتاجوا من قوة الله عز وجل إلا إلى نزر يسير لا يستطاع تقديره من قلته.

    وهكذا نجد القرآن يخبرنا بذلك ويبينه لنا لكننا نحن لا نلتفت ولا ننتبه: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102]، وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، تذكروا كل جبابرة الأرض، تذكروا كل قوى الطغيان في قديمها من عهد فرعون ومن كان معه وبعده، وفي حديثها من الدول العظمى التي سقطت من قريب، بعد أن كان ذكر اسمها يخلع قلوب الضعفاء والجبناء.

    وانتبه إلى هذه القوة العظيمة لتوقن أنها في أي لحظة من اللحظات قد يصيبك أثر منها، وقد يحل بك بلاء منها، فأين أنت من النجاة إلا بعصمة الله ورحمة الله، ويوم كان ابن نوح عند الطوفان غره عقله، وظن أن الأسباب المادية تنجيه، فقال: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ [هود:43] وجاء الجواب: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [هود:43]، وانتهى به الأمر إلى أن غمر الماء الجبال العالية، وغمر كل شيء، فلم يبق ولم يذر، ولم ينج إلا النفر الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، وكانوا قلة قليلة.

    ذكر بعض أهل التفسير أن الذين آمنوا مع نوح واتبعوه في أقل رواية اثنا عشر رجلاً وفي أكثرها أربعون رجلاً، فانظروا إلى رحمة الله كيف استثنت قلة قليلة وأهلكت كثرة كاثرة كافرة فاجرة عاتية باغية ظالمة، وما ذلك على الله بعزيز.

    1.   

    هول الزلازل الدنيوية يذكر بأهوال يوم القيامة

    الأمر الثاني: أن هذا الهول الذي نذكره، وهذا الخطب العظيم الذي لا نكاد أن نتصوره، لا يعد شيئاً أمام الهول الأكبر الذي ساق الله لنا بعض أخباره، وأخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه في أحاديثه مما يشيب لهوله الولدان، فكيف نغفل عن ذلك وإذا جاء مثل هذا وجدنا خوفاً كبيراً، وذهولاً مثيراًً، وعجزاً تاماً، وحيرة كاملة.

    كلنا رأى كيف انخلعت القلوب، كيف طاشت العقول، كيف اضطربت الدول، كيف ماج العالم كله أمام هول واحد من أهوال الدنيا، فكيف بهول نهاية العالم وانتهاء هذه الحياة كلها وطي صفحتها؟! كيف بهول القيامة؟! كيف بهول الحشر؟! كيف بهول النشر؟! كيف بهول البعث؟! كيف بهول الوقوف بين يدي الله؟! كيف بهول المرور على الصراط؟! كيف بهول تكاثرت فيه الآيات وتعددت فيه الروايات؟!

    سبحان الله كم يسوق الله جل وعلا لنا العبر، وكم تذكر الآيات ذلك الهول ووصفه بصور تنخلع لها القلوب المؤمنة، وتجفل منها وتتذكر وتتعظ بها: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً [الطور:9-10] قال السعدي في تفسيره: وذلك لعظم أهوال القيامة، وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة، والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة، فكيف بالآدمي الضعيف؟

    فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ [المرسلات:8-10] قال ابن كثير : فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ [المرسلات:8] أي: ذهب ضوءها، وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ [المرسلات:9] أي: انفطرت وتشققت، ووهت أطرافها، وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ [المرسلات:10] أي: ذهب بها فلا يبقى لها أثر ولا عين.

    وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً [طه:106-107].

    وإذا مضيت وجدت الآيات في كل هذه الصور كثيرة وعظيمة، وهولها هائل، ومن أبلغ ما جاء فيها ومما ينبغي استحضار تذكره وتدبره: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2] هول تنصرف فيه الأم الحنونة عن ابنها الرضيع، هول يجعل الأرحام تقذف ما فيها، هول لا يسأل فيه أحد عن أحد: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37].

    وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها -كما صح عند البخاري وغيره- تستمع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (يبعث الله عز وجل الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، فقالت أم المؤمنين: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ -فطرة الحياء والإيمان أنطقتها- فقال صلى الله عليه وسلم: إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك) إنه أمر لا يبقى فيه للعقل انصراف إلى شهوة، ولا تفكير في لذة، إنه هول صوره حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فإذا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة).

    وهاهو صلى الله عليه وسلم يقول: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجئرون إلى الله تعالى).

    ألسنا نقرأ هذه الآيات؟! ألسنا نعرف المعاني والدلالات؟! فأين التذكر والاتعاظ والاعتبار؟! أين الإيمان الذي ضعف في القلوب؟ أين اليقين الذي تزعزع وتضعضع في النفوس؟ أين استحضار ذلك كما كان حاله صلى الله عليه وسلم عندما قال: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم قرنه، وأحنى جبهته ينتظر الأمر بالنفخ في الصور) الأمر أعجل من أن تبنى الدور وأن تؤثث القصور، وأن يتزاحم على الدنيا أهل الدثور.

    وقديماً قال بعض الحكماء: لو تأمل الإنسان في حاله لبنى داره على شفير قبره.

    تلك صورة من الهول الدنيوي الأرضي العابر تذكر المؤمنين بالهول الأخروي الذي ينبغي أن يهيئوا أنفسهم له، وأن يستحضروا دائماً هوله ليزجرهم عن المعاصي والسيئات، وليدفعهم إلى الطاعات والقربات، وليجعلهم دائماً في خوف من سخط جبار الأرض والسماوات، فإذا كان حدث واحد زلزل العالم كله، وقضى على الآلاف المؤلفة من الأرواح، وشرد الملايين من البشر، فأي هول يمكن أن يقارن بعد ذلك بالهول الذي جاءت به الآيات، وذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    إنه لحري بنا أن نجعل هذه الحقائق في قلوبنا، وأن نتلو الآيات، وهي بالمناسبة من السور التي يكثر تلاوتها في الصلوات: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [الانفطار:1]، إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:1] فإننا قد نسمعها في كل يوم، أو على أقل تقدير في الأسبوع مرة أو أكثر، فأين القلوب المتعظة؟ وأين العقول المتدبرة؟ وأين الأحوال المتغيرة؟ وأين الاستقامة والإنابة التي ينبغي أن نلتفت إليها وننتبه إلى حقائقها؟!

    1.   

    وجوب تذكر نعمة الله عز وجل علينا

    وثالثاً: تذكر نعمة الله.

    تعلمون أن أولئك القوم ناموا يوم سبتهم لا يلتفتون إلى شيء، وكانوا متنعمين وطاعمين وشاربين، فأصبحوا وهم في هول الكارثة، وأنت أيها الأخ المسلم في هذه الديار لم تصب بشيء، فهل نبقى متفرجين ومتناقلين للأخبار وربما ضاحكين وعابثين؟! أليست القنوات ما تزال تبث الرقص والغناء، وتأتيك نشرة الأخبار بالموت وبعده بالأرداف المهتزة، والصدور المترجرجة وغير ذلك؟! أليس هذا تناقضاً؟

    كان الواجب علينا الاعتراف بنعمة الله، والشكر والحمد على نعمة الله، ولعلي هنا أستحضر الحديث العظيم الذي رواه سهل بن سعد عند الترمذي في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أصبح منكم آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا)، هذه هي الثروة العظمى، لو أن واحداً من أولئك الذين أصيبوا قلت له: ماذا تريد لقال: لو كنت نائماً وليس عندي من الدنيا شيء إلا الأمن والأمان وإلا صحة الأبدان، وإلا كسرات من خبز يقوم بها صلبي؛ لكان ذلك خيراً.

    ونحن بحمد الله بتنا آمنين في أسرابنا وبيوتنا وعند أهلينا، وبحمد الله لنا صحة في أبداننا، وليس عندنا قوت يومنا فحسب بل أيامنا وشهورنا، بل ربما أعوامنا، فأين نحن من شكر نعمة الله، خاصة عندما نراها قد سلبت من قوم مؤمنين مسلمين أو كفرة غير مؤمنين؟ أليس أولئك قد حرموا ذلك؟ أليس أمنهم قد أصبح مهدداً بأرض ترجف من تحتهم، وماء يغمر بيوتهم وديارهم؟!

    أليست الآن أعظم خطورة يتحدث عنها هي خطورة الأمراض والأوبئة التي يخشى أن تفتك بأكثر مما فتكت به تلك الأمواج والفيضانات؟ أليست الأقوات والأرزاق والأثاث والرياش كلها قد انتهت إلى لا شيء في لحظات؟ ولو رأينا وسمعنا بعض ما كان في هذه الأحداث لرأينا عجباً وسمعنا هولاً، أين نحن من شكر نعمة الله عز وجل ونعمه علينا متوالية؟! أين نحن من شكر هذه النعم بالعمل اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ [سبأ:13] أين نحن من قصد السبيل الصحيح إلى حفظ النعم وزيادتها؟ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].

    أين نحن من تذكر هذه النعمة؟ إننا لو تصورنا اليوم أن واحداً من قرابتنا المباشرين في تلك الأماكن، أليس شعورنا سيكون مختلفاً؟ ألسنا سنشعر بالخوف بقدر أكبر؟ ألسنا سنحس بالمأساة بصورة أعمق؟ ألسنا سندرك الهول بحجم أكبر؟ فما بالنا ونحن في بيوتنا وديارنا لا نتذكر هذه القدرة، ولا نتذكر هول يوم القيامة، ولا نستحضر النعمة العظيمة؟

    1.   

    عظيم نعمة الأمن والأمان

    وهنا وقفة لا بد منها: نعمة الأمن والأمان، ونعمة رغد العيش وصحة الأبدان، فهي من أعظم نعم الله على عباده.

    ولعلنا لابد أن نشير إلى ما تحدثنا عنه مراراً: إن القتل والتفجير والتدمير الذي يجري إنما هو نقض لهذه النعمة، وكأنما يفعل هؤلاء ما يناقض حمد الله جل وعلا وشكره على نعمته، ولئن كان هذا الفعل ينبثق من تكفير فقد علمنا حكمه، ولئن كان ينبعث من مواجهة أو رد فعل فلا يجوز بحال أن يكون سبباً في قتل الأرواح فضلاً عن ترويع الآمنين، وفضلاً عن اختلال أوضاع البلاد والعباد، فهذا كله من الأمور المحرمة التي هي خرق لأعظم نعمة من نعم الله عز وجل وهي نعمة الأمن والاستقرار.

    ونحن في شهور الحج العظيمة، وفي قرب من الفريضة الجليلة، وفي أمان البيت الذي جعله الله عز وجل أماناً للناس حتى يؤدوا عبادتهم وهم في أمن على أرواحهم وأموالهم وأنفسهم، وكذلك ساق الله عز وجل النعم؛ ليكون الناس منصرفين إلى عبادتهم، وقد يسر الله لهم أرزاقهم.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يذكرنا بنعمه، وأن يوفقنا لشكرها، وأن يجعلنا ممن يستحضرون نعمه ويخافون من عذابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الذنوب والمعاصي سبب الكوارث والمصائب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    وجوب أخذ العظة والعبرة من هذه الكوارث

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن أعظم درس من هول هذه الحادثة لهو الاعتبار بأثر الذنوب والمعاصي، وهو أمر يطول الحديث فيه، ويأتينا بعض المسلمين وبعض من المتحدثين بلسان عربي مبين ليقولوا لنا: إنكم معاشر الدعاة المتدينين تربطون كل شيء بالمعاصي والذنوب، وهناك حقائق علمية وهناك قوانين أرضية تقول لنا: إن هذا حصل بسبب كذا وكذا، وإنه وقع هنا لأجل كذا وكذا، وأنتم تربطون كل شيء بالذنوب والمعاصي، فهل هذه هي أراضي الذنوب والمعاصي فحسب؟ وأين هذه الكوارث من ذنوب ومعاص أخرى؟

    فنقول لهم: إننا لا نلتفت إلى هذه الأقوال، ونلتفت إلى قول رب الأرض والسماوات، وإلى كلام أهل العلم، وإلى بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، ونعرف باختصار شديد أن مثل هذه الأحوال هي عقوبات للمذنبين، وابتلاء للمؤمنين، وعبرة للناجين، ففيها من كل وجه فائدة قد تكون مختلفة عن الأخرى، وهذا قول أوجز به -لئلا أطيل عليكم- من كلام الشيخ ابن باز رحمه الله قال: إن للمعاصي والذنوب من الآثار القبيحة المضرة بالقلب والبدن والمجتمع، والمسببة لغضب الله تعالى وعقابه في الدنيا والآخرة ما لا يعلم تفصيله إلا الله سبحانه وتعالى، فهي تحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في الماء والهواء والثمار والمساكن: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41]، وقال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف:130].

    وإن فيما يقع من هذه الكوارث عظة وعبرة، والسعيد من وعظ بغيره، وبالجملة فإن جميع الشرور والعقوبات التي يتعرض لها العباد في الدنيا والآخرة أسبابها الذنوب والمعاصي.

    وإن من علامات قسوة القلوب وطمسها والعياذ بالله، أن يسمع الناس قوارع الأحداث، وزواجر العبر والعظات التي تخشع لها الجبال لو عقلت، ثم يستمرون على طغيانهم ومعاصيهم مغترين بإمهال الله لهم، عاكفين على اتباع شهواتهم، غير عابئين بوعيد، ولا منصاعين لتهديد، قال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الجاثية:7-8]، كما أن الاستمرار على معاصي الله عز وجل مع حدوث بعض العقوبات دليل على ضعف الإيمان أو عدمه: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:96-97].

    إن من الواجب على جميع المسلمين أن يأخذوا العظة والعبرة مما حصل، وأن يتوبوا إلى الله وينيبوا إليه ويحذروا من أسباب غضبه ونقمته، والله جل وعلا يقول: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ [الأنعام:65]، وقد بينت الآيات هولاً عظيماً فيما يجري به قضاء الله وقدره من العذاب والهول بحسب ما يكون من الذنب والمعصية، وحسبنا نموذج واحد يذكره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما صح عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما كان رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة)، وروى البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل، حتى يكثر فيكم المال فيفيض).

    والله سبحانه وتعالى يقول: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:96-99]، وذلك تذكير وعظة وعبرة نحتاج أن نتذكرها، وأن نوقن أنه ما وقع عقاب إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، فأقلعوا عن الذنوب وارجعوا إلى التوبة، عل الله سبحانه وتعالى أن يديم علينا نعمته.

    ومن المهم أن نذكر أن كثيراً من هذه المناطق التي أصابتها هذه الكارثة هي من الشواطئ الساحلية السياحية التي بعضها معروف بأنه من أشهر أماكن الفسق والفجور والدعارة المعلنة على مستوى العالم، والله جل وعلا قد بين كل أنواع العذاب رابطاً إياها بالذنوب: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40].

    والابتلاء أمره مهم، وخطبه عظيم، والتذكير بذلك من الأمور المهمة، ودعك ممن لا يرون ذلك، ويفسرون بالماديات، ويظلون غارقين بالمعاصي والسيئات.

    فضل الشهادة في سبيل الله على الموت في اللهو والعبث

    وأخيراً: مسألة أحب أن أنوه بها، وهو الموت وفجأته.

    يقولون كما قال أهل الكفر: لم تغامرون؟ لم تعرضون أنفسكم للخطر؟ لم تجاهدون في سبيل الله وقد تموتون وتقتلون؟ لم تفعلون هذا وذاك؟

    فجأة الموت كما بينها الحق سبحانه وتعالى في نداء لأهل الإيمان لئلا يكونوا كغيرهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإٍلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [آل عمران:156-158].

    كم هم الذين يقولون لنا مرة إثر مرة: لم يعرض أولئك الناس أنفسهم للموت والقتل؟ ونسوا قول الله عز وجل: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154] أولئك قوم لم يذهبوا لقتال ولا جهاد ولا يعرفونه ولا يخطر ببالهم، ذهبوا إلى الشواطئ لكي يسبحوا ويلهوا ويلعبوا ويعبثوا، فجاءهم الموت إلى ديارهم، وبعضهم قادم من مسافات هائلة تاركاً وراءه أرضه ودياره.

    فهذا خالد بن الوليد الذي لقي الموت مئات من المرات في ساحات الجهاد، ومات على فراشه وهو يقول: ما في جسمي موضع شبر إلا وفيه طعنة سيف أو ضربة رمح، وهاأنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء.

    تحية للأبطال الشهداء، وللمقاومين المجاهدين للأعداء في كل مكان، ولئن قتلتم أو متم فإن ذلك فيه مغفرة ورحمة خير من الدنيا وما فيها، وليخسأ الذين ما زالوا يعيشون في ذنوبهم خوفاً ورعباً، ويعظمون قوة غير الله عز وجل، حتى كان منهم ما كان.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب.

    اللهم إنا نسألك أن تنطق ألسنتنا بذكرك، وأن تملأ قلوبنا بحبك، وأن تسخر جوارحنا في طاعتك، وأن تسخرنا في نصرة دينك، وأن تجعلنا ممن ينصر الإسلام والمسلمين.

    اللهم ارحم إخواننا المستضعفين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.

    اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم خالف بين كلماتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، ورد كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، واشف صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم سلط عليهم جند السماوات والأرض يا رب العالمين، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية يا قوي يا عزيز يا متين! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

    اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم وفقنا للصالحات، واصرف عنا الشرور والسيئات، واغفر لنا ما مضى وما هو آت.

    اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين!

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم اصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لهداك واجعل عمله في رضاك وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.