إسلام ويب

من أعمال القلوب: (الرضا)للشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ الشيخ الدرس ببيان أهمية الرضا، ومدى ارتباطه بكلمة التوحيد، واشتماله على أصول الإيمان الثلاثة: معرفة الله، ومعرفة رسوله، ومعرفة دين الإسلام، ثم تكلم عن سورة الأنعام مبيناً اشتمالها على أنواع التوحيد الثلاثة. وعرض خلال ذلك مراتب الرضا موضحاً أن تحقق هذه المراتب متوقف على تحكيم العبد لشريعة الله في كل شئونه، ومدى تقبله لها، ورضاه بها،وتسليمه لها، ثم تكلم الشيخ عن أهم الاعتراضات التي ترد على ألسنة كثير من الناس الذين لم يحققوا الرضا، مبيناً ما يترتب على ذلك من الأحكام.

    1.   

    الأصول الثلاثة المندرجة تحت الرضا

    إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فإن هذا الموضوع الأخير من سلسلة مواضيع أعمال القلوب التي بدأناها هو الرضا -نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أن يختم أعمالنا وأعمارنا برضاه وأن يتقبلنا عنده في الفائزين المتقين، إنه سميع مجيب.

    الرضا: وإن كان الحديث عنه قليلاً، لكنه عمل قلبي عظيم، وهو الذي يندرج فيه شرطي القبول، والانقياد، وهما من شروط كلمة التوحيد، التي لا بد لتحققها من شروط؛ لأنها لو كانت مجرد كلمة أو مجرد لفظ يقال باللسان، لكان كل من قالها في زمن رسول الله -حتى المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار- من أهل النجاة والفوز عند الله تبارك وتعالى، ولكن لها شروط عظام، وقيود ثقال، منها ما سبق ذكره من المحبة، واليقين، والإخلاص، وما سنتناوله في هذه السلسلة -وهو الرضا الذي يجمع بين الانقياد، والقبول، أو الإذعان والتسليم، بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا كان الرضا بهذه المثابة، كان هو أساس الدين، وقاعدة الإيمان كما قال ابن القيم رحمه الله.

    الأصول الثلاثة:

    1- معرفة الله.

    2- معرفة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    3- معرفة دين الإسلام.

    كلها تندرج تحت الرضا، ولذلك يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه سلم رسولاً) وقال في الحديث الآخر: (من قال حين يسمع النداء -الأذان-: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسولاً غُفرت له ذنوبه) وجاء في رواية أخرى، من قال حين يمسي أو يصبح: (رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسولاً، دخل الجنة).

    فانظروا إلى قيمة الرضا، فقد اشتمل على الأصول الثلاثة جميعاً، وإذا كان المؤمن لا بد أن يرضى بهذه الأصول الثلاثة التي لا شيء من أمور الدين يخرج عنها -وهذا يدل على أهمية الرضا- فلابد أن يعلم حقيقة الرضا، ودرجات الرضا، وأن يتجنب ما هو ضد الرضا.

    ضد الرضا هو: الاعتراض، أو الممانعة، أو المنازعة فيما جاء عن الله وعن رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا كان أصل الدين وأساسه، وقاعدته، هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، التي هي التوحيد بأنواعه الثلاثة " توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات" فإن الرضا يشمل هذه الأنواع الثلاثة، ويشتمل على الفروع والأحكام أيضاً.

    ولذلك نجد أن الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- وهو من خير من كتب في موضوع الرضا، في كتابه النفيس القيم مدارج السالكين اشتق واستخرج هذه الثلاثة الأقسام للرضا، التي هي أقسام التوحيد من هذه الآية: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام:113] وسورة الأنعام هي سورة التوحيد العظمى، فهذه السورة من أولها إلى آخرها توحيد، حتى ما ذكر فيها من تشريع، فهو مرتبط أساساً بقضية التوحيد، وإفراد الله تبارك وتعالى.

    ومن ذلك أن الله تبارك وتعالى قال: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:164]. وهذا في آخرها، وهو دليل على توحيد الربوبية، لأنه قال أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً [الأنعام:164] وهو النوع الأول من أنواع التوحيد، فلا بد للعبد أن يرضى بربوبية الله تبارك وتعالى معتقداً أن الله تبارك وتعالى هو الخالق، والرازق، والمحي، والمميت، والذي يدبر الأمر، ويصرِّف هذا الكون، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويغني من يشاء، ويفقر من يشاء، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، ولا يملك أحداً غير الله تبارك وتعالى التصرف في مثقال ذرة في هذا الكون، إلا بإذن الله وقدره وتدبير منه تبارك وتعالى، فهذا هو الرضا بالله تعالى رباً.

    وأما توحيد الألوهية: وهو الرضا بالله تبارك وتعالى إلهاً ومعبوداً، وولياً، فقد جاء في قوله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الأنعام:14]، والولي: المقصود به الإله المعبود المحبوب، لأن أصل العبادة- كما بينا في موضوع المحبة - هي المحبة وهي التأله والوله وتعلق القلب، ومن تعلق قلبه بشيءٍ فقد عبده، والذي يستحق أن تتعلق به القلوب، وأن تعظمه، وأن تؤلهه، هو الله تبارك وتعالى.

    والولاية المقصود بها هنا العبادة، والتأله والتقرب إلى الله تبارك وتعالى، والتي من لوازمها، الموالاة في الله، والمعاداة في الله، وهي أن يحب الإنسان المرء لا يحبه إلا لله، وأن يبغض المرء لا يبغضه إلا لله، فيكون قلبه ولاءً وعداءً وحباً وكرهاً في الله، ومن أجل الله تبارك وتعالى فهذا من لوازم الولاية.

    1.   

    مراتب الرضا بحكم الله وشرعه

    ثم ذكر ابن القيم رحمه الله في قوله تعالى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً [الأنعام:114] قال: وهذا هو النوع الثالث من أنواع الرضا.

    وهو أن يرضى بالله وحده لا شريك له حكماً، فيتحاكم ويحاكم إليه، في كل شأن من شئونه، فتراه يحتكم إلى ما أنزل الله تبارك وتعالى في كتابه، وإلى ما جاء به رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعلى هذا كانت درجات الرضا ومقاماته.

    وتقسيم مراتب الرضا، هو بحسب تحكيم العبد لما أنزل الله، ولما جاء عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أصول الدين وفي فروعه، وفي معاملاته مع الناس وفي كل شأن من شئون حياته، سواء أكانت أُمةً، أم دولةً، أم أفراداً، فلا بد أن يكون التحاكم والرجوع هو إلى الله تبارك وتعالى وإلى ما أنزل، كما قال الله تبارك وتعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].

    ثم إن ضد الرضا هو: المنافاة، والمعارضة، والاعتراض، والمدافعة، والمنازعة، والممانعة، فلو تأملنا في هذه الآية الكريمة لوجدنا أنها تبين مراتب الرضا، ودرجاته التي بها ينتفي كل منازعة، ومعارضة، فهي تبدأ أولاً بالتحكيم، وتنتهي بالتسليم.

    المرتبة الأولى من مراتب الرضا: التحكيم

    أما التحكيم فلا بد منه لصحة إيمان العبد، فلا يكون المسلم مؤمناً، ولا مسلماً إلا بأن يحكِّم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    وأصل التحكيم: الإقرار بأن ما جاء به الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الحاكم على كل ما سواه، كما جاء في الحديث: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد} قال العلماء: التقدير ''ليس حاكماً وقاضياً عليه أمرنا فهو رد'' فأمر الله وأمر رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الذي يقضي ويحكم على الأهواء، والرغبات، والشهوات والقوانين، والعادات، والأعراف، والأوضاع، وكل ما يخطر ببالك مما يعارض ما جاء به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو يمكن أن يعارضه، فيجب أن يكون الحاكم عليه هو ماجاء به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا يقدم على ذلك شيء مهما كان.

    فهذا التحكيم من وقع ومن وقر في قلبه وأقر به فقد حقق درجة الإسلام، وحقق المرتبة الأولى من مراتب الرضا، وهي الرضا بالله رباً، وبالإسلام دينا، وبمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسولاً، لكن لا يزال في الدرجة الأولى، وحاله كحال الأعراب الذين قال الله تعالى فيهم : قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) [الحجرات:14]، فمن كان هذا حاله فهو بحاجة إلى درجةٍ أعلى حتى يكون من أهل الإيمان، ولذلك بعد قوله: حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ، قال: ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ [النساء:65].

    المرتبة الثانية من مراتب الرضا: انتفاء الحرج

    والحرج هو: التردد، والريبة، والشك فيكون في النفس منازعة، وممانعة -وإن كانت خفية- واعتراض -وإن كان غير معمول به- فهو قد تحاكم إلى شرع الله لكن يجب عليه أن ينفي الحرج الذي يقع في القلب، فكثير من القلوب عند ما تسمع حكم رسول الله يقع فيها كثير من الأسئلة والشكوك.

    فيقول:كيف أعمل بهذا؟! أيصح هذا؟! وإن كان هذا الحديث قد قاله الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لكن هل فعلاً ينطبق على الواقع؟! هل فعلاً أن هذا علاج حقيقي لمرض من الأمراض الاجتماعية أو النفسية؟! فهذه الشكوك، والريب، والخواطر، التي ترد على القلوب لا بد أن تزول لكي ينال المرء درجة الإيمان، التي هي المرتبة الثانية من مراتب الدين.

    ومن مراتب الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبياً ورسولاً ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ [النساء:65].

    فمهما كان الأمر، ومهما خالف العادات والتقاليد، ومهما رأيت الخلق أطبقوا على مخالفته، فعليك أن تعلم أن الحق، والخير والهدى، والصواب، فيما قضى به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفيما جاء به من أمور الدين أصولاً، أو فروعاً، في المعاملات، أو في الأحكام، أو في أي شيء مما جاء به، وكذلك أن يؤمن أن الأخبار كلها حق، وصدق، ولا يكون في نفس المؤمن أدنى حرج من أن هذا الخبر يحتمل أن يكون كذلك أو لا يحتمل!

    فهذا هو حال أصحاب الدرجة الثانية من المؤمنين.

    المرتبة الثالثة من مراتب الرضا: التسليم

    التسليم هو أفضل المراتب وأعلاها، التي يتنافس فيها المقربون، والصديقون، وأولياء الله تبارك وتعالى، وهي التي قال الله تعالى عنها: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65]، فهذه الدرجة هي درجة التسليم الكامل، والانقياد المطلق، بحيث لا توجد أدنى منازعة، ولا معارضة، بل بالعكس فهنا يكون الاندفاع، والرغبة، والتصديق المطلق، والمحبة لكل ما جاء به محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأخبر عنه، كما يجب عليه أن يسمع قول الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كل شيء ثم يصدق بذلك تصديقاً لا يداخله أدنى ريبة ولا شك، ولا يمكن أن يخطر بباله أدنى اعتراض، مهما قلَّ، فهذا هو مقام الإحسان.

    الرضا بأحكام الله والصبر عليها

    من خلال ما سبق يمكن إجمال مراتب الدين كالتالي:

    الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان وهو أعلاها مرتبة وأعظمها.

    ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله: ''إن الرضا من أعمال القلوب، نظير الجهاد من أعمال الجوارح'' فأفضل وأعلى وأشد أعمال الجوارح هو الجهاد، الذي يخرج فيه الإنسان بماله ونفسه في سبيل الله من أجل أن يقاتل أعداء الله تعالى، متعرضاً للموت، ولفقد الروح التي هي أغلى ما عند كل مخلوق، فهذا في عمل الجوارح.

    وأما أعمال القلوب فهي درجات، فالعمل الذي يقابل الإحسان هو الرضا، لذلك يقول أبو الدرداء -رضي الله عنه وهو من تعلمون حكمته، وعظيم منزلته في الدين، وبين أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [[ذروة سنام الإيمان الصبر للحكم، والرضا بالقدر]].

    فكل ما حَكم الله تبارك وتعالى به أو شَرعه فلا بد أن تصبر عليه وأن تتعبد الله به، وأن تصبر وتصابر وتصطبر لكي تعبد الله كما أمر الله وشرع الله، فهذا هو الصبر للحكم، وأما الرضا بالقدر فهو نوع من أنواع الرضا -كما سنبين إن شاء الله في أنواع الاعتراض- حيث إن أكثر اعتراض العامة يكون على أقدار الله، فعامة الخلق أكثر ما يعترضون على أفعال الله، وأحكامه، وأقداره -والعياذ بالله - فالمثال جاء بالقدر؛ وإلا فالرضا بالدين، وبالشرع، وبالأمر أعظم من ذلك، وكلها لا بد منها، وهي مطلوبة، فجعل الرضا ذروة سنام الإيمان، وبذلك يتبين لنا أهمية هذا العمل القلبي العظيم، ونعلم أن الله تبارك وتعالى عندما خاطبنا، بين لنا إكمال الدين والإيمان، خاطبنا فيه أو ذكره لنا باسم الرضا كما قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3]، فإن هذا يستلزم في المقابل أن نرضى بما كتب وأنزل وشرع سبحانه وتعالى، وبما قضى به الله تبارك وتعالى إما في كتابه، أو على لسان رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهذا يؤدي بنا ويدلنا إلى أهمية معرفة أنواع الاعتراضات التي يعترض بها من لم يحقق الرضا.

    1.   

    اعتراضات الذين لا يتحققون بالرضا

    جاء من الناس من يعترض على ما أنزله الله، أو جاء به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنواع الاعتراض على ما جاء من عند الله، والتي تقدح في الرضا، وهي في هذا العمل القلبي العظيم كثيرة متفاوتة منها:

    الاعتراض على توحيد الله وأسمائه وصفاته

    أعظم أنواع الاعتراض: الاعتراض على الله تعالى في دينه، وفيما أنزل من الدين، ووصى به جميع الأنبياء والمرسلين، وبعث به هؤلاء أجمعين، وفرضه على خلقه كافة من توحيده عز وجل ومعرفته بأسمائه وصفاته، ولذلك ظهر في هذه الأمة -مع الأسف الشديد- من يعترض على ما أنزل الله تعالى في أصل الدين، فظهر فيها من يعترضون على أسماء الله وصفاته، وهو الذي له صفات الكمال، ونعوت الجمال، وله الأسماء الحسنى عز وجل وله المثل الأعلى في السماوات والأرض، وما من صفات كمال إلا وهي له، فأي صفة كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه فالله تبارك وتعالى له فيها الكمال المطلق.

    ثم جاء المعترضون على هذا فنفوا صفات الله عز وجل واعترضوا عليها، وأوَّلوا كلامه، وردوا ما جاء عن رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا يمس أصل الدين وأصل الإيمان، فبعضهم أنكر أسماء الله وصفاته كلها، كـالجهمية، والمتفلسفة، والباطنية وأمثالهم ممن انحرفوا عن الصراط المستقيم، فهؤلاء لا خير فيهم مطلقاً، ولهذا أخرجهم كثير من العلماء عن فرق الأمة وطوائفها مطلقاً- نعوذ بالله من الضلالة - لأنهم لا يؤمنون حقيقة ًبالله عز وجل لأننا لا نعرف الله عز وجل إلا بأسمائه، وصفاته، فإذا كنا لا نعرف من نعبد، فكيف نعبده تبارك وتعالى؟!

    فلنفرض أن أحداً كان من أعبد خلق الله؛ لكنه لا يعرف الله، ولا يعرف أن ربه تبارك وتعالى وأن معبوده عز وجل استوى على العرش -كما أخبر في سبعة مواضع من كتابه- فعندما يسجد ويتعبد ويقول: سبحان ربي الأعلى، وهو لا يعرف علو الله فهو متناقض مع نفسه، فكيف يعتقد شيئاً ويقول بخلافه، فلا يمكن أن يُعبد الله عز وجل إلا إذا عرف الله تبارك وتعالى على الحقيقة.

    ويليهم: المعتزلة الذين أنكروا جميع الصفات، وأثبتوا الأسماء، وجعلوها مترادفات للدلالة على الذات، فالعزيز والحكيم والجبار والمتكبر وكل الأسماء معناها واحد، فهي مجرد أسماء تدل على الذات، ولا يشتق منها صفات، فهم يقولون -مثلاً-: إن الله تعالى اسمه الحكيم، ولكن لا نشتق منه الحكمة، أو العزيز فلا نؤمن بأن له تعالى صفة العزة... وهكذا، فنفوا ذلك جميعاً، وجعلوها كالأعلام المترادفة في الدلالة على الذات.

    ثم الأشعرية وهم: الذين خففوا وهذبوا شيئاً من غُلو هؤلاء، ولكنهم لم يثبتوا لله ما أثبته لنفسه تبارك وتعالى أو أثبته له رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من غير تعطيل، ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تأويل.

    فخلاصة القول: أننا نحن الذين رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبكل ما يخبرنا به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    نؤمن بما ذكر وبما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن كل ذلك حق، ولا نفرق بين شيء منه، فنؤمن بعلوه، ونؤمن بنزوله عز وجل في الثلث الأخير من الليل، ونؤمن بأنه تبارك وتعالى يأتي ويجيء يوم القيامة لفصل الحساب، ونؤمن بأنه يكلم ويخاطب من شاء، متى شاء وكيفما شاء، إلى آخر هذه الأسماء والصفات لله تبارك وتعالى، فأولئك الذين سبق ذكرهم هم النوع الأول من الذين اعترضوا في أصل الدين.

    الاعتراض على أمر الله الشرعي

    هناك نوع آخر لم يعترضوا على ذلك، وإنما جاء اعتراضهم من باب آخر، ولا سيما في زماننا هذا، وهم الذين اعترضوا على الشرع، وعلى ما قضى الله تبارك وتعالى به قضاءً شرعياً، وعلى أحكام الله التي جعلها لعباده من الحل، والحرمة، والوجوب، والتحريم، والندب، وغير ذلك، مما يشمل أحوال الناس، ومعاملاتهم وشئونهم في هذه الحياة الدنيا.

    فجاء هؤلاء القوم واعترضوا على هذه الأحكام وعلى هذه الشريعة بالقوانين الوضعية، وربما اعترضوا عليه بالآراء والعادات الجاهلية -كحال أهل البوادي وأمثالها- فحكموا الطواغيت أو ما أشبه ذلك، فكل هذا اعتراض على شرع الله، وحكمه الشرعي الديني، وهذا خطير جداً، وهو يدخل أيضاً في الاعتراض أو يلحق بالاعتراض على أصل معرفة الله، ويلحق به ويليه بالدرجة من جهة أنه كفر بالله تبارك وتعالى.

    كمن يعترض على ما شرع الله عز وجل في حد الزنا -وهو الرجم للزاني إن كان محصناً، أو الجلد إن كان غير ذلك، بشروطه المعروفة -فيلغي ذلك، وينسخه، ويجعل مكان الجلد التحميم، كما فعل اليهود، أو يلغي الجلد أيضاً، ويجعل مكان ذلك كله الحبس أو الغرامة، كما في القوانين الوضعية التي تحكم أكثر العالم الإسلامي اليوم ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    ويعترضون على حكم الله تبارك وتعالى الذي قال فيه: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [البقرة:275]، فيجعلون الربا حلالاً، ويستحلونه ويضعون له الأحكام الطويلة، ويشرعون كيفية إباحته، فيحددون نسبته وآجالاً معينة لها، ويجعلون له ألواناً وأشكالاً من الأخذ والعطاء، والدفع، والاحتيال، بل والاستحلال لدين الله تبارك وتعالى وتقوم على هذه التشريعات الوضعية المنافية لكتاب الله وسنة رسوله صروح وأعمدة للاقتصاد الوطني أو العالمي كما هو ملاحظ الآن.

    فهذا -أيضاً- اعتراض على الله تبارك وتعالى فيما شرع من أحكام، ولا يشك عاقل أن الربا من أخطر ما يرتكب من الذنوب، كما بين ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: {الربا سبعون باباً أيسرها كأن ينكح الرجل أمه}، وفي الحديث الآخر: {درهم رباً أشد من ست وثلاثين زنية}، والعياذ بالله، والله تبارك وتعالى قد تأذن عليهم بالحرب: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279]، يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله: ''إن الربا من آخر ما نزل، وقد توعد الله تبارك وتعالى بالحرب ثقيفاً وغيرها من القبائل لما أرادت أن لا تحرم الربا، فكانت العقوبة أن يحاربها رسول الله'' فالمقصود أن من أحله، وشرَّع تحليله، فهو معترض على الله تعالى في ذلك.

    وأسوأ منه الذي يجاهر ويقول: الذي شرعه الله لا يصلح أن يكون للحياة الحديثة، أو للاقتصاد الحديث، أو إننا في هذه الأيام لا بد أن نأخذ بالتشريعات المنافية، والمخالفة لما جاء في القرآن، فهذا -والعياذ بالله- معترض على الله تبارك وتعالى اعتراضاً واضحاً بيناً جلياً، فلا حظَّ له في الإيمان وليس داخلاً في الذين ذكرنا درجاتهم، لأنه كما ذكر الله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65].

    فهذا لم يحكِّم أصلاً، فضلاً عن نفي الحرج، أو التسليم، ولذلك فهو غير مؤمن -نسأل الله العفو والعافية- ويقاس على ذلك أشياء كثيرة، كحد السرقة مثلاً، وحد الردة وغير ذلك.

    الاعتراض على إخبار الله عما في الكون

    هناك نوع آخر من أنواع الاعتراض، وهو أيضاً يقدح في الإيمان وفي أصل الدين والإيمان، وهو مناف للرضا أيما منافاة! وهو الاعتراض على أخباره، أو أوامره بما وضعه البشر من أهواء، أو أفكار، أو نظريات قديمة، أو حديثه.

    مثلاً: أخبرنا الله تبارك وتعالى أنه خلقنا نحن جميعاً من نفس واحدة، وجعل منها زوجها، والنفس الواحدة هي آدم، وخلق منها زوجها هي حواء، ثم جعل السلالة البشرية بعد ذلك تتناسل من هذين، فكل من تراه على وجه الأرض، أو من عاش فوقها من البشر، فهم من بني آدم، وأبوهم آدم، وبين الله كيفية الخلق ومم هو في أكثر من آية، فهذا أمر قطعي، يقرؤه كل مؤمن ويجده واضحاً في كتاب الله.

    ثم يأتي قائل -كما هو مشهور الآن في العالم، ويدرس ويلقن أبناءنا وبناتنا- فيقول: ''لا. هؤلاء البشر الذين تراهم، على اختلاف أعراقهم، وأجناسهم، وألوانهم، هم منحدرون من سلالة حيوانية'' وهذه هي نظرية التطور، وهي تقول: إن الأصل القديم حيوان تطور، فأصبح قرداً، وهناك حلقة مفقودة بين القرد وبين الإنسان ثم جاء الإنسان، فعلى هذا فلا يكون هناك آدم، ولا نفس واحدة، ولا خلق الله تبارك وتعالى العالم كما أخبرنا، وكما جاء في القرآن، وإنما يريدون منا أن نؤمن وأن نعتقد ما يعتقدون، ونحن نقول: إن والإيمان بها كفر يخرج صاحبه من الملة، ومن أقرَّها أو قررها أو درسها فقد اعترض على ما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    وهناك مثال آخر: فنحن نعلم أن الله عز وجل خلق كل إنسان منا في هذا الوجود على الفطرة القويمة فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30]، وكما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {كل مولود يولد على الفطرة} فنؤمن أن كل مولود يولد على الفطرة، التي هي {على الملة}، كما بينتها الرواية الأخرى، فكل مولود يولد في الهند، أو في اليابان، أو في إفريقيا، أو في مكة، أو في غيرها يولد على ملة الإسلام، وعلى الدين القويم، ولكن الفطرة تتغير بالتربية كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه}.

    فجاءت النظريات التربوية والنفسية الحديثة -كما يسمونها- تنافي ذلك كله وتقول: إن الإنسان يولد كل بحسب رأيه.

    فمثلاً: نظرية فرويد اليهودي الخبيث، تجعل الإنسان كائناً جنسياً، أو أنه ما ولد ليتدين وإنما كل حركة من حركاته فهي بدافع الرغبة، والشهوة الجنسية، وهذا كلام بمنتهى القذارة، ولكنه ليس بغريب من يهودي خبيث يريد أن يهدم أخلاق البشر جميعاً، والأغرب منه أن يأتي أبناء المسلمين، فيقررون هذا الكلام في مناهجهم التعليمية التي يتلقاها الأبناء، دون أن يذكر أن هذا كفر، وضلال.

    وتأتي النظريات الأخرى، كالنظريات التربوية الاستراتيجية، والنظريات الرأسمالية، ونظريات كثيرة، كل نظرية تفسر رغبات الإنسان، وميوله، منذ ولادته بما ترى، فمثلاً النظرية السلوكية في أمريكا وحدها تنقسم إلى أكثر من عشرين مدرسة نفسية، كل منها لها نظرية عن هذا المخلوق العجيب، ثم تأتي هذه النظريات وتقرر باسم علم النفس، وباسم علم الاجتماع، وما أشبه ذلك من العلوم ولا ينظر في هذه العلوم إلى ما جاء عن الله وعن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    أما في النظريات الكونية فإن الله تبارك وتعالى أخبرنا عن هذا الكون بما يكفينا لمعرفته سبحانه، لا لنعرف تفصيلات هذا الكون، ولنعلم أن له رباً، خالقاً، حكيماً، مدبراً تبارك وتعالى، فإذا جاءوا وأخبرونا بخلاف ذلك، كأن يقولوا: إن السماء فضاء لا نهاية له، والله تبارك وتعالى قد أخبرنا أنها سبعاً طباقاً، والنبي في ليلة الإسراء والمعراج يستأذن هو وجبريل في الأولى، ثم في الثانية، والثالثة.. إلى السابعة، وأخبرنا من لقي في الأولى، ومن لقي في الثانية، وفي الثالثة..إلى السابعة، فكلامهم هذا هراء! ونحن نؤمن بما ذكر الله تبارك وتعالى ونرد ما يخالفه.

    فهؤلاء الذين يأتون بنظريات مخالفة لما جاء في كتاب الله تبارك وتعالى، هم من المعترضين على ما جاء عن الله، ومن عند الله.

    أيضاً من يأتي بالنظريات عن صفات الإنسان البشرية، فيعارضون بها ما أخبر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عن صفات هذا المخلوق، من أن المرأة دون الرجل في الخلقة، ومن ثَمَّ هي دون الرجل في الواجبات، وفي حمل الأمانة، أو بمعنى آخر: أن الله تبارك وتعالى خلق الذكر والأنثى، وجعل لكل منهما عبادة تتناسب مع ما خلقه وفطره عليها، وتتناسب مع تكوينه الذي كونه الله تبارك وتعالى عليه، وبالتالي جاء هؤلاء وأرادوا أن يجعلوهما في العمل، والواجب، والحقوق والميراث متساويين، وهذا مما يدخل في الاعتراض على الأحكام، فقالوا: ليكن الميراث واحداً، لاكما ذكر الله تبارك وتعالى حيث فرض للذكر مثل حظ الأنثيين، ويريدون أن يجعلوهما واحداً في كل شيء، فللمرأة حق في الانتخابات، وفي الوصول إلى الوزارة، أو أن تكون رئيسة للدولة، أو أن تفعل كل ما يفعله الرجل من الأعمال، وكذلك لها مثل ما له من الحقوق، ومنها هذا الحق في الميراث، فهؤلاء من الذين يعترضون اعتراضاً جلياً واضحاً على ما شرع الله، فكانوا ممن لم يرض بدين الله تبارك وتعالى.

    الاعتراض بالأقيسة الفاسدة والأهواء

    هناك نوع من الناس -وهذا واقع في هذه الأمة مع الأسف الشديد كثير جداً ولا حوله ولا قوة إلا بالله- يعترضون بنوع آخر في الاستدلال، ومعرفة الأحكام، وتراهم يعترضون على ما صح عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتراهم يبلغهم الحديث الصحيح عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيردونه، أو يتأولونه بكلام فلان من أئمة المذاهب أو بقياس كما يسمى، أو بالنظر، أو بالعقل، إلى آخره، فيردون الحديث، ويعترضون على ما أخبر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى ما شرع من الدين بالقياس، أو بالرأي، أو بالهوى، أو ما يسمونه بالقواعد المنطقية، أو القواعد الكلية، أو ما أشبه ذلك من المسميات، وهي مخالفة لما جاء عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليست مأخوذة عنه، ولا متلقاة عن هديه.

    فهؤلاء القوم قد ابتليت بهم هذه الأمة حتى قال قائلهم: ''أي حديث يخالف مذهبنا فهو إما ضعيف أو منسوخ'' سبحان الله! جعل المذهب هو الحكم! فأي حديث يخالف المذهب فهو إما ضعيف، أو موضوع، فلا يؤخذ به، ولا يعتد به، أو منسوخ، وأن العمل يجب أن يكون على المذهب، فتعصب هؤلاء المقلدون كلٌ لمذهبه الذي ينتسب إليه، ومزقوا هذه الأمة، وفرقوها حتى وقع القتال، وأريقت الدماء، وكم من دماء أريقت من أجل حكم فرعي، فلو اتفق الجميع على قبول الحق والإذعان إلى ما شرع الله، لكانوا جميعاً على أمر واحد كما أمر الله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103] وإن اختلفوا في فهمه؛ فكل منهم يعذر الآخر باجتهاده، ولكن الهوى والتعصب جعلهم يتقاتلون، فكم وقع من قتال في خراسان، وما وراء النهر بين الشافعية والحنفية، وكم وقع في اليمن بين من ينتمي إلى الفقه الهادوي -أي: الزيدي- وبين الشافعية، فهذا دليل على التعصب المقيت، الذي لو تأمل هؤلاء قليلاً لوجدوا أن أئمة المذاهب ينكرون هذا، ولا يقرونه، وكل منهم كان مجتهداً يريد الحق، كما بين شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله في كتابه الجليل "رفع الملام عن الأئمة الأعلام".

    الاعتراض بالكشوفات والرؤى والأحلام

    يوجد نوع آخر من الاعتراض على الدين، والعبادة والشرع الذي شرعه الله، بالخيالات وبالكشوفات، وبالمنامات، وبالرؤى، وبالأحلام، وما أشبه ذلك، وهذا حال الصوفية كما هو حال المتعصبة من الفقهاء، تقول لهم: إن الله تعالى حرم هذا، أو قال فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كذا، فيقول: الشيخ الفلاني نام ورأى الخضر عليه السلام في المنام وقال هذا حلال، سبحان الله! ومن قال لك بأن الأحلام والمنامات يعمل بها في معارضة ما جاء من الوحي في كتاب الله؟! ومن قال لك: إن هذا الذي في المنام هو الخضر، لماذا لا يكون الشيطان؟! وهل يحق للخضر أو كائناً من كان، أن يشرِّع غير ما جاء به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو أن يحدث في الدين ما ليس منه؟! بل تصل ببعضهم الجرأة -عياذاً بالله- إلى القول بأنه يرى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقظة، فبعضهم يقول: مناماً ثم يتدرج ويقول: يقظةً، ويقول: هذا حلال وهذا حرام، يعلِّمه أمراً غير ما نعلمه نحن في الكتاب والسنة، وهذا اتهام عظيم شنيع لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه ادخر شيئاً من الدين، أو أنه لم يعلِّمه للعالمين، واختص به هؤلاء الضالين المضلين في آخر الزمان.

    ولا ريب أن هذا شيطان إن جاءه، وإلا فهم كاذبون بما يدعون، وإنما يريدون أن يعترضوا على ما ثبت من الدين بهذه الأباطيل، وهذا إفك وافتراء، سواء أكانت أحلاماً، أم منامات، أم خيالات، أم كشوفات، كما يسمونها.

    بل إن أشد من ذلك كله الذين يعتقدون من أئمة الصوفية أن الله تعالى يخاطبهم بنفسه، ويتكلم معهم، ويناديهم فحقيقة هؤلاء أنهم مدعون للنبوة! لأن من كلمه الله تعالى بلا واسطة، فقد أصبح نبياً بلا ريب، فهؤلاء يدعون النبوة، وحقيقة أمرهم أنهم يريدون القول بأنهم أنبياء، ولا يؤمنون بنبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -والعياذ بالله- فلذلك كم تقرأ في كتبهم أن الشيخ الفلاني كان يعمل من الأعمال التي لا تجوز ولا تحل، وذلك بسب أن المنادي ناداه فقال: يا عبدي فلان هذا حلال، فاستحله وفعله! فهذا شيطان اتخذه عبداً له، وناداه وأمره بأمر يخالف الشرع، ليخرجه من الدين بالكلية، ويتوهم هذا المخدوع الضال -وربما كان مفترياً ومضلاً- أن المخاطب له هو الله تبارك وتعالى!

    وهذا من الدجل المنتشر في أكثر أنحاء العالم الإسلامي، وإن كان ولله الحمد قليلاً في هذه البلاد الطيبة -إن شاء الله- وقد بدأ نور الخير، والسنة، واتباع منهج السلف الصالح، ولله الحمد ينتشر في كل مكان، ولكن هذا مرض موجود في الكتب، وفي واقع الحياة، وهو من أسوأ أنواع الاعتراض على ما جاء عن الله، وعن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو مناف للرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبياً ورسولاً.

    الاعتراض على ما شرع الله بالأعراف والعادات والأهواء الجاهلية

    وهذه عادة مذمومة ذكرها الله عن الذين كذبوا الأنبياء، وردوا دين الله عز وجل وقالوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [البقرة:170].

    فهذا النوع منتشر في الأمة -إلا من رحم الله- وقليل من الناس مَنْ لديه الاستعداد أن يترك عادات القبيلة اتباعاً لما أمر به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأما الكثير منهم فتقول له: هذا حرام وهذا الحديث عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا ينـزجر ولا يتراجع عن حكمه وهواه.

    فمثلاً في الطرب والموسيقى وما أشبه ذلك، يقول: العادة عندنا كذا، والجماعة كذا، والقبيلة كذا، والناس كذا! فيعترض على الدين، وعلى الشرع، بالعادات، والأعراف، والأهواء، والأوضاع الجاهلية، والأمثلة على هذا كثيرة فلا نطيل فيها ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    الاعتراض على حكمة الله وقدره

    من أنواع الاعتراض الاعتراض على حكمة الله، وعلى قدر الله، وعلى أفعال الله تبارك وتعالى.

    وهذا قديم ومنتشر بين الناس - إلا من وفقه الله للرضا ولحقيقة الرضا- وأكثر المعترضين كفارٌ وهم الذين اعترضوا على أصل الدين، وأصل القدر، وأصل الاختيار، وقدوتهم في ذلك إبليس اللعين، الذي اعترض على أمر الله تبارك وتعالى له بالسجود لآدم، فجعل ما أمره الله به مخالفاً ومنافياً للحكمة، لأنه يرى أن النار أفضل من الطين: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12]، فيرى أن عنصر النار أفضل، فمعنى قوله: إن من الحكمة أن يسجد الطين للنار وليس العكس!

    وكثير من الناس يقعون في هذا وفيما هو أشد منه وهم يعلمون أو لا يعلمون، وبهذا طرده الله من رحمته، وجعل عليه لعنته إلى يوم الدين، وأصبح رأس الكفر في الدنيا، والمشركون تعلموا منه هذا النوع، فاعترضوا على أن يكون الرسول بشر: فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [المؤمنون:47]، وفي الآية الأخرى قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا [يس:15].

    فهم يريدون أن يكون الرسول المرسل إليهم ملكاً، أما إذا كان رجلاً فلا، والله تعالى له الحكمة العظيمة في ذلك وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام:9]، حتى تكون القدوة، وتكون الأسوة، فيكون هذا بشر، وهذا بشر، فلو كان ملكاً في الحقيقة لجعلناه بشراً في الصورة، حتى يكون من جنسهم، ويخاطبهم، ليقتدوا به وهو من جنسهم، أما لو جاءهم ملك لقالوا: أنت ملك، تصلي لأنك ملك أما نحن فبشر لا نستطيع، وإن تترك الشهوات فلأنك ملك، أما نحن فبشر فلا نترك الشهوات والمحرمات... وهكذا.

    فيعترضون على حكمته وقدره، ولهذا يقول الله تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص:68]، فيبين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنه ليس لهم أن يختاروا أن يكون الرسول بشراً، أو ملكاً، أو أن تكون الرسالة في رجل دون الآخر كما حكي عنهم: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31].

    فاعترضوا على عدم جعل الله تبارك وتعالى هذه النبوة وهذا الوحي وهذا الذكر ينزل على عروة بن مسعود، أو الوليد بن المغيرة، على رجل من القريتين -مكة والطائف- أما أن ينزل على محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليس عنده أموال، أو وجاهة في قريش، أو عنده عبيد وجواري، ولا كذا، فاعترضوا على حكمته؛ ولهذا يقول الله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:32]، فالمعيشة الدنيوية هذه يقسمها الله تبارك وتعالى بين خلقه كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [الإسراء:20]، أما النبوة، وأما الرحمة فالله أعلم حيث يجعل رسالته، ولا يحق لكم أن تعترضوا على اختيار الله تعالى، وتقولوا لو أنه اختار فلاناً، ولو أنه نبَّأ فلاناً لآمنا به، أما وقد نبَّأ فلاناً فلا!

    كما اعترضوا على الأتباع: قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ [الشعراء:111]، كما قال قوم نوح، وقريش قالوا للنبي : ''اطرد هؤلاء الضعفاء لنجالسك نحن عظماء القوم، ونسمع منك، أما أن نجلس معهم، ونتأذى بروائحهم، فنحن لا يليق بنا ذلك'' وهذا من اعتراضهم على أتباعه وأتباع دينه، لذا نهاه ربه عن ذلك فقال: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52]، فهؤلاء الذين يرجون وجه الله، هم خير عند الله تبارك وتعالى وهم أفضل من أولئك، ولكن الله تعالى جعل بعضهم لبعض فتنة وهو أعلم بالشاكرين، فجعل إيمان الضعفاء فتنة؛ لكي لا يؤمن الكبراء وهذا من حكمة الله عز وجل.

    كما اعترضوا حتى على القرآن، فقالوا: لو أنه نزل جملة واحدة، فهم لا يريدونه أن ينزل بحسب الأحداث، ومنجماً بحسب الوقائع، بل يريدونه أن ينزل جملة واحدة، فرد الله تبارك وتعالى على هذا الاعتراض، وبين أن الحكمة من ذلك التثبيت، ولكي لا يأتوا بمثلٍ إلا جاءهم بالحق وأحسن تفسيراً، وهناك أنواع كثيرة من أنواع الاعتراض التي اعترض بها الجاهلون والمشركون.

    وأيضاً قد اعترض المنافقون، الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، فهم يعترضون دائماً على أوامر الله، فأصحاب الشهوات في كل مكان، وفي كل زمان، لا بد أن يعترضوا على دين الله، ولا يرضيهم ذلك، فلذلك يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط}.

    فهذه عبوديته: إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، وهذا ما فعله المنافقون، وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [التوبة:58].

    فترى المنافق وأصحاب الشهوات إذا تحققت شهواتهم ورغباتهم، قالوا: أحسنت وهذا حكم طيب، وأنت حقاً رسول الله، وإن كان قاضياً فحكم له قالوا: هذا القاضي يقضي بالحق: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [النور:49]، فإن حكم لخصمه وكان هو المبطل، وحكم القاضي بالحق قال: هذا مخطئ، أو مرتشٍ، أو كذاب، فأهم شيء عندهم أن يكون تبع لأهوائهم، وليس تبعاً للحق، فإذا كان لهم الحق وعلموا أن الحكم سيكون لهم، جاءوا وقالوا: لا نريد أن يحكم بيننا إلا رسول الله، أما في وقتنا الحالي فيقولون: نريد صاحب دين، وإيمان، وتقى حتى يحكم بيننا؛ لأنه يثق بأن البينات التي عنده ستجعل الحكم له؛ لكنه لو كان في الحالة الأولى يقول: لا نريد فلاناً، كما قال المجرمون من قبل: نذهب إلى كاهن جهينة أو إلى كعب بن الأشرف: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:60]، فقالوا: لا نذهب إلى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل نذهب إلى كعب لأنه يأخذ الرشوة.

    كما أن كثيراً منهم يعترضون على قدر الله، إن أعطاهم الله ووسع عليهم وأنعم عليهم، فيقولون: أكرمنا الله وأعطانا الله، وربكم لا يعطي إلا من يحب، وجعلوا ذلك دليلاً وعلامة على أن الله يحبهم، وأن أعمالهم صالحة وطيبة، ونسبوا ما يأتيهم من مال إلى عبادتهم، وإخلاصهم، وصدقاتهم، ونفقاتهم، وما علموا أنه استدراج!

    وأما إذا قدَّر عليهم أرزاقهم، وضيق عليهم، أو منعهم وإن كان بعد عطاءٍ، أو إذا أمرضهم وإن كان بعد شفاء وعافية قالوا: رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر:16] قالوا: كيف تعذبني؟! ماذا فعلت؟! وماذا صنعت؟ أو لماذا فعلت كذا ولم تفعل كذا؟! فيعترضون.

    وأكثر ما يعترض الخلق قديماً وحديثاً على أقدار الله عز وجل، ويظن أنه غير أهل لأن يبتليه الله بمصيبة، أو بفقد مال، أو بفقد حبيب، لأنه يرى أنه من أهل الصلاح والدين، ولو كان هذا في الفجار، أو في غيره من الذين يفعلون ما يفعلون لكان هذا أحق بهم وأجدر! ولا يعلمون أن الله تبارك وتعالى يبتلي بالخير والشر، وأن الله عز وجل يمتحن من ينعم عليه ليرى أيشكر أم يكفر ويمتحن من يأتيه بما لا يرضى به ليرى الله أيصبر أم يجزع ويقنط، ومن هنا لا بد من الرضا بأقدار الله تبارك وتعالى كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه.

    الاعتراض علىحكمة الرسول

    من ذلك أيضاً: الاعتراض على حكمة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن لم يكن فيه اعتراض على حكمة الله كما فعل الخارجي -أصل الخوارج الذي خرجوا من ضئضئه- عندما حكم رسول الله وقسم الغنائم فقال: {إعدل يا محمد!} نعوذ بالله من ذلك، فاعترض هذا الخارجي على الحكمة النبوية، ورأى أن هواه وأن رأيه وأن عقله أصوب في هذا الشأن، وأنه يجب أن تكون القسمة بالمساواة أو أن يعطى الناس بحسب إيمانهم، فالمؤمنون العظماء يأخذون الألوف، ومن دونهم يأخذون المئات، والأقل إيماناً يأخذون الأقل من الإبل والأنعام، ولكن من حكمة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وهي بوحي من الله- أن يعطي الأعراب، وأن يعطي المؤلفة قلوبهم، وأن يعطي حديثي العهد بالإسلام، وأما أولئك فكما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:{يكلهم إلى إيمانهم} هؤلاء مؤمنون، ورغبتهم إلى ما عند الله، ورغبتهم في الجنة، منذ أن بايعوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم العقبة فقالوا: {فما لنا يا رسول الله إن نحن فعلنا؟ قال: لكم الجنة، قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل} وهؤلاء المهاجرون أعظم من ذلك، هؤلاء لا يريدون الدنيا ومتاعها، ولا يبالون أُعطوا أم لم يُعطوا، أما أولئك فإذا أُعطوا آمنوا فآمنت بعدهم قبائل وأمم، وإن لم يُعطوا كفروا فتكفر بكفرهم قبائل وأمم.

    فالحكمة واضحة جلية، ومع ذلك اعترضوا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا، ويجب أن نعلم أن الاعتراض كما يقول ابن القيم رحمه الله: '' هذه الاعتراضات وأمثالها سارية في جميع الخلق، قل من ينجو من نوع من أنواع الاعتراض على الله، أو على دين الله، أو على شرعه، أو على أخباره، أو على أحكامه'' قلَّ من ينجو من ذلك، ومن نجى من ذلك وحقق درجة التسليم المطلق، بلا معارضة، ولا ممانعة، فعليه أن يحمد الله على هذا، ويجعله امتحاناً واختباراً لإيمانه، فالأمثلة التي ذكرناها إنما هي إشارات، وإلا فداء الاعتراض داء عظيم، وقليل من خلق الله هم حقاً من ذاقوا طعم الإيمان، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسولاً}.

    جعلني الله والمسلمين من الراضين، ومن هؤلاء المصطفين الأخيار، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    إرضاء الناس من أجل دعوتهم إلى الله

    السؤال: يقول حديث من طلب رضى الله بسخط الناس رضي الله عنه، ومن طلب رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه أو كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    وإننا في تعاملنا مع الناس ودعوتهم، قد نضطر أحياناً إلى إرضائهم، حتى نكسب قلوبهم، فهل هذا داخل تحت الحديث؟

    الجواب: ما دام غرضك من استرضائهم أن يؤمنوا بالله، وأن ينالوا رضى الله، فلا ينطبق عليك هذا الحديث -إن شاء الله- لأنك تريد أن تكسبهم لله لا لنفسك، ففي الحقيقة من كان هذا حاله فهو لا يبتغي رضى الناس بسخط الله، وإنما غايته هي رضى الله، لكي يؤمن هؤلاء، فيرضى الله عنهم بإيمانهم، ويرضى عنه بدعوته هؤلاء، ومما يرضاه الله لنا أن نستميل قلوبهم، وأن نخاطبهم بالحكمة واللين؛ لكي نكسب قلوبهم، ويؤمنوا بالله، فهذا مما ما يرضاه الله وهو مما شرعه.

    حكم الدول والشعوب التي تحكم وتتحاكم إلى القوانين الوضعية

    السؤال: ما حكم الدول التي تحكم بالقوانين الوضعية، والشعوب التي ترضى بهذه القوانين، وما هو الحل الأمثل لتجنب ذلك؟

    الجواب: قد بين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حكم من أراد التحاكم إلى غير شريعته فقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ [النساء:60] فجعله الله زعماً، وأشار إليه على طريق التعجب، وجعله زعماً لا حقيقة له: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:60] فاختاروا حكم الطاغوت على حكم الله.

    فمن اختار ذلك فهو كافر، سواء أكان حكومةً أم شعباً، وإن قال بلسانه: إننا نريد الدين، أو نريد الإسلام، أو إن حكم الإسلام أفضل، فما دام اختار غير ذلك من القوانين الوضعية وأراده وحكم به فهو كافر، فرداً كان أو حكومةً، أما من يحكم بالقوانين الوضعية وهو مكره فهذا حالة استثنائية ونحن نتكلم على القضايا العامة الأصلية.

    فنتأكد أولاً هل الإكراه متحقق فعلاً، أم هو كما قال الإمام أحمد عندما قيل له: إنهم يكرهوننا، وذكروه بحديث بلال فقال: ''إن بلالاً وعماراً وأمثالهم ضربوا، وأنتم قيل سنضربكم فقلتم القرآن مخلوق'' أي: أنتم ما ضربتم، بل قيل: سنضربكم، فهنا لم يتحقق الإكراه، ففرق بين هذا وهذا، وليس كل من قال: أنا مكره فقد تحقق فيه الإكراه، أو يقول: هذه وظيفتي، ماذا أفعل؟! فنقول: ليس هذا عذراً، وما هو بإكراه، بل لا بد أن تجتهد، وأن تبحث عن بديل، وأن يرى عليك أثر الإكراه، أما أن تعيش عمرك كله في هذه الوظائف، وتقول: مكره فلا، وهذا غير صحيح، وعليه فإنه يجب أن تدرس كل حالة فإذا تبين أنه مكره، وتنطبق عليه حقيقة الإكراه، فهذه حالة عارضة مستثناة، ولا تؤثر على الأصل.

    شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لابد من شروطها حتى تتحقق

    السؤال: فضيلة الشيخ في قولك: إن شهادة أن لا إله إلا الله محتاجة إلى شروط حتى تقبل من قائلها، فكيف نجمع بينها وبين حديث الغلام اليهودي الذين قالها عند احتضاره بعد أن وافقه أبوه على النطق بها؟

    الجواب: هذا السائل يسأل ويستدل بحديث الغلام اليهودي، الذي قال له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قل لا إله إلا الله، فنظر إلى أبيه فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال: لا إله إلا الله} كما يقول: إن هذا لم يأت بالشروط، وأنت قلت لابد أن تتحقق الشروط، وهذا قال لا إله إلا الله ونجى من النار فقط، فنقول أولاً: نعود للقاعدة نفسها فعندما نتحدث عن القاعدة العامة، أن المسلمين يقولون: لا إله إلا الله وهم أحياء، ويمشون، ويعملون، فهؤلاء نقول لهم: حققوا معناها وشروطها ومقتضاها، أما في حالة الاحتضار فهي حالة مستثناة.

    ثم نقول: يا أخي الكريم: كيف عرفت أن الغلام لم يقلها بيقين، وإخلاص، ومحبة ورضا؟! فإن قلت: قالها كذلك، قلنا هذه هي الشروط، وهذا الذي نقوله، وإن قلت لم يقل كذلك، قلنا: من أين لك ذلك؟! ولا يجوز هذا لأنك لم تطلع على قلبه، فالأصل أنه ما نظر إلى أبيه إلا خائفاً، ولذلك لم ينتظر بعد قول أبيه: أطع أبا القاسم، حتى انشرح لها صدره فقالها بانشراح صدر كما هو ظاهر الحال، واستجاب لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا بد أنه ما قالها إلا بهذه الشروط.

    مسألة عدم الرضا بحكم القاضي

    السؤال: عندما يحتكم شخص إلى قاض في المحكمة، ثم يحكم القاضي عليه، فيشعر أنه مظلوم، فهل هذا الشعور يعتبر من عدم الرضا بحكم الله؟

    الجواب: فرق بين أنك تشعر أن القاضي ظلمك، ولم يحكم فيك بحكم الله، الذي هو العدل والحق ولو حكم فيك بحكم الله لقبلت ورضيت، فتعترض في هذه الحالة على عمل القاضي، الذي هو بشر، فقد يخطئ فعلاً، وقد يرتشي، وقد يظلم والعياذ بالله، وهذا قد يقع، فرق بين هذا وبين أن يكون الاعتراض على الحكم ذاته، كما لو حكم لامرأة أن لها نصف ميراث الرجل، فتقول: كيف ذلك، لابد أن آخذ مثل أخي بالمساواة، فهذا اعتراض على الحكم، وعلى الشرع ذاته، وليس على فعل القاضي، فهذا لا بد أن يُتنبه له.

    ثم الأولى والأفضل في حق المؤمن أن يصبر، وأن يرضا بحكم القاضي، ما لم يكن يعلم علم اليقين أنه ظالم له، وأن يحتسب ذلك، فربما كان يتوهم أنه محق؛ ولكن في الحقيقة أن الحق لخصمه، الذي حكم له ذلك القاضي.

    تحاكم القبائل عند رؤسائها، وعدم الرجوع إلى المحاكم الشرعية

    السؤال: إذا حدثت مشكلة بين القبائل ذهبوا إلى الآخرين، ثم وضعوا المعاديل واحتكموا لديهم، ويحكمون بالذبح وباليمين، فما حكم ذلك؟ وما هو البديل؟ وما دور الشباب والدعاة؟

    الجواب: حقيقة هذه مشكلة كثيراً ما تقع، وكثيراً ما تأتي الأسئلة عنها، وأحوال القبائل والمناطق تختلف فبعضهم يغالي في هذا، وعندهم أحكام طويلة عريضة جداً، وبعضهم لا يتجاوز أن يجتمعوا مثلاً، أو أن يصلحوا، ولذلك أقول هذه الأمور يحتاج فيها إلى تأصيل قضايا معينة.

    فالأصل الأول: أن نذيع ونشيع بين الناس العلم الشرعي، حتى يعرفوا حكم الله، وحتى يعرفوا معنى الرضا بالله، ومعنى الرضا برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحتى يعرفوا أحكام الله، وحدود الله، فلا يتجاوزوها، ولا يتعدوها، وأن نبين لهم كفر التحاكم إلى القوانين الوضعية، والأعراف الجاهلية، وأنها من الشرائع الوضعية.

    أما الأصل الثاني: فهو التوعية والدعوة، وهو حل لكل المشكلات في العالم وفي الأمة.

    وأما الأصل الثالث: أن تقوم المحاكم الشرعية أو وزارة العدل بواجبها.

    أولاً: بنشر المحاكم الشرعية، فبعض الناس لا يريد أن يتكبد المسافة إلى أقرب محكمة شرعية، حيث إنها تبعد عنه مائتي كيلومتر وأحياناً ثلاثمائة كيلومتر، فلا يذهب إليها وقد تقول الوزارة: أين طلابكم في الجامعات الذين يرفضون القضاء؟! فيجب عليكم معشر الشباب، من كان منكم أهلاً للقضاء ألا يمتنع عن ذلك، وإن كان طلب القضاء في الأصل ليس مستحسناً بلا ريب، ولكن لا تترك الدنيا بلا قضاة، أو يؤتى بالقوانين الوضعية، فيجب عليكم كما يجب على الوزارة تأمين وتوفير المحاكم الشرعية.

    ثانياً: يجب على المحاكم الشرعية أن تفصل في القضايا، وأن تسرع في ذلك، لأن الناس يرون أنه إذا تخاصم اثنان فأولاً: تذهب القضية إلى الشرطة، والشرطة أكثر الناس لا يثق فيها، ثم تحال إلى الإمارة، ثم المراكز، والمراكز تحيل إلى الإمارة الفرعية، ثم إلى المنطقة، ثم تذهب إلى الداخلية فتستمر شهوراً، فيقع في أثناء ذلك بين الناس من الخصومة والقطيعة، وقد يقع القتل، وقد يقع غير ذلك، وهذا يسجن ظالماً أو محقاً، وهذا طليق ظالماً أو محقاً، فأمور كثيرة لا تتدارك، فيجب أن توضع إجراءات قضائية مرنة، بحيث إن المحاكم الشرعية رأساً تتولى القضية، وتحكم فيها ولو صلحاً، أو أن تعين هي من يقوم بالصلح من أهل الدين والخير، بحيث لا يكون هناك مخالفة للشرع، فهذه بعض الحلول العامة، أما الواقع فهو أكبر من ذلك، ولكن لا حيلة فيه والله المستعان.

    كيفية الرضا بالمعصية وهي من قدر الله

    السؤال: إذا فعل الإنسان المعصية وهي من قدر الله، فكيف يكون الرضا بها، وكذلك الطاعة؟

    الجواب: هذه قضية مهمة، ولا نطيل فيها؛ لأن موضوع القضاء والقدر يحتاج إلى شرح وإفاضة، فنقول: إذا فعلت - أنت العبد الذي خلقك الله لتعبده وتتقيه - ذنباً من الذنوب، فكيف ترضا؟! أليس مطلوباً منك الرضا؟ لا ترضا عن نفسك أنها فعلت الذنب، فعليك أن تتوب وتبادر بالتوبة والندم والاستغفار، ومع التوبة والندم والاستغفار، والعزم على ألا تعود، ترضى أن الله تعالى كتب لك ذلك، فهي من جهة الله أمر نرضى به، لكن من جهة الشيطان، ومن جهة نفسي أنا لا أرضى به ولا أقبله.

    مثلاً: أبو الدرداء رضي الله عنه الذي ذكرنا كلامه آنفاً، وقد أسلم متأخراً، أليس الكفر أعظم الذنوب؟ فهو يرى أن التأخر في إسلامه قد فوت عليه شيئاً كثيراً؛ لكن ماذا كان حاله رضي الله عنه؟ كان كحال كثير من الصحابة حيث رضي بما أختاره الله له، فقال: إن الله تعالى ما اختار لي أن أسلم إلا عندما أسلمت: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ [يونس:100]، فقبل بذلك، ورضي بقدر الله، أنه لم يجعله من السابقين الأولين، هذا من الرضا؛ لكن من جهة نفسه، فعليه أن يلوم نفسه، فأي إنسان منا عليه أن يلوم نفسه، لماذا لم أتعجل؟! ولماذا لم أبادر؟! فهذا حق، وهذه حقيقة النفس اللوامة، وهي نفس المؤمن تلومه أنه فعل كذا من المعصية،ولم يفعل كذا من الطاعة.

    فهو من جهة أنه قدر الله نرضا به، ومن جهة أنه فعل العبد لا نرضا به، كما لو جاء أحد وقطع الإشارة، وصدم بسيارتك وكلَّفك، فترضى من جهة أنه قدر الله، ولكن من جهة الذي صدمك واعتدى وأخطأ عليك، فلك الحق أن تخاصمه، وأن تحاسبه، فالمسألة فيها جهتان كل منهما تنفك عن الأخرى، وكل عمل وكل فعل له جهتان.

    بغض الكفار دليل على الإيمان

    السؤال: هل بغض أهل الكفر والنصارى في أمور الدنيا والدين دليل أكيد على محبة الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أي: إذا كان يبغض الكفار ويعاديهم، هل هذا دليل على أنه يحب الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

    الجواب: نعم. هو أحد الأدلة إن شاء الله، لأنه لا يجتمع في قلب العبد أن يحب أحداً ويحب أعداءه، فإذا أحب الله فلن يحب أعداء الله، فإذا أبغض أعداء الله، أي يكون حبه لله، وبغضه لله، فإنه يكون من أهل الإيمان، ويذوق طعم الإيمان بإذن الله.

    حكم الإعراض عن تعلم أمور الدين

    السؤال: ما حكم الذين يعرضون عن تعلم أمور دينهم عن طريق المحاضرات، والندوات، والمواعظ، ويكرهونها مع أنهم يصلون مع المسلمين، لكن إذا دعوا إليها لا يقبلون ذلك؟

    الجواب: نقول: إنهم لا يرضونها ويعترضون عليها؛ ولذلك لا يحبونها فلا يقبلونها فهناك تفصيل لذلك.

    نقول: الاعتراض أو الإعراض عن دين الله تعالى من أصله، لا يعلمه، ولا يتعلمه ولا يتفقه فيه فهذا أحد أنواع الكفر، لأن صاحبه لن يعرف ربه، ولا دينه، ولا رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    فإذا أتيح لإنسان بمقدار ما قدر الله تعالى له أن يتعلم دينه أو أن يتفقه فيه، فلا يجوز له أن يعرض عن ذلك، وإلا كان -فعلاً- غير راضٍ عن هذا، معترضاً عليه بنوع من الاعتراض، جلياً كان أو خفياً، فالواجب على الإنسان أن يفرح برياض الجنة، وإذا مر بها أن يرتع فيها، وأن يحمد الله تبارك وتعالى على وجودها، وأن يشكره على ذلك، وأن يجتهد ما استطاع وكل بحسبه، لا نكلف العاملين أن يحضروا الحلقات العلمية؛ إذا لم يكن عن إعراض ونفور، وإنما لا يفقهها أو فوق طاقته ومستواه، فهذا معذور، ولكن عليه أن يحبها، وأن يحرص عليها، وأن يدعو إليها، وينبه إخوانه عليها.

    حكم اتخاذ مناهج دعوية مخالفة لمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم

    السؤال: هل يكون اتخاذ مناهج دعوية غير منهاج الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الاعتراض على حكمه أم لا؟

    الجواب: لا شك في ذلك، ولذلك يقول: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]، فمن قَدَّم على منهج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومنهج السلف الصالح في الدعوة أي منهج آخر فقد اعترض عليه، وهو نوع من أنواع الاعتراض سواء أكان هذا المنهج ينتمي إلى طائفة، أم إلى جماعة، أم إلى حزب، أم إلى إمام كائناً من كان، فإذا خالف ما جاء عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهذا نوع من التقليد المذموم، والتعصب المذهبي المذموم، الذي يجعل صاحبه يغلو في إمامه، فيقدم كلام إمامه أو مذهبه على ما جاء عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أحكام، وحلال وحرام.

    ومثله من يغلو في شيخ، أو مؤسس لجماعة، أو حزب إسلامي، أو أي معنى من هذه المعاني، فيغلوا فيه، ويقدم كلامه، وكتبه، وآراءه، وطريقته، ومنهجه، على طريقة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعلى منهج السلف الصالح، فلا ريب أن هذا نوع من أنواع الاعتراض، وأن فاعله لم يحقق الرضا برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنه لم ينتف الحرج من قلبه، أو ربما لم يسلم تسليماً كاملاً، كالذين لا يبدءوا دعوتهم بالتوحيد، لا شك أن هذا مخالف لما جاء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأن أعظم ما جاء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو التوحيد ولا ريب في ذلك، وهو أول ما دعا إليه، فلما بعث معاذاً وغيره، كان يقول لهم: {فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله، أو شهادة أن لا إله إلا الله}، فهذا مثال ولا بد أن يعلمه الجميع.

    مثلاً: من يظن أن في الإمكان أن يجمع الناس مجرد جمع على أن ينتخبوه ليحكم، فإذا وصل إلى الحكم، فقد نال الهدف فيقيم الإسلام والدين، فهذا مخالف لمنهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدعوة؛ لأن منهجه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو التزكية، والتربية، والاصطفاء، والاختيار لقوم يحملون هذا الدين عن حق، وعن يقين، ويجاهدون في سبيل الله حتى يقوم هذا الدين، فكذلك من يريد أن يقيم دين الله تبارك وتعالى من غير صبر ولا مصابرة، وإنما كل من عارضه قاتله، فهذا مخالف لمنهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والأنبياء في الدعوة؛ لأن أنبياء الله ورسل الله يقولون: وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا [إبراهيم:12]، فكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح الدم عن وجهه ويقول: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لايعلمون}.

    فإذا جاءت دعوة، أو طائفة، أو حزب، أياً كان واستحلوا أن يقاتلوا من خالفهم، ولم يمروا بمرحلة الصبر والابتلاء، والتزكية، فإنهم قد خالفوا منهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدعوة، فهؤلاء هم نوع من أنواع المقلدين.

    والتقليد لا يكون فقط في الأحكام الشرعية؛ بل يكون كذلك في المناهج الدعوية، والواجب هو تجريد المتابعة لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن لا يقدم بين يدي الله ورسوله، وأما ما يجب منا نحو هؤلاء أو نحو غيرهم فهذا له موضوع آخر، وليس هذا المقام مقام التفصيل فيه.

    حكم الاعتراض على حكمة الله

    السؤال: إذا أصابت إنسان مصيبة ثم اعترض على حكمة الله، وأخذ يسب من سبب له هذه المصيبة، هل يعتبر معترضاً على حكم الله، أو يعتبر كافراً، وما سبيل التوبة سواء أكفر أم لم يكفر؟

    الجواب: إذا كان فعلاً اعترض على فعل الله، أو على قدر الله، فالواجب عليه أن يبادر إلى التوبة، كفر أولم يكفر، وهذه الحالة الأحوال فيها تختلف، لكن إذا تاب من ذلك فإن كان كفراً فقد تاب وعاد بالإيمان، وإن كانت كبيرة فقد تاب وعاد إلى الطاعة، المهم أن يتوب من ذلك، وأن يثوب إلى رشده، وأن يستغفر الله تعالى، وأن لا يعترض على الأمر من جهة أنه قدر الله، أما إذا اعترض من جهة أنه فعل العبد كما بينا؛ فهذا شأن المخلوقين جميعاً، إلا من كان من أصحاب النفوس العالية جداً، الذين يقابلون الإساءة بالإحسان، فهذا من الإحسان، وهو مطلوب ومشروع وليس واجباً، لأن العدل حقٌ، أما الإحسان فهو تكرم وتفضل، فالأليق والأولى بالدعاة وبطلبة العلم هو العفو والصفح والإحسان ومقابلة الإساءة بالإحسان، فهذا الذي يليق بالدعاة، لكن في حق عامة الخلق لا يمنع من حقه وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126]،وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40] لكن من عفى وأصلح فهذه درجة أخرى، نرجو أن نكون جميعاً من أولئك.

    الواجب تجاه إخواننا المجاهدين في أنحاء العالم

    السؤال: ما هو واجبنا تجاه إخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك وغيرها؟

    الجواب: واجبنا تجاه إخواننا المسلمين، في البوسنة والهرسك وغيرها، ما نستطيع ونحن نستطيع أمرين لا عذر لنا فيها:

    الأول منهما: الدعاء، والدعاء شأنه عظيم وجليل، ودائماً أذكر به إخواني ونفسي، فلا نحقر الدعاء لهم في القنوت، وغيره وأن ندعو على الكافرين أيضاً مطلقاً، وندعو للمؤمنين مطلقاً، وإن خصصنا بعض الكافرين، أو دول الكفر التي لا شك أنها تحارب هذا الدين فلا بأس، ونرجو أن يتقبل الله وأن يستجيب لهذه الدعوات.

    وأمر آخر إضافة إلى الدعاء، ألا وهو المال ونحن -والحمد لله- باستطاعتنا أن ندفع بقدر ما نستطيع، والقليل يجعله الله تبارك وتعالى كثيراً، ويبارك فيه، ولو جمع من كل أحد من المسلمين، وإن قل لكان كثيراً في النهاية، ولنفع الله به إخواننا هنالك، والحمد لله لا يكاد يمر أسبوع، إلا ويسافر من نعرفه معرفةً شخصية ونثق به ونعطيه المبلغ يداً بيد، فهذا فلا عذر لأحد أن يقول: لا ندري أين توضع هذه المبالغ، أو تصل أو لا تصل!

    فإنهم يأخذونها ويسلمونها يداً بيد إلى إخوانكم المجاهدين أو المنكوبين، كما في الصومال وغيرها، والحمد لله فهذا من فضل الله علينا وعلى الناس.

    حكم شراء المبيعات التي فيها علامة الصليب والنجمة السداسية

    السؤال: كثير من المبيعات التي نشتريها الآن كالسيارات والملابس يكون عليها رموز كالصلبان، والنجمة السداسية فما الحل؟

    الجواب: على كل حال الصلبان انتشرت هذه الأيام، والنجمة السداسية اليهودية انتشرت، بحيث أصبح الإنسان مهما تحرز لربما رآها في نفسه، أو في أولاده، أو في بيته، بل ربما أحياناً في المساجد، وهذا دليل على الغزو الخبيث المبطن، الذي يريد أن يجتاز هذه الأمة، وأن يمسخها ويحولها إلى تابع ذليل لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وما في السيارات وما في الملابس ما هو إلا أمثلة من هذا، والله المستعان.

    والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994356285

    عدد مرات الحفظ

    717516769