إسلام ويب

البدعة وأسئلة حولها [1]للشيخ : محمد ناصر الدين الألباني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن شريعة الرحمن كاملة على التمام، ومن ادعى بأن الشريعة تحتاج إلى زيادة فقد اتهم محمداً بأنه قد خان الرسالة. وفي هذه المادة يوضح الشيخ مفهوم البدعة والفرق بين البدعة الدينية والدنيوية، وحكم مشابهة الكفار في بعض الأمور الدنيوية.

    1.   

    إشكالات حول مفهوم البدعة

    السؤال: هل يوجد في الشرع تصنيف للبدعة بأنها واجبة أو حسنة؟

    الجواب: لطالما سمعتم ممن يذهبون إلى تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام، أن هناك بدعة واجبة، ويضربون على ذلك مثلاً بجمع القرآن الذي جمعه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، يقولون: هذه بدعة في الإسلام، ولكنها واجبة، نحن نقول: تسمية هذا الأمر العظيم بالبدعة، التي إنما أطلقت للذم، كما ذكرنا في الحديث السابق (كل بدعة ضلالة) أعتقد أنه من أسوأ الاستعمالات التي دخلت في أذهان بعض العلماء.

    جمع أبي بكر للقرآن الكريم

    نقول: جمع القرآن واجب وليس بدعة، وإن قالوا: إنها بدعة، فيجب أن يستعملوا هذا اللفظ بالمعنى اللغوي، ولا يقولون: البدعة في الشرع تنقسم إلى أقسام خمسة: منها البدعة الواجبة الفريضة.

    فجمع القرآن كان من الصحابة لأسباب: منها ظاهر لكثير من الناس، ومنها ما يظهر لبعض المتدبرين للقرآن.. الأمر الأول الظاهر هو القاعدة المتفق عليها بين العلماء: (ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب). وأنتم تعرفون السبب الذي حمل الصحابة يومئذٍ على جمع القرآن؛ وهو مجيء من يخبرهم بأنه قد قتل في يوم واحد سبعون قارئاً من قراء الصحابة، فخشوا من أن يستحر القتل ويشتد في القرَّاء؛ فيذهب القرآن الذي كان محفوظاً في صدورهم بذهابهم وموتهم.

    لذلك بادر أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر إلى جمع القرآن، وهذا يؤكد هذه القاعدة المعروفة عند علماء الأصول: (ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب). فالمحافظة على القرآن أمر واجب، فإذا لم يبادروا إلى جمعه -كما فعلوا- يكونون عندها قد ساعدوا على إضاعة الواجب؛ فيكونون مسئولين، وهذا هو الأمر الظاهر، ولكن هناك أمر يظهر لبعض المتأملين في بعض نصوص القرآن الكريم، من ذلك قول رب العالمين في أول سورة البقرة: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1-2] (ذلك الكتاب) فالله عز وجل أشار في هذه الآية إلى أن هذا القرآن كتاب، وهو حينما كان مبعثراً في الصحف، والرقاع، والعظام، ونحو ذلك؛ لا يطلق عليه حين ذاك أنه كتاب، فهو أشار إلى أنه ينبغي أن يكون هذا القرآن محفوظاً ومسجلاً في كتاب، وهذا ما فعله الصحابة الكرام، فلا يصح أن يطلق على جمع القرآن أنه بدعة، وأنه أول بدعة ظهرت في الإسلام، فهذا خطأ فاحش وكبير جداً، وأنا أقرب لكم هذا بمثال لعله أوضح من هذا، أي: إنه أمر حدث بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن لا يصح أن نسميه بدعة إطلاقاً؛ لأن حدوثه كان بإذن من الشارع الحكيم.

    إخراج عمر لليهود من خيبر

    تعلمون أنه جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح خيبر عنوة أعطاها لليهود على أن يعملوا فيها، فيكون لهم النصف وللرسول صلى الله عليه وسلم النصف، واتفق هو وإياهم على أنه أقرهم فيها، قال: (نقركم فيها ما نشاء) هذا كان من شروط الاتفاق على أن يبقى اليهود في خيبر يعملون في نخيلها، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود في خيبر، وجاء أبو بكر وتوفي واليهود في خيبر، وجاءت خلافة عمر، ومضى ما شاء الله من خلافته وهم في خيبر، ثم بدا لـعمر أن يخرجهم فأخرجهم طرداً، وأذن لهم أن يأخذوا ما خف من حوائجهم، هذا الإخراج -كما ترون- وقع بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد أبي بكر، فهل هذه بدعة في الدين؟ الجواب: لا. لم؟ لسببين اثنين:

    ذكرت الأول منهما: وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (نقركم فيها ما نشاء)، فهذه المشيئة انتهت حينما رأى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب أن يخرجهم.

    والأمر الثاني: قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أخرجوا اليهود من جزيرة العرب )، فإذاً عمر عندما أخرج اليهود من خيبر، إنما نفذ طرفاً من هذا الأمر النبوي: (أخرجوا اليهود من جزيرة العرب )، فالذي نفذ طرفاً من أمر الرسول أيكون قد أحدث في الدين؟ حاشا لله رب العالمين! ليس هناك إحداث، وإنما هو في الواقع شيء جديد، ما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولكن هذا الذي جد له دليله من السنة، كما رأيتم في الحديث في صحيح البخاري، وفي الحديث الآخر: (أخرجوا اليهود من جزيرة العرب ) وكان هذا مما وصى به الرسول صلى الله عليه وسلم أمته وهو في مرض موته.

    إذاً: فإخراج عمر لليهود من جزيرة العرب لا يصح أن يقال: إنه بدعة، حتى ولو بعبارة بدعة حسنة، عند من يقول بتقسيم البدعة إلى خمسة أقسام؛ لأنه نفذ أمراً نبوياً، وهذا واجب وليس بدعة.

    جمع الناس لصلاة التراويح في خلافة عمر

    من هذا القبيل ما يكثر إيراده من القائلين بالتقسيم للبدعة إلى حسنة وسيئة: صلاة عمر بن الخطاب، أو أمر عمر بن الخطاب أُبي بن كعب أن يصلي بالناس إماماً في صلاة التراويح، وقول عمر بن الخطاب في هذه المناسبة: [نعمت البدعة هذه] يحتجون -أيضاً- بهذه الحادثة على أن هناك في الإسلام بدعة حسنة، والجواب هو عين الجواب عن إخراج عمر لليهود من جزيرة العرب، فـعمر لم يبتدع شيئاً في الإسلام إطلاقاً، وإنما نفذ أمراً قديماً.

    كذلك لما صلى، أو أمر أُبي بن كعب أن يصلي بالناس إماماً، لم يأت بشيء جديد؛ لأن هذه الإمامة شرعها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه في الليالي الثلاث التي قرأتموها في صحيح البخاري، ثم ترك ذلك عليه الصلاة والسلام لعلة: (إني خشيت أن تكتب عليكم)، ثم زالت هذه العلة بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث أتم الله عز وجل الدين، فلم يبق هناك مجال لتشريع أحكام جديدة، ومن أجل زوال العلة رجع عمر بن الخطاب فأحيا تلك السنة، لا سيما وهناك حديث من قوله عليه الصلاة والسلام، وهو رد على بعض الناس الذين يرون -على الرغم من زوال تلك العلة- أن صلاة التراويح في البيوت أفضل من صلاتها في المساجد، فهو خطأ وغفلة من هؤلاء عن شيئين اثنين:

    الشيء الأول: أن العلة زالت؛ ولذلك رجع عمر إلى إحياء هذه السنة.

    والشيء الآخر: هو أنه جاء في سنن أبي داود حديث بإسناد صحيح، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من صلى العشاء في رمضان وراء الإمام، ثم صلى خلفه صلاة القيام، كتب له قيام ليلة)، فهذا تشريع من الرسول من قوله يحض المسلمين على أن يصلوا صلاة التراويح مع الإمام، فما الذي فعله عمر بن الخطاب؟ أحيا سنة فعليه، وسنة قولية، كل منهما يؤيد الأخرى، إذاً ما أحدث عمر بن الخطاب شيئاً في الدين، وإنما أحيا سنة من سنن سيد المرسلين.

    لكن يرد السؤال التقليدي: إذاً لم قال عمر بن الخطاب: [نعمت البدعة هذه

    نقول: عمر أطلق البدعة على هذا التجميع باعتبار ما كان الأمر عليه، ما بين ترك الرسول عليه الصلاة والسلام لصلاة الجماعة في التراويح، وإحيائه هو إياها، فكانت هذه السنة متروكة، فهو سماها بدعة؛ لأنها حدثت بعد أن لم تكن في هذا الزمن المحصور؛ بهذا الاعتبار قال: [نعمت البدعة هذه].

    خلاصة القول: لا يجوز أن ننسب إلى الدين ما ليس منه إلا بدليل شرعي -كما سمعتم- بالنسبة لإخراج اليهود، وبالنسبة لتجميع عمر الناس على صلاة التراويح، ولا يجوز إنكار بعض المحدثات ما دام ليس سبب إحداثها هو تقصير منا، وفي الوقت نفسه هذا الذي حدث يؤيد حكماً شرعياً منصوصاً عليه، كمكبر الصوت.

    إذا عرفنا هذين الأمرين نجونا من الإفراط والتفريط، الإفراط: هو إضاعة مثل هذه الوسيلة بحجة أنها محدثة، وهي ليست محدثة في الدين، ولا تعارض الدين، بل تؤيد غرضاً من أغراض الدين، وحكمة من حكم التشريع، ولا يجوز أن ندخل في الدين أشياء بقصد زيادة التقرب إلى الله، فهذه الزيادة ممنوعة؛ للأحاديث الكثيرة التي تعرفونها في الذم عن الابتداع في الدين، ومن أخطرها قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (أبى الله عز وجل أن يقبل من صاحب بدعة توبة).

    1.   

    سبب تأخير إحياء سنة صلاة التراويح

    السؤال: ما دام أن العلة انتفت بموت الرسول، فلم لم تحي هذه السنة في خلافة أبي بكر، أو في صدر خلافة عمر؟

    الجواب: أقول لك: أولاً: هذا السؤال إيراده ليس له علاقة بالموضوع من حيث فهمه هل هو صواب أو خطأ، والجواب عليه كذلك لا علاقة له بالموضوع، لم؟

    لأن الأهم من ذلك أن تعلم هل الذي صنعه عمر هو بدعة في الدين، أم إحياء لسنة من سنن الرسول عليه الصلاة والسلام؟ فإذا عرفنا بالأدلة السابقة وغيرها أنه لم يبتدع في الدين -وحاشاه- وإنما أحيا سنة من سنن الرسول عليه السلام، فما الذي يهمنا في أن نعرف السبب الذي من أجله لم يحي أبو بكر الصديق هذه السنة، والسبب الذي من أجله لم يحي عمر هذه السنة في أول خلافته، ما الذي يضرنا؟

    كثير من العلم يكون الجهل به مثل العلم به -أي: من نافلة القول- ومع ذلك فأهل العلم يجيبون أن الذي منعهم هو اشتغال أبي بكر بحروب الردة، وأنه كان في ذهنه يحمل هماً كبيراً وخطيراً جداً، إذ كان يخشى أن يقضى على الإسلام من هؤلاء المرتدين، فهذا أمر خطير وخطير جداً أخذ كل تفكيره وكل اهتمامه فصرفه إلى رد هذه الضلالة الكبرى التي حدثت، ولم يعد عنده مجال ليفكر في أن يحيي هذه السنة.

    بخلاف عمر بن الخطاب الذي بدأت الأمور تهدأ في خلافته، فأحيا هذه السنة، ومن هنا يظهر لك أنه ليس من المهم أن نعرف السبب -على أن هذا السبب ممكن أن يكون كذلك- المهم أن نعرف هل الذي فعله مشروع، أم ليس بمشروع؟

    السائل: لم لم يفعل ذلك ثلاثة أيام كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟

    الشيخ: هذا القول لا يصح؛ لأن الرسول فعل ثلاثة أيام لعلة، ونحن ذكرناها، فهناك -يا أخي!- فقه وقواعد أصولية، يقول أهل العلم: الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً. ما معنى هذا؟ مثال يفهمه كل الناس: ما علة تحريم الخمر؟ الإسكار، فإذا ذهب الإسكار من الخمر لسبب ما كالتخلل مثلاً، تغير الحكم، كان خمراً محرماً؛ لأنه مسكر، فلما انقلب خلاً خرج عن كونه خمراً مسكراً فصار شيئاً آخر، والخل مباح كما هو معلوم لدينا جميعاً.

    كيف اختلف هذا عن هذا؟ بوجود العلة، وزوال العلة، ما دامت العلة موجودة في الخمر وهي الإسكار؛ فهو حرام، وإذا زالت هذه العلة؛ خرجت من كونها حراماً وصارت حلالاً.

    الدابة الميتة، إذا مرت عليها عوامل من العوامل التي خلقها الله في كونه، ومنها الشمس، والأمطار، والرياح، فانقلبت بهذه العوامل الإلهية- هذه الدابة الميتة- ملحاً، يصبح هذا الحيوان الذي كان أكله محرماً حلالاً، بعد أن انقلب إلى شيء آخر؛ إلى ملح.

    ولذلك تقول بعض المذاهب: إن التحول من جملة الأشياء المطهرة، كالأرض -مثلاً- التي يقع فيها نجاسة إذا تبخر ما فيها من نجاسة وذهب طهرت الأرض.

    كثير من المسائل من هذا القبيل تقوم على هذه الملاحظة، وهي وجود العلة أو زوالها، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما وحصبوا بابه وخرج مغضباً قال: (عمداً تركته، إنه لم يخف عليَّ مكانكم هذا، إني خشيت أن تكتب عليكم) إذاً هذه الخشية زالت بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يبق هناك مجال للإتيان بأحكام جديدة، هذا من ناحية.

    ومن ناحية أخرى: جئتك بالحديث القولي: (من صلى العشاء مع الإمام، ثم صلى قيام رمضان معه كتب له قيام ليلة) ما قال: في ثلاث ليالٍ، بل جعله شرعاً أبدياً إلى يوم القيامة، ولذلك ما دام أن العلة السابقة زالت، وما دام أن هذا الحديث موجود وهو صحيح كما قلت، فلا يجوز لنا أن نقول: إن عمر ابتدع في الدين، وشرع للناس، وأصبحت هذه الشريعة مستمرة إلى يوم القيامة، هذا من أفحش الأخطاء التي قد يبتلى بها بعض الناس؛ لأنه أولاً: يلزم تعطيل قول الرسول: (إني خشيت أن تكتب عليكم)، بينما هذا تحته توجيه كريم: أنه إذا زالت الخشية بوفاتي فلا مانع أن ترجعوا إلى هذه الصلاة، بدليل: أن قصة إحياء عمر لهذه السنة قد جاء فيها: أن عمر بن الخطاب حسب عادته كان يطوف في المسجد، فيجد الناس يصلونها زرافات وأفراداً، جماعة هنا.. وجماعة هنا، إذاً هم يصلون جماعة، لكن جماعات متفرقة، وما صلوا في البيوت؛ لأنهم علموا أن أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالصلاة في البيوت هو لهذه الخشية، فما دام أن الرسول عليه الصلاة والسلام توفي، فقد زالت الخشية؛ لذلك كانوا يصلون في المسجد، ولكن ليس وراء إمام واحد، فلما جمعهم عمر بن الخطاب وراء إمام واحد؛ فهو إنما أحيا السنة التي بدأها الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الليالي الثلاث، ولكن علل الترك بهذه الخشية، فلما زالت الخشية زال حكم الترك، وأكد ذلك بالحض على الصلاة وراء الإمام صلاة القيام، حتى يكتب لهذا الذي قام وراء الإمام كأنه قام الليل كله، فإذاً عمر لم يبتدع في الدين، وحاشاه أن يفعل ذلك، ثم هل هو يبتدع ولا أحد ينكر عليه، والناس يتابعونه حتى يومنا هذا؟ هذا أبعد ما يكون عن الصواب.

    إذاً: لا يجوز أن نقول بأن تجميع عمر بن الخطاب المسلمين من الصحابة الكرام والتابعين على أبي بن كعب إحداث في الدين، ثم يسكت الصحابة، وأبي بن كعب معهم، ويأتمر بأمره، ويعتقد -كما قد يقال- أنه بدعة، ولا أحد يقول له أو يلفت نظره، هذا أمر مستحيل! لذلك الصواب القول: بأن التجميع في رمضان سنة تركها الرسول لعلة، والعلة زالت، وبزوال العلة يزول المعلول وهو حكم الترك، زال هذا بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    والقول: بأن السنة فقط ثلاثة أيام، هذا لا يقوله عالم في الدنيا إطلاقاً، بمعنى أنه في كل رمضان يقوم الواحد ويصلي ثلاثة أيام في المسجد فقط، وبعد ذلك يصلي في البيت، هذا لا أحد يقوله.

    السائل: لماذا -بارك الله فيك- عمر لم يصلِّ بالقوم، ولا صلى وراءهم، ولكنه استمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى مع الإمام صلاة العشاء، ثم أقام معه وصلى خلف الإمام صلاة القيام كتب له قيام ليلة)، فـعمر رضي الله عنه أقام مع أبي بن كعب، ولا صلى بهم هو، وما جمع القوم إلا لما رآهم مختلفين، كما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يجتمعون فخشي أن تفرض عليهم، فـعمر رضي الله تعالى عنه لما رأى القوم قد اختلفوا في الصلاة فأناس يصلون هنا، وأناس يصلون هنا؛ جمعهم لهذه العلة ولكن لم يصل معهم، ولم يصل بهم، ما أتى أمر الرسول فصلى مع الإمام حتى يكتب له الأجر، ولم يصل بالقوم.

    الشيخ: عمر لم يصلِّ؛ لأنه يتحسس أحوال المسلمين، ويفتش عن أمورهم، فما هو فيه أفضل من أن يشارك الناس في هذه الصلاة، المهم أن هذه الصلاة التي أحياها عمر ليست بدعة، ولا يجوز لمسلم أن يسميها بدعة، حتى لو أطلق عليها أنها بدعة حسنة، فكيف نقول بأن هذه بدعة ضلالة؟! وعمر بن الخطاب أمر بها والصحابة استجابوا لها، وعمل المسلمون بها حتى يومنا هذا، وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء:115] .

    1.   

    حكم الزيادة على إحدى عشرة ركعة في التراويح

    السؤال: في هذه الأيام زادت الركعات التي تصلى عن صلاة الرسول التي صلاها وهي إحدى عشرة ركعة، ثم بعد ذلك لم يحسنون الصلاة فيها، فما حكم ذلك؟

    الجواب: هذا خلاف السنة، فما لنا ولهذا؟ الرسول صلى الله عليه وسلم ما زاد في رمضان عن إحدى عشرة ركعة، وعمر بن الخطاب أمر أبي بن كعب أن يصلي بالناس إحدى عشرة ركعة، هذا ليس فيه كلام، فالسنة لا نحيد عنها، أما أن نقول: إن عمر ابتدع، وهذه بدعة ضلالة، بل أن نقول: ابتدع وهذه بدعة حسنة، هذا خطأ، ولكن (حنانيك بعض الشر أهون من بعض) الذي يقول: هذه بدعة حسنة، شره أقل ممن يقول: هذه بدعة ضلالة ابتدعها عمر بن الخطاب -حاشاه من هذا ومن هذا- وإنما هو أحيا سنة، فينطبق عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، دون أن ينقص من أجورهم شيء) هذا ينطبق تماماً على ما فعله عمر بن الخطاب، وهو الذي أردت أن ألفت النظر إليه؛ حتى لا نقع -كما قلنا- في الإفراط والتفريط.

    1.   

    التفريق بين البدعة في الدين، والبدعة في أمور الدنيا

    ومن الإفراط مثلاً: أن بعض الناس ينكرون -ممن لم يعتادوا- الأكل بالملعقة؛ فهذه ليس لها علاقة بالدين، لماذا تنكر؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكل بالملعقة صحيح، ورسول الله ما ركب السيارة، ولا الطيارة .. إلخ، فهل يقول الإنسان: إن هذه بدعة؟ البدعة تكون في الدين، أما أن تأكل بالملعقة، أو تركب الطيارة ولا تركب الدابة، وما شابه ذلك، فهذه كلها من أمور الدنيا، وقد تساعدنا أيضاً -كما قلنا- مثل هذه الوسيلة على القيام ببعض الواجبات التي ربما لا نستطيع أن نقوم بها في هذا الزمان بدونها.

    المهم يجب أن نفرق بين البدعة في الدين، والبدعة في الدنيا .. ونلخص هذا الموضوع الطويل بالآتي:

    البدعة تنقسم -أي: الشيء الذي حدث- إلى قسمين:

    إما أن يكون لها علاقة بالدين، أو يكون لها علاقة بالدنيا.

    فإذا كان لها علاقة بالدين ويقصد بها زيادة التقرب إلى الله؛ فهذه بدعة ضلالة قولاً واحداً، وإذا كان لا يقصد بها زيادة التقرب إلى الله، وإنما تستعمل كوسيلة لتحقيق حكمة أو علة شرعها الله على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام، فحينئذٍ ننظر: إن كان السبب المقتضي للأخذ بهذا الأمر الذي حدث كان قائماً في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، فالأخذ بهذا الأمر الذي حدث لا يجوز؛ لأنه لو كان جائزاً لأخذ به الرسول عليه الصلاة والسلام، ومثاله الأذان لصلاة العيدين، فيقال: يا أخي! سنؤذن من أجل الإعلام، فيقول: هذا كان موجوداً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلماذا لم يستعمل هذه الوسيلة للإعلام؟ إذاً نحن نتبعه، ولا نحدث في الدين شيئاً، أما إذا كان المقتضي حدث -ولسنا نحن مسئولين عنه- وكان يساعد على تحقيق غرض شرعي، كهذا المكبر للصوت، فنحن لا نسميه بدعة شرعية، وإنما هو أمر جديد حدث، فما دام يحقق غرضاً شرعياً فهو مشروع، وقد يمكن أن يكون أكثر من مشروع، فالمسجلات هذه -مثلاً- إذا سجل فيها درس أو موعظة أو حديث أو تلاوة قرآن، فهي مشروعة؛ لأنها وسيلة، أما إذا سجل فيها أغاني أو ملاهي أو آلات طرب؛ فهي غير مشروعة؛ هذا لأنه من الأمور التي حدثت في الدنيا لا في الدين، هذا التفصيل يجب أن نتذكره دائماً؛ حتى لا نقع في إفراط ولا تفريط.

    الإفراط أن نقول: هذه لم تكن في عهد الرسول فلا نفعل بها.. يا أخي! ليس لها علاقة بالدين، مثل السيارة، والطيارة.

    والتفريط: أن تأتي وتحدث في الدين أشياء تريد أن تتقرب بها إلى الله عز وجل، فتنسب النقص وضعف الهمة في العبادة للسلف الصالح، الذين لم يحدثوا هذه المحدثات من الأمور الدينية.

    وفي هذا القدر الكفاية والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    إشكال حول مشابهة الكفار في أمور دنيوية يمكن الاستغناء عنها

    السؤال: يا شيخ! إذا كان هذا الشيء فيه مشابهة لأعداء الله، والإنسان يستطيع تركه؟

    الشيخ: في مثل أي شيء هذه المشابهة؟

    السائل: مثل الأكل بالملعقة، فأستطيع أن آكل بيدي، وليس من حرج عليَّ لو تركت الملعقة.

    الجواب: المشابهة في الأمور الدنيوية يجب أن يكون فيها دقة، أما الإطلاق فلا يجوز، أنا هذا الذي خشيته، أي: الآن إذا ركبنا السيارة فهناك مشابهة أو ليس هناك مشابهة؟

    السائل: هناك مشابهة، ولكن هذه السيارة كأنها ضرورية.

    الشيخ: فلو استعملت الدابة التي استعملها أبوك وجدك ستفي بالغرض، ولكن تتعطل مصالحك المادية.

    السائل: هذا صحيح.

    الشيخ: وهكذا يقال بالنسبة للملعقة.

    السائل: الملعقة ما فيها ضرورة.

    الشيخ: وأنا أقول لك إذا أردت الحقيقة في رأيي أن الأكل بالملعقة خير من الأكل باليد، أتدري لم؟

    السائل: لم؟

    الشيخ: مثل مكبر الصوت الآن، فأن تؤذن ومكبر الصوت على المنارة خير من أن تقتصر على صوتك فقط؛ لأنه يحقق الهدف -كما قلنا- أكثر، أما بالنسبة للأكل فأقول: أنت تعلم أن السنة أن تأكل فقط بثلاث أصابع، أليس كذلك؟ وأنا أشاهد كل الذين يأكلون على هذه الطريقة لا يطبقون السنة، لا سيما حينما يكون هناك مرقة فتجد ليس فقط أربع أصابع، إنما الكف كلها تلوثت، أين السنة في الأكل بخمس أصابع؟ هذا من جهة.

    ومن جهة أخرى: تلاحظ أن الوعاء الذي عليه الأرز -مثلاً- تجد حوله وعلى الأرض فتات من الأرز كثير وكثير جداً، بينما الذي يأكل بالمعلقة لا يقع منه إلا ما شذ وندر جداً، فالمحافظة على البركة والنعمة يساعد عليه الأكل بالملعقة أكثر من أن تأكل بيدك، لا سيما إذا خالفت السنة، لذلك نحن نقول: الأكل بالملعقة هو من أمور الدنيا.