إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سعيد بن مسفر
  4. وفي أنفسكم أفلا تبصرون [2،1]?!

وفي أنفسكم أفلا تبصرون [2،1]?!للشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى، ولا يدرك ذلك إلا من سلب شيئاً منها؛ ومن أجل تلك النعم وهبنا الله إياه في أنفسنا، وإن التدبر والتفكر فيها مما يساعد المرء على حسن حفظها، وذلك بشكرها واستعمالها في طاعة الله والابتعاد بها عن معصيته، ومن وُفِّق إلى ذلك فقد وُفِّق.

    1.   

    فضل حضور مجالس العلم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

    أيها الإخوة في الله: أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل التفرق من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً.

    إن سعي المسلم والتماسه لحلق الذكر بالمساجد، وحبه لهذه الرياض النضرة في هذه البقاع الطاهرة هو دليل على صحة قلبه، وصحة القلب هدف للإنسان في هذه الحياة؛ لأنه لا ينفع في يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم، والذي يَرِدُ على الله ويفد عليه وقلبه مريض أو ميت، فإنه يخسر الخسارة التي لا تعوض، ويدمر التدمير الذي لا نجاة بعده.

    وسعيك -أيها الأخ في الله- والتماسك لهذه المجالس الطيبة دليلٌ على حبك لله، وحبك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً: فإن من نتائج مجالس الذكر وحلق العلم أنها تبعث على العمل، والذي يُتابع مجالس الذكر ولا يكون لها أثراً واضحاً في سلوكه وعبادته وتصرفاته وعقائده وأخلاقه فهذا لم يحضرها حقيقةً، فإن الحضور الحقيقي هو الذي يستلزم الانقياد بعد سماع الأمر ومعرفة النهي، فيفترض في الإنسان بعد معرفته لأمر الله ونهيه أن ينتهي ويأتمر، فهذا هو معنى طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وأما مجرد السماع فقط دون أن يغير الإنسان من واقعه، أو أن يزيد هذا السماع في عباداته ويكف عن معاصيه وزلاته، فهذا سماع لا ينفع بل يضر يوم القيامة؛ لأنه حجة الله على عبده.

    والذي نتصوره -إن شاء الله-أن حرصك على هذا المجلس دليلٌ على رغبتك في الاستماع والاقتداء والاتباع والعمل بما تسمع رغبةً بما عند الله، وخوفاً من لقاء الله، وهذا هو الذي نحسبه فيك ولا نزكي على الله أحداً، ونسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يزيدنا توفيقاً وهداية وفلاحاً وصلاحاً ببركة هذه المجالس المباركة.

    1.   

    نعمة المعافاة في الجسد

    قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34].

    أيها الإخوة في الله: يروي الإمام الترمذي في سننه حديثاً يذكر فيه بعض الأذكار التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها حينما يستيقظ من النوم، وأنتم تعلمون أن الذكر من أبرز خصائصه صلوات الله وسلامه عليه، حتى قالت عائشة في الحديث الصحيح: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في سائر أحواله) كان ذاكراً لله في كل حركة وسكنة من حركات حياته، ومن ضمن الحركات والمتغيرات اليومية التي تجري على الإنسان يقظته بعد النوم، هذه اليقظة وردت فيها عدة أذكار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    منها: (الحمد الله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور).

    ومنها: الحديث الذي أذكره لكم الآن وهو عند الترمذي ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم حينما يستيقظ من النوم: (الحمد لله الذي عافاني في جسدي، ورد عليَّ روحي، وأذن لي بذكره) ثلاث كلمات، يحمد الله صلوات الله وسلامه عليه على هذه النعم العِظام، نعمٌ جزيلة نتقلب فيها ولا ندري لها وزناً، ولكن العبد الرباني يعرف قيمة النعمة، وخير عباد الله على الإطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعرف قدر النعمة ويعرف قدر مُسديها ومنعمها فيحمد الله الذي لا إله إلا هو عليها، ويقول إذا استيقظ من النوم مُشعراً نفسه ومستشعراً عظمة هذه النعمة يقول: (الحمد لله).

    والحمد لله كلمة عظيمة، معناها: الثناء والتمجيد والتعظيم والاعتراف والشكر؛ لأنها تستلزم كل هذه المعاني. وجميع آيات الثناء على الله عز وجل، تستلزم الشكر والصبر والاعتراف والعبودية والانقياد؛ والحمد لله هي الكلمة العظيمة التي يقولها أهل الجنة بعد فراغ الأمر والحساب حيث يقولون: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [الزمر:74] وأيضاً: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:75].

    الحمد لله، أي: الثناء المطلق لله، والألف واللام هنا لاستغراق جميع المحامد، أي: كُل حمدٍ وثناء وتبجيل وتعظيم، فإنما نرفعه ونقدمه لله الذي لا إله إلا هو.

    إن المسلم في حالة اليقظة من النوم يذكر نعمة الله فيقول: (الحمد الله الذي عافاني في جسدي)، وأنت تتقلب في الليل على فراش في نِعَمِ الله، جميع أجهزتك تشتغل من غير خلل ولا عطب، أجهزة مُعقدة بِدْءاً من رأسك إلى أخمص قدمك، فكم من مفصلٍ وعظم وعِرْق وخلية وجهاز وأداة كلها تعمل، ولو تعطلت واحدة من هذه الأجهزة أو تعطل عِرْق من هذه العروق، أو تعطل مفصل من هذه المفاصل، أو حصل في أحد هذه الأجزاء خلل بسيط لتغيرت عليك حياتك، وأنت تعرف هذا.

    نعمة الأضراس

    إذا آلمك ضرسك كيف تظلم الحياة في وجهك وتصيح وتقول: كل شيء إلا الضرس، لماذا؟ لأنك لا تحس بأي ألم إلا ألم الضرس، ولهذا يضربون به مثلاً في تكاليف العرس التي تثقل كاهل الإنسان فيقولون: (العرس نزعة ضرس) يعني أهم عمل، وأهم وأثقل شيء عند الإنسان.

    فالضرس الذي يسوس على الإنسان يجد له ألماً، لكن قبل أن يسوس عليك ضرسك، كم معك من أضراس وأسنان مركبة، صف من فوق وصف من تحت، وهي تشتغل بالليل والنهار، وبعض الناس لا يعطيها إجازة ولو ساعة، فهل هذه نعمة أم لا؟ إي والله نعمة من نعم الله العظيمة أن تبقى لك أسنانك سليمة باستمرار وأنت تستعملها، وتصور من قد خلعت له الأسنان وركب تركيبة.

    يقول العلماء: إن هذه الأسنان هي القوة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب الله أن يمتعه بها في قوله: (ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا) لأن عليها وعلى وجودها يترتب أكلك للطعام، فالذي ليس عنده أسنان كيف يأكل الطعام؟ فمن الشيوخ كبار السن من يأكل الطعام ولا يحس له بطعم، والذي عنده تركيبة يأكل الطعام ويمضغه لكن ليس له طعم، فإن الطعم يأتي عن طريق إحساس الإنسان بلذة الطعام عن طريق الأضراس.

    فهذه نعمة ضرسك الموجود، وليس هو ضرساً واحداً؛ بل اثنين وثلاثة وأربعة والضواحك والأنياب والثنايا، ولو تعطل منها ضرس واحد لتغيرت عليك حياتك، وقد عافاك الله فيها، فله الحمد والمنة.

    نعمة السمع

    جهازك السمعي (الأذن) نعمة من نعم الله عليك، تستقبل الأصوات عبر هذا الجهاز -المكرفون- وبعدها تنقلها رأساً عبر القناة السمعية إلى الطبلة، ومن الطبلة تهتز وترد هذه الأصوات إلى داخل الرأس، والرأس يرسلها إلى الدماغ، والدماغ يترجم هذه الأصوات ويعلم أن هذا صوت فلان وذاك صوت فلان.

    فهذه نعمة من نعم الله عليك، ولو كانت الطبلة مخروقة أو دخلت فيها حشرة وأنت راقد وخرقت هذه الطبلة ما حالك؟ والطبلة عبارة عن غشاء من أرق الأغشية، ولكنه محروس بفضل الله ونعمته، فجميع الأجهزة في الإنسان إذا نام تكون مغطاة إلا الأذن لا تتغطى، لماذا؟ لأنه لو غطيت لما استيقظ الإنسان؛ لأن الله يقول عن أصحاب الكهف: فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً [الكهف:11] لما أراد الله أن يوقظهم أيقظ آذانهم فسمعوا؛ ولهذا إذا أردت أن توقظ شخصاً تأتي عند رأسه وأذنه، وتقول: فلان قم، فيسمعك فيصحو، لكن لا تأتي وتكلمه عند عينه أو رجليه؛ لأن هذه الأذان هي التي تنقل هذه الأصوات، وهي نعمة من الله عليك.

    نعمة البصر

    نعمة العين وما أجلها من نعمة! امتن الله بها في القرآن فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ [البلد:8] فهذه من أعظم النعم، والناس اليوم يصرفون هذه النعمة في معصية الله، والله لو شاء لطمس على أعينهم، ولكنه مدهم بهاتين العينين وطلب منهم أن يستعملوها فيما يرضيه وأن يستعينوا بها على ما يحبه في هذه الدنيا، وبدلاً من ذلك استعملت العين في الحرام عند كثيرٍ من الناس، فسخروا أبصارهم للنظر إلى ما حرم الله بالليل والنهار، ينظرون إلى النساء والجرائد والمجلات والأفلام والمسلسلات، وينظرون إلى الناس بعين الازدراء والاحتقار والحسد على ما متعهم الله به من النعم، وهذه المناظر كلها محرمة، وقد قال الله في القرآن الكريم: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ [النور:30] وقال: وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [طه:131].

    فأنت بهاتين العينين اللتين هما من أجلِّ نعم الله عليك ينبغي أن تشكر هذه النعمة، فلا تستعملها في معصية الله، وهي والله الذي لا إله إلا هو من أجلِّ النعم؛ لأنك إذا فقدتها فقدت لذة الحياة كلها، والمرء منّا لا يعرف النعمة إلا إذا سلبها، فمتى يعرف الواحد منا العافية؟ إذا مرض.

    ومتى يعرف نعمة الشبع؟ إذا جاع، ومتى يعرف نعمة الحرية؟ إذا سُجن، ومتى يعرف نعمة الغنى؟ إذا افتقر، كذلك لا تعرف نعمة البصر إلا إذا مرضت عينك.

    ولو أن شخصاً منا أجرى تجربة بسيطة وأطبق عينه لمدة خمس دقائق، وأنا حاولت يوماً من الأيام أن أطبق عيني وضبطت الساعة وجعلتها مثلاً على الساعة السابعة إلا خمساً وقلت لن أفتحها إلا السابعة، وبعد دقيقة شعرت بضيق كبير، وبإمكانكم أن تجربوا، ضاقت عليَّ الأرض وأريد أن أفتح عيناي؛ لكن قد ألزمت نفسي أني لا أفتح فتراني لا أطالع في الساعة، وفي نفس الوقت أنتظر وبعد فترة بعيدة قمت وفتحت عيني وطالعت وإذا بها لم تمض إلا دقيقة واحدة، وأنا قد أصابني دوار من كثرة الإغماض، وأظلمت الحياة في وجهي، ثم قلت: بقي أربع دقائق فصبرت وصبرت حتى مللت، وأخيراً فتحت قليلاً ولم تمضِ إلا دقيقتان، ولم تنته الخمس الدقائق إلا بعد تعب، لماذا؟ لأنني سُجنت لما أظلمت عليَّ عيني ولم أعد أرى شيئاً.

    فأنت عندما تفتح عينيك ترى العالم والألوان والجمال والسماء والأرض والليل والنهار والأشجار والأنهار والبحار والسيارات والطائرات والمباني، وما يزين الناس به بيوتهم من طلاءات ومفارش وكنبات وغرف نوم، وما يُمتِع به الناس أبصارهم من أزواجٍ جميلات، وملابس مزركشات، وسيارات وموديلات، كل هذا من أجل ماذا؟ من أجل نعمة العين، وإلا فالذي لا يبصر ماذا عليه؟ فلو أدخلته في مجلس طوله مائة مترٍ أو مجلس طوله متر تراه يريد أن يجلس فقط.

    لكن الذي أعطاه الله نعمة البصر، يقول: أريد مجلساً طويلاً؛ لماذا؟ قال: المجلس الواسع يشرح الصدر، إذا جلست في غرفة طويلة انشرح صدري، أما ذاك الأعمى فإنه لا يدري هل هو في مجلس مائة متر فينشرح صدره أو في غرفة عرضها متراً في متر.

    وكذلك الآن الكهرباء لماذا يتفنن الناس بالثريات؟ ولو انطفأت الكهرباء في الليل وهم ساهرون أليس أصحاب الأبصار كلهم ينزعجون وترتبك عليهم حياتهم، ويبحثون عن بديل من كبريت ومصباح، أما الأعمى فلا يدري؛ لأن الكهرباء منطفئة عنده مدى الحياة إلا أن يشاء الله.

    وأنت ربي أعطاك عينين، فهذه نعمة من نعم الله عليك، لا تعرف قدرها إلى إذا سلبتها، وهذه النعمة معك في كل وقت، ترى فيها متى شئت على مدار أربع وعشرين ساعة، ألا تعلم أن هذه النعمة أنت مسئول عنها يوم القيامة: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:8] فما هو النعيم؟ فهل نتصور أننا مسئولون عن البطون فقط؟ لا، فكل نعمة يجريها الله عليك أنت مسئولٌ عنها بين يدي الله، هل حفظتها أم ضيعتها؟ هل شكرتها أم كفرتها؟ هل سخرتها واستخدمتها فيما يرضي مُسديها ومنعمها، أم استخدمتها فيما يغضبه؟ أليست هذه العين من الله؟ هل أنت اشتريتها أو ركبتها في مصنع أو ورشة؟ هل أمك أو أبوك أخذوها ووضعوها في رأسك؟ فمن الذي أعطاك إياها؟

    إنه الله.

    إذاً: أليس الله بقادر على أن يسلبك العينين يوم أن كنت في بطن أمك؟ كان بالإمكان أن تخرج وليس لك عيون، فليس بيدك شيء، وكذلك الآن أليس الله بقادر على أن يسلبك هذه النعمة؟ بلى، فمن يعوضك نعمة البصر؟ قد يقول شخص منا: المستشفيات، فنقول له: إن المستشفيات الآن عاجزة عن أن تعمل عمليات لبعض العيون، حتى في أرقى المستشفيات التخصصية للعيون في العالم يأتيهم الأعمى ويقولون: لا يوجد فائدة.. القرنية عندك ملتهبة.. لا نستطيع بأي حال من الأحوال، فكيف يأتون لك بعين، فهذه نعمة العين.

    إذاً: هل تبيع هذه النعمة؟! حتى تعرف قدرها؟ لنعمل مزايدة على عين من عيون شخص منا، فنعطيه مليون ريال أو مليونين، أو عشرة ملايين، والله الذي لا إله إلا هو -أنا عن نفسي- لو أعطيت الأرض من أولها إلى آخرها وقيل لي: تعال نجعلك ملكاً أو رئيساً على جميع دول الأرض ونأخذ عينك فلن أعطيهم، لماذا؟ لأنك تملك الأرض كلها فأنت أغنى أهل الأرض بعين، وأعطاك الله عينين، فهذه نعمة اشكروا الله عليها.

    فأنت تقول في استيقاظك: (الحمد لله الذي عافاني في جسدي) عافاني في أسناني وأذني وعيني وأنفي.

    نعمة الأنف

    ومن نعم الله عليك نعمة الأنف الذي جعله الله في وسط الوجه، وقبل أن يدخل الهواء إلى الرئتين يمر عليه، ويقوم هو عبر الشعيرات الهوائية الموجودة في باطن الأنف بتصفيته وتنقيته من الأتربة والغبار، ولذلك ترى أنك إذا اشتغلت في ذلك اليوم بأي عمل فيه تراب وغبار، ثم جئت تستنثر وتتوضأ فإنه يخرج من أنفك تراب، فهذا التراب لو لم توجد الشعيرات لكان رأسك ممتلئ طيناً؛ لكن الله يحجز عنك هذه الأتربة عن طريق هذه الشعيرات فلا يدخل شيء، فإذا دخل الهواء من الأنف لا يدخل مباشرةً إلى الرئة، كان بالإمكان أن يدخل من الفم، لكن جعل الله له ممراً من الأنف إلى أن ينزل بواسطة البلعوم إلى القصبة الهوائية ثم إلى الرئة باستمرار، وفي هذه الرحلة يحصل تكييف للهواء؛ لأن درجة حرارة الهواء الخارجي -أحياناً- تكون أقل من درجة حرارة الجسم، فحرارة الجسم في الغالب (37 درجة)، لكن تكون درجة حرارة الهواء الخارجي (21 درجة)، فإذا دخل الهواء البارد إلى الرئة فجأة، فإنه يحصل للإنسان زكام، فالهواء يدخل من الأنف والأنف يدفئه باستمرار ويدخل إلى الجسد وهو على درجة حرارة الجسد، ولذا ترون الإنسان في أيام البرد يصير أنفه أحمر، لماذا؟ لأن الشعيرات الدموية الموجودة فيه تعمل أكثر لكي تدفئ الهواء، فلا ينزل الهواء إلا مكيفاً، فهذه نعمة من نعم الله عليك.

    وإذا أصبت بالزكام وجلست أسبوعين أو ثلاثة وأنت لا تشم تعيش حياتك كلها بصعوبة جداً، ولا تطعم شيئاً من ألذ المأكولات، ولا تشم شيئاً من الروائح العطرية؛ لأن الحاسة عندك ليست سليمة، هذه نعمة من نعم الله عليك، وفتش في نعم الله عليك.

    نعمة العقل

    ومن نعم الله: نعمة العقل الذي هو مصرف لهذا الإنسان، فإذا سلب من الإنسان العقل كيف يتحول؟ إنه يفقد القدرة على التصرف السليم، فيتصرف تصرفات غير مسئولة أو غير معقولة، ويخاف أهله منه، يُكتِّفُونه ويجلسون عند رأسه، ويقولون: انتبهوا! لا يفتح الباب، لا يقفز من الشُّبَاك، انتبهوا! لا تجعلوا عنده كبريتاً، أبعدوا النار من عنده؛ لماذا؟ لأنه لا يضبط تصرفاته، ولهذا امتن الله علينا بهذه النعمة فقال: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78].

    فهذه الثلاث النعم لو سلبها الله من البشر، فلا عقول ولا أسماع ولا أبصار ماذا بقي معهم؟ بقيت كتل بشرية لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر، فهل تصنع هذه الكتل حضارة؟ وهل تخترع مخترعات؟ وهل تركب الطائرات؟ وهل تصنع سيارات؟ وهل تبني العمارات؟ وهل تؤلف المؤلفات؟ وهل تبني الجامعات؟ وهل تنتج هذه الحضارات؟ لا. لماذا؟ لأنه لا عقل يعقل ولا سمع يسمع ولا عين تبصر، ماذا بقي من الناس؟ بقي منهم الأشكال التي لا قيمة لها، لكن هذه النعم من الله تبارك وتعالى.

    العقل نعمة من نعم الله الذي لا إله إلا هو؛ لأنه بمنزلة المصرف لك بحيث لا تمشي إلا في الصواب، فبغير العقل لا يدري ماذا يعمل الإنسان، فعليك أن تشكر الله على نعمة العقل.

    نعمة اللسان

    ومن نعم الله: جهاز اللسان الذي هو آية من آيات الله، امتن الله به في القرآن وقال: وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ [البلد:9] فالهواء الخارج يسمونه في الطب ثاني أكسيد الكربون وهو محروق ليس له فائدة، بحيث لو جلس الإنسان يستنشق ثاني أكسيد الكربون المحروق يموت، وهو يستنشق الأكسجين ويحوله إلى الرئة ويصفي به الدم وبعد ذلك يصعد ثاني أكسيد الكربون، فهذا الهواء الخارج محترق وسام، ورغم أنه سام إلا أنه لا يخرج هباء، وإنما ركب الله تبارك وتعالى في الحلق الأوتار والحبال الصوتية فتستفيد من الهواء الخارج وتتكلم به، ولهذا يقولون: إن الذي يريد أن يقرأ القرآن أو يتكلم فعليه أن يستنشق نفساً طويلاً ثم يقرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] فالهواء الذي كان في الرئة ما الذي جعله يصعد ليصبح كلاماً وهو هواء فاسد، لا تعلم أنت ولا أعلم أنا ولا يعلم أحد، لسان يتكلم بكل فصاحة وبيان، ويعرف الكلام وهذا لا يدري كيف، والذي يقرأ كلام ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة وهو يتكلم على نعمة الله في خلق هذا اللسان، يرى العجب العجاب، كيف أن هذه اللحمة التي لا تدري كيف تعرف الأصوات وتتكلم بالأصوات ممكن أن أتكلم لكم الآن بصوتي وممكن أن أقلد لكم صوتاً آخر، فكيف صعد هذا الصوت؟ باللسان، وهذا اللسان يعرف الأطعمة كلها، هذا حار، وهذا بارد، وهذا حلو، وهذا حامض، وهذا فيه لذعة، وهذا فيه حموضة، جميع الأطعمة كلها تعرفها عن طريق لسانك، هذه نعمة من نعم الله عليك.

    وبعد ذلك في داخل الفم يقوم بدور عامل الخلطة، فالذي يعمل الخلطة يأتي -مثلاً- بكيس من سمنت ورمل وخرسان وما تصلح إلا بعامل وماء و(كريك)، وهذا هو الذي تعمله أنت الآن، تدخل لقمة رز، ومعها قليل لحم، من الذي يخلطها داخل ويسويها ويقلبها؟ الأسنان تطحن وهذا الكريك (اللسان) يقلب إلى أن تنضبط الخلطة، فإذا كانت مستساغة نزلها على المعدة، والمعدة تقوم بدورها في الهضم، هذه نعمة الله في اللسان.

    نعمة المريء والبلعوم ولسان المزمار

    بعد اللسان في رأس الرقبة توجد (ماسورتان): ماسورة اسمها (المريء) وهو الذي يدخل منه الطعام، وماسورة ثانية اسمها البلعوم، وهي التي يسمونها (القصبة الهوائية) وهي التي يدخل منها الهواء.

    وهاتان الماسورتان يقف بينهما جندي نسميه باللسان العامي (الطراعة)، واسمها في الطب: (لسان المزمار).

    ومهمته: إذا أتى طعام يفتح مجرى الأكل ويسد مجرى الهواء، وإذا أتى هواء يسد مجرى الطعام ويفتح مجرى الهواء، ولا يسمح بمرور الاثنين في وقت واحد -عسكري مضبوط- وأحياناً يصدر من الدماغ أمر لهذا العسكري بالسماح بدخول هواء ودخول طعام، يعني: شخص يأكل ويتكلم ماذا يحصل عنده؟ يحصل الشرقة، وهي أن العسكري هذا لم يعد يعرف ينفذ أمر من، فهناك هواء يريد أن يدخل ويخرج؛ لكي يتكلم الشخص، وطعام يريد أن يدخل، فتدخل حبة رز في ماسورة الهواء وليس هو بمجرى لها، ولو دخلت هذه واستقرت في الداخل ماذا يحصل؟ يحصل الموت، لا يوجد دواء إلا أن يموت الإنسان مباشرة، حيث إنه لا تستطيع هذه القصبة الهوائية أن تتحمل حبة رز تدخل، فإذا دخلت الحبة هل يموت الإنسان بسبب هذه الغلطة؟

    لا. فالله عز وجل رحيم بهذا الإنسان، فتصدر أوامر من العقل إلى الرئة بوجود جسم غريب دخل عليكم اطردوه، فرأساً يبدأ الإنسان يسعل كثيراً، وهذه هي عملية طرد لهذا الجسم الغريب ولهذه الحبة من هذا المجرى فتخرج، فإذا خرجت قال: الحمد الله ذهبت الشرقة.

    هذه نعمة يا أخي! لو عطل الله منك لسان المزمار أو خرب ماذا تعمل؟

    يا أخي! كلك آيات من آيات الله: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] أفلا تتفكر من الذي أعطاك هذه الإمكانات وهذه القدرات إلا الله الذي لا إله إلا هو.

    المريء نسميه باللسان العامي (القرط) يعني الغضروف، وهي مفتوحة باستمرار، فهي مجرى الهواء لماذا؟ لأن الإنسان يحتاج إلى الهواء باستمرار، فجعلت هذه الماسورة مفتوحة وأنت قائم أو نائم، وأنت ماشٍ أو جالس، في أي وقت مفتوحة والهواء شغال.

    وبعد ذلك في المنام ركب الله هاتين الرئتين وركب لها عضلات لا إرادية تشتغل بغير إرادة منك، عضلة الرئة باستمرار تضخ الهواء، لو أن الله جعل عضلة الرئة إرادية بحيث من أراد الحياة يشغل رئته، والذي لا يريد الحياة يوقف، فما رأيكم: هل يشتغل شخص بشيء غير رئته؟ كل منا يريد ألا يقبض؛ لأنه إذا أوقف الرئة مات، لكن جعل الله هذه الرئة تتحرك بالهواء وأنت راقد، والهواء يطلع وذاك ينزل، لا إله إلا الله ما أعظم نعم الله علينا!

    أما العضلة الثانية لمجرى المريء الخاص بالطعام فماسورة مجوفة ذات عضلات تسمح بنزول الشيء ولا تسمح بخروجه، إذا دخل فيها شيء تنقبض إلى تحت بحيث لا تبقى لقمة في حلقك، بمجرد أن ترميها تقوم العضلة تضغط على تلك وتضغط تضغط إلى أن تستقر في بطنك، ولولا وجود هذه العضلة لاحتاج كل منا إلى أن يدفع كل لقمة ويدخل وراءها سيخاً كيما ينزلها، لكن من وقت ما تبلعها ما الذي يوصلها إلى المعدة؟ هذا فم المعدة مسافة (30سم)، فما الذي يدخل اللقمة إلى هنا؟ أو تشرب على كل لقمة ماء، لكن يمكن أن تكون اللقمة كبيرة، من الذي يمشي لك هذه اللقمة؟ لقد كفاك الله هذه المئونة، وجعل العضلة هذه بمجرد ما تنزل بها الحبة تنقبض إلى تحت لكي تعصرها إلى أن تنـزلها وتنفتح بعدها، لكن هذه العضلة لا تسمح بخروج شيء، وهذه العضلة النازلة مفتوحة، لكن لا تسمح بخروج الطعام؛ بدليل أنك إذا قمت بالانتكاس أو مارست حركة من حركات الرياضيين أنه يحصل الانتكاس والمعدة تتشقلب، لكن هل سمعنا أن واحداً انتكس على رأسه ونزل من بطنه إلى الماسورة شيء؟ لم ينزل شيء، لماذا؟ لأن الماسورة هذه إذا انتكس الواحد لا تسمح بنزول شيء، إلا في حالة واحدة وهي حالة الاستفراغ فإذا امتلأت المعدة، وأحس الإنسان بضيق، فالله عز وجل يعطيه قدرة على أنه ينقر حلقه، ونقر الحلق هذا هو عملية تهييج لهذا البلعوم أن هناك طعاماً زائداً دعه يتخلص منه، فيعود الشخص (أع، أع) حتى يخرجه، أو يكون الإنسان مريضاً، فهذه نعمة أيها الإخوة! من نعم الله عليك أيها الإنسان.

    نعمة المعدة والكبد

    ينزل الطعام إلى المعدة التي هي جهاز غريب جداً مكون من اللحم، فمعدة الإنسان ليست مكينة حديدية، بل هي جهاز لحمي، لكن هذا الجهاز اللحمي يهضم اللحم، ولا يهضم نفسه، يعني هناك خاصية أنك تأكل اللحم وتنزله، تقوم هذه المعدة بإفراز مواد حمضية قلوية شديدة مثل الأسيد، يعرف الإنسان طعمها إذا حدث له قيء وقاء وصعد شيء يسمونه مر، يعني: حامض جداً، هذا هو الموجود في معدة كل الناس.

    ومن خصائص هذه المادة: أنها تأتي على الطعام النازل إليها فتذيبه وتصهره وتحلله تحليلاً كاملاً، وبعد ذلك ينتقل هذا الطعام المهضوم المنتهي المطحون إلى الأمعاء، والأمعاء تقوم بدور عظيم في عملية استخلاص المواد الغذائية النافعة وتحويلها إلى الجسد واستخلاص المواد الغذائية الغير نافعة وتحويلها كفضلات، وبعد ذلك عبر مواسير طويلة لا يعلمها إلا الله.

    هذه المعدة معقدة، فلو رأيتم الآن الذبيحة لما تذبح وترى (الخولاني الكبير)، وترى (العماصير والمرابض) هذه كلها تقوم بأدوار عظيمة، فيك أنت مثلها وأعقد منها.

    ومع هذا الجهاز أيضاً الجهاز الهضمي فيه الكبد، وهذا الكبد يقوم بوظائف كبيرة جداً في الجسم، وهو بمنزلة معمل كيماوي معقد الأدوار.

    نعمة الكلى

    بعد ذلك الكلى معلقة في ظهر الإنسان وهي بمنزلة الصفايات، وهي التي تقوم بعملية تنقية الدم من السموم والأملاح والمواد الفاسدة، وإذا فشلت الكلية عند الإنسان استطاعت الكلية الأخرى أن تقوم بهذا الدور، وكان الناس في الماضي قبل المستشفيات إذا فشلت الكلى يموت، لأنه لا يستطيع أن يعيش بغير كلى، لكن في هذا الزمان بعد تقدم العلم والحمد الله استطاعوا اختراع جهاز في المستشفى يسمونه الكلية الصناعية، والكلية الصناعية دولاب كبير يقوم بدور الكلية الصغيرة، فهم يأتون بالإنسان الذي عنده فشل كلوي ويجرون له عملية، ويقومون بسحب الدم منه في ذلك اليوم الذي يريدون أن يعملوا له فيها غسيلاً، في كل ثمانية وأربعين ساعة يغسلون دمه مرة واحدة، يسحبون الدم كله ويرسلونه إلى المكينة -الكلية الصناعية- فتقوم بتصفيته وإعادته مصفى عبر ماسورة ثانية إلى جسده .. أربع ساعات، والإنسان مستلق على السرير، ملق يديه يشعر بتعب ومعاناة لا يعلمها إلا الله، من أجل أن الدم يسحب كله ويذهب إلى الكلية هذه وتصفيه، أتدرون كم تصفي هذه الكلية؟ تصفي ما نسبته من السموم والأملاح الموجودة فيه عشرة في المائة فقط! وتسعين في المائة موجود في الدم، لكنها تصفي عشرة في المائة التي فيها خطر على جسم الإنسان، والباقي تضر الإنسان على المدى البعيد لكنه لا تستطيع تصفيتها، وأنت ربي معلق لك صفايتين في ظهرك تصفي لك كل أمورك ولا تدري ولا تشكر الله عليها.

    ولا يعرف نعمة الكلية إلا الذي ليس عنده كلى، يقول لي أحد الإخوة وقد أصيب بمرض فشل كلوي وجلس سنة وهو يعمل الغسيل هذا، والغسيل يكلف الدولة الغسلة الواحدة أكثر من ألف وخمسمائة ريال، لكن الآن في كل مستشفى كلية صناعية وأدوار تراهم بغير طوابير طالعين نازلين يغسلون بدون دفع أجرة، وهذا من فضل الله عز وجل.

    وصاحب الكلية الصناعية يعاني ألماً لا يعلمه إلا الله؛ بل إن شكله يتغير، أحد الإخوة أعرفه قد تغير لونه من البياض إلى السواد، والله قابلته يوماً من الأيام فضحك لي على عادته، لكن أنا تعجبت: من هذا الذي يضحك لي وأنا لا أعرفه، إلى أن قربت وهو يضحك وإذا بي أعيد الذاكرة، عرفت ملامحه لكن اللون ليس لونه، تغير لونه كاملاً، قلت: فلان؟ قال: نعم، قال: ماذا فيك؟ وأنا خفت أن أقول: إنك تغيرت، فيصير في نفسه شيء من أجل المرض، قلت: يا أخي أنا من زمان لم أرك، فاشتبه عليَّ، فقعدت أسأله مالك؟ قال: الحمد لله أنا مصاب بالفشل الكلوي، وأجروا لي عملية، وأخذوا الكلى كلها، وأنا الآن أعمل غسيل كل ثمانية وأربعين ساعة، وقد تغير لونه، ولما سألت الدكتور بعدها، قال: إن المسام في الجلد تتعبأ وتتغير بفعل المواد التي لا تزال في الدم والتي لا تستطيع هذه الكلى الصناعية أن تصفيها، وأنت لا تشعر بهذه النعمة.

    أحد الإخوة عمل عملية نقل كلية من أحد أقربائه والآن يعيش بدون غسيل، يعيش بكلية واحدة، ويقول لي: يا أخي! ما أعظم نعمة الله علينا في الكلى، لم يذكر نعمة العين ولا نعمة الأذن، لم يذكر إلا نعمة الكلى، يقول: الحمد لله، قلت: ماذا بك؟ قال: يا أخي! كنت في هم! أذهب مشوار كل يوم أطلع من مكة إلى جدة أغسل كل يوم، ولابد يكون معي مرافق؛ لأني لا أستطيع بعد الغسيل أن أقود السيارة فيرجعني هذا المرافق، كل ثمانية وأربعين ساعة يذهب ويأتي، يقول: راحت حياتي كلها طلعة ونزلة وغسيل، والآن الحمد لله فأنا أجلس في بيتي والكلية الصناعية معلقة في ظهري، قلت ومن قبل كنت تدري بها قال: والله ما شعرت بها إلا الآن.

    هذه الكلية الصناعية يتصور بعض الناس الآن منا أو أنا كنت أفهم أن وجود الكلية الصناعية بمجرد أن توضع في جسم الإنسان تعمل مباشرةً، لا. لا بد أن يتناول يومياً جرعة من الدواء يسمونها مقابل رفض الجسم للعضو الغريب؛ لأن الكلية هذه ليست للجسم هذا، هي غريبة عليه ومحتمل في ساعة من الساعات أن يقول الجسم: من الذي أتى بكِ هاهنا، يرفضها، ورفضها يعني لا يتعامل معها فيموت الإنسان، فماذا يعمل الأطباء؟! يعطونه جرعة يومياً من دواء معين مع قارورة يأخذها في جيبه باستمرار، قلت: ما هذه؟ قال: هذه ثمنها ألف ريال تكفيني شهراً واحداً، ألف ريال شهرياً يعني راتب شخص، قلت: من أين تستلمها؟ قال: أستلمها من المستشفى بالمجان، تصرفها الدولة -بارك الله فيها- للناس بالمجان الذين عندهم فشل كلوي، ويعيشون على هذا المضاد، ويتناول هذه الجرعة بنسب معينة، مرة يكثر ومرة يقلل، بحسب التحاليل، والتحاليل كل شهر حتى يروا هل الجسم راضٍ عنها؟ فيعطونه -إن كان غير راضٍ- زيادة في الجرعة حتى يرضى الجسم، ولكن لابد من هذه المادة، هذا نعمة يا أخي! تذكر نعمة الله عليك، الحمد الله الذي عافاني في جسدي.

    نعمة القلب

    القلب: قلب الإنسان المضخة التي تضخ الدماء إلى الجسد، فيها مواسير وأوردة وشرايين، وبعد ذلك حركة باستمرار، وإذا توقف ماذا يحصل؟ يسمونه سكتة قلبية، لكن الله عز وجل أعطى هذا القلب قوة، ولذلك يقول الأطباء: إن القلب من أهم وأقوى الأعضاء وأجلدها وأصبرها، قليل هم الذين توقفت قلوبهم، لكن نجد آخرين فشلت كلاهم، وعميت أعينهم، وهذا يحصل بكثرة، أما القلب فنادر، لماذا؟ لأن الله أعطاه قوة؛ لكي لا يموت الإنسان بسببه.

    فلو أن الله جعل قلباً تقليداً (تايوان) ولله المثل الأعلى، فماذا يصير؟ بمجرد وقوع أقل ضربة في قلبك تموت، لكن لديك قلب (أصلي) لا يقف بإذن الله، وشغال بالليل والنهار، الأمعاء، الكلى، الكبد، البنكرياس، كل الأجهزة، بعدها تأتي إلى جهازك العضلي، جهازك الدموي، جهازك الهيكلي، كل هذه أجهزة عافاك الله فيها، ولو فتشنا الجميع واحداً واحداً لوجدنا أنه معافى من رأسه إلى قدمه، ويذهب إلى بيته فيجد زوجته معافاة من رأسها إلى قدمها، هذه نعمة يا إخواني! وأولادنا معافون كلهم والذي عنده مرض بسيط رأساً الصيدلية مليئة، والأدوية مليئة، والمستشفيات مفتوحة، وفي أي لحظة نذهب لنتعالج، فنقول: الحمد لله الذي عافانا في أجسادنا.

    1.   

    نعمة رد الروح بعد النوم

    أما النعمة الثانية التي وردت في الحديث فهي: (ورد عليَّ روحي) وهي نعمة أخرى تمديداً لخدماتك؛ لأن الروح تُطرد من الجسد مرتين: طرد نهائي، وطرد مؤقت.

    فالطرد المؤقت يكون عند النوم، ولماذا تطرد؟ لكي يستريح الجسد، إذ لا يمكن أن يستريح الجسد ويهدأ والروح متضايقاً؛ لأن الجسد مركوب والروح راكب، وهل سمعتم مركوباً لا ينزل عنه راكبه؟ هذا لا يمكن، فالطائرة لا بد أن تقف ويراد لها صيانة، والسيارة لابد أن تقف، والدابة لابد أن تقف، ليس هناك مركوب يمشي ليل نهار ولا يقف، أبداً، كذلك الجسد مركوب، ولذا إذا بقي الراكب موجوداً يتعب الجسد، ولو جئنا بإنسانٍ راجع من عمل أو دوام أو سفر متعب، سهران مثقل محطم وقلنا له: ماذا تريد؟

    يقول: أريد أن أرتاح.

    قلنا: كم ساعة تريد أن ترتاح؟

    قال: أريد أرتاح أربع أو خمس أو ست ساعات.

    قلنا: لا. نعطيك عشرين ساعة، لكن خذ هذا السرير الجميل، وهذا الفراش الوثير، وهذه البطانية الجميلة، خذ هذا وارقد واجلس عليها؛ لكن لا تنم كلما غمضت عينك وقفناك، فهل يرتاح؟ رغم أن السرير ممتاز، وهو لا يعمل شيئاً، مستلقٍ لكنه لا يرتاح إلا إذا نام، وإذا نزلت الروح من جسده، فإذا ذهبت الروح ونام الإنسان ساعة أو ساعتين وأتينا بعد ساعتين، وقلنا له: هل أنت تعبان؟

    قال: لا. الحمد لله، اللهم لك الحمد ذهب التعب، ارتاح الجسم في النوم وعادت له حيويته ونشاطه عن طريق ذهاب الروح، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن ينام الإنسان حتى يعيش الجسد، ويعود مرةً ثانية لمقاومة أتعاب هذه الحياة، ولكن الروح تخرج خروجاً حقيقياً، فلا تبقى الروح في الجسد، والله يقول: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ [الزمر:42] يعني: لم تمت موتاً حقيقياً، فيتوفاها الله أين؟ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ [الزمر:42] أي: لا يردها وَيُرْسِلُ [الزمر:42] فمعنى الإرسال أنها قد خرجت، ولهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث -وهو متفق مع الآية- : (إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها) هذه الروح خرجت من الجسد وذهبت إلى مكانٍ يعلمه الله لا ندري أين هو الآن، أين تذهب الروح إذا نام الإنسان؟

    وردت أدلة أن روح المؤمن تسجد تحت العرش، وأن روح الفاجر -والعياذ بالله- تجتذبها الشياطين وتجول بها ولا تترك بها آفة إلا عذبتها فيها، أما روح المؤمن الذاكر فتذهب تسجد عند الله عز وجل حتى تعود له روحه، فروحٌ تحت العرش وروح في الحمام، كما يقول ابن القيم: أرواح المؤمنين تحت العرش، وأرواح الفسقة والمجرمين أصحاب الغناء والطرب الذين ينامون على المعاصي هؤلاء تذهب أرواحهم إلى الحمام في الأرض، تجول مع الشياطين والعياذ بالله.

    الروح إذا خرجت لا يدري الإنسان متى تخرج أولاً، وهناك عالم أمريكي أجرى أبحاثاً دقيقة على النوم، وجاء بإنسان ووضعه في مكان وسلط عليه أجهزة يقيس نبضه وحركته ويضبط كل تصرف يحصل منه، وتركه يُبصر ويريد أن يرى كيف ينام، وجلس عند رأسه وأخيراً وهو جالس يفكر والأجهزة لم يتحرك منها أي جهاز إلا وذاك يرقد داخل الصندوق، وهو جالس يفكر وأخيراً طالت عليه المدة وإذا بالدكتور نفسه قد نام.

    وأنا في يوم من الأيام كنت أفكر في النوم فدخلت في الفراش وبعد ذلك أدخلت البطانية تحت رأسي، ودخلتها من تحت (كراعيني) ثم أيضاً دفيتها من تحت جسمي ولفيتها عليَّ وأنا جالس أفكر أقول: الآن يأتي النوم، كيف يأتي النوم ومن أين يأتي هل يدخل من الباب أو (الكترة)؟ والآن قد قفلت على نفسي كيف يخرق البطانية، وأنا أفكر وإذا بي قد نمت وأنا في التفكير ما انتهيت منه فهذه آية من آيات الله.

    النوم آية من آيات الله، أخذ الله روحك وكان في الإمكان ألا تعود إليك مرة أخرى، ولكن مدد الله خدماتك وأعطاك فرصة ثانية، وأعطاك إمكانية أخرى لتصحيح وضعك، فرد الله عليك روحك، لماذا تُرد روحك؟ لكي تعصيه، بعضهم يمد يده إلى علبة الدخان قبل أن يفتح عينيه، تراه يبحث عن الدخان ليدخن، وبعضهم يمد يده من وقت أن يستيقظ على الأغنية (يا صباح الخير ياللي معنا) الله لا يصبحك إلا بالخير، مع أنه ما فيه خير، لا حول ولا قوة إلا بالله.

    الله رد عليك روحك من أجل ماذا؟ من أجل تصحيح الوضع، كان بالإمكان ألا تصحو، وكم عرفنا أقواماً ناموا وما استيقظوا، فبما أن الله رحمك وأنعم عليك بهذه النعمة ومدَّد في خدماتك، ورد لك روحك من أجل أن تستيقظ فتستغفره وتشكره وتعمل عملاً صالحاً ينفعك بعد موتك لا أن تقوم فتحاربه، والله ينعم عليك برد الروح وأنت تجازي ربك بمعصيته، فتستيقظ على معصية الله وتستعمل نفسك في معصية الله ولا تقوم إلى طاعة الله.

    وتبدأ من يوم تستيقظ إلى أن تنام وأنت شغال في المعاصي، ثم تنام على نية القيام على المعاصي، لا حول ولا قوة إلا بالله، هذه مصيبة.

    (ورد عليَّ روحي) رد الروح من أجل النعم التي ينبغي أن تعرف قيمتها، فتقول: يا ربِّ! لك الحمد كما رددت عليَّ روحي، من حقك عليَّ ومن واجبي أن أطيعك، لأنك رددت إليَّ روحي.

    قال الحسن البصري وقد مر على جنازةٍ ومعه غلام من رواده ومن مريديه، قال لغلامه هذا: [يا بني! ما ظنك بهذا الميت لو ردت له الروح ماذا سيعمل؟ قال: يطيع الله فلا يعصه أبداً] طبعاً أي شخص مات ثم رد الله عليه روحه هل سوف يعصي الله؟ أبداً لا يمكن، قال: [فكن أنت هو] يقول: اجعل نفسك أنت الذي قد حُملت على الخشب وأنك ذاهب إلى المقبرة، وقد تكون أنت أصغر في السن من هذا الميت، وهل يأتي الموت على حسب الأعمار؟ لا. ولكن الله عز وجل أماته وأحياك أنت، فخذ من موته عبرة واجعل نفسك أنت المحمول على الأعناق، والآن ردت لك الروح فأطع الله ولا تعصه أبداً.

    فالله رد لك الروح من أجل أن تطيعه ولا تعصيه أبداً. وهذه النعمة الثانية.

    1.   

    نعمة ذكر الله

    النعمة الثالثة: (وأذن لي بذكره) فكم من أناس يقومون معافين في أبدانهم وردت لهم أرواحهم، ولكن لم يؤذن لهم بذكر الله عز وجل، يقومون على غير ذكر الله، ويقطعون سحابة ليلهم ونهارهم في معصية الله؛ لأن الله لم يأذن لهم؛ لأنهم عصوه وخالفوا أمره، وتمردوا على شرعه، وعارضوا أوامره، وارتكبوا مناهيه، يعرفون أمر الله في أعينهم لكنهم نفذوا أمر الشيطان وتركوا أمر الله.. أمر الله في أعينهم، النظر في المصحف وإلى ملكوت السماوات والأرض، والنظر بها في مصالحك، وغضها عن الحرام، فهم عطلوها من كل ما أمر الله به، واستعملوها في كل ما أمر الشيطان به، ولذلك تجد الذي يحب النظر إلى النساء لا يحب النظر إلى المصحف، ولو قلت له: خذ اقرأ القرآن، قال: شكراً.

    وهناك شخص رأيته في المسجد، وهو جالس وأنا أقرأ بجانبه فقمت آخذ مصحفاً وأعطيه، فقال: شكراً، يعني: معبأ حسنات سبحان الله! شكراً للمصحف، من يرد المصحف إلا شخص محروم، ووالله لو أني أعطيته مبلغاً من المال لن يقول: شكراً، لكن المصحف لا يريد، فهذا محروم وقلبه منكوس والعياذ بالله، فعطل عينيه من النظر إلى المصحف لماذا؟ لأن عينيه ترى الحرام، والمسلسلات، والأفلام والجرائد والمجلات، بل إن بعضهم يجلس ساعة وساعتين يشتري بعشرة ريالات مجلة اسمها النهضة ، الذي يسمع نهضة الأمة يعني سموها، سؤددها، مجدها، تاريخها وهل تعرفون ما هي نهضته؟ هي نهضة الجنس والزنا والغناء وقلة الحياء، يسمونها النهضة ، واليقظة وبعشرة ريال وفيها صور فاتنة وقصص وكلام فارغ، يقرأها من الجلدة إلى الجلدة، لا يدع كلمة إلا وقد قرأها، ولو قلت له: خذ بالله صحيح البخاري قال: شكراً، صحيح البخاري فيه كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أصح كتاب بعد كتاب الله، خذ القرآن لا يريده، خذ السنة لا يريدها، خذ مجلة إسلامية لا يريد، لا يريد إلا هذه.

    عطل عينه من النظر إلى ما يحبه الله ويرضاه، واستعملها فيما يغضب الله ويأباه.

    وعطل أذنه عن سماع القرآن والذكر والمواعظ، واستعملها في سماع الغناء.

    وعطل لسانه عن الذكر والشكر والعلم وقراءة القرآن، واستعملها في المعاصي.

    فهذا الإنسان لما سار في الخط المعاكس لم يُؤذن له بذكر الله، لكن أنت يا مؤمن يسرك الله لهذا الأمر، وهذه بشرى والحمد لله أننا نرى الإقبال الكثير من قبل الشباب المؤمن.

    هناك شخص قبل صلاة المغرب وأنا خارج من بيتي لآتي إلى هنا، أمسكني عند الباب، يظن أن المحل الذي في بيتي حق الأشرطة ملكي، فقال: يا أخي! أنا من أهل بيشة وكان عندي استريو للأغاني، ولكن تاب الله عليَّ، وقررت تغييره من استريو أغاني إلى استريو رباني، وإذا بالنور في وجهه، والولد يتفتق حيوية وإيماناً، يقول: وأنا أرجو الله أن يغفر لي زلاتي فما من بيت إلا عليَّ فيه ذنب، فكم اشتروا مني من أغاني، وأنا الذي أصدرها، وأفسد بيوت المسلمين، واليوم والحمد لله تاب الله عليَّ، وما وجدت كفارة لعملي إلا أني أبيع أشرطة إسلامية بدل الأشرطة الشيطانية، فأرجو منك أنه إذا كان هذا المحل لك تجعل الصبي يساعدني ويدلني على الأشرطة المفيدة، فقلت له: بارك الله فيك وجزاك الله خيراً والحمد الله الذي هداك للإيمان، وهذا هو الوضع الصحيح؛ انتقلت من حزب الشيطان إلى حزب الله، كنت عدواً لله تحاربه واليوم أصبحت ولياً لله تدعو إليه، واعلم أنه ما من شريطٍ يخرج من محلك ويدعى به إلى الله ويطاع الله به إلا ولك مثل أجره، لا يوجد أعظم من هذا العمل، فاحمد الله ولكن يمكن يبتليك الله ويختبرك وما يصير لك رواج ولا مكاسب ولا يأتيك شيء فاصبر فإنك على الحق، قال: لا. لا توصيني بهذه فقد ذقت المر، فذهبت معه إلى صاحب المحل؛ لأن المحل ليس لي وقلت له: أين عمك؟ قال: عمي غير موجود، قلت: قل له: يقول فلان: هذا الرجل ينبغي مساعدته وإعطاؤه الأشرطة بسعر التكلفة، يعني: ما يكسب منه؛ لأن مثل هذا يعان ويساعد حتى يقوم محله، قال: أبشر إن شاء الله، فالحمد لله.

    ينبغي عليك أيها المسلم أن تشكر الله ما دام أن الله أذن لك بذكره.

    فأولاً حين فتحت عينك قلت: الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني، أيضاً أذن لك في أن تفكرت في نعم الله عليك فشكرت الله، فقلت: وعافاني في جسدي ورد عليَّ روحي، وبعد ذلك أذن لك في ذكره.

    فهذا الحديث أيها الإخوة! فيه ثلاثة ألفاظ لكن فيها عبر وحكم إذا تأملها الإنسان عرف مقدار ما ينبغي أن يقوم به من العمل والإخلاص والتوبة إلى الله من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها دقيقها وجليلها، حتى يكون من العباد الصالحين الذين يتولاهم الله في الدنيا والآخرة.

    أعظم الذكر هو القرآن الكريم

    أعظم ما يُذكر الله به هو القرآن الكريم الذي اجتمعنا هذه الليلة بسببه، القرآن الكريم الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] القرآن العظيم الذي يقول الله عز وجل فيه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52] فسمى الله هذا القرآن روحاً، وكأن هذه الأمة جسد، وهذا الروح هو الذي إذا دخل فيها أحياها، وإذا خرج منها فهي ميتة، وهذه هي الحقيقة أيها الإخوة!

    إن الأمة الإسلامية إذا عاشت على روحها دبت فيها الحياة، وإن عاشت على غير روحها دب فيها الموت، وهاهي اليوم تدب فيها الحياة فتحيا، ويوم أن كانت ليس فيها حياة بالقرآن فهي ميتة: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى:52-53].

    وسمى الله هذا القرآن: نوراً، وقال فيه: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة:15].

    وسماه الله: شفاء فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57]وقال: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً [فصلت:44] وقال: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً [الإسراء:82].

    وسماه الله عز وجل: هدى قال تبارك وتعالى: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2].

    وأخبرنا أنه يهدي، فقال: يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف:68] من هم؟ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف:69-70].

    وأخبر الله أن القرآن يهدي للتي هي أقوم فقال: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] وهنا (أَقْوَمُ ) أفعل التفضيل يعني: هدى الله بهذا القرآن إلى أعظم العقائد وإلى أعظم العبادات وأعظم الشرائع وأعظم الأخلاق وأعظم النظم، فكل ما هدى إليه القرآن فهو أعظم ما يمكن أن تصل إليه البشرية، في كل نظام وأمر ونهي يهدي للتي هي أقوم: وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً [الإسراء:9].

    عظمة القرآن وشرف حامليه

    هذا القرآن أيها الإخوة! إذا عاش عليه المسلم واقتدى به واهتدى بهداه وقرأه وتلاه وتعبد الله به، ووقف عند حدوده، كان عبداً ربانياً، وكان من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.

    وأشراف هذه الأمة هم حملة القرآن، ومسئولية القرآن لا تختص فقط بالطلاب الصغار الذين يدرسونه في المساجد فقط، لا. فالقرآن مخاطب به جميع أفراد الأمة من صغيرٍ وكبير وشيخ وشاب وكهل، كلهم مطلوب منهم أن يقرءوا القرآن.

    وفي هذا المسجد وفق الله جماعة المسجد إلى الإحساس بهذا الدور، وإلى الحاجة إلى هذا الأمر، فجمعوا تبرعات وتقدموا بطلب إلى الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في أبها ، واستعدوا بدفع نصف راتب المدرس، وقامت الجماعة باستقدام أحد المدرسين من الباكستان المتخصصين وتعميده بالعمل في هذا المسجد، وقد بدأ العمل والحمد لله، وبدايته بداية النور في هذا الحي مع هذا المسجد الطيب المبارك، ولا ينبغي أن نحصر القراءة فقط في الصغار الذين يأتون من العصر إلى المغرب، بل ينبغي أن ننظم الأوقات ونرتبها بحيث من العصر إلى المغرب للصغار، ومن المغرب إلى العشاء، ومن الفجر إلى الشروق للكبار، نجلس على يديه، ونتعلم القرآن على يديه ولو كنا مدرسين؛ بل ولو كنا علماء، فإن القرآن لا يؤخذ إلا بالتلقي، القرآن لا يأتي عن طريق قراءة كتاب التجويد.

    فضل تعلم القرآن وتعليمه

    أذكر سنة (1390هـ) يعني قبل تسعة عشر عاماً جاءنا فضيلة الشيخ عبيد الله الأفغاني ليعمل مراسلاً من قبل الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في مكة ، وكنت قد اتصلت أنا والشيخ سليمان بن فايع في تلك السنة بالشيخ صالح القزاز الأمين العام للجماعات في مكة وقلنا له: نريد مدرساً مثل أهل هذا المسجد، قال: أين تريدونه؟ قلنا: في أبها ، وفعلاً لا يوجد في أبها تلك الأيام أحد يعرف التجويد، أما الأحكام -ما شاء الله- أنا أعرفها، أحكام النون الساكنة درسناها في رابع أو خامس ابتدائي، لكن تطبيق الأحكام والله ما أدري عنها شيئاً، حروف الإدغام ستة مجموعة في قولك: يرملون، وحروف الإخفاء خمسة عشر مجموعة في أوائل هذا البيت:

    صف ذا ثنا كم جاد شخص قد سمى     دم طيباً زد في تقى ضع ظالما

    والله إنها طلاسم ما أعرف عنها شيئاً، لكن أحفظها لكي إذا أتيت إلى الأستاذ والاختبار الشفوي أقول هذا الكلام فيقول: ناجح في التجويد؛ لأن الأستاذ نفسه الذي يختبرني لا يدري ما هي، أحكام موجودة لكن لا نعرف شيئاً من التطبيق فقلنا للشيخ صالح القزاز : نريد مدرساً، قال: ومن يأتيكم في أبها ؟ فقلنا: ابحث، فشاء الله أن عرض الأمر على الشيخ عبيد الله الأفغاني ورفض الشيخ في أول الأمر، وكان يقول: أنا هاجرت من بلادي؛ لكي أعيش في الحرمين الشريفين، فكيف أذهب إلى أرض بعيده غير الحرمين، هذا لا يمكن، ولكن يسر الله رجلاً صالحاً كان جالساً في الحلقة اسمه صالح باخطبة قد توفي رحمة الله تعالى عليه، قال له: أنت مخطئ يا شيخ! كيف تجلس في الحرمين الشريفين، وتترك الدعوة إلى الله، والصحابة لما بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أقطار الأرض لم يقولوا: لا. نريد الحرمين الشريفين مكة والمدينة وإنما ماتوا في السند والهند ، وكنت أنت ممن أدخل الله آباءك وأجدادك على أيديهم، ولو أنهم جلسوا في الحرمين الشريفين لكان من الممكن ألا تكون مسلماً، يقول: فدخل الكلام في رأسي، قلت: نعم صدقت، قال: الآن رُدّ الجميل للذين أتوكم في بلادكم، وأدخلوك في الدين، وواجبك الآن رد بعض الجميل بتعليم أبنائهم القرآن، فتوكل على الله واذهب إلى أبها ، فقلت: إن شاء الله، وفعلاً جاء يوم من الأيام ونحن في دار التعليم خرجنا نصلي الظهر وإذا الرجل جالس بعائلته وأثاثه في المسجد وسط (الصوح)، ولما دخلنا رأينا الرجل بهيئته وعمامته، وهو يسأل ومعه خطاب لـسعيد بن مسفر وسليمان بن فايع ، فقلنا: من أنت؟ قال: أنا مدرس القرآن. قلنا: جزاك الله خيراً، أخذناه في ذلك اليوم وأسكنّاه في بيت، وبعد ذلك سلمناه الطلاب في مسجد برزان -أظن- عشرين طالباً، وجلس الشيخ الأفغاني بعلمه وغزارته -عالم في كل فن ما شاء الله- حوالي أسبوعاً أو أسبوعين وما عنده إلا الأطفال هؤلاء، والشيخ سليمان كان يصلي بنا أحياناً، ولا يجود القرآن، ولكن الشيخ مؤدب ويستحي أن يقول شيئاً.

    وفي يوم من الأيام ونحن جلوس في المسجد قال لنا: لا يوجد طلاب آخرون غير الأطفال هؤلاء يقرءون القرآن علينا؟ قلنا: لا يوجد إلا هؤلاء، من تريد يقرأ عليك؟ قال: أنتم اقرءوا القرآن، قلنا: نحن نقرأ القرآن عليك؟! يعني كيف نحن العلماء نقرأ القرآن عليك!! قال: وما المانع؟ قلنا: نحن نعرف القرآن، قال: أنتم صحيح تقرءون القرآن؛ لكن لا تجودون، قلنا: والتجويد نعرفه يا شيخ! أخذناه في رابع أو خامس ابتدائي قال: إذاً بعد الصلاة إن شاء الله نجلس قليلاً، صلينا وجلسنا قليلاً ويوم أن جلسنا قال: اقرأ وكنت أنا وسليمان فقرأتُ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: قف، قال: (الشيطان) الشين من حروف التفشي، والطاء من حروف الإطباق، و(بسم) السين من حروف الهمس، وإذا بي في بحور لا أدري أين طرفها، قال: أنت -أعوذ بالله من الشيطان الرجيم- أخطأت فيها، و(بسم الله الرحمن الرحيم) أيضاً أخطأت فيها، ووقفنا في تلك الليلة في (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وبسم الله الرحمن الرحيم) وجاء في الليلة الثانية وسمح لنا بالانتقال إلى الفاتحة، وجلسنا في الفاتحة أكثر من خمسة عشر يوماً، ثم بعد ذلك سمح لنا بالانتقال من عند الضحى، ولما رأينا أننا جهلة، لا نعرف شيئاً في كتاب الله جلسنا عند الشيخ، ولكن لم يكن أحد تلك الأيام عنده، ويمدح السوق من ربح فيه، فلم يدرس عنده إلا أنا وسليمان والشيخ أحمد بن حسن وواحد اسمه أحمد بن عبدالله الشهري ، هؤلاء الأربعة الذين استغلوا وجود الشيخ، وكان فارغاً في أكثر أوقاته وجلسنا نقرأ عليه أربعة أشهر حتى ختمنا رواية الإمام حفص وشعبة عن الإمام عاصم بن أبي النجود.

    الشاهد في الموضوع أن كثيراً من الناس لا يتقنون التجويد، وإذا قلت له: اقرأ على الشيخ، قال: لماذا أقرأ؟! أقرأ وأنا شايب! يرد عليَّ في الفاتحة! إذاً ما رأيك: يصحح لك في الفاتحة، أو تموت وأنت أعمى في الفاتحة وتلقى الله وأنت لا تعرف تقرأ الفاتحة؟! ما هو العيب؟! إن العيب أن تلقى الله وأنت جاهل: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً [الإسراء:72].

    فما دامت -أيها الإخوة- الحجة قد قامت عليكم في هذا المسجد أو في غير هذا المسجد؛ لأنه قد يكون من الجالسين كثير ليسوا من أهل هذا المسجد لكنهم ربما في أماكنهم وفي المساجد القريبة من مساكنهم مدارس لتحفيظ القرآن الكريم، أو بإمكانهم الذهاب إلى المدرس في أي مسجد من مساجد المدينة فإنه لا ينبغي له إلا أن يسارع إلى تسجيل اسمه والجلوس على الشيخ، وليس بالضرورة أن يجلس من المغرب إلى العشاء، لا. اجلس اسمع درسك وامش، إن كان هناك إمكانية من بعد المغرب مباشرة وإن كان شخص سبقك وسجل قبلك، ورأيت أنه لا يسمع لك إلا بعد فترة فيمكن أن تقضي لك عملاً؛ لكن بمجرد قرب الموعد الذي يكون فيه درسك تأتي وتجلس، واجلس مرة ومرتين وثلاثاً وسوف تذوق طعمها إن شاء الله وحلاوتها إذا أصبح لسانك رطباً بذكر الله؛ لأنه ورد في الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة).

    مرتبة ليست بسهلة، فهي أعظم من أي منزلة، وأيضاً في الحديث الصحيح عند البخاري ومسلم حديث عثمان رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) إذا جلست بركبك عند إمام المسجد أو عند معلم القرآن، وأنت تتعلم وهو يرد عليك مرة ومرتين وثلاثاً، فأنت في خير عمل، وفي أشرف شيء في الدنيا، وفي عمل أفضل من عمل الملوك والرؤساء والأمراء والوزراء، فخير هذه الأمة على الإطلاق من تعلم القرآن وعلمه، فالمتعلم له خير والمعلم له خير إن شاء الله، هذا بالنسبة للكبار.

    مسئولية الآباء في تعليم أبنائهم القرآن

    أما بالنسبة للصغار فإن مسئوليتهم تقع على آبائهم إذ لا ينبغي للأب إلا أن يبدأ أول ما يبدأ بتعليم ولده القرآن في هذا المسجد أو في غيره من المساجد الأخرى، وليكن حريصاً على متابعة حضوره، وعلى متابعة استفادته من المسجد، وأيضاً أن يكون لهذا التوجيه تطبيق في البيت ولا يكون فيه تصادم وتعارض بين ما يقال في البيت وما يقال في المسجد؛ لأنه إذا كانت توجيهات الشيخ وتعليماته قرآنية -من القرآن والسنة- وأوامر البيت ضدها، يحصل عند الولد اضطراب في فكره، فالأب يقول له شيئاً، والمدرس يقول له شيئاً، فلا يدري من يصدق؟ وأخيراً يحصل عنده ازدواجية في الشخصية وعدم ثقة في كلام أبيه أو في كلام الشيخ، حتى يغلب له أحد الأمرين، لكن إذا كان أبوه متعاوناً والمسجد أيضاً يربي فإن النتيجة -إن شاء الله- جيل قرآني صالح، وحتى لو مر على الولد في المستقبل فترة من فترات الطيش أو الضلال أو الانحراف، ولكن أساسه على القرآن، فإنه لا بد أن يرجع إليه؛ لأن الكلمات التي ننقشها ونقولها للصغار وهم صغار تنقش في قلوبهم، ويكون لها أكبر الأثر في مستقبل حياتهم بإذن الله عز وجل.

    أما تركهم يلعبون في الشوارع فهذا والله ضرره على الآباء أكثر من مصلحته، فينبغي أن تأتي بولدك وتسجله وتضبطه بقوة كما لك قوة عليه في مدرسة النهار، فكل الآباء يضربون أولادهم على هذه المدارس، ولا يسمحون لهم بالتخلف عنها ولو يوماً واحداً، وإذا جاءهم الدفتر من المُعقب أن ولده غاب اليوم، يقطع جلد ولده، لكن لا يتابع ولده في العصر، بينما يجب أن يكون اهتمامك بولدك في العصر أكثر من اهتمامك بولدك في النهار؛ لأن مدرسة النهار يعينها درس العصر وهذا معروف، فمدراء المدارس يقولون: الطلاب الذين يدرسون القرآن في المساجد هم الأوائل عندنا في المدارس، ببركة القرآن؛ لأن الشيطان يأتي عند الأب والأم، ويقول: الولد لا يستطيع أن يذاكر الواجبات في الصباح مدرسة وفي العصر مدرسة، وفي الليل يذاكر، متى يلعب فيخلونه يلعب ويأتي في الصباح لا ذاكر ولا قرأ قرآنا ولا استفاد، ضايع من هذه ومن تلك لا حول ولا قوة إلا بالله.

    هذه أيها الإخوة نصيحتي إليكم وإلى نفسي قبل ذلك بمذاكرة القرآن ومدارسته.

    1.   

    النجاة والسعادة في الدارين تكون بالإيمان

    أما النصيحة التي أوجهها وأسديها لكل من حضر هذا المجلس فهو أن الخيار الأفضل والبديل الصحيح للنجاة من ورطة هذه الحياة هو الإيمان والدين.

    الدين رأس المال فاظفر به     فضياعه من أعظم الخسران

    الدين عزةٌ ورفعةٌ وسلامة وسعادة في الدنيا والآخرة، ولا مخرج لك ولا نجاة لك أيها الإنسان إلا بطاعة الله، والمعاصي ليست ببديل، والغفلة واللعب قد جربناها كثيراً، وسيخرج الإنسان من هذه الدنيا وليس معه في رصيده إلا ما عمل يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً [النبأ:40] ألا فلينتبه الإنسان لنفسه وليعرف أنه إن يعمل خيراً يجده، وإن يعمل غير ذلك يندم عليه، والله يقول: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:30].

    هذا وأسأل الله في الختام لي ولكم التوفيق، وأن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وعلى حسن عبادته.

    1.   

    الأسئلة

    وأما الأسئلة فسوف أتعرض للقليل منها إن شاء الله على حسب ما يسمح به الوقت.

    حكم مس المتوضئ للنجاسة

    السؤال: ما الحكم فيمن يمسك النجاسة بعد الوضوء، فمثلاً المرأة ما حكم غسلها لأطفالها بعد إزالة الحدث الأكبر، وهل يحق لها الصلاة وقد غسلت أبناءها بيدها أم لا؟

    الجواب: إذا مس الإنسان نجاسةً بيده بولاً أو غائطاً فإنه يغسل الموضع الذي وصلت فيه النجاسة، ولا يلزمه إعادة الوضوء؛ لأن نواقض الوضوء ليس منها مس النجاسة، أما إذا مس الإنسان فرجه قبلاً كان أو دبراً بيده فإنه ينقض وضوءه وعليه أن يتوضأ من جديد، والمرأة التي تغسل طفلها فتمس عورته بيدها ينتقض وضوءها، وعليها أن تتوضأ من جديد؛ لأن مس الفرج سواء لها أو لولدها أو لبنتها ينقض الوضوء، فعليها أن تتوضأ من جديد.

    حكم الحلف بالحرام والطلاق وما شابهه

    السؤال: ما رأيكم فيمن يقول: قد حرمت أن حساب الغداء عليَّ؟

    الجواب: يعني دخل هو وواحد في مطعم ويريد يحاسب قال: حرام إن الحساب عليَّ، هذه الألفاظ من الأيمان البدعية التي لا ينبغي للإنسان أن تدور على لسانه؛ لأن من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله أو ليصمت، فإذا أردت أن تحاسب فأخبره أنك تريد أن تحاسب، فإذا أردت أن تقنعه فقل له: والله الذي لا إله إلا هو ما يحاسب إلا أنا، فإذا خالفك وحاسب فتطعم عشرة مساكين، بدل ما تطعم واحداً تطعم عشرة، جزاء لك وردعاً لأمثالك.

    وإذا كنت تريد أن تحلف عليه وما تريد أن تُكفر تقول: والله الذي لا إله إلا هو إن شاء الله أنه ما يحاسب إلا أنا، فإذا حاسبت الحمد لله، وإذا رفض دعه يحاسب، وأنت ما عليك شيء؛ لأنك ربطت اليمين بمشيئة الله، إذا قلت: والله الذي لا إله إلا هو إن شاء الله أنه ما يحاسب إلا أنا، فليس عليك شيء إذا فجرت، لكن إذا عقدت اليمين وفجرك تطعم عشرة مساكين، أما إذا قلت: حرام أنه لا يحاسب إلا أنا، فقد أقسمت بالحرام، والله عز وجل قد قال في القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم:1] لأن معنى حرام يعني حرام مما أحل الله عليَّ ويمكن يدخل في ضمنها النساء، ويمكن تكون كفارتها مغلظة ككفارة الظهار لكن إذا قصد بها المرأة ففيها كفارة مغلظة، وإذا قصد بها اليمين ففيها كفارة مخففة وهي إطعام عشرة مساكين إذا فجر، ولكن عليه أن يتوب إلى الله من الحرام ولا ينبغي له، ولا داعي للأيمان، لا تحاول أن تقحم نفسك في يمين لا بطلاق ولا بحرام ولا بحناث ولا بربي، دع الأمور ممددة، من أطاعك فالله يجزيه خيراً ومن رفض فالله يعينه.

    بعض الناس يجعلك تأكل غصباً ويحلف بالله أنه سيحاسب، فإذا قال: لا والله ما أحاسب إلا أنا، فقل: كثر الله خيرك، وكثر الله من أمثالك، ودعه يحاسب كل يوم، وسوف ترى إذا حلف اليوم فغداً لن يحلف عليك؛ فلماذا تحرج نفسك، وأصبحت مضاربة ولم تعد أكلة، وبعضهم يطلق، فقد جاء رجلان إلى الشيخ عبد الله بن يوسف قال: أنا رحيمه أتيت عنده ودخلت عليه وحرمت ما أريد أن أكلف عليه، وقلت: طلاق أنك ما تذبح لنا، قال هو: طلاق إلا أذبح لكم، وجاءوا الاثنين كل واحد منهم يسأل ما هو الحكم؟ قال الشيخ: أحدكما تحرم عليه زوجته، فبسبب اللحمة أصبحت مشكلة في البيت وهي الطلاق.

    وبعض الناس الذي ما زال رأسه يابساً إذا حلفت له بربي سوف يذمه، وقال: والله إنه حلف بربي، كأنه جعلها سهلة، لكن إذا طلقت قال: والله فلان الصادق الذي عزم صحيح، والله إنه يطلق، الله أكبر! هذا والعياذ بالله من تعظيم غير الله، أن يحلف بالله فلا يعظم وأن يحلف بالمرأة فتعظم، يعرض عليهم وجه الله فلا يعظمونه ويعرض عليهم وجه المرأة فيقولون: خلاص قد طلق امرأته، لكن لو أنه حلف بالله فجروه وراحوا، لكن مثل هؤلاء لا يستحقون الإكرام، والله ما يستحق تذبح لهم قطاً، الذي لا يعظم إلا وجه المرأة ولا يعظم وجه الله لا يستحق أنك تذبح له، كيف تذبح له وهو يعظم غير الله عز وجل، لا تحلف على أحد لا بربي ولا بغيره، قل: أنا أريد أن أكرمك يا أخي، فإن قال: جزاك الله خيراً تفضل، وإن قال: لا. أنا مستعجل، فقل: الله يعينك، أما أن تحرج نفسك فلا.

    ثم قضية الذبائح التي نحن الآن عليها، والتي لا تزال متخمرة في رءوسنا فهذه ما أنزل الله بها من سلطان، وليست من الإكرام في شيء، فالإكرام أن تقدم لضيفك ما يكفيه، هذا هو الإكرام بحيث لا يقوم وهو جائع، أما إذا أتاك ضيف فتقوم تذبح له، فهو كم يكفيه من الذبيحة؟! يكفيه ربع كيلو فقط، فتذهب تشتري له خروفاً فيه وهو سيأكل منه ربع كيلو، ثم بعد ذلك تشهر به على رءوس الأشهاد وتعزم الجماعة من طرفهم إلى طرفهم لكي تعلم العرب أنك ذبحت لهذا الرجل والله يحيكم على شرف فلان، وبعد شهرين أو ثلاثة إذا أتيت سوف أذبح لك واحداً، لماذا؟ المصلحة للناس والمضرة عليَّ، فهذا لا يجوز في دين الله، وهذا ليس من الكرم في شيء، وإنما من عادات الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان، فإذا جاءك ضيف أكرمه، ونحن لا نحث الناس على البخل، فإن الكريم قريب من الله، قريب من الناس قريب من الجنة، أكرمه وأدخله بيتك وقدم له أحسن طعام، لكن لوحده لماذا تدعو الناس الآخرين؟ قد تقول: والله إنهم محتاجون، هذا الكلام كان قديماً عندما كان الناس لا يجدون في القرية لحمة، فإذا جاء الضيف فرحوا لكي يروا معه قطعة لحمة أو مرقة ولهذا يكثرون المرق، ويكثرون العصيد واللحم، ولا يمد أحد يده على اللحم إلى أن يأتي المقسم، والمقسم هذا يعرف كيف يقسم اللحم على الحاضرين وعلى من في البيوت وعلى النساء، وكل يعطيه قسمه على قدر قيمته في المجتمع ويضع له وينفخ يده كذا.

    أما الآن لم نعد نحتاج للحم ففي بيوتنا كلنا ثلاجات، حتى العزوبي أصبح في بيته ثلاجة، حتى العمال في المزارع عندهم ثلاجات، فلا يوجد رجل إلا وفي بيته ثلاجة، لماذا الثلاجة؟ من أجل اللحمة، فهناك لحم ودجاج وسمك في كل ثلاجة.

    وبعض الناس يتضايق من عزيمتك له لماذا؟ لأنه أهنأ له أن يأكل لقمته مع زوجته وأولاده من أن يأتي يأكلها معك، فأنت تحرجه في هذه الدعوة وتجعله بين خيارين ويأتي وهو كاره يريد أن يأكل مع أهله أو يرفض وتزعل عليه: والله عزمت فلان وما جاءني، إذن لا أذهب إليه، ويتقاطع الناس بسبب هذه المشكلة، دع الناس في بيوتهم يا أخي، وبدل الخروف الذي تشتريه بثلاثمائة أو بتسعمائة، وطبيخ ويتشحط في دمه وفي سمنه خذ كيلو أو نصف كيلو واطبخها مرة واحدة وقربها للضيف وقل: كل لحالك إلى أن تشبع، ويكمل ويقول: الله يجزيك الخير ويكرمك الجنة، وبعدين يفرح بك إذا رآك بعد شهر وشهرين لكي يعطيك كيلو مثله ويهنأ الطعام، لا خسرت أنت ولا تعب هو، وريحت الناس كلهم في تلك العزيمة.

    أحد الإخوان يقول: والله مرة أحدهم ذبح لي خروفين وعزم الناس وبعد ذلك قال: الله يحييكم على شرف فلان. يقول: وآتي أنا ويعطوني الذنب -السبلة- ماذا أعمل بهذه! إن جئت أقوم من الصحون أريد لحماً ماذا أعمل بالشحم؟ يقول: تركت (السبلة) على رأس الصحن ما أمامي إلا الصحن كيف آكل الآن! أمد يدي من ذاك استحيت، يقول: والله ما غير أكلت سلطة وخبزة وأولئك يصدعون في اللحم والأضلاع وأنا جالس ما عندي إلا الشحمة والاسم لي والمصلحة لهم، ويوم خرجت قلت في نفسي: الله لا يخلف عليك؛ لأنه لم يؤكلني حقيقة؛ لأنه لو أراد إكرامي حقيقة لاشترى بدل الخروفين كيلو لحمة وطبخه وجعل عليه عصيدة أو أرز وسلطة وفاكهة ودعاني آكل أنا ليهناني، فهذا أفضل من هذه الشغلة.

    فلا داعي يا إخوان لهذا، وقد انتهينا من هذه الجاهلية، ولا داعي لأن أجمع الناس وأشهر بهم وأحاسبهم، أقول لفلان: لماذا لم تأتِ وقد دعوتك؟ يا أخي لا أريد أن آتي، ليس إجباراً عليّ ، أنا أريد أن آكل مع أولادي، أنا أريد أن آكل خبزة وشاي معهم ولا آكل خروفاً عندك، وأنت تحرجني إلا أحضر، مفهوم هذا إن شاء الله، لا تقولوا إني بخيل! والله ما أنا ببخيل إن شاء الله لكن معتدل.

    أهمية صلاة الفجر مع جماعة المسجد

    السؤال: أرجو منك أن تتكلم عن حكم صلاة الفجر في المسجد مع جماعة المسلمين لما نراه من التقصير في هذه الصلاة؟

    الجواب: هذه الصلاة أيها الإخوة! هي (ترمومتر) الإيمان الذي تقيس به إيمانك، دخل هذا (الترمومتر) في نفسك هل أنت مؤمن أو منافق عن طريق صلاة الفجر، فإن كنت من أهل الفجر باستمرار فاعلم أنك مؤمن، وإن كان البعيد لا يصلي الفجر في المسجد فاعلم أن البعيد منافق، الكلام هذا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن البخاري ومسلم قال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاتي العشاء والفجر) لا تذهب تدور وتقول: أنا مؤمن يا شيخ أو ما أنا مؤمن؟ نقول: أين أنت في صلاة الفجر؟ إن كنت من أهل الروضة والقيام قبل صلاة الفجر تقوم بنصف ساعة وتصلي ركعتين أو أربعاً أو ستاً، وإذا أعانك الله على ثمان وطرقت باب الله في تلك اللحظة التي لا يطرق بابه أحد فيها إلا أجابه، فرصة لك، كل واحد نائم على وجهه وأنت في تلك اللحظة تستغفر الله.

    ولهذا جاء في الحديث: (ركعتان في جوف الليل خير مما طلعت عليه الشمس وغربت) خير من الدنيا وما عليها (وينزل ربنا في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا ويقول: هل من تائب فأتوب عليه، هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له) هذا وقتك يا أخي، اغتنم الفرصة لا أحد يدعو في تلك اللحظة، الناس كلهم رقود وأنت جالس تقول: يا رب أستغفرك وأتوب إليك، ولذلك جاء في الآية الكريمة: وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18] الله أكبر! ويقول الله فيهم: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات:15-16] في جنات وعيون آخذين ما آتاهم الله من النعيم لماذا؟ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات:16-19].

    فقيام الليل من أعظم القربات، وستجد فيها صعوبة أول الأمر لكن مرن نفسك مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً وخمساً حتى يعينك الله ويقبلك، وتقوم بغير داع، كما قال الله: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ [السجدة:16] لم يقل: يتجافون، لا. جنوبهم هي التي تتجافى، فجنب الواحد لا يدعه ينام، يقول الجنب وهو جماد: قم من النوم لم نعد نريد، شبعنا من النوم تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16] ثم بعد ذلك تقوم بعد ما يؤذن تذكر الله بالأذكار التي تقال في الصباح، ثم تقرأ القرآن إن كان في وسعك، أو تصلي ركعتي الفجر في البيت ثم تذهب إلى المسجد تصلي، تفتتح يومك بطاعة الله.

    يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (من صلى البردين دخل الجنة) يعني الفجر والعصر، ويقول عليه الصلاة والسلام: (من مشى في ظلمة الليل إلى المسجد لقي الله بنور ساطع يوم القيامة) وقال: (بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة) ويقول عليه الصلاة والسلام: (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي).

    ما معنى في ذمة الله؟ يقول العلماء يعني: في عهد الله وأمانه، وأنه إن أماتك أدخلك الجنة، فهل من المعقول أن يدخلك النار وأنت في ذمته؟ أو كيف يعذبك وأنت في ذمة رب العالمين، وإن أحياك أصبت خيراً، وأنت في ذمة الله حتى تمسي: (ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح) شيء عظيم يا أخي أنك تقوم بهذا العمل: (من صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله) وقال: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل) .. وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً [الإسراء:78] فهذه يا أخي المسلم! من أعظم القربات والعبادات، وتستعين بالله على أدائها بعدة أسباب:

    أولاً: النوم المبكر، لا تسهر حتى ولو في طاعة، قال العلماء من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها) يعني العشاء، قالوا: إلا في خير، وهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن يتحدث في شر حتى يكره الحديث الذي في الشر، كان يكره حتى الحديث في الخير، ولكن جوز بعضهم أنه إذا كان لمدارسة علم أو للأمر بمعروف أو النهي عن منكر ولم يكن ديدنة باستمرار فإنه يمكن أن يسمح له، أما من يسهر من بعد صلاة العشاء إلى الساعة الثانية عشرة أو واحدة يتابع المسلسلات والأفلام والمباريات والأخبار ويلعب (البلوت والورقة والدمنة) ما هذا يا أخي هل خلقك ربي لهذه؟! أين عقلك؟ سبحان الله العظيم! أنت رجل عاقل راشد تعطي عقلك غيرك وتجلس أمام المسلسل.

    أحد الأقارب خرج من عندي وبعد أن خرج عرفت أنه ما خرج إلا لأنه أتى وقت المسلسل عن طريق أهله بأهلي، قلت: ماذا به فلان استعجل ما جلس عندنا؟ قالت: استعجل لأنه ما عندكم تلفزيون وهو يريد أن يرى المسلسل، وانعم! ما هو المسلسل الذي يراه، هو كذبة يسمونه رواية كاتب، روائي كذاب أخذ قلمه وصنف كذبة، وبعد ما صنفها قال: والله ما أدعها في الكتاب، بل لابد أن أمثلها، وأتى بثمانية كذابين من هؤلاء الممثلين وقال: نريد منكم أن تخرجوا هذه الكذبة إلى الناس، وأنت في دور الرجل وأنتِ في دور المرأة وأنت دور البنت وأنت دور السواق وأنت دور الخادم، وبعد ذلك دخلهم في استريو وأتوا بكل الوسائل وعملوا كل شيء كأنه صدق، وبعد ذلك طلعوا كل ليلة مسلسل وذاك قاعد ويقول كذا وكذا يتلفت يقول كذا، وبعضهم إذا انتهت الكذبة وكانت النهاية حزينة فيها مرض أو فيها مضاربة جلس طول الليلة حزيناً، لماذا؟! وهناك شخص دخل على امرأته وهي تبكي، قال: مالك تبكين؟! قالت: والله رأيت النهاية المؤلمة للبنت تلك المسكينة، والله لا بنت ولا غيره يا بنت الحلال، كله كذب في كذب، والكذب ما أحد يعيش معه يا إخواني، ولو أقول لكم: إني جئت من بيتي ومررت على حادث مروري مروع بين سيارتين ومات فيها عشرة أنفار، فإنكم تنـزعجون لهذا الخبر فعلاً، فإذا غلقت وأقول: ترون هذا كذب والله ما وقع ذلك، ماذا تقولون لي: الله أكبر عليك! تخذلنا وبعد ذلك تقول كذب، فهذه الروايات كلها كذب في كذب، فكيف تعيش على المسلسلات وفيها الكذب كله، فلا تتأخر في النوم مبكراً.

    ثانياً: نم على ذكر الله، مستقبلاً القبلة متوضئاً، ناوياً القيام لصلاة الفجر، نم على ذكر الله لا تنم على الأغنية، وبعضهم يقعد يبحث في الإذاعة يدخل لها من شرق إلى غرب ما يدع إذاعة إلى أن يصل إلى أغنية، فإذا وصل إليها نام، وضرب بإبليس في مسمعه وبال وجعله ينام، ولا يقوم يصلي الفجر لو تقوم الدنيا كلها ما يقوم معها؛ لأنه نام على غير ذكر الله، لكن إذا نام على ذكر الله قرأ المعوذتين، والإخلاص، وآية الكرسي وسبح الله ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وكبر الله أربعاً وثلاثين وبعد ذلك: (باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) وعند البخاري ومسلم حديث عظيم عن شداد بن أوس رضي الله عنه يقول: (إذا أتيت مضجعك فقل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت) ثمان أدعية من أعظم الكلام.

    إذا قلته فإن أصبحت قال: (فإن مات من ليلته مات على الفطرة، وإن أصبح أصاب خيراً) فتنام على ذكر الله، وتستقبل القبلة، وقبل ذلك على طهارة، وبعد ذلك تنوي في نفسك أنك تقوم؛ لأن بعضهم ينام وهو ينوي ألا يقوم؛ بل هو مصمم عليها من أول الليل، فكيف ربي يعينه على القيام وهو لا يريد أن يقوم.

    ثالثاً: تتخذ الوسائل والاحتياطات والإمكانات التي تعينك، تشتري ساعة منبه، أو تجعل صديقك إذا أتت صلاة الفجر يدق عليك التلفون، ودع التلفون عند رأسك، أو تنبه على المرأة، أو جارك في الشقة، أو جارك في المحل دق عليه.

    رابعاً: إذا سمعت طرف إشارة من ساعة أو من تلفون أو صوت مؤذن فرأساً استغل هذه الفرصة واستوِ جالساً، لا تذكر الله وأنت مستلق. لا. استو جالساً قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الحمد لله الذي أحياني لأذكر الله.

    وبعد ذلك إذا انتهيت وشعرت بأنك ثقيل قليلاً، وأنك تعبان ولا تريد أن تقوم، فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن الشيطان في تلك اللحظة يدعو كل زبانيته وشياطينه ويقول: من فضلكم! هذا لا يقوم انتبهوا دعوا أولئك الرقود المقرطسين، فهم حميرنا، هذه ركائب زينة، لكن هذا الذي يريد أن يقوم فلا تجعلوه يقوم، فيأتي الشيطان يجلب عليك برجله وخيله وشياطينه يكسلك ويقول لك: باقي كثير إلى أن يؤذن، ويأتيك مرة ثانية إذا قمت خذ لك قليل راحة، تريد تقوم وتذهب في البرد في المسجد، يأتيك بكل أسلوب حتى يرقدك، لكن إذا رأيت هذه الإيحاءات وهذه الوساوس فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم رأساً يذهب منك، إذا لم يذهب قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذه مدفعية ضد الشيطان الرجيم كما يقول الله: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200] وإذا عيا قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إلى أن تحس أنك خفيف، كلما أحسست أنك ثقيل قل: أعوذ بالله إلى أن تحس أنك خفيف؛ لأن بعض التعوذات لا تنفع، وبعض الناس يتعوذ لكن لا تصيب الشيطان؛ لأنه غشيم بالتعوذ، مثل الذي معه بندق لكنه لا يصيب الهدف، يضرب وبينه وبين الهدف كيلو، لكن متى يكون هدافاً إذا كررها، المرة الأولى لم يصب، وعرف أن بينه وبينها متر فأرخى البندق، فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم إذا لم تصب فكررها حتى تقوم، فإذا قمت انحلت عقدة، وإذا توضأت انحلت الثانية، وإذا صليت انحلت الثالثة فتصبح طيب النفس نشيطاً، أما إذا مر عليك وقت الفجر ورجع الناس من الصلاة ولم تصلِ أخبر صلى الله عليه وسلم ( أن الشيطان يبول في أذن العبد، ويقول: نم عليك ليل طويل).

    فما رأيكم في شخص بال الشيطان في مسامعه كيف يصبح؟ قال: (يصبح خبيث النفس كسلاناً).

    حكم حلق اللحية

    السؤال: ما رأي فضيلتكم فيمن يحلق لحيته، ويقول: إنني أحلقها من أجل أن تصبح اللحية كثيفة؟

    الجواب: أولاً: يا أخي ما أنا فضيلة إنما أنا أخوك.

    ثم دعها كما خلقها الله، لماذا تحارب لحيتك ماذا عملت فيك، بعض الناس ما شغلته إلا لحيته، كأن بينه وبينها عداوة، يصبح على دقنه بالسكين، حتى خضرت لحيته، بعضهم تراها كأنها عتبة مرعية من كثرة الرعي فيها والسلك، دع لحيتك في وجهك، وفر الجهد والفلوس والسكاكين التي تذبح بها لحيتك، ولا تحارب سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    والله يقول: لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4] اتركها كما خلقها الله، فالله هو الذي خلقك على هذا، وأحد الإخوة يشتكي ويقول: أنا أريد أن أترك لحيتي؛ لكن طلعت مثل الدبابيس والمسامير، فماذا أعمل بها؟ قلت: طبعاً أنت كنت تحاربها، وتريد منها أن تطلع مثل الحرير، بما أنك تعطيها السلاح تطلع لك مثل الرماح، تحاربك تتحداك تقول: والله أنا ضدك، احلقني وأنا أطلع، وكل يوم وهي تحاربك، لكن ارفع عنها السلاح واصبر شهراً أو شهرين، بعد ذلك تعرف أنك لست أنت الأول الذي كنت تحاربها، فتقول: الرجل والله أصبح صديقاً، إذاً نسالمه، فيبدأ الشعر من هنا يصير ليناً ويعلن الهدنة معك ويعلن نزع السلاح عنك، ويعود شعراً جميلاً، لكن ما دمت تحاربه يحاربك، ويتحداك أنت تحلق وهو يطلع، إلى متى؟ إلى أن تموت.

    قراءة المصحف المترجم بقصد الدعوة إلى الإسلام

    السؤال: ما رأيكم فيمن يقرأ المصحف المترجم لغير مسلم، مع العلم أنه يوجد به قرآن عربي جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: من يقرأ المصحف المترجم لغير مسلم لكي يدعوه إلى الإسلام ويبين له أحكام القرآن وأحكام الدين وشرائع الإسلام هذه دعوة عظيمة جداً ونسأل الله أن يعينه وينفع به.

    حكم إمامة غير البالغ

    السؤال: أنا طالب شاب في ثانوية أحفظ من القرآن قليلاً، ولكن بسبب تراكم المواد عليَّ لا أقدر على حفظ القرآن فما هو الحل، وهناك أخ أصغر مني ولا يحفظ الكثير ولا يحفظ أكثر مني ولكن قراءته أجمل من قراءتي، ويدرس في الصف الخامس فهل يجوز أن يتقدم في صلاة الجماعة وأنا موجود ولا فرق غير أن صوته أجمل من صوتي؟

    الجواب: أولاً بالنسبة كونك أنت طالب في الثانوية، نحن لا نطلب من الناس الآن أن يجلسوا على الشيخ ليحفظوا القرآن، نحن نطلب منهم أولاً أن يجلسوا على شيخ ليصححوا تلاوتهم بالقرآن، نطلب الشيء الذي يبقى معه وهو صحيح التلاوة والنظر، ثم يستطيع الواحد على المهل إن شاء الله أن يحفظ ما شاء الله له، وليبدأ بحفظ جزء عم أقل شيء، وجزء تبارك وقد سمع، ولا يحاول أن يغوص في أعماق القرآن ثم يفشل، يحفظ السور التي يسهل عليه حفظها.

    وأنت ما دمت طالباً في الثانوية فإن هناك طلاباً في الثانوية وفي الجامعات حفظوا مثلك وأكثر وليس هذا بالصعب لأنه سهل إن شاء الله.

    أما مسألة الإمامة لأخيك الصغير الذي في الصف الخامس لأن صوته أجمل منك فالذي يبدو وهو في الصف الخامس أن عمره إحدى عشرة سنة، يعني دخل الابتدائية وعمره ست سنوات، يعني أنه دون البلوغ ولا يجوز إمامة الشاب الذي دون البلوغ بل لا بد في الذي يؤم الناس أن يكون بالغاً، لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) يعني من أهل وجوب الصلاة، الذين وجبت عليهم الفريضة وهم البالغون يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله، فلا نأتي بشخص صغير عمره ست أو سبع سنوات وندعه يؤم الناس في الفرائض، أما في النوافل فيجوز.

    وما يحتج به بعض الناس من حديث عمرو بن سلمة رضي الله عنه الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم وجعله إماماً لهم وكان إذا سجد تنكشف عورته فكانت المرأة تقول: [غطوا عنا است صاحبكم] فهذا كان في بداية الإسلام يوم أن لم يكن هناك من يقرأ، فلا يوجد أحد يقرأ إلا عمرو بن سلمة .

    لكن بما أن هناك من يقرأ القرآن ولو كان أقل حفظاً وأقل تجويداً، فإنه هو الذي يصلي، ولا يجوز تقديم الصبي الصغير دون البلوغ إلى المسجد إلا في التراويح أو النوافل، أما في الفرائض فلا.

    من أحكام صلاة المسافر

    السؤال: سافرت إلى مكة وفي طريقي دخلت عليَّ صلاة الظهر ونويت أن أقصرها وجمعت مع صلاة العصر، وعند وجوب صلاة العصر عند مدينة الباحة وقفت عند جامع آخر وإذا بهم قد أذنوا لصلاة العصر وأنا قد أديت صلاة الظهر والعصر فهل يلحقني في ذلك شيء؟

    الجواب: بما أنك صليت في الطريق ظهراً وعصراً جمع تقديم، وأتيت إلى الباحة وهم يصلون فليس عليك صلاة، ولا تجب عليك؛ لأنك صليت وأنت مسافر، وصليتها وقت وجوبها، وهؤلاء مقيمون تجب عليهم، بإمكانك أنك تقف بسيارتك أو تمشي ولا تعيد الصلاة معهم، لكن لو دخلت المسجد معهم وخفت أنك تتهم في عرضك أنك ما صليت وأردت أن تصلي معهم نافلة، فلا شيء في ذلك إن شاء الله؛ لأنها كما يقول العلماء: نافلة ذات سبب، سببها الدرء عن عرضك، أما نافلة من غير سبب بعد العصر فلا تحل، وقد سألت الشيخ عبد العزيز بن باز في هذا الموضوع قلت: إذا دخل رجل المسجد بعد صلاة العصر ووجد الناس قد صلوا، وأراد واحد من الذين في المسجد أن يتنفل ويصلي معه لكي يعمل له جماعة يتصدق عليه، فهل يجوز بعد العصر، ونحن نعرف أنه يجوز بعد الظهر وبعد المغرب وبعد العشاء لكن بعد العصر وبعد الفجر قال: نعم يجوز بعد العصر وبعد الفجر؛ لأنها نافلة ذات سبب، سببها رغبة المسلم في أن يتصدق على أخيه المسلم فيحصل له أجر الجماعة.

    حكم المال المكتسب من العمل في الحلاقة

    السؤال: لدي محل حلاقة فما الحكم فيه، وما حكم مصدر الرزق هذا ؟

    الجواب: محل حلاقة أحد أمرين: إما حلاقة لحى أو رءوس، إن كان هذا المحل مخصص لحلاقة الرءوس فقط فليس فيه شيء، أما إن كان فيه حلق اللحى فهذه قلعة لمحاربة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز لك أن تفتح هذا المحل وأي رزق يأتيك من هذا المحل فهو حرام، محل حلاقة أو استريو أغاني أو تصليح أجهزة الأغاني، كل هذه مما يتعاون به على الباطل والله يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    حكم القيافة

    السؤال: ما رأيكم فيمن يتبع الآثار ويعرفها وهو ما يسمى (بالمري)؟

    الجواب: هذه القيافة معروفة عند العرب، وكانت للعرب قدرة على معرفة آثار الرجال، فيعرفون أثر الرجل من المرأة، وأثر المرأة البالغة من المرأة الصغيرة، وأثر المرأة الحامل من المرأة الغير حامل، ويعرفون أثر الجمل وأثر الحمير، يعرفون كل شيء، لماذا؟ طبيعة الحياة أعطتهم قدرة على أنهم يرون الأرض وأرضهم كلها رمال، والرمال تترك آثاراً، فاستطاعوا بكثرة الممارسة والخبرة أن يعرفوا ذلك، لكن ليس فيها دعاء جن ولا استعانة بالجن ولا فيها شيء إن شاء الله.

    أفضل الطرق لحفظ القرآن

    السؤال: ما هي أفضل طريقة لحفظ القرآن؟

    الجواب: أفضل طريقة لحفظ القرآن هي:

    أولاً: الاستعانة بالله قبل كل شيء.

    ثانياً: التكرار، تمسك السورة التي تريد أن تقرأها وتقسمها مثلاً سورة (ق) تقسمها إلى ثلاثة أقسام أو إلى قسمين، ثم تقرأها نظراً مرة ومرتين وثلاثاً وعشراً وعشرين نظراً إلى أن تدخل في رأسك، ليس مرة واحدة وتريد أن ظ من ثاني مرة، اقرأها نظر عشر مرات أقل شيء، بعد عشر مرات تطبق المصحف وتقول كذا ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ [ق:1-2] ثم ترى المصحف، حتى تتقن الآيتين، ثم تبدأ بآيتين غيرها، وتربط الاثنتين مع الاثنتين، ثم تبدأ في اثنتين ثم تربط الأربع تلك مع الاثنتين إلى أن تنتهي من الثلث أو النصف الذي حددته، ثم تقرؤه مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً وعشراً عن ظهر غيب، ثم مع المراجعة لا تنساه بإذن الله.

    حكم من أمر زوجته بكشف وجهها أمام إخوانه

    السؤال: لي قريبةٌ تريد تطبيق الحجاب ولكن زوجها يصر على أن تكشف وجهها على إخوانه فبم تنصحني؟

    الجواب: أنا لا أنصحك، أنت فيك خير، لكن أنصح هذا الزوج الذي يرزقه الله بمثل هذه الزوجة الصالحة تريد الحجاب، وهو يريد العري والعياذ بالله، هذا محروم شقي، ولا طاعة له، ويلزم هذه المرأة أن تتحجب رغماً عن أنفه، ولو سخط هو وإخوانه وأهله، وإذا أدى الأمر إلى أن تذهب إلى أهلها فإن لها ذلك، ولا تبقى معه، أما أنت فدورك دور إصلاحي؛ لأنك قريب للزوجة، وإذا أتيت تتدخل بين الزوج وزوجته يمكن تزيد الطين بلة، ولكن كن حكيماً عن طريق التوجيه، وشريط، والندوات، وسؤال أهل العلم فتقول له: اسأل يا أخي عن الحكم، عندي تلفون فلان اسأله هل يجوز أم أنه حرام؟ وأنت من أهل الخير، لكن تأتي تقول له: أنت مخطئ فيقول: ما دخلك بيني وبين عيالي وهذه امرأتي وما لك أي علاقة وتصير مشكلة، لكن دعها هي التي تبدأ، فإذا قالت: أنا والله ما أكشف على أحد إلا محارمي، فمن الذي سوف يأتي ويفتح وجهها لكي يراها؟ طبعاً لا أحد.

    حكم التدخين

    السؤال: ما حكم التدخين ؟

    الجواب: حكم التدخين معروف بأنه محرم بنص الأدلة الشرعية، وفيه سبعة أدلة من القرآن الكريم والسنة تدل على حرمته، ومن أراد المزيد فليرجع إلى شريط في السوق اسمه (القاتل المهذب) في حكم التدخين.

    حكم خلف الوعد

    السؤال: أنا صاحب مهنة وأعد الناس وعوداً ولكني أخلفها فهل عليَّ إثم في ذلك؟

    الجواب: نعم. يجب ألا تعد إلا وأنت صادق، فإذا وعدت بعد أسبوع وأنت تعلم أنك لن تنتهي إلا بعد عشرة أيام فقل: بعد عشرة أيام، لكن بعض الناس يعرف أنه يكذب ويعد من الآن، أما إذا وعدته وأنت جازم على أنك تفي، وبعد ذلك لم تف؛ لأجل أمر خارج عن إرادتك، فتستغفر الله وتتوب ولا تزيد، أما أكثر المهنيين كذابون؛ لأنه يقول: لو صدقت ما أحد يشغلني، مثلاً: إذا كان سباكاً وجاء إلى العمارة ترى ما أريدك إلا تشتغل في عمارتي ما عندك ولا عمل قال: ما عندي شيء فارغ، هات العقد، وأخذ العقد، وأخذ المقدم، وذهب يشتغل في عشرين عمارة، وجعل عمارتك آخر شيء؛ لأنه لو قال لك: نعم. عندي عمارات قلت: لا أريدك، لا أريدك، والرزق بيد الله وليس بالكذب على الناس.

    حكم الأذان والإقامة للمرأة

    السؤال: هل يجب على المرأة إقامة الصلاة إذا أرادت أن تصلي؟

    الجواب: لا. ليس على المرأة أذان ولا إقامة، لحديث عائشة والحديث صحيح: (ليس على المرأة أذان ولا إقامة) تأتي تصلي مباشرةً لا تؤذن ولا تقيم.

    حكم مصافحة الأجنبية خجلاً

    السؤال: إذا صافحت امرأة وأنا كاره من كل قلبي من غير إجبار؟

    الجواب: من الذي أجبرك تصافح النساء وما معنى كاره؟ بعض الناس يقول: إني أستحي من المرأة وأمد يدي لها، لا يا أخي، استح من الله قبل كل شيء، إذا مدت يدها فهذا عيب؛ لأنها تخجل ولن تمد يدها عليك بعد ذلك، لكن تخجل أنت منها وأنت تعلم أن ذلك حرام، ومن مد يده على امرأة لا تحل له جاءت يده يوم القيامة مغلولة إلى عنقه، والنبي صلى الله عليه وسلم أتين النساء يبايعنه على ألا يشركن بالله، مددن أيديهن، فقال: (إني لا أصافح النساء، وإن قولي لامرأة منكن كقول النساء للنساء) وما مد يده إلى امرأة صلوات الله وسلامه عليه.

    فأنت إذا دخلت على بيت من أقاربكم وفيه نساء يتكشفن، وهو على العادة وبعض النساء يحسبنها بسيطة، وهذه كالكهرباء، جيب السلك في السلك كيف يكون؟ وهذا جلد بجلد فيها التماس كهربائي، لا تمد يدك إذا مدت قل: لا ما يجوز، لا تصافحيني فهذا درس لها، ولن تمد يدها عليك ولا على غيرك إن شاء الله.

    أما الكلام مع ممرضة أو طبيبة تدعو إليها الضرورة، وأنت تغض بصرك، فلو اضطررت أنك تكلم ممرضة تكلمها وأنت غاض لبصرك، فلو أن زوجتك مريضة في قسم النساء وعندها ممرضة، وأنت تريد أن تشكي على الممرضة أو تطلب منها أن تفعل لها شيئاً، فتكلمها وأنت مطأطئ الرأس خجلان، ولكن بعضهم يأخذ في الكلام ويعطي ويقول: إنها ضرورة، فهذه ليست ضرورة، الضرورة أن تكلمها قدر الحاجة ولا تتلفت فيها، وغض بصرك، حتى إذا رأتك خجلت، وعرفت أنك لست ممن يلعبون.

    السنن الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: هناك بعض الناس لا يعرفون بعض المسنونات الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنرجو منك تبيينها؟

    الجواب: نريد عشرين ندوة لكي نبين السنن التي ينبغي تبيينها عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن السنن واردة وموجودة في كتب أهل العلم وعلى الأخ السائل أن يبين السنة التي يريدها، والوقت ضيق وأنا طولت عليكم.

    حكم القول بأن دراسة القرآن تعيق عن دراسة غيره

    السؤال: بعض الناس وخاصة الطلاب يقولون: الدراسة للقرآن تعطل عن دراسة الجامعة ولا ترفع المعدل؟

    الجواب: هذا كذب، والله لا يرفع معدلك إلا القرآن، ادرس القرآن والله يرفع معدلك في الجامعة، أما أن تترك القرآن لكي ترتفع معدلاتك في الجامعة، فلا.

    ولو ارتفع معدلك في الجامعة فلن يرتفع معدلك في الآخرة، لكن ادرس القرآن فإن الأمة كلها ما أثرت إلا يوم أن كانت تبدأ بالقرآن، وكان أول شيء عند الناس القرآن، وقبل ست سنوات إلى اثنا عشرة سنة كانوا يعلمون أولادهم القرآن، ثم بعد ذلك يدخلونه في العلوم فيفتح الله عليهم، لكن في الوقت الحاضر لا نعلم أولادنا القرآن فيصبحون جهالاً، والعياذ بالله؛ لأن الذي يتعلم القرآن يقيم لسانه ولغته، وينور الله قبله، فيسعده في الدنيا والآخرة، لكن ذلك الأعمى الذي لم يعرف من القرآن شيئاً، فهو أعمى إلى أن يموت والعياذ بالله.

    حكم إمامة المتنفل بالمفترض والعكس

    السؤال: هل يؤم المتنفل صاحب النافلة أم العكس؟

    الجواب: كلاهما جائز، فإذا كان المتنفل هذا قارئ جاز أن يؤم صاحب الفريضة إذا كان غيره؛ لأن معاذ بن جبل كان يصلي إماماً بأهل قباء ، وكان يصلي مفترضاً مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يعود إلى أهل قباء فيصلي بهم النافلة وهو إمام، فتجوز إمامة المتنفل بالمفترض والعكس، فإذا كنت تريد أن تتصدق على شخص وأنت قارئ، وقدمك تصلي به فصل به، وصلاتك صحيحة إن شاء الله.

    حكم نسيان القرآن بعد حفظه

    السؤال: ما حكم من يحفظ القرآن أو شيئاً منه ثم ينساه؟

    الجواب: ورد حديث عند الترمذي ولكنه ضعيف ولا يحتج به، وهو: (عرضت عليَّ أجور أمتي فرأيت فيها القذارة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليَّ ذنوب أمتي فلم أر فيها ذنباً أعظم من رجل أوتي شيئاً من القرآن ثم نسيه) والعلماء يقولون: هذا الحديث ليس على إطلاقه وإنما نحمله إذا أردنا الاستشهاد به على من نسي القرآن عن طريق الإهمال وعدم المراجعة والمذاكرة له، يعني شخص حفظ القرآن، ثم بعد ذلك أهمله، فهذا لا شك أنه يأثم لأنه يعتبر هاجراً، أما من يقرأ القرآن وحفظه وداوم عليه باستمرار ولكن يتفلت منه وينساه من غير اختيار منه، وإنما لضعف ذاكرته أو لعدم إحاطته وقدرته على المراجعة الشاملة باستمرار؛ فإن ذلك إن شاء الله معفو عنه ولا يؤاخذ عليه؛ لأنه خارج عن إرادته.

    أما من هجر القرآن وتركه وأهمله ولم يرفع به رأساً، وقد حفظه ثم تركه حتى نسيه، لا شك أن هذا يتعرض لوعيد شديد، نعوذ بالله وإياكم من ذلك.

    نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل التفرق من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي فينا ولا معنا ولا منا شقياً ولا محروماً، إنه على كل شيء قدير، والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.