إسلام ويب

التضرع إلى اللهللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من أعظم ما شرعه الله جل وعلا على العباد دعاءه والتضرع إليه، والتذلل بين يديه؛ لما في ذلك من إثبات العبودية والخضوع لله سبحانه وتعالى، وفي هذه المادة يتحدث الشيخ حفظه الله عن الدعاء والتضرع، مبيناً أهميته، ومحذراً من خطورة الأمن من مكر الله، ثم ذكر أمثلة من حياة الأنبياء عليهم السلام والتي توضح منهجهم في الدعاء وحرصهم عليه.

    1.   

    مغبة ترك الدعاء

    الحمد الله القائل: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [الأعراف:94] والقائل: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد القائل:(إن الله حيي رحيم كريم يستحيي أن يرفع العبد يده إليه ثم لا يضع فيها خيراً)، وصلى الله وسلم وبارك على صحبه الكرام، والتابعين لهم بإحسان، الذين تعرفوا إلى الله تبارك وتعالى في الرخاء، فتعرف الله إليهم في الشدة، الذين سنوا لنا كيف نتضرع إلى الله، ولا نغفل عنه، ولا ننسى ذكره في أي وقت وعلى أي حال.

    أما بعد:

    فما منا أحد اليوم إلا وهو يسمع ويجالس ويرى ويستشعر في كل حين هذه الأحداث، التي تمر بأمة الإسلام في كل البلاد، وفي هذا البلد خاصة، الذي كان أهله يحسبون أنهم سيظلون في منأى عن الفتن والأحداث، حتى جاءتهم.

    مع أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يجامل في سنته ولا يحابي أحداً، فله سنن ثابتة لا تتخلف، وقد ابتلانا قبل ذلك بالنعماء وبالسراء، ثم هاهي قد بدأت طلائع البأساء والضراء -ونسأل الله العفو العافية- وليست المشكلة في أن البلايا تقع، أو أن العذاب يقترب، أو أن الفتن والمحن تموج، فهذا تاريخنا الإسلامي حافل به.

    ولكن المصيبة والمشكلة في غفلتنا عن أسباب الوقاية، وفي بعدنا عن الرجوع إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، والأخذ بموجب التقوى والإيمان، الذي يدفع الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى به العذاب، ويكشف عنا به البلاء، والله عز وجل رحيم وكريم وهو الغني الحميد، ومن رحمته بهذه الأمة -وهو الذي أنزل إليها الكتاب رحمة وبعث إليها نبي الرحمة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن بين لها كيف تتقي عذابه؟ وكيف تتجنب سخطه؟ وكيف تأخذ بأسباب النجاة في أمر ديننا ودنيانا؟

    النجاة من عقوبة الله تكون بالدعاء والتضرع

    وإن مما شرعه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وجعله سبباً -بل هو من أعظم الأسباب- لاتقاء عذابه وسخطه، دعائه والتضرع إليه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، والتوبة والاستغفار والإنابة، فنحن في هذه الأيام أحوج ما نكون إليها، وإن كنا محتاجين إليها في كل وقت وفي كل حين؛ لكن مع هذه الفتن ومع هذه الأحداث فنحن أحوج ما نكون إلى أن لا ننسى ذلك.

    ولا سيما أن الذين أخاطبهم جلهم من طلبة العلم -ولله الحمد- وفيهم الدعاة والأئمة والخطباء، وبهم تتأثر الأمة -إن شاء الله- وينتشر الخير فيها، فيجب أن ننشر هذا الحق وهذا الخير، وأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا، وأن نجتهد في دفع هذا البلاء عن الأمة ببيان أسباب الوقاية منه -بإذن الله تبارك وتعالى- وهذا من أعظمها كما بين الله عز وجل ذلك، بل إن الله تبارك وتعالى جعل التضرع غاية كما ذكرنا في الآية السابقة وهي قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [الأعراف:94] وفي الآية الأخرى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [الأنعام:42].

    إذاً: فالأخذ بالبأساء وهي: الحروب والضراء، وهي تعم الفتن والجدب والقحط وكل ما من شأنه أن يضار الناس، الغاية منها لعلهم يضرعون -أي: كي يضرعوا إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فإن الناس إن لم يعرفوا الله تبارك وتعالى في الرخاء فلا بد أن يتعرفوا إليه في الشدة، وإن من أعظم وأكثر الناس قسوة وأعظمهم غفلة الذين لا يتضرعون إلى الله لا في الرخاء ولا في الشدة، ولهذا قال عز وجل في الأنعام: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:43-45].

    فانظروا إلى إمهال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى للأمم السابقة ففي أول الأمر أخذهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلما لم يتضرعوا وقست قلوبهم حلت ووقعت عليهم العقوبة، فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء، استدراجاً من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لهم.

    ومن هنا قال لنبيه وللمؤمنين: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ [آل عمران:196] لأن هذا فتح من الله؛ يفتح الله عليهم أبواب كل شيء ثم في النهاية إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] فيأخذهم بغتة؛ لأنه قد أنذرهم وقد خلت من قبلهم المثُلات وقد جاءتهم النذر، ولكنهم أعرضوا ونسوا ما ذكروا به، فعند ذلك يقطع دابرهم بأليم عقابه، نسأل الله العفو والعافية.

    حال المتضرع وحال المعرض

    فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا [الأنعام:43] فلو أنهم تضرعوا إلى الله لكشف عنهم السوء، ولهذا استثنى الله تبارك وتعالى من الأمم قوم يونس يقول الله تعالى: فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [يونس:98].

    فذكر المفسرون من السلف رحمهم الله في هذه الآية أن قوم يونس خرجوا إلى الصعدات، وجأروا إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وخرجوا بأطفالهم ونسائهم ودوابهم، وقيل: إنهم ظلوا على هذه الحالة أربعين ليلة وهم يستغيثون ويتضرعون ويدعون ويبكون ويستغفرون فكشف الله تبارك وتعالى عنهم العذاب في هذه الحياة الدنيا، وهذا من فضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ومن سعة رحمته.

    أما الذين يصرون ويعاندون ويستكبرون على الله ولا يتضرعون إليه ولا ينيبون؛ فإنه يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا ما بينه في سورة الأنعام وكما بينه أيضاً في آيات الأعراف السابقة، ويقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيها وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:96]، فهناك ذكر أنهم فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:44] وقال هنا : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:96] وليس أبواب كل شيء؛ ولكن بركات، والبركة في أي أمر حلت فهي خير، أما الذي لا بركة فيه فلا خير فيه. وإن كان كثيراً وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96].

    عقوبة الأمن من مكر الله

    ثم قال عز وجل: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأعراف:97-98] أي: ما المانع وما الموجب وما المقتضي للغفلة والإعراض وقسوة القلب وعدم اللجوء إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى والتضرع إليه، أهو الأمن؟! فكيف يأمنون والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قادر! والله تبارك وتعالى قوي! والله تعالى عزيز ذو انتقام! كيف يأمنون أن يأتيهم بأس الله بياتاً وهم نائمون!

    وكم من أمةٍ جاءها ذلك البأس فأخذهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مصبحين، كما أخذ الله قوم لوط أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81] فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ [الحجر:83] أو (مُشْرِقِينَ) هكذا أخذ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كثيراً من الأمم، أخذهم بياتاً أو مع الإشراق أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأعراف:98].

    وقد أخذ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أيضاً أمماً أخرى وأهلكها، وعذبها وهي ترى العذاب، ومن ذلك ما ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عن قوم عاد فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا [الأحقاف:24] -نعوذ بالله من القسوة ومن الغفلة- حتى لما رأوا العذاب قالوا: هذا عارض ممطرنا، فما ظنوه إلا استمراراً لهم في الخير واستمراراً للعطاء والنعمة، وما ظنوه إلا سيستمر، وهم لا يحسبونه استدراجاً بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:25] فكانوا بعد ذلك كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر:20].

    وهكذا كل أمة يجب عليها ألا تأمن من مكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [الأعراف:100] لا يصح ولا يجوز لأي أحد أن ينسى، أو يغفل، أو يكف عن التضرع إلى الله والتوبة إليه، والأخذ بالأسباب الواقية من عذابه، والمؤدية إلى النجاة من انتقام الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فهكذا يجب على الناس أمماً وأفراداً.

    أما من كان حاله غير ذلك، فإنما مثله مثل الذي قال: وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً [مريم:77] فرد الله عليه: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً [مريم:78].

    ألم نقل في هذه الأيام بصريح الحال أو المقال: إننا في رخاء مستمر، وإن الأمان مستمر، وإن الأموال متنامية، وكل شيء في نمو أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً [مريم:78] هل اطلعنا على الغيب فوثقنا أن حالنا سيظل كذلك؟! لا والله ولم نطلع عليه، قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65] وكذلك هل أعطانا الله تبارك وتعالى عهداً وميثاقاً أن يعذب الأمم ويبتليها ولا يبتلينا؟ لا والله، ومن أين لنا ذلك؟! فقد رأينا عِبَرَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ورأينا أيام الله التي فعلها بالأمم التي قبلنا، ورأينا ما حدث في أوروبا في الحرب العالمية الثانية، وسمع الناس بذلك.

    أقول: الأمة في مجموعها علمت بذلك، ثم رأى الناس ما حل بأهل لبنان مع ما كانوا فيه من الرخاء والنعمة، لكن لما طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد صب الله عليهم سوط عذاب، وجعل الفتنة فيما بينهم، وكان الهرج -القتل- حتى أن القاتل لا يدري فيما قَتل ولا المقتول فيما قُتل، ولا يخفى ذلك على أحد.

    ورأينا ما فعل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بـإيران بعد أن كان عرش الطاووس تخاف منه العروش، وتهتز له الملوك، وكان يريد أن يكون ثالث قوة في العالم، أسقطه الله وأذهبه، وجاءت الحروب، وجاءت الفتن، حتى أصبحوا في أسفل سافلين في كل جانب من جوانب الحياة، وكذلك أمم ودول أخرى من حولنا.

    1.   

    الدعاء مجلبة للخير مدفعة للضر

    ثم جاءتنا مصيبة تستوجب أن نرفع أكف الضراعة إلى الله في كل حين أن يرفع هذه المصائب عن الإسلام والمسلمين، وأن يجعل عاقبتها خيراً، ولن تدفع هذه المصائب، ولا ما هو أعظم منها -إذ لا ندري ما يخفي لنا القدر- إلا بضراعةٍ إلى الله، وبإخلاصٍ لله وتوبةٍ وأوبةٍ ورجوعٍ إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ فإن الله عز وجل يريد منا قلوباً مؤمنةً لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37]، وكما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم) فيريد الله منا قلوباً مؤمنة خاشعة مخبتة منيبة، وإن كانت العبادة قليلة، لكن هذه الأمور في ذاتها أعظم عبادة.

    وأساس كل عبادة أن يكون هذا القلب متصلاً بالله، وأن يرى آثار الأمم السابقة فيعتبر بها، وأن يرى آثار نعم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيحمد الله ويشكره عليها، ويدعو الله أن يديمها عليه.

    وقد ضرب سبحانه تعالى لنا الأمثلة الكثيرة، وعامة القرآن في قصصه إنما هو من أجل ذلك، كما ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * وكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:42-46] فنعوذ بالله من عمى القلوب، ومن قسوتها.

    ففي مثل هذه المواضع ذكر الله سبحانه تعالى قسوة القلب كما في سورة الأنعام، وعمى القلب كما في سورة الحج، فالقلوب إذا قست، وإذا عميت، لم تعتبر بما ترى، وأما المؤمنون فإنهم يعتبرون ويتعظون، فإذا اعتبروا واتعظوا؛ كان التضرع، والدعاء، والاعتبار، والاتعاظ خيراً لهم، حتى إن تلك المصيبة مهما عظمت تكون خيراً، ويفرح المؤمنون بما نزل في قلوبهم من إيمان، ويعلمون أن تلك المصيبة كانت خيراً، إذ ردتهم إلى الله وأرجعتهم إلى الإيمان به، وذكرتهم بأيامه، فتنقلب المصيبة والضراء والبأساء إلى نعماء وخير وبركة؛ لأنهم تابوا إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وتضرعوا إليه.

    والدعاء والتضرع سبب عظيم من أسباب الخير، في كل أمر وفي كل وقت، كما يجب علينا أن نعلم أننا لا نستغني عن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان من دعائه: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) ولهذا قال المفسرون والعلماء: ''إن خير الدعاء وخير الضراعة والتضرع، هو ما ذكره الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7].

    وقالوا: إن الصحيح في تفسيرها أنه ليس مجرد مزيد الهداية، أو الاستمرار في الهداية، بل الحكمة من تكرارها في كل ركعة، أن الإنسان يحتاج بعد أن هداه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هداية عامة ومجملة، وهي: معرفة الحق والإيمان به، والتمسك بالدين والإيمان بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يحتاج مع ذلك إلى الإيمان التفصيلي، والمعرفة التفصيلية، فهو في كل يوم وفي كل لحظة تعرض له مشاكل وأمور وأحداث يحتاج أن يهديه الله تبارك وتعالى فيها الصراط المستقيم'' .

    فهو أعظم دعاءٍ، وناسب أن يكن في كل ركعة، وفي أعظم سورة، وأفضل سورة أنزلها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ ولذلك نحن في كل يوم، وفي كل وقت، وفي كل طرفة عين، نحتاج أن ندعوا الله وأن نتضرع إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ونعلم أنه كما قال عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:15-17] فنحن الذين نحتاج إلى أن نتضرع إليه، وأن ندعوه؛ لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد تعبَّدَنا بذلك، كما في الحديث -الذي هو حسن بشواهده- يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(من لا يسأل الله يغضب عليه) وقد نظم هذا بعض الشعراء فقال:

    الله يغضب إن تركت سؤاله وبُني آدم حين يُسأل يغضب

    فالله يغضب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إن تركنا سؤاله، ويحب أن نتضرع إليه وندعوه ونرجوه ونطلبه.

    1.   

    أدعية مستجابة

    قد ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لنا أمثلة ممن دعوه فاستجاب لهم كما بين الله لنا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في قصص أنبيائه.

    أعظم أنواع الدعاء ما قاله يونس عليه السلام

    في قصة يونس عليه السلام لما دعى الله تعالى بدعاء عظيم، وهو في ظلمات البحر وفي بطن الحوت، دعا الله ونادى في الظلمات وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87].

    وهذا من أعظم أنواع الدعاء، لاشتماله أولاً: على توحيد الله (لا إله إلا أنت) وهو أعظم وسيلة إلى الله تعالى، وأعظم طاعة وأعظم وقربة.

    ثم ثنى بالتنزيه (سبحانك) تنزيه الله عما لا يليق به عز وجل، فكل ما يفعل، وكل ما يقدر فله فيه الحكمة البالغة، فهو منزه عما لا يليق بجلاله وكماله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وعظيم شأنه.

    ثم ثلث ببيان عجزه وضعفه وفقره وظلمه لنفسه، وهكذا كل عبد بالنسبة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ينبغي له أن يكون كذلك إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87].

    دعاء أيوب عليه السلام

    وكذلك في دعاء أيوب عليه السلام: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83] فما ألطف هذا الدعاء، وما أرقه، وما أخشعه إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مع أن الجمل قليلة!!

    ولكن القلوب إذا دعت الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عن صدق، وإخلاص، وإن قلت العبارات، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يستجيب لأولئك: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ [الأنبياء:84] وهكذا غيرهم.

    1.   

    يجيب المضطر ولو كافراً

    وقد بين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنه يغيث الكفار إذا تضرعوا إليه، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله كما في كتاب الفوائد: ''التوحيد مفزع أوليائه، ومفزع أعدائه'' أي: التوحيد يلجأ إليه أولياؤه، ويفزعون إليه، وكذلك يلجأ إليه أعداء الله، فهو حصن منيع ومعتصم النجاة.

    رحمة الله بالكفار

    كما أن الذين يوحدون الله ويدعونه، يتوسلون إليه بالتوحيد لينجيهم، فكذلك المشركون إذا ركبوا في الفلك، وجاءهم الموج من كل مكان، وأحاطت بهم الشدائد دعوا الله مخلصين له الدين، ولهذا يقول عز وجل: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] هل أحد غيره؟ هل إله غير الله يفعل ذلك؟ لا والله.

    التوبة إلى الله من الذنوب

    وإنه لجدير بكل مؤمن مع هذه الأحداث والفتن والمحن والبلايا، أن يراجع نفسه مع كتاب الله، وأن ينظر فيما ابتلى الله تبارك وتعالى به الأمم من قبل، والشعوب من حولنا، وأن نعلم جميعاً أنه لا ملجأ من الله إلا إليه، ولا مفزع من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إلا إليه، فلنكن صادقين في قولنا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، ولنكن صادقين في توكلنا على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولنكن صادقين في اعتصامنا بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولنكن صادقين في دعوى أننا نسير على عقيدة السلف، وعلى منهج السلف الصالح، وأننا متمسكون بعقيدة الحق وشريعة الحق، ولنصدق الله؛ يصدقنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولنتب إلى الله ولنجعل ما جاء أو استشرف أو استجد من الفتن سبباً لأن نكف عما حرم الله، وأن نتوب عما أجرمنا، وعما أسلفنا دولاً وأفراداً وجماعات، فهذا واجبنا جميعاً أن نعلم أن هذه المصائب والفتن والمحن، نذير من الله تعالى، فإن تبنا واستغفرنا وأصلحنا، دفعه الله تبارك وتعالى عنا بما يشاء.

    وإن اعتمدنا على الأسباب المادية، وركنا إلى خلق من خلق الله مثلنا، بل ربما كانوا أقل منا، فلربما سلط علينا من غير أهل ملتنا، وهم غير أهل لأن ينصرهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ولكنه يبتلي البعض بالبعض ويولي بعض الظالمين بعضاً بذنوبهم جميعاً، فيقول الله تعالى: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129].

    فنقول: إذا اعتمدنا على هؤلاء الكفار، واعتمدنا على نصرتهم ومعونتهم، ولم نوثق الصلة بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ونتوكل عليه وحده، ونعتمد عليه وحده، فإن العاقبة ستكون وخيمة، ونكون كمن أراد أن يفر من عقوبة الذنب، فوقع في ذنب أكبر وأعظم -نسأل الله العفو والعافية-

    فالأمة قد تحتاج، وقد تضطر إلى أي سبب من الأسباب، والأخذ بالأسباب واجب، وهو من الدين، وهو من التوكل ولا ينافيه، لكن فرق بين أن نأخذ بالأسباب، ونحن على إيمان ويقين وإخلاص لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وعلى توبة صادقة مع الله، وبين أن نركن إلى الأسباب، ونغفل عن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ونعلق آمالنا بهذه الأسباب، نسأل الله العفو والعافية.

    وإن هذه الأحداث ليس فيها جديد بالنسبة إلى سنن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فكلها تجري وفق سنن دائمة، كما ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ولكننا نغفل، ولا ننظر إلى مرادها، ولا نتأمل كتاب الله، ثم ننظر إلى واقعنا، فلا ندري أيكون الابتلاء بهذا أو بذاك، لمن نراه صديقاً أو نحسبه عدواً، فيجب أن نتوقع الابتلاء والعذاب والمصيبة، ما دمنا في هذه الذنوب والمعاصي، التي لا أرى حاجة لأن أعددها وأذكرها فهي ملء السمع والبصر ولا تخفى على أحد منا، فذنوبنا هي السبب، فما وقع بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، كما أن أسباب النجاة بين أيدينا، وأن رحمة الله تبارك وتعالى بالمؤمنين -ولله الحمد- غير غائبة عنا، ولكن علينا أن نأخذ بهذه الأسباب، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئــلة

    معنى التضرع إلى الله وأسبابه

    السؤال: ما هي أسباب التضرع إلى الله؟

    الجواب: ذكرنا أن الإنسان في كل وقت محتاج إلى أن يدعو الله، وأن يتضرع إليه، ولعلنا لو رجعنا إلى المعنى اللغوي للتضرع لأفادنا في معرفة المعنى الشرعي، فالتضرع: كلمة اشتقت من الضَرع، والضَرع معروف لذوات الخف من الحيوان، كالإبل والبقر التي يكون فيها ضَرع.

    والتضرع أن يأتي صغير هذه الحيوان فيرتضع ويلتقم هذا الثدي، فتراه عند ارتضاعه يلح ويرتفع ويحاول بكل قوته أن يجذب هذا اللبن الذي لا يمكن أن يعيش إلا به، نعمة من الله وفضلاً، ففي هذه الصورة البيانية مثل هذا الضرع، من جهة أن أصل خروج المولود هو من هذه الأم، كما أن أصل نموه -بإذن الله تعالى- ناشئ عن هذه الأم، ثم هو لهذا لا يمكن أن يستغني عنها، فلو قطع عنه اللبن لما أمكن أن يعيش أبداً بهذا الشكل.

    وكذلك أيضاً أصل الإنسان وجوده، هو من رحمة الله وفضله، ثم هو لذلك يحتاج أن يرفع يديه وأن يتضرع إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ويلح في الدعاء، ويجتهد بحرص على ما يقيم حياته ويدفع عنه الشر والسوء، كما يجتهد ويلح ويحرص ذلك الحيوان عندما يرتضع من الثدي أو الضرع، ففي كل وقت وفي كل لحظة، نحن لا نستغني عن الله، ولهذا كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو بقوله: (ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين).

    فانظر إلى هؤلاء الكفار الذين وكلهم الله إلى أنفسهم -قديماً وحديثاً- واستدرجهم بالنعم فظنوا أنهم أقوى ما يكونون، فعندها يخذلهم الله عز وجل، فيفقدون قواهم ويكونون أحوج ما يكونون إليه، فيسقطون وإذا بهم لا شيء، وتذهب كل قوة إلا من عصمه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وحفظه بقوته، فأسباب التضرع كامنة في كل حركة من حركاتك، فأنت في كل يوم تحتاج إلى أن يرفع الله عنك البلاء، وأن يرزقك وأن يعطيك الصحة والعافية، وأن يوفقك لطاعته، فعليك أن تتمسك بدينه وألا تستغني عنه لحظة، ولذا فأسباب التضرع والدعاء قائمة.

    الصدقة من أسباب رفع البلايا

    السؤال: نلاحظ في هذه الأيام قلة التصدق على الفقراء، ولم تعد هناك أموال تذهب إلى المسلمين في إفريقيا وأفغانستان وغيرها، فهلاَّ ذكَّرتم الناس بالتصدق؟

    الجواب: إن من أعظم ما يدفع الله تعالى به العذاب الصدقة، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) وهي من أفضل الأعمال، فإنها تطفئ الخطايا، ويدفع الله تعالى بها البلايا، ولا شك أننا في بلد أنعم الله علينا فيه بنعم عظيمة، ولو تذكرنا حال الأمم والشعوب الأخرى لعجبنا، فنحن هنا لا نتضرع، وقليل من الناس من يتضرع إلى الله كل يوم أن يطعمه الله أو يسقيه، فنحن لا نسأل الله ذلك؛ لأن الطعام والشراب والأكل متوفر عندنا، وقد يوهمنا الشيطان أننا لا نحتاج إلى الله -تعالى الله عن ذلك- فلوفرته فهو مثل الهواء مع أنه حتى الهواء نحتاج أن ندعو الله أن يحفظه لنا، وفي كل شيء نحتاج أن ندعو الله.

    ولنضرب لكم مثلاً مما نعيشه، فنحن لا يهمنا مسألة الطعام والشراب، وإنما أكثر الناس همومهم في العمارات وفي غيرها، وفي أرزاقهم ووظائفهم وفي زيادة مالٍ في كذا وكذا، وأكثر من نصف الشعوب في العالم -كما في تقارير الأمم المتحدة- تعاني من سوء التغذية، فهي تحتاج أن تأكل أكلاً سليماً، وتحتاج أن تشرب ولكنها لا تجد!!

    فانظروا كيف هذا الحال الذي نعيش فيه، وكيف تعيش تلك الشعوب والأمم، الواحد منا لو سافر إلى تلك البلاد ومعه الأموال -والحمد لله- قد لا يجد أكلاً نظيفاً يأكله، وقد لا يجد ما يريد من الفاكهة وإن وجد فقد يجد نوعاً رديئاً في حالة يرثى لها، بينما هنا الفاكهة تداس وترمى، وتورد بملايين الأطنان، فنحن نعيش في بحبوحة ورخاء وسراء، ثم نغفل عن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وانتقامه وسريع غضبه، ولا نفطن لأحوال إخواننا المسلمين الذين يحتاجون إلى ذلك.

    فأقول: يجب مضاعفة النقود في التصدق لمنفعتها، بل لمنافعها العظمى التي منها أن يدفع الله تبارك وتعالى عنا العذاب ويرفعه.

    اختلاف العقائد سبب في اختلاف الحكومات والشعوب

    السؤال: ما سبب اختلاف الدول العربية فيما يتعلق بقضية العراق؟ وهل ينطلق هذا الاختلاف من منطلق سياسي, أم من منطلق عقدي؟

    الجواب: الدول التي لم تصوت مع الإجماع الذي وقع في جامعة الدول العربية, أو الدول التي رفضت القرارات هي الدول البعثية, أو الدول التي للبعث فيها وجود قوي, أو تتأثر بآراء البعث من قريب أو بعيد.

    إذاً القضية قضية عقيدة, ونحن في هذه الأيام وبناء على هذه الوقائع بدأنا نتكلم عن هذا الحزب ونتعرف على الحكم الشرعي له، إننا إنما نتكلم عن جناح من أجنحته, أو عن زعيم من زعمائه, فيما الزعماء الآخرون وهم بعثيون مثله فإننا لا نتكلم عنهم.

    مشكلتنا أننا كما عبر ذلك اليهودي الخبيث بقوله: إن العرب لا يقرءون, وأخشى أننا نقول: لا؛ نحن نقرأ, ولكن ماذا نقرأ؟ كثير من الناس يقرءون.. ولكن لا يقرءون ما يهم الأمة وما يجب أن يعلموا, ووسائل إعلامنا تزيد الطين بلة, فهي لا تعرض علينا شيئاً مما يمكن أن نعرف به هذه الأحزاب الفاجرة.

    إلى ما قبل هذه الأحداث كان بعض الإخوة يذهلون إذا ذهبوا للعراق, ويقول بعض الإخوان الذين يذهبون إلى العراق في رحلة علمية: ما كنت أصدق ما يقال عن العراق حتى رأيت واقع الحال!! إذ أنني كنت لا أستطيع أن أصلي, ولا أجد الكتب الإسلامية النافعة, وأجد عوضاً عن ذلك الشعارات الملحدة المعلقة في كل مكان! والتعظيم لهؤلاء الطواغيت في كل مكان! وأجد مظاهر الانحراف والانحلال والتفسخ..!! أمور عجيبة؛ لأنه كان يظن أن حال المجتمع العراقي كمجتمعنا؛ لأن العراق غير بعيدة عنا, فيفاجأ الذي يذهب إلى هناك -وهم غالباً من الطبقة المثقفة- بواقع الحال, لماذا؟! لأن الإعلام قد جعل هذه الحقائق غائبة عنا, لم يعرفنا بأعدائنا, إعلام المسلسلات والأغاني والمقابلات والتراث الشعبي والعرضات.. إلخ, ونشرات أخبار عادية جداً لا تسمن ولا تغني من جوع.

    هذا ليس هو الإعلام الذي يجب أن يكون في أمة تعاني من أعداء يحيطون بها من كل جهة.

    أمة تحارب من أجل عقيدتها, ويتكالب عليها الشرق والغرب من كل مكان, يجب عليها أن تعرف عقيدتها أولاً, ثم تعرف هذه العقائد الباطلة وتعرف أصحابها.

    ثم فوجئ -كما ذكر بعض الإخوة- بأنه يوجد فروع أو أعضاء من حزب البعث في السعودية, نعم؛ أعندنا عهد من الله ألا يكون فينا شيوعي؟! أعندنا عهد من الله ألا يكون فينا بعثي؟! من أين لنا ذلك ونحن في خواء عقدي كما ترون؟!

    بعضكم قد سمع ولا شك -ممن يتابع الدروس عندنا- كيف أن بعض الأساتذة في بعض الجامعات يقولون كلاماً في منتهى الإلحاد, وهم يدرسون عندنا, ومن أبناء جلدتنا, ويتكلمون بلغتنا, منهم البعثي, ومنهم الشيوعي, ومنهم العلماني الذي ينهج الطريقة الأمريكية, ومنهم الديمقراطي.. ومنهم ومنهم.. فكيف يكون حال أبنائنا حينما يصل الواحد منهم إلى الثانوية وهو خواء, ليس لديه من الإيمان شيء, فكيف لا يكون هذا الانفتاح على العالم كما يسمونه ويطالبون به, وإن آخر ما طالب به هؤلاء قناة ثقافية تختص بنقل الموروثات الثقافية الغربية؛ وذلك لتكون وسلة مباشرة لإيصال الثقافية العالمية إلينا, سبحان الله!

    حتى هذا الذي يبحث عن الانفتاح الثقافي, فنسأله قائلين: ما الذي سوف يأتينا من ثقافة الغرب أو الشرق؟! كيف تتحصن كل دولة من دول العالم بالمحافظة على لغتها وعلى تقاليدها وعلى عاداتها, حتى على مستوى دول صغيرة مثل: هولندا, والدنمارك وغيرها, هذه الدول لها لغات محلية لا يتكلم بها إلا أهلها, وهم يجاورون فرنسا من جهة, ويجاورون إنجلترا من جهة, وهاتان الدولتان من أعظم دول العالم, وأوسع اللغات انتشاراً في العالم الإنجليزية والفرنسية, وهي أوروبية ونصرانية وتتفق مع أولئك في سياستها وفي أمورها كلها, وسوف تتوحد معهم أيضاً وتكون دولة واحدة ومع ذلك يحرصون ألا تتسلل إليهم الأفلام الإنجليزية أو الفرنسية, أو أن تؤثر فيهم الثقافة الفرنسية والإنجليزية ليحتفظوا بلغتهم وآدابهم وتاريخهم وهم عدد محدود جداً, فيا سبحان الله! هذا حالهم وهم على دين واحد!

    أما نحن فالأبواب مشرعة لكل لغة, ولكل ثقافة, ولكل من هب ودب, وقل أن تجد في صحفنا اليومية صفحة من صفحات الأدب أو الفكر إلا وهي تترجم لشعراء أو لأدباء أو مفكرين على شتى المبادئ, ومن مختلف البلدان..!!

    ثم بعد ذلك نستغرب أن يوجد بيننا بعثيون, بل إنهم موجودون, والحزب قديم, وأنا أحيلكم إلى كتب الشيخ أحمد محمد باشميل نسأل الله سبحانه وتعالى أن يختم له بالخاتمة الطيبة, كان يطالع ويجول وحده في الميدان, ولم يكن معه إلا الله سبحانه وتعالى, وله كتب جلها تتكلم عن البعثيين المجرمين, ويذكر عن بعضهم أنهم كانوا يبثون فكرهم هنا, وكانت لهم بعض الصحف تصدر في المملكة, فنقول: نعم لهم وجود, وكان لهم بعض المدارس المشهورة في الرياض, وأذكر عندما كنا في الرياض وأنا في الإبتدائية كنا نعلم أن إحدى الثانويات في الرياض بعثية التوجه والعقيدة, وكانوا يحاولون أن يخرجوا منها مظاهرات, بل قد أخرجت مظاهرات في فترة ما في شركة أرامكو في الظهران, وأنا أذكر تلك الأيام أيضاً في المنطقة الشرقية.

    ثم فيما بعد قرأت عنها بشكل أوسع, فكانت هذه الأحزاب موجودة في هذه البلاد, ومن أهم هذه الأحزاب: البعثية والناصرية, وكلهم يدعون القومية العربية وما الحداثة عنكم ببعيد, كل فكر يمكن أن ينشأ إذا غابت العقيدة الصحيحة, والإيمان الصحيح, والتمسك الصادق بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فلا نستغرب وجودها والله المستعان.. !!

    دور الشباب المسلم في الأزمات

    السؤال: ما هو دور الشباب المسلم في هذه الأحداث، وماذا يفعل؟

    الجواب: أولاً: يجب أن نعلم ما هو أصل الداء، إن كل داء يصيبنا فهو بسبب ذنوبنا وتقصيرنا في حق الله، فيجب أن نعلم ذلك وأن نرشد الأمة إليه، وأن نعرف حقيقة أعدائنا على الواقع ولا نكتفي بإخبارنا عنهم من مجرد كلام عام في وسائل الإعلام وغيرها، بل نعرف معرفة تفصيلية بحسب الإمكان ماذا يريدون؟ ولماذا جاءوا؟

    فحقيقة الأمر أننا لوكنا ندرس ونقرأ ما ينشر، لكنا قد أخذنا الحيطة والحذر، ولكنا نعلم أن ما وقع سيقع، أو قريباً منه، ولعلنا في درس قادم نأتي ببعض البراهين أو البينات على ذلك -إن شاء الله- فيجب أن يكون عندنا قراءة واطلاع واسع على الواقع بحقيقته، وواقع هذه الأحزاب الكافرة، وواقع الدول المجرمة -أيضاً- في الشرق والغرب، وماذا تريد لنا؟ وماذا يفعل الكفار؛ وماذا يخططون لتحقيقه في بلادنا؟ لنكون على بصيرة من ذلك وأن نبين الحق للناس، ولا تأخذنا في الله لومة لائم، بل نقول ونوضح ذلك للكل.

    ومشكلة المسلمين اليوم أن الخطيب يوم الجمعة إذا خطب، أو الواعظ إذا وعظ، أوالمحاضر إذا حاضر، أو المذكِّر إذا ذكر، وتكلم عن الذنوب والمعاصي، أن كل إنسان يظن أن غيره هو المعني بهذا الخطاب، وهذه مشكلة!!

    فإذا قيل: المجرمون الظالمون المفسدون المقصرون في طاعة الله، فأكثر الناس يتصور أن المقصود غيره، والحقيقة أن المفروض أن كل إنسان منا عندما يقرأ كتاب الله أو يسمع الواعظ أو المذكَّر، أن يقول: إني أنا المخاطب بهذا، وأول ما يتأمل ويتفحص ذنوبه وعيوبه، وأن يعرض نفسه وأعماله على كتاب الله وعلى سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلو بدأ كل إنسان بذلك ثم ثنىّ بمن يستطيع من إخوانه وأقربائه، لوجدنا الخير ينتشر بإذن الله، أما أن نجعل المسئولية كما يجعله بعض الناس، على أناس معينين، فناس يقولون: على الحكام، وناس يقولون: على العلماء، وناس يقولون: على هؤلاء المجرمين، ففعلاً إن المجرمين في هذه البلاد كثير، ولكن لماذا لا تنظر لنفسك؟! فلربما كنت أنت -أيضاً- فيك تقصير، ولربما يكون بالنسبة إلى ما تعلمه أنت عن الله، وما تعرفه من دين الله وما ترتكبه من ذنوب هو مثل ما يرتكبونه هم، لأنهم بعيدون عن الله، ولا يعلمون عن الله، ولا يعلمون من أمر الله مثل ما تعلم، فلماذا لا يكون ذلك؟

    أقول: فهذا مما يجب أن نحاسب أنفسنا عليه، وأن نقول كلمة الحق، وأن نبين ذلك للناس، أعني أن على كل واحد منا أن يجعل الأمر متعلق بنفسه، فإذا أصلحنا أنفسنا؛ فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سيدفع عنا هذا البلاء بإذنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فالواجب كبير وهذه الأحداث هي التي تربي الشباب المسلم الحق، وهي التي تظهر الرجال، لأنه لا يقف لمثل هذه المواقف، ويقول كلمة الحق، ويعرف كيف يقولها، وأين يقولها، إلا الرجل الحق -فالحمد لله- أن الشباب المسلم كثير، وأرجو أن يكونوا -إن شاء الله- جميعاً رجالاً صادقين مع الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن يعرفوا الحق، ويعرفوا كيف يبلغونه للناس، ويقولونه ولا يخشون في الله لومة لائم.

    التوجه الديني عند النصارى في الأزمات

    السؤال: يقول الأخ: الرجاء التعليق على ما يلي: جاء في التلفزيون الأمريكي في الأسبوع الأول من الأزمة أن بوش ذهب إلى الكنيسة للدعاء في هذه الأزمة، وورد توجيه من كبار رهبان وقسيسي الكنيسة إلى عامة الناس أن يتجهوا ويدعوا في الكنيسة، وهذا الأخ يقول: إنه شاهد بعينه ذلك، ويقول: وكذلك رأيت هنا في الأخبار أن تتشر كانت في الكنيسة ثم عمل لها لقاء صحفي وقالت بشدة: إن صدام ديكتاتور يجب أن نتخلص منه؟

    الجواب: لا غرابة في ذلك، فكما ذكرنا أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يستغني أحد عنه، وكل من يريد أن يحقق أملاً أو مأرباً فإنه من الطبيعي أن يلجأ ويتضرع إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حتى أيام الحرب العالمية الثانية، كان يُضطر الانجليز وحلفاؤهم من الأمريكان عندما خافوا من هتلر خوفاً شديداً إلى أن يقيموا القداسات -كما يسمونها- على ظهر البوارج -السفن- مع أنهم أصلاً لا يتعبدون ولا يدعون إلا في الكنائس.

    وأما نحن فبفضل الله تعالى علينا خصَّ به نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) أما هم فلا يصلون إلا في كنائسهم، ومع ذلك قالوا: نصلي على ظهور البوارج والبواخر ونتضرع وندعوا الله، حتى يكشف عنا عذاب هتلر، ففي هذه الأزمة -أيضاً- وقع منهم ذلك ولا يستغرب، بل الغريب الذي يجب منا أن نستغربه حقاً أننا نحن لم نتب ولم نتضرع إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فهم غاية ما عندهم من الدين كما يزعمون أن المسيح عليه السلام قال: ''دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله''

    فهم يرون أن ما لله هذا هو الدعاء أو العبادة أو الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد، والباقي لـقيصر، فيظنون أن هذا هو الدين.

    أما نحن فنعلم أننا عبيد لله في كل وقت، وفي كل مكان، ولن ننتصر إلا بعبوديتنا لله، ولن نوفق إلا بعبوديتنا لله، ولن نستديم النعم إلا بالعبودية لله، والمساجد مفتوحة في آناء الليل والنهار، ومع ذلك انظروا كم من الناس -حتى لا ننفي نفياً عاماً- من لجأوا إلى المساجد وبدأوا يصلون صلاة الجماعة بعد هذه الأحداث، بعد ألم يكونوا يصلوا من قبل؟!

    كم من متبرجة كانت تتبرج في الأسواق، فلما جاءت الفتنة تركت التبرج وتابت وبدأت تصلي وتتحجب؟!

    كم من آكل للربا كان يأكله فلما جاءت هذه الفتنة تاب وأقلع عن أكله؟!

    كم.. ما أظن أن ذلك كثير والله أعلم، بل إن وجد فهو قليل، ولو كان كثيراً لدفع الله عنا العذاب، لكن هذه الأمة -إن شاء الله- آخذة في طريق النجاة.

    أما الواقع فهو كما ترون: الغفلة هي الغفلة، والتقصير هو التقصير، والمعاصي هي المعاصي، فهذا الغريب فينا نحن، أما هم فلا يذهبون إلى الكنيسة ولا يدعون الله إلا في مثل هذه الحالة، والله تعالى ذكر أن الكفار يدعونه في حال الشدة.

    من لوازم التضرع الابتعاد عن المعاصي

    السؤال: هل ينفعنا التضرع الآن ولا تزال المنكرات بيننا لم تتغير؟

    الجواب: هذا من ذاك، نريد أن نغير المنكر لا أن ندعوا الله ونُصِر على المنكر، لكن التضرع إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يستلزم الإقلاع عما نحن فيه من المنكر، ولا شك أن من يدعو الله صادقاً بقلب خالص، ويبتعد ويتجنب معاصي الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولا يقرب منها أن الله يستجيب له؛ لأن التضرع إلى الله لا يقصد به مجرد الدعاء فقط، بل يقصد به -أيضاً- الإقلاع عن الذنوب وترك المعاصي.

    يجب أن نصلي الصلوات الخمس جماعة حيث ينادى بهن، وأن نتلافى التقصير، ونقبل على قراءة كتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن ننكر المنكرات، بل يجب أن نحيي شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيننا، في مجتمعاتنا وفي أسواقنا وفي مجالسنا وفي كل مكان.

    من التضرع القنوت في الصلاة

    السؤال: هل يكون التضرع أيضاً في القنوت في الصلوات كما قنت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

    الجواب: نعم، القنوت من التضرع، ولا بأس به -إن شاء الله- فإذا لم يُفعل جماعةً فنستطيع أن نفعله فرادى، والدعاء فرادى وفي جوف الليل والإنسان خال بربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من أرجى أنواع الدعاء، وكل منا يدرك ذلك -ولله الحمد- فافعلوه، وهل يضيرنا في شيء؟! بل هو والله خير لنا في الدنيا والآخرة، فهذا الدعاء خير لنا في معادنا وفي مآلنا بل نحتاجه، ونؤجر عليه، ونثاب عليه، كما في حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بأن نُعطى ما دعونا أو نعطى من الخير مثله أو يُصرف عنا من الشر مثله، فالدعاء كله خير، وكله بركة، فإذا دعونا الله فلنستحي بطبيعة الحال أن نعصيه، بل يجب أن يجدنا حيث أمرنا، وأن لا يجدنا حيث نهانا، والله المستعان.

    كيفية إنكار المنكر

    السؤال: يواجه كثير من الدعاة حرج شديد عند رؤية المنكر التي تكون المرأة طرفاً فيه، كأن يرى امرأة متبرجة وهناك من يسير خلفها من أهل السوء إلى آخر المشاهد السيئة، فكيف يكون إنكار هذه المنكرات بالطريقة الصحيحة؟

    الجواب: مع أننا نقول بضرورة المبادرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه من أعظم أسباب الوقاية من العذاب، فإن ذلك لا يعني أن نتسرع في أي منكر فننكر بأي إنكار وبأي وسيلة، لكن كل شيء لابد أن نأخذ له أسبابه وطريقه الصحيح، ونعالجه بالحكمة، فالحكمة: هي وضع الشيء في موضعه، ومن ذلك أن نفكر في أسباب صادقة وجادة وبعيدة المدى في إنكار هذه المنكرات، فليس بالضرورة أن تستثار أعصاب الشاب أو حمية الغيرة لهذه المرأة بالذات، لكن يمكن أن نفكر كيف نقضي على هذا المنكر من مصابَّه ومنابعه.

    فأمامنا منكر عظيم جداً يجب أن نتنبه له، ألا وهو: التبرج والتعري الذي في أسواقنا مع قلة عدد الكفار الموجودين بالنسبة إلى مجموع السكان الآن، وسيكثر لمجيء هؤلاء مما قد يسهل لهم المجيء إلى بلادنا أكثر، فأقول: ستنفتح أبوابٌ للمنكرات أكثر، فلتكن نظرتنا أبعد من مجرد أن ننكر على هذه المرأة في السوق، وإنما نفكر كيف يمكن أن نغير هذا المنكر من أساسه، ولا سيما الإخوة الدعاة الذين لديهم الفكر وبُعد النظر، ولا يقصد بذلك أننا لا ننكر على أي امرأة بمفردها، فلنجتهد في ذلك، وعلى أية حال لا بد أن أتوقع الأذى وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان:17].

    ولا بد من الصبر؛ لأن الصبر مقرون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا بد أن نؤذى، فليس من الشرط أننا لا نخطئ فقد نخطئ وقد نؤذى ونحن لم نخطئ، فلابد من أن نؤذى في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولنتحملْ ذلك، وإذا قمنا به ونحن كثير -والحمد لله- فإن هذا سيدفع الشر -إن شاء الله- وسيقلل من المنكر، ولو لم يكن فيه إلا الإعذار إلى الله لكان ذلك أمراً عظيماً وخيراً كثيراً.

    آثار أحداث الخليج على الصحوة

    السؤال: ما أثر هذه الأحداث في الخليج على مسيرة الصحوة الإسلامية؟ وهل هناك من إيجابيات نأخذها من هذه الأحداث؟

    الجواب: أعداء الإسلام لا شك أنهم يريدون أن يقضوا على هذه الصحوة، وأن يذلوها ويستفردوا بها عن الأمة، ولذلك فلنتوقع ضعفاً ولو مؤقتاً، لمسيرة الشباب للإرباك الحاصل بين الشباب، والخلاف والحيرة الدائرة بينهم في التعامل مع هذه الأحداث، فكل ذلك مما يعيق مسيرة الصحوة، وقد يكون الأمر أكبر من ذلك أيضاً وقد يؤذى بعض الدعاة عموماً على مستوى الأمة، نسأل الله لنا ولهم العفو العافية.

    وأما الإيجابيات، فأنا أرى أنها أكبر وأعظم من السلبيات، بشرط أن يعرف الدعاة موقعهم في الأمة، وأن يتقوا الله ويقوموا بالواجب الذي أمرهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى به، وأن لا يتخلوا عن واجبهم ومسئوليتهم، وعن ما يجب عليهم ويكلوه إلى غيرهم، فإذا أحسنا التعامل مع الأحداث والاستفادة منها فأنا آمل خيراً كثيراً فيها، لأنه ما من حدث وقع في الأمة الإسلامية من قديم، إلا وكان فيه خيراً لها والحمد لله.

    وإليكم على ذلك مثالاً: لمـَّا جاء التتار كان فيه خيراً، فـشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، ومن كان معه من أهل الخير والعلماء وأهل السنة جميعاً، لم تظهر قيمتهم وفضلهم والتفاف الناس حولهم، إلا لما جاءت فتنة التتار، وجاهدوا في الله حق جهاده، فقد كان لهم خير وفضل، ولكن أقول: إن ذلك مما أظهرهم الله تعالى به.

    ومثال آخر: نور الدين وصلاح الدين -رحمهم الله- وأمثالهم، ما ظهروا في هذه الأمة إلا لما اشتدت الأزمات، فظهر أولئك الرجال الذين توكلوا على الله، وجاهدوا في سبيل الله ونصرهم الله، ونحن نتوقع أنه كلما اشتد الظلام فالفجر قريب، والآن نحن على الأقل في بداية الظلام الحالك، ولا يعلم مصيره إلا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لكن نقول: إنه بإذنه تعالى سوف ينبثق من هذه الأمة شباب يؤمن بالله، ويجاهد في سبيل الله، ويعيد الحق إلى نصابه، ويكون لهم النصر على الكفار، مهما تألبوا وتكالبوا بإذنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهذا لا شك لدينا، وهو مصداق ما أخبر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما وعد الله تعالى به الطائفة المنصورة.

    الاهتمام بأحداث الخليج لا يمنع من الاهتمام بكل الأحداث

    السؤال: نلاحظ أن هم الناس ينصب على قضية العراق والكويت، ونسوا قضية أفغانستان وفلسطين بعد ما كانت همهم الأكبر؟

    الجواب: نحن المؤمنين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، فلا ينبغي أن تشغلنا قضية عن قضية، وإن كان بعضها أهم من بعض بلاريب، ولكن لضعفنا وتفرقنا وقلتنا، والقلة لا نعني بها الغثاء، فالغثاء كثير، لكن قلة من لديه البصيرة، كان هذا سبباً من أسباب أن الأمة تشتغل فتُلهى بقضية عن قضية، ولذلك أصبحت كالكرة يتراماها الأعداء، وكل ما انصرفوا إلى قضية شغلوهم بقضية أخرى، فلا شك أن ما نراه في الكويت أمر كبير وخاصة لأنه قريب منا، وأن تعطُّلَ الدعوة في الكويت، وتعطل منابع للخير فيها يؤثر على الدعوة في عامة العالم الإسلامي، ولا شك في ذلك، وهي جديرة أن يهتم بها، لكن لا يعني ذلك أن ننسى القضايا الأخرى.

    وانظروا إلى أعداء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هؤلاء الذين لا تلهيهم قضية عن قضية؛ لأن لديهم التخصصات والاستشارات والدراسات الوافية عن كل مشكلة، وكل موضوع، وانظروا إلى الحرب النفسية التي يجعلوننا نعيش فيها، فرئيس الدولة في إجازة ونائبه في إجازة ووزير الدفاع في إجازة.

    شيء عجيب جداً!!

    لماذا مع هذه الأحداث؟ وخاصة أن عندهم في الداخل مشاكل وعندهم في أماكن كثيرة أمور لم تحسم ولم تحل ومع ذلك فإنهم بهذا الحال، لأنهم حقيقة أخذوا بسنة الله في التخطيط والدراسة والشورى، ولذلك لا تأتيهم الأمور صدفة، ولا تأتيهم قضية تشغلهم عن القضايا الأخرى.

    الجوانب الاقتصادية لها حسابها، والجوانب العسكرية لها حسابها، والجوانب السياسية لها حسابها، والمواطنون في إرتيريا لا ينسون ولا يغفل عنهم من أجل المواطنين في العراق، ووحدة ألمانيا والوحدة الأوروبية، ومشاكل كثيرة تُدرس وكلها على مستوى واحد وتنال حظاً من الاهتمام، وإن كانت لا ينالهم من الإعلام لأنه يستأثر بآخر القضايا.

    لكننا مع الأسف إذا جاءتنا قضية شغلتنا عن الأخرى.

    وخير مثال -والأمثلة توضح ذلك- ما ذكره مالك بن نبي رحمه الله عندما ذكر أن حال هذه الأمة، مثل مصارعة الثيران، فالأمة فيها قوة ومقاومة، فالغرب جعلها كالثور الذي يصارع تلك القطعة الحمراء من القماش، فيتلاعب به كما يشاء، وينهك جهده ويذهب قوته دون أن يثمر شيئاً، فيطعنه في الأخير ويخر صريعاً ويموت، وهكذا يفعلون، يرون أننا نستنكر وأن مشاعرنا تثور وعواطفنا تستنفذ فيجعلون أمامنا قضية تستهلك كل قوانا.

    وإذا جاء أحد يذكرنا بغيرها لا يُنظر إليه مطلقاً مع أنه لا ينسينا إياها.

    تذكرون أيام الجهاد الأفغاني كان بعض الإخوة، وبعض الدعاة يقولون: لا تنظروا فقط إلى أفغانستان فالقضايا كبيرة والأخطار محدقة والمصائب من كل جهة، اهتموا ببناء قاعدة للإسلام في هذا البلد، وهو الأساس وهذا هو المنطلق، وما كان يُسمع إليه، وربما يتهم بأن هذا تثبيط أو تخذيل، فلما وقعت الواقعة هنا وإذا به يقال: كل الذي هناك يأتون إلى هنا، وننسى أولئك، فلا هذا ولا هذا.

    يجب أن تكون مواقفنا دائماً متزنة ومحسوبة ومدروسة -والحمد لله- فالمال وفير فنستطيع أن نعطي هنا وهناك، والإعانات والإغاثة كذلك، والطاقات -والحمد لله- لو وجهت ونظمت ورتبت فهي كثيرة، وأقول بهذه المناسبة: جزيرة العرب كانت معروفة بقلة سكانها وقلة مواردها سابقاً، أما الآن فعلى العكس فالموارد بها من أغنى بلاد العالم.

    لكن من ناحية العددية والطاقات الذهنية، هي هي في جميع القرون، هي التي أخرجت الصحابة الذين فتحوا فارس والروم، وهي التي قاومت الصليبين، فما هناك نقص في العدد بل هناك زيادة في المال، والعدد هو هو، فلو وجهت الطاقات والجهود في هذه الأمة في داخل الجزيرة، بل لا نقول في جزيرة العرب كلها، بل فقط المملكة، وأصبحت مسخرة لوجه الله في الإعلام والجيش وفي كل القطاعات من الرجال المؤمنين، توبة صادقة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، واستقامة صادقة على أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى والكف عن كل ما حرم الله، وتوعية مستديمة وشاملة في العقيدة الصحيحة، وفي الإيمان الصحيح، وعن أعداء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لغَيَّرنا والله العالم كله، وهزمنا العالم كله بإذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فليست هي قضية عجز؛ لأن فينا من الطاقات -ولله الحمد والفضل والمنة- معدن الخير ولا ينضب في جميع العصور، ولا نعدم الخير في هذه البلاد.

    أما الغفلة التي أكثر الناس غارقون فيها، فهي العائق أمام استغلال هذه الطاقات الهائلة لهذه الأمة، ومع ذلك توجهت بعض طاقات من شباب هذه الأمة إلى بعض المجالات، فتفوقت على أهل تلك البلاد في عدة مجالات، في الاكتشاف والبحث العلمي، وكذلك لما توجهت إلى بعض المجالات الجهادية فعلت ما لم تفعله أي بلاد أخرى، ولما توجهت إلى مجالات علمية أنتجت ما لم تنتجه أي بلاد أخرى، فهذه من رحمة الله ونعمته وفضله على هذه البلاد، ولكن نحن نتغافل عن هذه النعمة بالركون إلى الشهوات وملذات الدنيا، مما أورث لدينا الوهن (حب الدنيا وكراهية الموت) كما أخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    الفتنة في الفن لا التطرف

    السؤال: في جريدة الشرق الأوسط في عدد يوم السبت الماضي ذُكر موضوع وخبر صغير ما معناه أنه قام كثير من الفنانين في مصر بـالقاهرة بعمل فيلم يتكلم عن الأزمة وعن السبب التي قامت من أجله هذه الأزمة وهو التطرف؟

    الجواب: سبحان الله! بدلاً من التضرع، أو من الكلام على التضرع، كان الكلام عن التطرف!! لكي يزيدوننا خسارة ووبالاً، ولا شك أن الأعداء يستغلون مثل هذه الأشياء، ويقولون: من أسباب المشاكل هو: التطرف، ومن عجيب ما بلغني أنه لما طُلب من بعض المستشارين أو بعض الناس، أن يكتب عن كثرة انتشار جرائم قطع الطريق، جعل من ضمن الأسباب التطرف الديني، فسبحان الله! فهم أعداء هذا الدين، وأعداء للدعوة، ويريدون أن ينتهزوا أي فرصة لإدخال هذا الشيء الذي يرون أن الناس يستنكرونه ويستفظعونه بحيث إنهم يضعون هذا العدو اللدود من ضمنه أو من أحد أسبابه.

    وليس بغريب على الفنانين الذين هم سبب المصائب، وسبب كل بلاء، بما أشاعوه في الأمة من الفحشاء واللهو والغفلة عن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في التلفزيون وفي الصحافة والمجلات، واستأثروا بحديث المجالس كما قال بعض الشعراء من الوزراء، يقول: '' أصبح الحكام يغبطون الفنانين ولاعبي الكرة على هذه المكانة التي يحصلون عليها عند الناس ''، ومع ذلك فهم الذين يرسخون جذور الفتنة والبلاء وأسباب النقم والعذاب في الأمة، ثم بعد ذلك يقولون: إن التطرف هو السبب، وإذا أتوا عند التطرف لا يقولون: تطرف حزب البعث، أو تطرف المفسدين في فسادهم، لا، بل يعنون به وجود هذا الشباب المؤمن الطيب الذي أكثره -كما هو الحال في بداية التمسك- إعفاء اللحية ورفع الثوب قليلاً عن الكعبين''.

    تركيز النصح والإرشاد على من نزلت بهم المحنة

    السؤال: إن الكثير من التذكير والنصح والإرشاد لوحظ أنه مقتصر على طلبة العلم والإخوة في الله وهذا شيء طيب، ولكن من حلت بهم المحنة أحق بأن يركز الدعاة في دعوتهم إلى التوبة والإنابة في كل حرب، ولأن وَقْع التذكرة في هذه الظروف أجدى من أي وقت آخر، ويا حبذا من توجيه هذه الدعوة إلى طلبة العلم الحضور، لكي يتوجهوا إلى الأماكن التي يوجد بها الإخوان الكويتيين ونصحهم؟

    الجواب: المحنة هي للجميع، فلا نتكلم نحن عن الكويت فقط؛ لأن المصيبة دائرة بالجميع وأحاطت بالكل، وإنما هؤلاء الذين أحاطت بهم المحنة هم أحق بأن تركز الدعوة عليهم، وبالنسبة لإخواننا الكويتيين في جدة فهذا شيء ضروري جداً، ولا يجوز أن نتخلى عنه من ناحية إغاثتهم بما يحتاجون من لوازم الحياة، ومن ناحية إغاثتهم مما هو أهم وأحوج، وهم أحوج ما يكونون إليه، وهو الإيمان والدعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، والحمد لله هناك جهود رتبت لهذا الشأن، نسأل الله أن تأخذ دورها في التنفيذ - بإذن الله تعالى- من محاضرات، ومواعظ وغيرها، ولا شك أن هذا واجب علينا، ونؤكد عليه بدورنا.

    طلب الدعاء

    السؤال: الأخ يرى أن ندعو الآن؟

    الجواب: ما أرى أننا ندعو الآن، فأنا أقصد بالتضرع إلى الله أنها حالة دائمة، وإن كان لا مانع أن ندعو الآن جميعاً، لكن أقول: يجب أن نجعل هذه الحالة دائمة، فالتضرع نجعله حالة دائمة في كل الأحوال، ونحن بحاجة إلى الله في كل الأحوال، فنحن مذنبون في كل الأحوال ومقصرون، فلا نستغني عن الدعاء الآن وفي كل حين، ونسأل الله الإجابة، والله المستعان.

    تعليق على صور للنساء في مجلة تايم

    السؤال: هذه صور من مجلة تايم، وغيرها من المجلات، كما أشرنا وتشتمل على صور المجندات والنساء اللاتي قدمن مع هذه القوات؟

    الجواب: هذه من المصائب، نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يرفها ويدفعها عنا، هذا بلاء على بلاء، فوجود وقدوم هؤلاء لا شك أنه بلاء خصوصاً النساء بالذات، لأنه كما تعلمون، وكما هو واقع في وجود القوات الأمريكية دائماً في أي بلد، في بانكوك وفي أيام حرب فيتنام وفي غيرها.

    فأنا أقول: يجب أن نعرف هذا لأنه من الأمور البدهية وما ينازعنا فيها أحد إلا من كان مكابراً في البديهيات، أن الإنسان الأمريكي مستحيل أن يستغني عن الخمر والزنا والمخدرات فحياتهم هي هذه، وهذه هي متعتهم، وهذه هي شهوتهم، وهذا هو إيمانهم، فهم لا يؤمنون بالآخرة، ولا يحسبون لها أي حساب، فلا نستغرب أن ينزلوا إلى أي بلد إلا ومعهم الخمر والنساء، وما يسمونه الترفيه، كما قرأتم في الجرائد عن الآلاف من الكريمات والدهانات الحرارية التي وصلتهم حتى يدهنوا أنفسهم بها، فهذه هي حياتهم، وهل تظنون أنهم جاءوا من أجل سواد عيوننا أو تقديراً أو احتراماً لنا أو لديننا أو لتقاليدنا؟

    طبعاً ما جاءوا من أجل ذلك، كما أنه أيضاً هل تظنون أنهم من أجلنا يتركون هذه الشهوات وهم لا يرجون عند الله شيئاً والله يقول: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104] فأي شيء يرجون غير هذه الدنيا فقط؟!

    إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ [يونس:7].

    لكن نحن علينا واجب كبير، وواجب عظيم، كل واحد منا بما يستطيع، وهو أن ننبه وندعو ونطالب ونذكر بأي أسلوب نراه، وبكل مكان بحسَبِه، أن هذا البلاء إن لم يرفع كله فعلى الأقل أنه يُحد إلى أقصى حد، فهذا واجب، وإن لم نفعل ذلك فلا شك أننا أغضبنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فهذه الصور المعروضة في المجلات مثلاً من شواهداً لحال، والصور في الواقع أكثر من ذلك.

    وتكلم بعض الإخوان، وكتبوا لنا بما هو أعظم من ذلك، وهذه المصيبة نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يدفعها، ويرفعها عنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002404411

    عدد مرات الحفظ

    718535089