إسلام ويب

الشهوات والملذاتللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن فتنة الشهوات والشبهات لا تأتي إلا عن قلة العلم، واتباع الهوى، وكثرة المعاصي، وسيطرة الدنيا على القلوب، ومما يساعد على انتشار هذه الشبهات الفتاوى المضلة، وكذلك الأفكار المنحرفة والقول على الله بغير علم. والمخرج من هذه الفتنة وهذه الغربة في الدين هو بالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واتبعوا الشهوات)

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، والصمد الذي لا منازع له، والغني الذي لا حاجة له، وجبار السماوات والأرض، فلا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه وأمره، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا وقرة أعيننا محمد رسول الله، فصلى الله وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، صلاةً وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء! ويا سيد المرسلين! وأشهد لك يا سيدي يا رسول الله، ويشهد معي الموحدون أنك قد أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت للأمة، وكشف الله بك الغمة، وعبدت ربك حتى لبيت داعيه، وجاهدت في سبيل ربك حتى أجبت مناديه، وعشت طوال أيامك ولياليك تمشي على شوك الأسى، وتخطو على جمر الكيد والعنت، تلتمس الطريق لهداية الضالين، وإرشاد الحائرين، حتى علَّمت الجاهل يا سيدي، وقومت المعوج، وأمَّنت الخائف، وطمأنت القلق، ونشرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فصلى الله وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، وجزاك الله عنا خير ما جزى الله به نبياً عن أمته ورسولاً عن رسالته.

    أما بعـد:

    فيا أيها الأحباب الكرام: تعالوا بنا لنواصل مسيرتنا المباركة في شرحنا لآيات من كتاب ربنا عز وجل، ومع اللقاء السابع والعشرين على التوالي، وما زلنا بفضل الله وطوله وحوله ومدده نطوف معكم في بستان سورة مريم، وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي عند قول الحق جل وعلا: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً [مريم:59] وانتهينا من شرح هذه الآية في شطرها الأول فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ [مريم:59] ونحن اليوم على موعدٍ مع شطر الآية الثاني وهو قول الله عز وجل: وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً [مريم:59].

    أنواع الفتن وأسبابها

    الشهوات: جمع شهوة، ولقد عرفها ابن منظور في لسان العرب فقال: إن الشهوة ليست خاصة بشيء معين أو محدد، ولكنها في كل شيء من معاصي الله عز وجل.

    الشهوات أيها الأحباب: من أعظم الفتن على الإنسان؛ لأن الفتنة نوعان كما يقول الإمام ابن القيم :

    1/ فتنة الشبهات.

    2/ فتنة الشهوات.

    فأما فتنة الشبهات فتأتي من قلة العلم، ومن اتباع الهوى، ولقد حذر الله جل وعلا من اتباع الهوى؛ لأن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله، فقال سبحانه: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص:26].

    وأما فتنة الشهوات فسببها كثرة المعاصي، وفسق الأعمال، وسيطرة الدنيا على القلوب، ولذا قال سلفنا الصالح: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا قد أعمته دنياه، وأقول -ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم-: لقد ابتلانا الله جل وعلا في بلادنا، وفي أيامنا هذه، وفي زماننا هذا بهذين الصنفين، ابتلانا الله جل وعلا ابتلاءً شديداً بكثير من الناس الذين قد أعمتهم شهوات الدنيا، وشبهات الباطل، فراحوا يقولون في هذا الدين بغير علم، ويفترون على الله جل وعلا، ويعلنون العداء لهذا الدين، ويظهرون حقدهم الدفين على هذا الدين، ويشنون عليه الحرب الهوجاء باسم الدين، ولكن يأبى الله جل وعلا إلا أن يظهر حقدهم الدفين على هذا الإسلام، وعلى هذا الدين العظيم ونفاقهم المبين في زلات ألسنتهم، وعلى صفحات وجوههم، ليميز الله الخبيث من الطيب، وليعلم الموحدون العدو من الصديق.

    أيها الأحبة الكرام: لقد ابتلانا الله جل وعلا في هذه الأيام ابتلاءً شديداً بكثيرٍ من الناس الذين يقولون في ديننا بغير علم، ويقولون في ديننا بالهوى، فقد أعمت أعينهم نارُ الشبهات وظلماتُ الشهوات، فراحوا يفترون على الله الكذب، ويعلنون العداء للإسلام ولرسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، ولكن الله جل وعلا وعدنا بأنه هو الذي سيتولى أن يحفظ دينه، وهو الذي قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    اعلموا أيها الأحباب: أنه ليس من العيب أن يزل العالم؛ لأنه ليس بمعصوم؛ لأن العصمة للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، ولكن مكمن الخطر، ومصيبة المصائب أن يقول العالم في الدين بغير علم، أو يصر على خطئه وعلى عناده وكبره بعدما يتبين له الحق بالدليل الشرعي استحياءً من الناس، أو خجلاً من الناس، أو خوفاً منهم، والله لا يستحيي من الحق، أقولها بمنتهى الوضوح والصراحة: إننا نحب علماءنا، ونحب شيوخنا، ولكن الحق أحب إلينا من شيوخنا وعلمائنا، إننا نحب شيوخنا وعلماءنا، ولكننا نحب الحق أكثر من حبنا لعلمائنا وشيوخنا.

    خطورة الفتاوى المضللة والأفكار المنحرفة

    أيها الأحبة الكرام: إن مكمن الخطورة في فتاوى عصرنا المنحرفة والمضللة أنها سرعان ما تنتشر، وسرعان ما يعرفها ملايين من البشر بواسطة وسائل الإعلام الحديثة المسموعة والمرئية والمقروءة.

    وإن مكمن الخطر كذلك ومصيبة المصائب أن الذين يتحكمون في أئمة الفكر في بلادنا، والذين يسيطرون على عقول الناس بما يملونه عليهم من آراء وأفكار، هذا الصنف من الناس عادةً ما يحاط بهالة من الدعاية، تستر كذبه وجهله وتغطي حقده الدفين على الإسلام، وعلى هذا الدين، وعادةً ما يحاط هؤلاء بهالة عجيبة من الدعاية والإعلان ليلوي هؤلاء الناس أعناق الناس إليهم، وليلفت أسماع الناس إليهم، فيرضخوا لفتاويهم ولكلماتهم، ويأبى الله جل وعلا إلا أن يقيض لهذا الدين من يحذر الناس من فتاوى هؤلاء ودعاويهم.

    اعلموا أيها الناس: أن هذه الهالة، والدعايات، وهذا الإعلان لا يقرب أصحاب الفكر من قلوب الناس، ولا يجعل من جهلهم علماً، ولا يجعل من بعدهم عن قلوب الناس قرباً، "مثلهم كمثل الطبل الأجوف يسمع صوته من بعيد، وباطنه من الخيرات خالٍ".

    نعم .. إنني أقدم بهذه المقدمة الطويلة لماذا؟

    لأنه مما يدمي الضمائر الحية؛ ويمزقها أن ينبري أعداء ديننا في هذه الأيام، وعبيد الفكر الغربي لحرب هذا الإسلام حرباً صريحة وحرباً هوجاء، وأرى أن أعداء هذا الفكر -أي: الفكر الإسلامي- وأنصار هذا الفكر -أي: الفكر الغربي- راحوا ينفثون سمومهم على صفحات الجرائد، وعبر شاشات التلفاز، وعبر الإذاعات المسموعة في كل زمانٍ ومكانٍ، يريدون إسلاماً على أمزجتهم، يريدونه خاصاً على أهوائهم، وبما يمليه عليهم قادة الغرب من المستشرقين، والمبشرين، والشيوعيين، والعلمانيين، فتارةً يقولون: إننا لا نأخذ بآراء الفقهاء ولا بآراء المفسرين ولا بآراء العلماء، لا نأخذ إلا بالوحي من القرآن والسنة، فإن وافقتهم جدلاً على أن يتركوا آراء الفقهاء وآراء العلماء، والمفسرين، ويأخذوا بالقرآن والسنة، بعد فترة يقولون لك: إننا لا نأخذ بالسنة بكاملها؛ لأن فيها ما هو ضعيف ومردود وموضوع، ولا نأخذ إلا بالقرآن الكريم، فإذا ما ضيعوا السنة ولم يبق أمامهم إلا القرآن، قالوا لك بعد ذلك: إن القرآن قد نزل ليعالج أوضاع البيئة العربية في أرض الجزيرة، ولذا فإنه ينبغي أن نأخذ من القرآن ما يتفق مع روح عصرنا، وما يتمشى مع روح التطور والتحرر.

    أضاعوا آراء الفقهاء، وأضاعوا السنة، وفي النهاية قالوا: لا بد أن نأخذ من القرآن ما يتفق مع روح عصرنا ومع روح مدنيتنا وتطورنا، آمنوا ببعض الكتاب وكفروا بالبعض الآخر.

    فإن قلت لهم: إن القرآن الكريم قال: إن الخنزير رجس، ولقد وصفه القرآن الكريم بأنه رجس، لقالوا لك: لقد وصف القرآن الكريم الخنازير ولحومها بأنها رجس؛ لأن وصفه كان لخنازير في العصور المتخلفة، كانت خنازير سيئة التغذية، أما خنازير اليوم -وما أكثرها- فإنها خنازير متطورة ومتحضرة، ليست بالخنازير المتخلفة كخنازير العصور الماضية.

    فإن قلت لهم: إن القرآن الذي تؤمنون به يقول: للذكر مثلُ حظِ الأنثيين في الميراث، قالوا لك: لقد قال القرآن ذلك في عصورٍ ماضية، قبل أن تخرج المرأة لميدان العمل، أما يوم أن خرجت المرأة لميدان العمل فقد أصبحت تساوي الرجل في كل شيء.. وهكذا.

    غربة الدين والتدين

    إنها نار الشهوات وفتن الشبهات، وأنا -كما قلت- أقدم بهذه المقدمة الطويلة لهذه الشهوات والشبهات التي يحارب بها إسلامنا وديننا في هذه الأيام؛ لأن قلبي كاد أن ينخلع، وكاد عقلي يطير، لما قرأته على صفحات جريدة إسلامية ولا أقول على صفحات جريدة شيوعية أو علمانية أو ماركسية، وإنما أقول: على صفحات جريدة إسلامية بعنوان: (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب) أسمعتم؟ أرأيتم؟ على صفحات جريدة إسلامية عنوانٌ ضخمٌ يقول: (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب) إلى هذا الحد يحارب الإسلام؟! إلى هذا الحد يحارب الالتزام؟! إلى هذا الحد يحارب الاحتشام؟! أنا لا أدري لماذا يثير النقاب هذه البغضاء في قلوب هؤلاء، والله لا أدري، فمنهم من يصف النقاب بأنه خيمة، ومنهم من يصف المنتقبات بأنهن متأخرات، ومتخلفات، ورجعيات، ومتحجرات، لا أدري لماذا كل هذه الحرب الشعواء؟!

    لماذا كل هذه الحرب الهوجاء على النقاب؟!

    لماذا لم تكن هذه الحرب على السفور؟

    لماذا لم تكن هذه الحرب على العري والتبرج؟

    لماذا لم تكن هذه الحرب على الاختلاط السافر؟

    لماذا لم تكن هذه الحرب على المتبرجات العاريات الكاسيات المائلات المميلات اللائي يُفتح لهن الأبواب، وتيسر لهن الأسباب، وتذلل لهن الصعاب، وينلن كل الرضا والاحترام والتقدير من هؤلاء، أصحاب الشهوات وأصحاب القلوب المريضة، أما المنتقبات والعفيفات، والطاهرات، والمتوضئات، فإن الحرب تصب على رءوسهن صباً، لا تفتح لهن أبواب الجامعات، ولا أبواب المدارس، ولا أبواب الوزارات أو أبواب الأعمال، لا تفتح لهن الأبواب، ولا تذلل لهن الصعاب، ولا تيسر لهن الأسباب، ويصب هؤلاء الحاقدون على رءوسهن الحرب صباً، لماذا كل ذلك؟

    لماذا هذه الحرب الشعواء على النقاب، وعلى الإسلام، وعلى الإخوة الذين توضئوا لله جل وعلا، وسجدوا له، والذين رفعوا شعار لا إله إلا الله، لماذا؟

    إنني أتعجب! والله إنني لأتألم من هذه الحرب، ولكنني أتعجب ويزداد عجبي أن تكون هذه الحرب على النقاب ليست من أعداء الإسلام، وإنما ممن ينتسبون ظلماً وزوراً إلى الإسلام.

    إلى هذا الحد تحارب المنتقبة من المسلمين، وممن يتسمون بسمة أهل العلم والدين؟! إلى هذا الحد؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    ولكنني أقول: أيتها الأخوات المتنقبات.

    اصبرن، واعلمن علم اليقين أن في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم ، وغيره من أهل السنن والمسانيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء.. فطوبى للغرباء) وفي رواية للإمام أحمد : (قيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس) الغرباء: الذين يتمسكون بالقرآن وهدي النبي عليه الصلاة والسلام في وقتٍ قل فيه التمسك بالقرآن، وبسنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    وفي الحديث الصحيح أيضاً الذي أخرجه الإمام الترمذي بسندٍ حسنٍ صحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سيأتي على الناس زمانٌ الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر) وهذا هو زماننا، وهذه هي أيامنا، فمن صبر في هذه الأيام، وفي هذا الزمان على دينه كمن قبض على جمر بين يديه.

    فاصبري يا أختاه، واصبروا أيها الإخوة، اصبروا أيها الشباب، اصبروا أيها المسلمون، فإن الله جل وعلا قال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح:5-6].

    وأقول لكم: أبشروا، فإن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يأتي بعدها ضوء الفجر، وفجر الإسلام قادم، ونور الإسلام قادم، ونور محمدٍ قادم، وعز الإسلام قادم، ولكننا نحتاج إلى الصبر، اصبري يا أختاه، اصبري يا من التزمت بشرع الله، وبشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إنني أتعجب! النقاب حرام؟ هذا آخر ما كنت أتخيله، يخرج علينا بعد ذلك هذا الفذ، والعبقري بهذا الاختراع المدوي، وبهذا الاكتشاف الكبير، وبهذه القنبلة المدوية ليقول لنا: إن النقاب حرام، والله ما قال بذلك أحدٌ من أسلافك الأولين.

    المرأة سلاح ذو حدين

    اعلموا أيها الناس: أن أعداء الإسلام علموا أن المرأة سبب فلاح الأمة الإسلامية، ومصدرٌ من مصادر نجاحها.

    ويعلمون أن عز الأمة عند المرأة المسلمة، ويعلمون كذلك أن المرأة المسلمة مصدر من مصادر الفتن والهتك والتدمير، فإن المرأة سلاحٌ ذو حدين، ولقد علم أعداء الإسلام ذلك، ولقد قالها أحد أقطاب المستعمرين يوم أن قال: كأس وغانية يفعلان في الأمة المحمدية ما لا يمكن أن يفعله ألف مدفع. فأغرقوا الأمة في الشهوات والملذات، هكذا أفلح أعداء ديننا، وهكذا خطط أعداء إسلامنا، علموا علم اليقين أن المرأة سلاحٌ ذو حدين، فهي مصدر عزة للأمة، ومصدر هتك وهدمٍ وتدمير، فهي سلاحٌ ذو حدين، ومن هذا المنطلق كان للمرأة النصيب الأكبر، والحظ الأوفر من المؤامرات والمخططات والمدبرات والتدبيرات التي دبرت لإسلامنا، والتي دبرت لأمتنا ولديننا، فانتبهوا جيداً.

    علموا علم اليقين أن المرأة إن التزمت بما قال لها ربها، وبما قال لها نبيها صلى الله عليه وسلم فهي مصدر الرعب والإذلال. لقد ظلت المرأة المسلمة طيلة القرون الماضية تهز المهد بيمينها، وتزلزل عروش الكفر بشمالها، فعز على أعداء ديننا أن تعود المرأة في أيامنا وفي بلادنا وزماننا، فتنجب عمراً كـعمر بن الخطاب ، أو تنجب خالداً كـخالد بن الوليد ؟ أو صلاحاً كـصلاح الدين ؟ فراحوا يدبرون ويخططون، ووالله الذي لا إله غيره ما ترك الاستعمار بلادنا وما سحب الاستعمار جيوشهم من بلادنا ومن أرضنا إلا بعد أن اطمأنوا اطمئناناً كاملاً أنهم قد خلفوا لهم جيشاً جديداً أحرص على أهدافهم منهم عليها.

    إي والله! ما ترك الاستعمار بلادنا، وما رفع الاستعمار يديه عن أرضنا إلا بعد أن اطمأن اطمئناناً كاملاً أنه قد ترك في بلادنا جيشاً جديداً من قادة الفكر، وقادة الأدب والفن، هؤلاء الذين سماهم الاستعمار -زوراً وبهتاناً لإضلال المسلمين- وأطلق عليهم صفات المحررين، وصفات المطورين، والمجددين، هذه الدعاوى الباطلة، وهذه الدعاوى الكاذبة.

    من شخصيات أصحاب الفكر المنحرف

    ومن هؤلاء الذين انخدع بهم كثيرٌ من الشباب وكثيرٌ من المسلمين من قادة هذه الأمة: رفاعة رافع الطهطاوي ، هذا الذي أعدت له المسلسلات، وأعدت له الكتب، وقررت سيرته على الشباب وعلى الطلبة والطالبات، هذا هو رفاعة رافع الطهطاوي يقول بالحرف الواحد في كتابه الشهير: تخليص الإبريز في تلخيص باريس: إن السفور والاختلاط بين الجنسين -أي: بين الرجل والمرأة- ليس داعياً من دواعي الفساد، وإن الرقص -انتبهوا واسمعوا التطور .. اسمعوا التحرر .. اسمعوا المدنية .. اسمعوا التقدمية .. اسمعوا الفسق تحت ستار التطور والتحرر، والمدنية السوداء، أباحوا العربدة، وأباحوا الفسق والفجور- يقول الطهطاوي : وإن الرقص على الطريقة الأوروبية -وأنتم تعلمون كيفية الرقص على الطريقة الأوروبية، أن يأخذ الديوث زوجة ديوث آخر، وهي مع زوجٍ آخر، وأن يتراقصا، يضع يده حول خصرها، ويضع خده على خدها، ومعذرة لهذه الألفاظ، لكن حتى يتضح الأمر لمن يعلم ولمن لا يعلم- يقول: إن السفور والاختلاط بين الجنسين ليس داعياً من دواعي الفساد، وإن الرقص على الطريقة الأوروبية ليس من الفسق -أسمعتم بهذا في آبائكم الأولين؟- وإن الرقص على الطريقة الأوروبية ليس من الفسق، وأنه لا يخرج عن قوانين الحياء.

    إذاً .. فأي حياء هذا الذي تريدون وإن كان الرقص على الطريقة الأوروبية لا يخرج عن قوانين الحياء؟

    ومنهم أيضاً: نرقص فهمي الذي نادى في كتابه الذي أسماه: المرأة في الشرق، الذي نادى فيه بعدم الحجاب، ونادى فيه بالاختلاط السافر بين الجنسين.

    ومنهم أيضاً: هؤلاء الذين صنعهم الاستعمار بيديه، وأبقاهم شوكةً في صدور المسلمين، وشوكة في صدر الإسلام:

    قاسم أمين الذي نادى في كتابه: تحرير المرأة ، برفع الحجاب، ونادى فيه بالاختلاط، والسفور.

    ومنهم أيضاً: هدى شعراوي ، عندما رجعت إلى الإسكندرية بعد سفرها إلى باريس أول مرة، وتدخل إلى أرض مصر مع صديقتها شيزنبراوي، هذه الصديقة الملحدة الفاجرة الكافرة، يوم أن دخلت معها هدى شعراوي إلى أرض مصر فخلعت النقاب عن وجهها، وكانت لأول مرة تتجرأ امرأة على أن تخلع النقاب، وبعدها خلعت صفية زغلول النقاب عن وجهها، وغير هؤلاء، وهؤلاء هم الذين جعلهم الاستعمار شوكة في صدر الإسلام والمسلمين، ولقبهم بالمبددين، والمحررين والمطورين، فاعرفوا تاريخكم، وافهموا إسلامكم، واعرفوا دينكم لتميزوا الخبيث من الطيب، ولتعرفوا العدو من الصديق!

    وفي النهاية وأخيراً وليس بأخير: يتمخض الجبل فيلد فاراً، هذا الذي ظهر علينا في الأسبوع الماضي، وهذا الذي ينتسب زوراً وبهتاناً، وأما من قدم أو من أغرى الناس بعلمه، لا أقول: إنه يساويه في الوزر والإثم، هذا الذي فتح له صفحات الجرائد، وفتح له جريدته على مصراعيها ليقول بالخط العريض، والممشط الكبير: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، لا إله إلا الله! تمخض الجبل فولد فأراً، هل هذا هو اختراعك؟ هل هذا هو ابتكارك يا صاحب العقل؟ هل هذا هو اختراعك يا صاحب الاختراع؟ هل حلت جميع مشاكلنا ولم تبق إلا مشكلة النقاب؟

    لقد سقطت ذبابة على نخلة -نخلة البلح- فلما أرادت الذبابة أن تنصرف قالت الذبابة للنخلة: تماسكي أيتها النخلة فإني راحلةٌ عنك، أمر عجيب! الذبابة تقول للنخلة العملاقة: تماسكي أيتها النخلة فإني راحلةٌ عنك، فردت عليها النخلة العملاقة وقالت لها: انصرفي أيتها الذبابة الحقيرة، فهل أحسست بك حينما سقطت علي لأستعد لك وأنت راحلة عنيز

    قل ما شئت، وليقل الحاقدون ما شاءوا، فوالله الذي لا إله غيره، لا يضر السماء نبح الكلاب، ولا أنين الذئاب، والله لو اجتمع أهل الأرض على أن يطفئوا نور الله ما استطاعوا، والله ما استطاعوا، وسيعلو صوت الحق في كل زمانٍ وفي كل مكان، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32] ولو كره المشركون، ولو كره الحاقدون، ولو كره المنافقون الذين يأبى الله جل وعلا إلا أن يظهر نفاقهم، ويظهر حقدهم على صفحات وجوههم، وعلى صفحات جرائدهم، وفي زلات ألسنتهم، ليميز الله الخبيث من الطيب، ولنعرف نحن الموحدين العدو من الصديق.

    إن النقاب حرام؟! ليتك قلت: إن التبرج حرام، وليتك قلت: إن العري حرام، أو قلت: إن السفور حرام، أو إن الربا حرام، أو إن الخمر حرام، أو إن الزنا حرام، أو ليتك قلت: إن (كبريهات) شارع الهرم حرام، أو إن البنوك وفوائدها من الربا حرام، وليتك قلت: إن سلب الحريات حرام، أو: إن تكميم الأفواه حرام، أو ليتك قلت: إن الزنا حرام، أو إن قتل الأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء على أرض فلسطين الذبيحة حرام، ليتك قلت: إن اجتماع الغرب بأسره على الإسلام حرام، أو ليتك قلت: إن حملات التبشير والتنصير والعداء للإسلام حرام، ليتك قلت ذلك، هل انتهيت من كل ذلك أيها العبقري .. أيها الدكتور لتترك كل ذلك وتقول: إن النقاب حرام؟! هل حُلت جميع مشاكل مصر؟! وهل حُلت جميع مشاكل الشباب؟ وهل حُلت جميع مشاكل النساء والفتيات ولم يبق لنا إلا مشكلة النقاب لنتبارى فيها بنار الشهوات والشبهات لنضل الناس بغير علم؟!

    ولقد كنت أعددت لكم الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب النقاب عند كثيرٍ من أهل العلم، ولكنني أرى الوقت لا يتسع، فالموضوع كاملاً يحتاج منا إلى جمعة كاملة لنعلم أن هؤلاء ما تحركوا بهذه الفتاوى إلا من منطلق الهوى، وفتن الشبهات والشهوات.

    المخرج من فتن الشبهات والشهوات

    ولكن أيها المسلمون: اعلموا علم اليقين -والله الذي لا إله غيره- أنه لا عز لنا إلا بالإسلام، ولا قيام لنا إلا بالإسلام، ولا وجود لنا إلا باتباع محمد عليه الصلاة والسلام، ولقد ورد في مستدرك الحاكم ، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين البخاري ومسلم، ووافقه على ذلك الإمام الذهبي قال: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج يوماً إلى الشام ليلقى أبا عبيدة بن الجراح ، وكان عمر بن الخطاب يركب ناقته، وفي الطريق مر عمر بن الخطاب على مخاضة -أي: على بركة من الطين والماء- ونظر عمر بن الخطاب إلى هذه المخاضة وإلى بركة الطين والماء، فماذا صنع أمير المؤمنين؟ أشفق عمر بن الخطاب على ناقته فنزل من على ظهرها وجرها سحباً بيديه وخلع نعليه ووضعهما على عاتقه وأخذ بزمام الناقة، خشي من الله جل وعلا أن يركب على ظهرها لتخوض به هذه المخاضة.

    أرأيتم؟ فهو الذي كان يمد يده الشريفة في دبر البعير المريض ليداويه ويعالجه، وإذا ما نظر إلى البعير المريض وهو يشتكي وهو يئن بكى عمر بن الخطاب وقال له: [والله إني لخائف أن يحاسبني ربي عما بك من مرضٍ يوم القيامة].

    عمر ينزل من على ظهر الناقة ويضع نعليه على عاتقه ويسحب ناقته من زمامها، وينظر أبو عبيدة بن الجراح ويتعجب لحال عمر ويقول له: يا أمير المؤمنين! أأنت تصنع ذلك؟! والله لا أحب أن القوم قد استشرفوك -أي: إنني أكره أن يراك أحدٌ وأنت على هذه الحالة، أتدرون ماذا قال عمر؟- قال عمر : أوه يا أبا عبيدة؛ لو قالها أحدٌ غيرك لجعلته نكالاً لأمة محمد، ثم قال: [ يا أبا عبيدة والله لقد كنا أذل قومٍ فأعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله ] لا عز لنا إلا بإسلامنا، ولا كيان لنا إلا بديننا، ولا بقاء لنا إلا بالتزامنا، أما أن ينعق كل ناعقٍ، ويفتري كل مفترٍ، ويقول في العلم والدين بغير علم أو بالهوى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري والإمام مسلم من حديث ابن عمر، أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً من صدور الرجال، ولكن بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علمٍ فضلوا وأضلوا) أين أنتم يا هؤلاء، يا من تتبجحون على الدين بغير علم؟ ويا من تجترئون على الدين بغير علم؟ أين أنتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان إذا ما سئل يقول: (انتظروا حتى يأتيني جبريل بالوحي من عند الله)؟ أين أنتم من صحابة رسول الله؟ أين أنتم من التابعين؟

    وهذا هو القاسم بن محمد إمام من فقهاء المدينة السبعة، يأتيه سائل ليسأله عن شيء فيقول القاسم : إني لا أحسنه، إني لا أعرف ولا أدري، فتعجب السائل وقال له: يا قاسم، أنا أتيتك لا أعرف غيرك، وأنت تقول: لا أعرف، ولا أدري، فنظر إليه القاسم وقال: يا أخي لا تنظر إلى طول لحيتي، ولا إلى كثرة الناس من حولي، والله لا أحسنه، والله لا أعرف، ولا أدري، وكان شيخٌ إلى جوار القاسم من شيوخ قريش فقال له: أيها العالم يا ابن عمي! الزمها فوالله ما رأيناك في مجلسٍ أنبل منك اليوم فقال القاسم : والله لأن يقطع لساني خيرٌ وأحب لي من أن أقول في الدين بما لا علم لي به.

    لكننا الآن نجد هؤلاء الذين يجترئون على الدين، ويقولون في الدين بغير علم من منطلق الهوى، والهوى يضل صاحبه عن سبيل الله: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص:26].

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

    انتشار الشهوات بين الناس

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه.

    أما بعــد:

    فيا أيها الأحباب الكرام: كنت قد أعددت لكم كثيراً؛ لأن الموضوع لم ينته بعد، لكن خشية أن يطول الوقت بنا جعلت لموضوع الشهوات جمعة أخرى؛ لأن كثيراً من الشهوات قد سيطرت على كثيرٍ من الناس في هذه الأيام، فهناك شهوة الغناء وحب الغناء، بل من العلماء من قال بأن الغناء لا شيء فيه، ومنهم من طالعنا في كتبه الأخيرة، وأنا لا أنتقد أحداً، وإنما أذكِّر، ووالله الذي لا إله غيره ليس من طبعي أن أجرح في أحد من العلماء، أو أنتقد أحداً منهم؛ لأني على يقينٍ كامل أنه لا ينبغي أن يخطّئ العالم إلا عالم، ولست من العلماء، ولكنني أقول من باب التذكير والتحذير: يقول عالمٌ من علمائنا، وكما قلت: إننا نحب علماءنا، ولكننا نحب الحق أكثر من حبنا لعلمائنا، يقول: لقد دخل عليّ شابٌ كنت مشرفاً على رسالته، فدخل علي وأنا أستمع إلى الغناء -كان يستمع إلى الغناء من صوت محبب إليه- ودخل هذا الشاب الصغير، فلما رأى أستاذه يستمع إلى الغناء، وأنتم تدرون وكلكم على علم بكلمات أغانينا في أيامنا هذه، لابد أن الشريط الملعون: (لولا) قد وزع منه ثمانية مليون نسخة من هذه الخزعبلات والهراءات، ثمانية مليون شريط أمرٌ عجيب!

    فدخل الشاب على أستاذه وتعجب! فقال أستاذه: إن الغناء لا شيء فيه، فلما لم يستطع التلميذ أن يناقش أستاذه استحلفه بالله أن يغلق المذياع، فاستجاب الأستاذ لتلميذه وأغلق الراديو، يقول أستاذنا: ولم أستطع أن أصمت، فجعلت أردد كلمات الأغنية بصوتي أنا. وغيرها من الشهوات.. وغيرها.

    1.   

    تنبيه على مسائل مهمة في العقيدة

    أقول: إن الموضوع طويل، ولكن هناك نقطة أخيرة في غاية الأهمية أود أن أنبه إليها.

    وهي: أن في الجمعة الماضية في مسجدٍ مبارك من مساجد السويس ، كان أحد الدعاة الأفاضل والكرام يفسر على المنبر سورة الفجر، ولكنه أخطأ خطأً كبيراً أود أن أذكر العقول إليه، وأنا أقول بدايةً: والله الذي لا إله غيره ليس من باب تصيد الأخطاء، وليس من باب الانتقاد للدعاة، أو أن ينبري البعض للبعض الآخر، وليس من باب التقليل من شأن هذا الداعية الكريم، فإني أشهد الله والله شهيد على ما في قلبي أني أحبه في الله عز وجل، وأشهد له أنه من الدعاة الذين يحترمون المنبر، ويحترمون العقول، ويعدون للجمعة إعداداً جيداً وكاملاً، وأسأل الله أن يغفر لي وله، ولكن من باب التذكير، ومن باب النصح لا أكثر من ذلك والله الذي لا إله غيره.

    لقد قال هذا الداعية الكريم في تفسير سورة الفجر في قول الله جل وعلا: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14] -ولقد استمعت إلى الشريط بأذني رأسي حتى أكون على يقين- وقد ظل يعدد أن الله سبحانه يراك في كل مكان، ثم قال عبارة اقشعر منها بدني حينما قال: فلو ذهبت إلى الخمارة لو جدت الله هناك.

    ثم قال في قول الله عز وجل: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر:22] قال بالحرف الواحد: لا مجيء لله أبداً، ونفى المجيء عن الله عز وجل، قلت: بأن هذا الموضوع جد خطير، وكان يحتاج مني إلى وقفة وإلى تذكير، والله لا من باب الانتقاص ولا الانتقاد؛ لأنه أمرٌ في صلب العقيدة، يقول علماؤنا -وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الأسماء والصفات لرب الأرض والسماوات-: إن الله جل وعلا له أسماءٌ وصفات، ومذهب أهل السنة والجماعة في هذه الأسماء والصفات: أننا نؤمن بها صريحة ونمرها كما هي من غير تحريف، ولا تكييف، ولا تأويلٍ، ولا تعطيلٍ، ولا تشبيهٍ أو تمثيلٍ، كيف؟

    الله سبحانه وتعالى له أسماء وله صفات أثبتها جل وعلا لذاته في القرآن الكريم، وأثبتها له نبينا صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن نؤمن بهذه الأسماء وتلك الصفات كما أثبتها الله لنفسه، وكما أثبتها النبي صلى الله عليه وسلم لربه جل وعلا.

    الإيمان بصفات الله عز وجل بلا تحريف

    أولاً: أن نؤمن بصفات الله جل وعلا من غير تحريف، ما معنى ذلك؟

    أي: نأخذ الصفة دون أن نحرفها عما جاءت في القرآن والحديث، وعلى سبيل المثال: أثبت الله جل وعلا لنفسه صفة الكلام في القرآن وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164] فرد هؤلاء الذين قالوا بتعطيل الصفات كـالجهمية والمعطلة والمعتزلة .. وغيرهم وقالوا: بأن أهل السنة والجماعة ما فهموا هذه الآية حق فهمها، قيل لهم: لماذا؟

    قالوا: لأن الآية معناها أو قراءتها الصحيحة: (وكلّم اللهَ موسى تكليماً) فجعلوا لفظ الجلالة (الله) في محل مفعول به مقدم، و(موسى) فاعلاً؛ ليكون الكلام من موسى، أي: أن الذي تكلم هو موسى؛ لينفوا صفة الكلام عن الله.

    فرد عليهم علماؤنا وقالوا لهم: إذا كنتم تقولون في هذه الآية بأن المتكلم هو موسى لتقديمكم وتأخيركم الباطل، فماذا تقولون في قول الله جل وعلا: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:143]؟ الله أثبت لنفسه الكلام وأثبت النبي صلى الله عليه وسلم لربه الكلام، إذاً: نؤمن بأن الله يتكلم ولكن كيف؟ الله أعلم.

    الإيمان بصفات الله عز وجل بلا تأويل

    ثانياً: أن نؤمن بصفات الله جل وعلا بدون تأويل، بمعنى: أن نأخذ الصفة ولا نؤولها على هوانا، فلا نقول في قول الله جل وعلا كما قال هؤلاء المعطلة للصفات من الجهمية والمعطلة والأشاعرة والمعتزلة، فإنهم في قول الله جل وعلا: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64] أولوا صفة اليد لله جل وعلا، وقالوا: بل نعمتاه مبسوطتان، فجعلوا لله نعمتين اثنتين، والله جل وعلا يقول: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [النحل:18] فنأخذ الصفة بدون تأويل، وفسروا وأولوا أيضاً قول الله جل وعلا: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] فقالوا: إن معناها القدرة، وهذا تأويل باطل كما قال أهل السنة والجماعة ، لماذا؟

    لأن الله جل وعلا أثبت لنفسه يدين اثنتين وكلتاهما يمين، وأثبت الله جل وعلا لذاته ساقاً يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42].

    وأثبت الله لنفسه قدماً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم : (إن الله جل وعلا يلقي في جهنم من المشركين والكفار، وتظل جهنم تنادي وتقول: هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ حتى يضع الحق عز وجل عليها قدمه، فتقول: قطٍ قطٍ قد امتلأت) بغير تأويل.

    الإيمان بصفات الله بلا تعطيل

    ثالثاً: أن نؤمن بالصفات بلا تعطيل، لا كما قال أستاذنا في قوله: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر:22] فهو عطل صفة المجيء عن الله عز وجل وقال: لا مجيء لله أبداً، ولكننا نقول: إن أهل السنة والجماعة يقولون: بأنه ينبغي أن نؤمن بالصفة بدون تعطيل، فقد أثبت الله لنفسه المجيء، وأثبت لنفسه الدنو، فنؤمن بهذه الصفات بدون تعطيل، لماذا؟

    لأن تعطيل الصفة عن الموصوف يعني أن الموصوف لا وجود له -أنا أنفي صفة عن شيء إذاً: لا وجود لهذا الشيء- لأنه لا تمنع الصفة ولا تحجب إلا عن العدم المحض، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم : لا تنفى الصفة إلا عن عدمٍ محضٍ، فنحن نؤمن بالصفات بدون تعطيل، فنقول: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22] أي: أثبت الله لنفسه المجيء، ولكن نقول: جاء ربك مجيئاً يليق بكماله وجلاله، فكل ما دار في بالك فالله بخلاف ذلك.. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] لا تدركه العقول، ولا تكيفه الأفهام، فنؤمن بالصفات بدون تعطيل.

    أما ما قال أستاذنا في قول الله جل وعلا: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14] أي أن الله معك في كل مكان، على إطلاق العبارة هكذا، فلو ذهبت إلى الخمارة لوجدت الله هنالك، فإن هذا كلامٌ خطير، وإنما مذهب أهل السنة والجماعة في هذه العبارة أن الله جل وعلا ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين، وإذا قلنا: إن الله موجودٌ في كل مكان على إطلاقها لجعلنا ذات الله في أماكن القاذورات والنجاسات، ولقلنا كما قال أهل الحلول والاتحاد، ولكن ينبغي أن نقول: الله جل وعلا بعلمه في كل مكان، أي: بإحاطته في كل مكان، أو الله مع الناس أو مع مخلوقاته في كل مكان بعلمه وقدرته وإرادته وقهره وإحاطته وسلطانه، ولا نجعل ذات الله في أماكن النجاسات أو أماكن القاذورات أبداً.

    وكذلك في قوله جل وعلا: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] يقول الجهم بن صفوان عليه لعنة الله، هذا الذي كان قائداً للمعطلة : لو وجدت سبيلاً لإزالة هذه الآية من المصحف لأزلتها وحككتها، وجعلت بدلاً من: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] (الرحمن على العرش استولى) وقال جهم كما قال أسلافه من اليهود حينما قال الله جل وعلا لهم: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة:58] أي: حط عنا ذنوبنا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ [البقرة:58] فخالف اليهود أمر الله، فبدلاً من أن يدخلوا الباب سجداً دخلوه وهم يزحفون على أستاههم، أي: على مقاعدهم، وبدلاً من أن يقولوا: حطة أي: حط عنا خطايانا، استهزءوا بكلمة الله فقالوا: حنطة.

    فمذهب أهل السنة والجماعة في هذه الآية: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] أي: استوى كما أخبر، وعلى الوجه الذي أراد، فلا العرش يحمله، ولا الكرسي يسنده، بل العرش وحملته والكرسي وعظمته الكل محمولٌ بلطف قدرته، مقهور بجلال قبضته وكنت أقول معقباً على هذه العبارات في كل مرة أنه تعالى كان ولا مكان، ولقد قرأت والحمد لله أن هذه العبارة خطأ شنيع أيضاً.

    وأسأل الله أن يغفر لي ما مضى، فقد قرأت أن ابن تيمية قال: بأن لفظة: (كان الله ولا مكان) عبارة خاطئة، وإنما الصحيح أن يقال: كان الله ولم يكن شيءٌ قبله.

    فأسأل الله أن يغفر لي ما مضى، وأن يغفر لأستاذنا، وأن يغفر لجميع المسلمين، وكما قلت وأقول: والله ما أردت بهذا إلا النصح، وما أردت بهذا إلا أن أبين للناس.

    اللهم صل وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    هذا وما كان من توفيق فمن الله تعالى وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله من أن أذكركم به وأنساه.