إسلام ويب

الغنيمة الباردةللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة عماد هذا الدين، وهي آخر عرى الإسلام نقضاً، وتاركها يخشى عليه من الكفر والعياذ بالله! فهو على شفا جرف هار، ويخشى عليه من دخول النار، فإذا كان هذا قدرها وخطرها فجدير بالمسلم أن يحافظ على أدائها بشروطها وأركانها وسننها، وفي أوقاتها؛ ليفوز بالسعادة في الدنيا والآخرة، ومن أفضل الصلوات وأعظمها أجراً صلاة الفجر، ففيها من الفضائل والأجور ما يجعلها بحق غنيمة باردة.

    1.   

    تهاون كثير من المسلمين في شأن الصلاة

    الحمد لله ذي الجود والإكرام، ولي الفضل والإنعام، الذي أكرمنا بنعمة الإسلام، وفضلنا بهذا الدين على سائر الأنام.

    نحمده سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، نحمده جل وعلا حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بعثه للناس أجمعين، وجعله رحمة للعالمين، وختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأشهد أنه -عليه الصلاة والسلام- قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصل الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فحديثنا عن الغنيمة الباردة الضائعة، ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد ساق لنا كثيراً من النعم، وأفاض علينا كثيراً من الخيرات، ويسر لنا أبواباً لاغتنام الحسنات، وجعل لنا من بين سائر الأمم مزية في تكفير السيئات ومضاعفة الحسنات، ولإن كان ذلك هو السمة الظاهرة في دين الإسلام وفي سنن خير الأنام صلى الله عليه وسلم فإنه أظهر وأشد وضوحاً وأكثر عظمة فيما يتصل بالفرائض والأركان التي هي أسس هذا الإسلام، والتي هي الأعمدة والأركان التي يقام عليها البنيان.

    ونحن في هذا المقام نتكلم عن الغنيمة الضائعة، التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، فريضة الصلاة التي فرط كثير من الناس فيها، وقصروا في أدائها، وتخلفوا عن أوقاتها، وتقاعسوا عن شهودها في مواطنها في بيوت الله عز وجل، ولست في هذا الصدد متحدثاً حديث الفقه والأحكام الشرعية، ولا حديث العبر والدروس التربوية، وإنما حديث التشويق والترغيب، الذي يهز القلوب المؤمنة، ويثير كوامن الشوق في النفوس المسلمة، الذي يحدو بالمؤمن إلى أن يرنو ببصره إلى الآخرة، وأن يستحضر فضل الله سبحانه وتعالى، وأن يتأمل عظيم المنة والفضل الذي ساقه الله إليه، كيف غفل عنه! وكيف زهد فيه! وكيف لم يلتفت إليه! ذلك أن الغفلة قد غشيت كثيراً من القلوب، وحجبت كثيراً من العقول، وذلك لأن الدنيا فتنت كثيراً من الناس، وشغلتهم بأحوالها وأوضاعها، فاستكثروا القليل الذي ينبغي أن يبذلوه في طاعة الله، واستقلوا الكثير الذي يبذلونه في أمر حياتهم الدنيا، فانتكست الموازين، وانعكست الأمور، وصار الناس في أمر الطاعات -ليست المندوب إليها وإنما المفروضة عليهم- مقصرين مفرطين، وهم في أمور الدنيا -لا في أساسياتها بل في كمالياتها- متسابقون متنافسون.

    وهذا لعمري هو عين الخلل حيث اتصل بالفرائض والأركان، فقد جعل الله عز وجل لنا أبواباً كثيرة من الفضائل، وأساسها الأركان والفرائض، وأمها وأولها وأكثرها تكراراً بعد التوحيد الصلاة، التي حصل فيها ما حصل في واقع حياة المسلمين اليوم.

    1.   

    أهمية أداء الصلاة في جماعة وما فيها من الأجور

    إن الله جل وعلا قد ساق هذا الفضل بما لا يتصوره العقل، إلا أن يكون مستحضراً لعظيم جود الله عز وجل، وعظيم لطفه بعباده سبحانه وتعالى، فأنت ترى أمر الصلاة يحدوك إلى الإقبال عليها والارتباط بها، والسعي الدءوب الحثيث للغنيمة المتواصلة المتكاثرة منها، بما جعل الله في كل شأن من شئونها وكل أمر من أمورها من أجر وفضيلة.

    فالنداء إليها -وهو الأذان- هو الذي يعلن التوحيد، ويذكر بأمر الآخرة، وينادي المنشغلين بالدنيا ليأخذوا زاداً من تقوى الله عز وجل، ومن مراقبته سبحانه وتعالى ليواجهوا الباطل من بعد ذلك، وليعرفوا حقيقة الحياة الدنيا، ويجعل الله عز وجل في ذلك فضلاً وأجراً.

    ثبت عن سعد بن أبي وقاص في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً غفر له ذنبه).

    وفي صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة! آت سيدنا محمداً الوسيلة والفضيلة، والمقام المحمود الذي وعدته. حلت له شفاعتي يوم القيامة).

    ويقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه أنس في مسند أبي يعلى بسند حسن: (من قال مثل مقالته) أي: مثل مقالة المؤذن. وفي حديث بلال رضي الله عنه قال: (من قال مثل مقالته وشهد مثل شهادته) أي: كرر الشهادتين مع المؤذن (فله الجنة)، فهذا في النداء إليها وفي التذكير بها وفي الدعوة إلى شهودها قبل أن تقبل عليها وتتهيأ لها وتتوجه لها.

    وفوق ذلك -أيضاً- يهب الله لك مزيداً من الفضل ترغيباً وتشويقاً وتحبيباً، لتأتي إلى بيته ولتناجيه وتدعوه سبحانه وتعالى، فبمجرد سماع هذا الأذان ينسكب في القلوب، فتهتز القلوب شوقاً، وتتعلق بشهود الصلوات في المساجد مع الجماعات، وما يزال المؤمن مرتبطاً بها فيستحق حينئذٍ ذلك الوعد العظيم والأجر الكبير الذي ذكرنا به النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أبي هريرة عن السبعة الذين يظلهم الله عز وجل تحت ظل عرشه في يوم القيامة، وذكر منهم: (رجل قلبه معلق في المساجد)، قال أهل العلم: ومعناه أنه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها، وليس معناه دوام القعود في المسجد!

    فهو تعلق قلبك عندما تنتهي من هذه الصلاة، فأنت مستحضر في قلبك أنك ستدعى مرة أخرى إلى لقاء الله، وإذا سمعت النداء تهيأت بقلبك ونفسك للإقبال على الله، فهذا لك به أجر عظيم؛ لأن هذا المعنى الذي استقر في قلبك هو من أعظم المعاني، معنى التعلق الدائم والارتباط التام بالعبودية لله عز وجل، فما يزال قلبك مستحضراً أنك بين الفينة والأخرى، بين الصلاة والصلاة وبين النداء والنداء، تنطرح بين يدي الله عز وجل، وتسجد له سبحانه وتعالى، وتخضع له، وتذرف دمع الندامة، وتدعو دعاء المتضرع لله سبحانه وتعالى، كل ذلك ولما تأتي بعد إلى الصلاة.

    فإذا تحركت إليها، وإذا مشيت إليها جاءك فضل من الله عز وجل يتلقاك مع أول حركة وأول خطوة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر : (أن بني سلمة أرادوا أن ينتقلوا -وقد كانوا بعيدين عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم-، فلما خلت البقاع من حوله أرادوا أن ينتقلوا ليكونوا على قرب من مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا بني سلمة! دياركم تكتب آثاركم) أي: الزموا دياركم فإنها تكتب آثاركم وخطاكم إلى المسجد عند الله سبحانه وتعالى.

    قال النووي: فإنكم إذا لزمتموها كتبت آثاركم وخطاكم إلى المساجد. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى ترغيباً وتشويقاً.

    وفي حديث أبي هريرة عند مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه متسائلاً يحثهم ويرغبهم ويعلقهم بهذه الصلاة: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله!)! ومن يسأل مثل هذا السؤال اليوم؟! ومن يتعلق به اليوم؟! ومن يبحث عن جوابه؟! ومن يرتبط بمدلوله؟! ومن يلتزم بمقتضاه؟! قلّ هذا في الناس أو شغلوا عنه.

    أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه في مشهد من أصحابه يلفت أنظارهم وينبه قلوبهم: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة)، فهل ترى في هذه الخصال الثلاث شيئاً يخرج عن الصلاة؟! إنه الوضوء وهو شرط الصلاة، إنه السعي والإقبال إلى الصلاة، إنه الرباط في انتظار الصلاة.

    فالأمور الثلاثة كلها التي يحصل بها هذا المحو للخطايا والرفعة للدرجات والمضاعفة للحسنات ساقها الله عز وجل لنا في هذه الفريضة.

    وهناك بشارة عظمى يتعلق بها قلب كل مؤمن، ذلك أن المؤمن الحق إنما ينظر إلى الآخرة، وينظر إلى ما بعد هذه الحياة الدنيا إلى الهول الأعظم، وإلى الحساب الدقيق، وإلى العذاب الشديد، كيف يفتدي نفسه منه، كيف يفك رقبته منه، كيف يعمل ما يظن أنه ينال به رحمة الله عز وجل ورضوانه سبحانه وتعالى.

    جاءت هذه البشارة في حديث سهل بن سعد عند ابن ماجه ، وفي سنن أبي داود من حديث بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) يوم يحجب النور عن أهل النفاق والكفر والعصيان، يوم يبحث الناس عما يضيء لهم الطريق ليجوزوا الصراط وينجوا من عذاب الله عز وجل ومن كلاليب النيران، يوم تمشي في الظلمات إلى المساجد في صلاة العشاء أو الفجر تسعى إلى طاعة الله، وتتحرك إلى رضوان الله، يفتح الله عز وجل لك في حياتك الدنيا، وينور لك قلبك، ثم يكون ذلك ضياء بين يديك يوم القيامة نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم:8].

    هكذا تتميز عندما تقبل على هذا الأمر العظيم، وليس ذلك فضلاً منك، وإنما هو واجب عليك، ولكن فضل الله سبحانه وتعالى يجعل على الواجب أجراً أعظم من الأجور التي تكون للمندوبات والمستحبات، وهذا من عظيم فضل الله عز وجل ومنته على الناس.

    ثم ما الذي يجعلك تتقاعس وأنت في كل حال وفي كل لحظة ووقت وفي كل ما يتصل بشأن هذه الصلاة مأجور عند الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأن الله جل وعلا جعل هذه الصلاة صلة بينك وبينه سبحانه وتعالى، فجعل في كل أمر من أمورها وفي كل شأن من شئونها أجراً عظيماً، حتى يبقى القلب موصولاً بالله، وتبقى الصلة دائمةً بالله سبحانه وتعالى.

    وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن أحدكم ما قعد ينتظر الصلاة فهو في صلاة ما لم يُحدث، تقول الملائكة: اللهم! اغفر له، اللهم! ارحمه) فهذه ملائكة الرحمن تتنزل من السماء لتشهدك وأنت تنتظر الصلاة في بيت الله ثم تتوجه إلى الله بالدعاء لك بالمغفرة والرحمة والرضوان.

    فأي وقت يكون طويلاً وأنت في هذه الحالة؟! ما بالك قد ترى أنك بكرت إلى الصلاة، أو جئت بعد الأذان فتنظر إلى ساعتك وتستطيل الوقت إلى الإقامة، وإذا أطال الإمام قليلاً في قراءته تململت ورأيت أن الوقت -كما يقال- قد ضاع؟! وأي وقت يضيع وأنت في بيت الله، وحولك ملائكة الله، والدعاء مرفوع لك إلى الله عز وجل، وأنت تسجل لك الحسنات وتمحى عنك السيئات؟ فهل ندرك عظيم ذلك الفضل الذي غفل عنه كثير منا ولم يستحضروا في قلوبهم ونفوسهم ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الصورة العظيمة التي شملت كل فضيلة في هذا الأمر؟

    وفي حديث عثمان رضي الله عنه -كما في صحيح مسلم - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس في المسجد غفر الله له ذنوبه) مغفرة عند الأذان، ومغفرة عند الوضوء، ومغفرة في السعي والمشي إلى الصلاة، ومغفرة عند أداء الصلاة، أليس هذا فضلاً عظيماً من الله عز وجل؟!

    ما بال الناس اليوم غفلوا عن هذا الفضل؟! فلا تراهم في المساجد إلا قليلاً، ويقلون بشكل أكبر في بعض الفرائض كصلاة الفجر أو العصر أو غيرها مما قد يكون فيه مشقة يسيرة لا يمكن أن تصد أو أن تحجب عن مثل هذا الأجر الكبير والفضل العظيم.

    وفي الحديث المشهور -الذي يحفظه كثير من الناس، وهو حديث ابن عمر في الصحيحين- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ -أي: الفرد- بسبعٍ وعشرين درجة) وما أدراك ما هذه الدرجات؟! وما أدراك ما فيها من الفضائل والحسنات؟! وهذا فضل عظيم ساقه الله عز وجل، وكلما شهدت الصلاة مع جماعة أكبر كان الفضل والأجر عند الله عز وجل أعظم.

    كل ذلك لتبقى مشدوداً متعلقاً بهذه الفريضة، وبعض الناس يختار الأدنى ويرضى بالأقل في أمر الدين، بينما هو في أمر الدنيا يسعى للمراتب العالية وللفرص العظيمة، وإن كانت صعبة أو شاقة، ولذا نجد بعض الناس كلما وجد فرصة للترخص أو لترك الصلاة مع الجماعة في المسجد أو لأي شأن من الشئون رأى أن في ذلك عذراً يكفيه لأن يرضى بالأقل من الأجر، كأنما قد غنمنا أجوراً كثيرة، وأمنا من معاص وسيئات عديدة، نسأل الله عز وجل السلامة.

    يقول النبي عليه الصلاة والسلام -كما في سنن أبي داود من حديث أبي بن كعب-: (إن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وإن صلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله عز وجل) أفلا تحب ما يحبه ربك؟! أفلا تستكثر مما يرضى به عنك الله عز وجل ويضاعف لك به أجرك؟! ولذلك نجد أن هذا كله متصلاً بالأمور التي لها صلة بالصلاة.

    1.   

    مكانة صلاتي العشاء والفجر

    لقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على أمر كان الصحابة فيه من المتنافسين، وكانوا فيه ممن ضربوا المثل الأعلى في شأن قيام الليل الذي كان يحييه بعضهم من أوله إلى آخره، وبعضهم معظمه، أو من منتصفه إلى آخره، ونحو ذلك، وقد تقاعست الهمم، وضعفت العزائم في عصرنا هذا عن قيام الليل، ولو بركيعات قليلات، ولذا جاء فضل من الله عز وجل عظيم وربطٌ لنا بأداء الصلوات في الجماعات كبير، عندما قال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله)، فكثيرون ممن يفرطون في الفجر يفرطون في عظيم الأجر.

    وكذلك يحذر النبي صلى الله عليه وسلم تحذيراً فيه خصيصة لك أيها العبد المؤمن، يا من شهدت صلاة الفجر في الجماعة؛ لأنها صلاة تأتي والناس غارقون في نومهم، أو سارحون في أحلامهم وقد أنسوا بالراحة بعد التعب، وشق عليهم أن ينهضوا من فرشهم الوثيرة بسبب البرد وغير ذلك من أسباب التثاقل والتكاسل، فإذا نهضت من تلك الراحة إلى طاعة الله فإن لك بشارة، وإن لك شهادة عظيمة من الله عز وجل أخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه كما عند الطبراني من حديث أبي بكرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله، فمن أخفر ذمة الله أكبه الله في النار لوجهه) قال أهل العلم في معنى قوله: (من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله) أي: في أمان الله عز وجل، وفي حفظ الله عز وجل، وفي رعاية الله عز وجل تحت عين ونظر الله عز وجل.

    فما أعظمها من شهادة! وما أعظمه من حفظ ورعاية! (فمن أخفر ذمة الله أكبه الله في النار لوجهه) قال العلماء: معناه على أحد قولين:

    الأول: تحذير من ترك صلاة الفجر في جماعة؛ لأن تاركها ينقض ذمة الله عنه فلا يعود محفوظاً، فيصيبه ما يصيبه عندما ينسحب أو ينتقض أمان الله وذمة الله له.

    المعنى الآخر -وهو جميل جداً ورائع جداً يبين لنا عظمة هذه الصلاة-: أن (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله) أي: فلا تتعرضوا له بشيء، لا تؤذوه ولا تتعرضوا له؛ فإنه في ذمة الله وفي حمايته، فإن تعرضتم له فقد تعرضتم لسخط الله عز وجل، فما أعظم هذه الحماية التي تؤتاها عندما تشهد صلاة الفجر في جماعة.

    1.   

    تبكير السلف إلى الصلاة وعدم التخلف عنها

    على المسلم أن يتأمل كم في هذه الصلاة من فضائل عظيمة، حتى إن سلف الأمة رحمة الله عليهم عندما فقهوا هذا فقه الإيمان وعرفوه معرفة العباد الأذلاء لله الراغبين في ثواب الله الخائفين من عقاب الله انعكس ذلك صورة حية في واقع حياتهم، فلم يكن أحد منهم يتخلف عن الصلاة، بل كان الأمر كما ثبت عن بعض الصحابة أنه قال: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، وإن كان الرجل ليؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. فهذا وصفٌ واضح قاطع معروف عند مجتمع الصحابة أن المتخلف عن أداء الصلوات في الجماعات منافق معلوم النفاق، أي: كأن نفاقه واضح بيّن دليله قاطع ظاهر. ولذا كانوا يحذرون من هذه الوصمة الخطيرة وصمة النفاق، حتى إن الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين، أي: يستند إلى رجل عن يمينه وآخر عن شماله لأنه مريض، لكنه يؤتى به على هذه الصورة حتى يقام في الصف ليشهد الصلاة مع الجماعة، لئلا يكون متخلفاً فيعد من المنافقين.

    وانظر إلى ما رواه البخاري في الأدب المفرد من حديث ثابت البناني أنه كان مع أنس قال: فمشيت معه إلى الصلاة، فقارب بين الخطا -أي: جعل الخطا متقاربة وأسرع في المشي- ثم التفت أنس إلى ثابت وقال له: كنت مع زيد بن ثابت فمشى مثل هذه المشية -أي: قارب بين الخطا- ثم التفت إلي -أي: التفت زيد إلى أنس - وقال: مشيت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمشى وقارب بين الخطا، ثم التفت إلي -أي: التفت الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ثابت - وقال: (إنما فعلت ذلك ليكثر عدد خطانا في طلب الصلاة) هذا فقه النبي الأعظم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وانعكس ذلك صورة عملية في الصحابة والتابعين وسلف الأمة الصالحين رضوان الله عليهم أجمعين.

    وهذا عدي بن حاتم -وهو من الصحابة- يقول: ما دخل وقت صلاة قط حتى أشتاق إليها. أي: يكون قد بلغ به الشوق أنه ينتظر دخول وقت الصلاة، فإذا جاء وقتها كان كمن ينتظر شيئاً محبوباً إليه طال وقت انتظاره إليه واشتياقه إليه.

    ويقول أيضاً: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء. أي أن الاستعداد المبكر والتهيؤ قبل دخول الوقت كان من سمة صحابة النبي عليه الصلاة والسلام ومن تأثر بهم من التابعين.

    فهذا إمام التابعين سعيد بن المسيب رحمة الله عليه يقول: ما أذن المؤذن منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد.

    منذ أربعين عاماً! فلو حسبنا كم في الأعوام من أيام وكم في الأيام من صلوات وما كان يؤذن المؤذن إلا وهو في المسجد طوال هذه المدة!

    قال عنه بعض أصحابه: صلى أربعين سنة في الصف الأول ما رأى قفا أحد. أي: لا يصلي في الصف الثاني فيرى قفا من في الصف الأول، بل كان على هذه الحال دائماً.

    وفي معجم الطبراني الكبير بسند حسن أن عنبسة بن الأزهر قال: تزوج الحارث بن حسان فصلى الفجر في ليلة زواجه. أي: في ليلة زواجه صلى الفجر في المسجد. وهذا أمر مشهور في حياتنا أنه إذا صلى العروس صلاة الفجر في ليلة عرسه فكأنما جاء بأمر غريب.

    فقيل للحارث: أتخرج وإنما بنيت بأهلك الليلة؟! فقال: والله إن امرأة تمنعني من صلاة الغداة في جماعة لامرأة سوء.

    أي: إن كان الزواج سيمنعني من صلاة الفجر في الجماعة فهذا لا شك أنه أمر سيئ لا يمكن أن يكون في طاعة الله عز وجل. فهذه الملامح تبين لنا كيف فَقِهَ سلفنا هذا الفقه، وكيف حرصوا على الغنيمة ولم يضيعوها.

    فالله نسأل أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا متعلقين بالفرائض، حريصين على الأجر والثواب، متسابقين في الخيرات ومسارعين إلى الطاعات؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    المحافظة على الصلاة فضلها ودلائل التهاون فيها

    إن من أعظم التقوى وأساسها ولبها المحافظة على الفرائض بشرائطها وسننها التي جاءتنا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما نتحدث هذا الحديث نعلم جميعاً أن الناس في هذه الحياة الدنيا لا يفرطون في أي غنيمة تتاح لهم وتعرض عليهم، بل يدعون إليها ويرغبون فيها، فإن فرط أحدهم في هذه الغنيمة أو قصر في مكسب كان يمكن أن يحوزه فلا شك أنه يوصف عند الناس بالتفريط، وربما بالحمق، وهو نفسه يعض أصابع الندم على ما فاته من هذا المغنم والمكسب، فكيف بنا مع هذه الغنائم الربانية العظيمة الأجر التي فُرضت علينا ورغبنا الله فيها وأعطانا عليها العطاء الجزيل الذي لا منتهى لحده ولا حد لوصفه؛ لأنه من عند الله سبحانه وتعالى.

    وفوق ذلك كله عندما تشهد الصلاة في جماعة فهذا هو الفضل والأجر، وهذا هو الأداء للفرض، وهذا هو الاتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك معالم أخرى جديرة بالاهتمام، فهذا هو شعار الإسلام الذي نعلنه ونرفعه، فإذا خلت المساجد وقل فيها المصلون كان ذلك دليلاً من أدلة ظهور النفاق وظهور التقصير في طاعة الله وظهور التفريط في جنب الله، واستحقاق السخط والغضب من الله عز وجل.

    أضف إلى ذلك أن كثيراً من الناس عندهم جهل، فلا يعرفون فقه الصلاة، ولا يحسنون التلاوة، فلو أنهم شهدوا صلاتهم في مساجد المسلمين لسمعوا تلاوة مرتلة وصلاة صحيحة، فيعينهم ذلك على أن يؤدوا صلاتهم على وجه تام؛ لأن بعض من يصلون منفردين هم على جهل، ويصلون صلاة ناقصة، وربما يقع فيها من الخلل ما يحكم به في الفقه بأنها صلاة باطلة.

    وهناك معانٍ أخرى كثيرة، مثل التعارف والتآلف والوئام، وفوائد أخرى يطول حصرها.

    وأقول: إننا قد فرطنا في هذا الأمر، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن بداية هذا التفريط هو منتهى التفريط في أمر الإسلام؛ لأن عرى الإسلام تنحل عقدة عقدة في آخر الزمان، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، وآخر ذلك الصلاة، وقد يقول قائل: ولم تنحل الصلاة؟

    فأقول: هذا المفرط الذي يترك الصلاة في المسجد، ويقول: ليست الصلاة واجبة علي في الجماعة. ثم بعد ذلك يرى أن الجماعة ولو في غير المسجد ليست لها أهمية، ثم يصلي منفرداً، ثم يتأخر عن أدائها في وقتها، ثم لا تبقى الصلاة كما كانت في حياة الصحابة، وكما أمرنا بها في هذه النصوص على النحو المطلوب، وحينئذٍ لا يكون لها الأثر المطلوب الذي أخبرنا الله عز وجل به في قوله: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] ولا تكون كذلك على نحو ما أمرنا الله عز وجل ووضحه لنا بقوله: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، وكل هذه المعاني تغيب وتضيع عندما نفرط في الجماعة على سبيل الترخص والتهاون.

    فهذه فضائل عظيمة، وهذه أجور كبيرة، وهذه غنيمة باردة، ينبغي أن لا نفرط فيها، وأن لا نضيعها، ومن الفطنة والذكاء، ومن الإيمان واليقين، ومن الحرص والرغبة أن نكون مترسمين خطا سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، فنسابق ونسارع ونرابط، ونسعى ونجتهد ونقوم في الليل، ونسعى إلى الصلوات في الجماعات لاسيما في الفجر، لا أن يكون حالنا أننا حتى في الجمعة التي هي مرة في الأسبوع يأتي كثير من الناس متأخرين، بل يأتون وقد انتهت الخطبة أحياناً وشرع الإمام في الصلاة، ونحن نعلم أن من طبيعة حياتنا أن صباح الجمعة ليس فيه أعمال، وأن الناس غالباً يخلدون فيه إلى النوم، فأي شيء يؤخرهم عن هذا الأجر وعن الفضل وعن الفرض قبل ذلك؟! فهذا تفريط وتقصير ينبغي أن نطهر أنفسنا منه، وأن نسعى إلى أن ننبذه في مجتمعنا وفي أنفسنا وفيمن حولنا، وفي أبنائنا وفي جيراننا، عسى الله عز وجل أن يرحمنا وأن يتقبل منا وأن ييسر لنا أمورنا.

    اللهم! إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.

    اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم! أنزل الرحمات، وأفض علينا الخيرات، وامح عنا السيئات، وضاعف لنا الحسنات، وارفع لنا الدرجات، واغفر -اللهم- لنا ما مضى وما هو آت، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم! إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك المخلصين، ومن جندك المجاهدين، ومن ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا قوي يا عزيز، يا منتقم يا جبار.

    اللهم! إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم! زلزل الأرض من تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم! أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار.

    اللهم! رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، خائفون فأمنهم، جائعون فأطعمهم، اللهم! سكن لوعتهم، اللهم! وامسح عبرتهم، اللهم! ارزقهم الصبر واليقين، اللهم! ارزقهم الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، اللهم! واجعل ما قضيته عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم! اجعل بلدنا آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم! واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم! اجعل عمل ولاتنا في هداك، ووفقهم لرضاك يا أرحم الراحمين.

    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.