إسلام ويب

كيف تنال محبة الله؟للشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أعظم ما يحصل عليه الإنسان من نعمة هي محبة الله سبحانه وتعالى .. محبة العلي الكبير .. محبة الغفور الرحيم، والله سبحانه إذا أحب عبداً حفظه وكلأه في الدنيا والآخرة؛ لذلك لابد على العبد أن يحرص على نيل محبة الله، متتبعاً في ذلك كل ما يحبه الله من الأعمال والأقوال، ومعرضاً عن كل ما يوجب بغض الله وغضبه، وقد ذكر الشيخ حفظه الله عشرة أسباب ينال بها العبد محبة الله ورضوانه وحمايته سبحانه وتعالى.

    1.   

    الذين يحبهم الله

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    أيها الإخوة في الله! يروي أهل السنن دعاءً مأثوراً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأفضل الأدعية، وأعظم الأذكار ما كان مأثوراً عنه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه أعرف الناس بربه، وأعبدهم لله عز وجل، فإذا أردت أن تدعو أو أن تذكر الله، فابحث عن الدعاء المأثور الذي نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مانع من أن تدعو بما شئت ولكن إن أردت الأفضل فأفضل الدعاء هو دعاؤه صلوات الله وسلامه عليه.

    أُثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عملٍ يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إليَّ من نفسي وأهلي، ومن الماء البارد على الظمأ) هذا الدعاء يتضمن رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في نيل محبة الله عز وجل؛ لأنه إذا أُحب من قبل الله فقد ضمن النجاة، إذ أن الله إذا أحب عبداً لم يعذبه، إذا أحب عبداً تولاه، إذا أحب عبداً سدده ووفقه وهداه، فكان يسأل صلوات الله وسلامه عليه من ربه أن يرزقه حبه، وحب كل عملٍ يقربه إلى حبه، ثم يطلب أن يكون حبه لله أحب إليه من النفس ومن الأهل ومن الماء البارد على الظمأ.

    وأيضاً يروي الترمذي مع أهل السنن حديثاً آخر فيه دعاءٌ مماثل يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم ارزقني حبك، وحب من ينفعني حبه عندك) تأملوا دقة الألفاظ النبوية.

    ثم يقول: (اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوةً لي فيما تحب) أي: ما رزقتني من مال، وما رزقتني من جمال، وما رزقتني من منصب، وما رزقتني من جاه، وما رزقتني من أولاد، وما رزقتني من زوجات، وما رزقتني من ثروات (اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوةً لي على ما تحب) صلواته وسلامه على الرسول صلى الله عليه وسلم، اجعل المال الذي رزقتني وأنا أحبه قوةً لي فيما تحبه من العمل الصالح، واجعل المنصب الذي أنا أحبه قوةً أستعين به على ما تحب من العمل الصالح، واجعل الزوجة والأولاد والجاه والعمارة والسيارة، واجعل كل شيء رزقتني وأنا أحبه قوةً لي فيما تحب.

    إذ أن من الناس من يرزق من هذه النعم فيجعله قوةً على ما يبغضه الله عز وجل، يستعين بالمال على معصية الله، ويستعين بالمنصب على معصية الله، ويستعين بالزوجة على معصية الله، ويستعين بالأولاد على معصية الله، ويصرف كل هذه النعم التي مَنَّ الله بها عليه في معصية الله، فيستعيذ النبي صلى الله عليه وسلم بالله، ويسأل الله عز وجل أن يجعل كل ما يرزق مما يحب عوناً وقوةً له فيما يحب تبارك وتعالى.

    ويقول: (اللهم اجعل ما زويت عني مما أحب) ما زويت وما صرفت ولم تعطني إياه مما أحب.

    وحب الطمع: لا تطمع فيما عند الناس؛ لأن الناس لا يملكون شيئاً أصلاً، والناس أيضاً فقراء، والله لو كان الشخص منهم مليونيراً وعنده ملايين الدنيا فإنه فقير؛ لماذا؟ يخاف على المال، لكن إذا طمعت فيما عند الله عز وجل أغناك الله، وعلم الله منك صدق التوجه واليقين، وصدق العبودية فيغنيك الله من فضله، ولا تطمع فيما في أيديهم فيعطيك الله، فازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس، واطمع فيما عند الله يحبك الله تبارك وتعالى.

    الأذلة للمؤمنين الأعزة على الكافرين

    فعليك يا أخي! أن تجعل همك الأول والأخير كيف تنال محبة الله عز وجل، وقد جاءت الأوصاف في الآيات الكريمة وفي الأحاديث النبوية تبين من هم الذين يحبهم الله عز وجل، فيقول عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54] هذه صفاتهم: أذلةٍ على المؤمنين: رحماء، وأرقاء، ومتواضعين، ومتعاطفين كالعبد لسيده، وكالوالد لولده، لكن لمن؟ للمؤمنين وفي المقابل أعزة على الكافرين، أشداء كالأسد على فريسته، وكالعقاب على طريدته، لكن على من؟ على الكفار. انظروا كيف الخلق؟ الإنسان ذو شخصيتين وهو مؤمن يحمل شخصيتين: شخصية الذلة والتواضع والرحمة والعطف والتسامح، وعدم الأخذ على الأخ، والتغاضي عنه والعفو عن زلته لكن للمؤمنين، أما على الكفار فأسد هصور لا يذل، لكن هل المؤمنون الآن في هذا الوضع؟! لا. إلا من رحم الله، فهم -الآن- أعزة على المؤمنين وأذلة على الكفار ولا حول ولا قوة إلا بالله! هؤلاء لا يحبون الله ولا يحبهم الله.

    من هم الذين يحبهم الله ويحبونه؟ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] لأنهم اتصفوا بهذه الصفات وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] بعد أن اتصفوا بهذه الصفات، لم يحبهم إلا لاتصافهم بها، ولم يعملوا هذه الصفات ولم يذلوا للمؤمنين ويعزوا أنفسهم على الكفار إلا لأنهم يحبون الله عز وجل: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه [المائدة:54] بالنفس والمال واللسان، لا تأخذهم في الله لومة لائم، هذه علامة صدق محبتهم في الله؛ لأن المحب الذي يخاف اللوم في محبوبه ليس بمحبٍ على الحقيقة، يقول:

    أجد الملامة في هواك لذيذةً     حباً لذكرك فليلمني اللَّوم

    يقول: إذا لاموني أني أحبك فرحت وأجد الملامة لذيذة من أجل أن أتذكرك، ويقول:

    إذا مرضنا تداوينا بذكركم     فنترك الذكر أحياناً فننتكس

    فذكر الله عز وجل أعظم شيء عند المؤمن حتى أنهم لا يخافون في الله لومة لائم، من يلومهم وهم في طاعة الله؟ لا يخشون أحداً إلا الله.

    من الناس الآن من يخشى ملامة الناس في طاعة الله، يريد أن يطلق لحيته فيقول: الناس يلومونني عندما أطلق لحيتي، سبحان الله! أتخشى في الله لومة لائم؟ يريد -مثلاً- أن يلتزم بطاعة الله فيقول: الناس يلقبونني (مطوعاً) ويصنفونني في مكان! أتخشى في الله لومة لائم؟

    يريد أن يقيم مشروعاً، يريد أن يغير منكراً، يريد أن يعمل عملاً صالحاً فيراقب الناس، هذا يخشى في الله لومة لائم، فهذا ليس ممن يحبهم الله، ولا ممن يحبون الله، فالذين يحبهم الله ويحبونه لا يخافون في الله لومة لائم، يخافون الله فقط، أما غير الله فلا يخشونه، ولا يخافون لومته؛ لأنهم يخافون الله ويخشونه ويحبونه، ويحبهم الله سبحانه وتعالى.

    أهل الصبر

    أيضاً الذين يحبهم الله كثير وقد ذكرهم الله في القرآن وفي السنة، يقول عز وجل: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران:146] يحب من يتصف بصفة الصبر، والصبر هو نصف الدين، الصبر هو القاعدة التي يقوم عليها الدين، والذي لا يصبر لا يمكن أن يكون مؤمناً، لابد من الصبر في طاعة الله، ولابد من الصبر عن معصية الله، ولابد من الصبر على أقدار الله المؤلمة.

    أتريد أن تمارس العبادة بدون صبر؟! لا. لا يمكن، فالعبادة مشقة، كونك تصلي الصلوات الخمس، كونك تقوم جزءاً من الليل، كونك تصوم، كونك تزكي، كونك تحج، كونك تعتمر، كونك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر أو تقرأ أو تذكر أو تدعو، هذا جهد لابد فيه من ممارسة ومعاناة.

    ولابد من صبر عن معصية الله؛ لأن في ترك المعاصي مشقة، والمعاصي محببة إلى النفس، والأغاني محببة، والنظر المحرم محبب، والغفلة محببة، والغيبة والنميمة محببة، والنوم والفراش الوفير والزوجة الجميلة والمتعة والشهوات، والأغاني والخمور والزنا كل هذه شهوات محببة، لكن المؤمن يحجز نفسه عنها ويستعين على ذلك بالصبر: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45].. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153] فالصبر إذا تحليت به كنت ممن يحبهم الله بنص القرآن، يقول الله عز وجل : وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران:146].

    أهل الإحسان

    وأيضاً يقول الله عز وجل: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] المحسن هو: الذي بلغ مرتبةً من مراتب الدين هي أعلى المراتب، فمراتب الدين ثلاثة:

    المرتبة الأولى: الإسلام.

    والمرتبة الثانية: الإيمان.

    والمرتبة الثالثة: الإحسان.

    والناس يتفاوتون -فدوائر الدين والمكلفين هي خمس دوائر- الدائرة الأولى أوسع دائرة، وهي دائرة الكفار، والدائرة الثانية: دائرة المنافقين، والدائرة الثالثة: دائرة المسلمين، والدائرة الرابعة: دائرة المؤمنين، والدائرة الأخيرة: دائرة المحسنين، هذه لا يدخلها إلا قليل من الناس، وقد عرفها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه) أي: أن تنكشف أمامك الحُجب، وتزول عن عينيك الحواجز والموانع، وتصبح تمارس العبادة كأنك ترى الله، تراقب الله كأنك تراه، تشعر برقابة الله عليك في جوف الليل وأنت ليس معك إلا الله فتمتنع عن المعاصي، تمر يدك على الإذاعة وتسمع أغنية كنت تتقطع لها وتحبها، وليس هناك من يراك أو يسمعك لكنك تعلم أن الله يراك، فتغلق (الراديو) وتزيل المؤشر منه خوفاً من الله، هذه مرتبة الإحسان، تمر في الشارع فترى امرأة متبرجة فاتنة وليس هناك من يراك لو نظرت إليها لكنك تعلم أن عين الله تراك، سئل الحسن البصري : بم نستعين على غض البصر؟ قال: [بعلمك بأن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه] فإذا تيقنت هذا وعرفت أن الله ينظر إليك غضضت بصرك خوفاً من الله، وهذا هو معنى الإحسان، وهذه درجته، فالله يحب المحسنين، والمحسن هو: الذي يمارس عمله على أحسن درجة من الأداء، محسن في صلاته، محسن في زكاته، تجد الرجل والرجل يصليان وبينهما كما بين السماء والأرض، وشخص قلبه بين يدي الله وآخر قلبه في الحمامات.

    نعم. بعض الناس لا يفكر في صلاته إلا في أقذر شيء، بعضهم يفكر في صلاته في الحرام، كيف يصنع؟ كيف يغني؟! وهو في الصلاة يخطط للمعاصي -والعياذ بالله- وهما يصليان هذا محسنٌ وهذا مسيء، وسمي مسيئاً بنص الحديث، المسيء في صلاته لما عجل فيها وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ارجع فصلِ فإنك لم تصلِ) بينما المحسن هو الذي يمارس أداء العبادة على أحسن قدر من الإتقان، ولهذا كتب الله الإحسان في كل شيء حتى في الذبح وأنت تذبح.. الذبح موت وليس إحساناً، فهو إساءة وموت، لكن أحسن فيه، كيف تحسن؟ أرح الذبيحة، وحد شفرتك، وأجهز عليها: (وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) هذا من الإحسان كما قال صلى الله عليه وسلم، فالله يقول: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] وأيضاً هذه الآيات منطوقها يتضمن مفهومها: أن الله لا يحب غير الصابرين، وأن الله لا يحب غير المحسنين.

    التوابون المتطهرون

    أيضاً يقول عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222] والتواب هنا صيغة مبالغة، لم يقل هنا: يحب التائبين، قال: (يحب التوابين) كثير التوبة الذي كلما وقع في ذنبٍ تاب إلى الله، والذي يستغفر الله في كل حين، والذي يتوب إلى الله في كل لحظة وفي كل وقت من الخلل الذي قد يقع فيه أثناء حياته ومعيشته في هذه الدنيا، فالله يحب التوابين ويحب المتطهرين.

    المتطهر: هو الذي يتطهر ويتزكى ويترفع عن الآثام، وعن الذنوب، والمعاصي، وأيضاً يتطهر ظاهراً وباطناً، فظاهراً عن النجاسات، وباطناً عن المعاصي والذنوب والحماقات التي تبعده عن الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222].. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً [الصف:4] هذه خاصة بالمجاهدين في أول سورة الصف: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ [البقرة:222] وفي آية كريمة يقول الله عز وجل: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران:76] الذين يجعلون بينهم وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره وترك معصيته.

    1.   

    صفات لا يحبها الله سبحانه وتعالى

    الله عز وجل لا يحب أشياء كثيرة ذكرها الله في القرآن الكريم، منها ما في قوله عز وجل: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:205] ما هو الفساد؟

    الفساد هو: عمل ضد الإصلاح، هناك إصلاح وهناك إفساد، فالإصلاح يكون على منهج الله، والإفساد يكون ضد منهج الله، والمنافقون يفسدون ولا يصلحون: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة:11] يتصورون عملهم السيئ الذي هو إفساد إصلاحاً، وهو في الحقيقة إفساد، قال الله عز وجل: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:12] فالله لا يحبهم ولا يحب عملهم: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:205]..

    الفخر والاختيال في الأرض

    وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:23] مختال ومتكبر، ومتعجرف ومتعالٍ، ومتعاظم على الناس لا يحبه الله؛ لأنه يجهل نفسه، فالذي يعرف نفسه لا يختال ولا يتكبر، الذي يعرف نفسه يعرف حقيقتها أنه عبد وأنه ضعيف، وأن الكبرياء والعظمة والاختيال كلها لله، ليست لك.

    أيها الإنسان: تواضع حتى يحبك الله؛ فالله لا يحب كل مختالٍ فخور.

    الظلم بجميع صوره وأشكاله

    وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران:57] الظلم بكل صوره وأشكاله، ظلم العبد لنفسه بالمعاصي، وظلم العبد لربه بمزاولة الشرك وصرف العبادة عن الله، ظلم العبد لغيره بالعدوان على حقه من مالٍ أو عرضٍ أو دم، فهذا يعرض الإنسان لبغض الله ولعدم محبة الله؛ لأن الله لا يحب الظالمين: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً [النساء:36] وفي الحديث يقول عليه الصلاة والسلام: (أحب الأعمال إلى الله: الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم جهادٌ في سبيل الله) وفي آخر يقول عليه الصلاة والسلام وقد سئُل عن أحب الأعمال إلى الله : (إيمانٌ بالله، قيل: ثم أي؟ قال: جهادٌ في سبيل الله، قيل: ثم أي؟ قال: حجٌ مبرور) ويذكر صلوات الله وسلامه عليه يوماً من الأيام أحب الأعمال إلى الله فيقول : (أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل) لأن القليل مع الاستمرار يفعل فعلة في القلب وفي السلوك أعظم من كثير مع الانقطاع.

    ويضرب العلماء هذا المثل يقولون: ائتِ بإناء واجعله يقطر قطرات على صخر وانتظر ثم ائتِ بعد فترة تجد القطرات هذه قد حفرت حفرة في الصخر.

    قطرة وقطرة وقطرة، كل يوم تجدها تتقاطر، تعال بعد فترة تجد هذا الحجر قد نقر وأصبحت فيه حفرة بتأثير قطرات الماء؛ لأنها مستمرة، لكن اجمع هذا الماء كله في إناءٍ واحد ثم صبه دفعةً واحدة على الحجر هل يؤثر في الحجر؟ لا يؤثر فيها ولو كان واحداً من مليون من الملي، لا يمكن لماذا؟ لأنه عارض.

    كذلك عمل العبادة إذا داومت عليها أثرت في قلبك، ونقشت في قلبك محبة الله، وفي حياتك مراقبة الله عن طريق مداومتك، إذا داومت على صيام يوم، أو على قيام يوم، أو على أذكار معينة، أو على صدقة معينة، أو على قراءة قرآن بجزء معين من القرآن فإنه يؤثر في قلبك حدد لنفسك في القرآن تلاوة أن تتلو كل يوم جزءاً، وداوم عليه وهذا أحب الأعمال إلى الله، أحب من أن تقرأ في يومٍ واحدٍ ثلاثين جزءاً ثم تترك المصحف عشرة أيام أو عشرين يوماً أو شهراً كاملاً، لكن اقرأ كل يوم جزءاً باستمرار وبانتظام عظيم، حدد لنفسك ركعتين في جوف الليل قبل صلاة الفجر أو في أي وقت من الليل أفضل من أن تقوم ليلة من الليالي ثمان ركعات وتترك القيام أسبوعاً أو أسبوعين؛ لأن (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل).

    1.   

    أسباب نيل محبة الله سبحانه وتعالى

    أما السؤال أيها الإخوة! كيف تنال محبة الله؟ وهو عنوان الدرس، متى يبلغ العبد هذه المحبة؟ ومتى يصل إليها؟ وكيف ينالها ويحصل عليها؟

    يذكر ابن القيم في كتابه العظيم مدارج السالكين أسباباً، فهذه عشرة أسباب يستطيع المؤمن والمسلم أن ينال بها محبة الله عز وجل إذا داوم عليها، وهذه الأسباب أسباب عملية نريد أن يأخذها الشخص كمنهج، وهذه ثمرة حِلق العلم وحضور الدروس والمحاضرات، يجب أن يكون لها أثر ومردود عليك بأن تجد من نفسك تحولاً وتعديلاً، وتغيراً في كل محاضرة تحضرها، أما أن تحضر وتسمع وتخرج ولا تتأثر فهذا لا ينفع، وهذا كان شأن الصحابة رضي الله عنهم مالك بن الحويرث رضي الله عنه جلس مع النبي عشرين يوماً ورجع معلماً لأهله في الدين، وهو الذي روى حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) وهو الذي روى حديث جلسة الاستراحة، كثير من الصحابة بعضهم ما جلس مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا يوماً أو يومين ورجعوا دعاة إلى الله.

    الجن سمعوا الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ في وادي نخلة لما رجع صلى الله عليه وسلم من الطائف مكلوماً مطروداً وجلس في الوادي وإذا بجن كانوا مسافرين من الشام إلى اليمن سمعوه، فلما سمعوه رجعوا إلى قومهم منذرين فقالوا: يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [الأحقاف:30].. ولو إلى قومهم منذرين يدعونهم ويقولون: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ [الأحقاف:31].

    فلابد أيها الإخوة! أن تكون مجالسنا مجالس علم وعمل، نستفيد منها ونأخذ منها فوائد بحيث نطبقها ونرجع إلى بيوتنا للمحاسبة والمعاتبة والمراقبة للنفس، بحيث أستفيد من كل جلسة، أي عمل أتعلمه أحوله إلى سلوك أسير عليه، وهذه الأسباب العشرة لنيل محبة الله هي:

    قراءة القرآن الكريم وتدبره

    أولها: قراءة القرآن الكريم بالتدبر والتمعن؛ لأن القرآن كلام الله عز وجل، وهو خطاب الله وإلى أهل الأرض، والذي يكثر منه يدل ذلك على محبته لله، وإذا أكثرت من تلاوة كلام الله عز وجل أحبك الله الذي لا إله إلا هو.

    لو أتتك رسالة من حبيبك أو من صديقك أو من أبيك أو أمك أو من زوجتك -وبالطبع نحن نتكلم مع أهل الإيمان في رسائل الطهر والعفة، لا نقول رسالة من حبيبتك، وإن كانت حبيبة على الحرام فهي لعينة شيطانة رجيمة؛ تحبك الآن لكنها تلعنك وتلعنها يوم القيامة؛ لأنه حبٌ أقيم على معصية الله، حبٌ أقيم على الحرام، فلا يجوز هذا، وإنما نعني الحب الحلال حبك لزوجتك- وأنت مسافر وتأتيك رسالة منها تقرؤها القراءة الأولى، والقراءة الثانية، والقراءة الثالثة، وكلما ضاق صدرك أخذت رسالتها وقرأتها، وكلما قرأتها انشرحت نفسك، هذه رسالة محبوبك من الأرض، حسناً.. فرسالة محبوبك في السماء، رسالة الله إليك، خطاب الله إليك، كلما قرأته أحببت ربك، وكلما قرأته أحبك ربك.

    ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (من أراد أن يناجي ربه فليقرأ القرآن أو ليقم إلى الصلاة) والذي يقرأ القرآن كما جاء في الأحاديث له ثوابٌ عظيم عند الله عز وجل حتى ينال به أعلى الدرجات، يقول عليه الصلاة والسلام : (من قرأ حرفاً من القرآن كان له حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) أي: إذا قلت: (ألم) كتب الله لك ثلاثين حسنة، إذا قرأت سورة الإخلاص عدد حروفها ستة و(66) حرفاً كتب الله لك (66) حسنة، إذا قرأت سورة الفاتحة عددها (150) بـ(1500) حسنة، إذا قرأت صفحةً من القرآن -في مصحف المدينة المنورة - هذا المصحف في كل صفحة (15) سطراً، وفي كل سطر (40) حرفاً، في المتوسط (15×40) (600) حرف، إذا قرأت صفحةً واحدةً كتب الله لك (6000) حسنة، وفي كل جزءٍ (20) صفحة، إذا قرأت جزءاً واحداً كتب الله لك مائة وعشرين ألف حسنة، إذا كان وردك اليومي من القرآن جزءاً واحداً تقرؤه في ربع ساعة، أو في ثلث ساعة، أو في نصف ساعة على أبعد التقدير يسجل الله لك مائة وعشرين ألف حسنة، من الذي يأتي بهذه التجارة إلا تالي القرآن، عظيم جداً.

    يقول عليه الصلاة والسلام : (الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة -مع الملائكة- والذي يقرأ القرآن وويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران: أجر المشقة وأجر التلاوة) فتلاوة القرآن من أعظم الأذكار ومن أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله، فإذا أكثرت من التلاوة فإن الله عز وجل يحبك، والله قد أمر بالقرآن وبالتلاوة فقال في القرآن الكريم: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45] ويقول عز وجل: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل:4] ويثني الله على أهل القرآن فيقول: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:29-30].

    والذي يقرأ القرآن -أيها الإخوة- يحفظ من الزيغ، يثبت على الدين، ما عهدنا وما علمنا رجلاً داوم على تلاوة القرآن وعكف على قراءته إلا وثبته الله، الذين يضلون وينحرفون وينتكسون، ويضعفون ويتراخون ويميلون؛ هؤلاء هم الذين هجروا القرآن، يقول الله عز وجل: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان:32] فيثبتك الله على الإيمان إذا داومت على تلاوة القرآن، فاجعل لك ورداً من القرآن، وانتبه واحذر! أن تنسى القرآن إذا كنت حفظته، احذر أن تهجر القرآن إذا كنت تقرؤه، لابد أن يكون لك ورد معين من كتاب الله، تقرؤه كل يوم، إما في الليل أو في النهار أو قبل النوم، وأحسن الأوقات -كما يقول بعض أهل العلم- للتلاوة: هو الذي يسبق الصلاة، أي: أن تعود نفسك باستمرار ألا يؤذن إلا وأنت في المسجد، لا تأت الصلاة متأخراً إذا أذن المؤذن جلست ثم قمت تتوضأ إذا قربت الصلاة، ثم تهاونت إلى أن تقام الصلاة، ثم تأتي وقد فاتتك تكبيرة الإحرام، وقد تفوتك الركعة الأولى أو الثانية، وبعضهم تفوته الصلاة كلها، لا. عندك ساعة وتعرف الأوقات يؤذن للعشاء -مثلاً- الساعة الثامنة إلا عشر دقائق حاول أن تخرج من بيتك الثامنة خمس عشرة خمس بحيث تدخل ثمانية إلا عشر أو تدخل قبل الأذان فتصلي ركعتين ثم تجلس، ومعك وقت ما بين الأذان والإقامة (ربع ساعة) (ثلث ساعة) (خمسة وعشرين) دقيقة يمكن أن تقرأ فيها جزءاً، في الفجر كذلك، في الظهر كذلك، في العصر كذلك، إذا داومت على هذا ربح عظيم، يمكن أنك تقرأ خمسة أجزاء، تستطيع أن تقرأ في كل جلسة جزءاً، فتكون خمسة أجزاء، فإذا لم تقدر فثلاثة أجزاء بحيث تختم في كل عشرة أيام، أقل شيء أن تختم في كل شهر مرة، هذا أقل شيء، جهد المقل، ولكن فيه بركة كبيرة جداً.

    هذا أول سبب من أسباب نيل محبة الله، وهو ممكن، أليس ممكناً أيها الإخوة؟!

    هل هناك صعوبة بأن نقرأ القرآن نحن الذين جعل الله ألسنتنا ألسنة عربية؟ هذه نعمة من نعم الله علينا أيها الإخوة! هناك إخوة لكم في بلاد العالم الإسلامي في الباكستان وفي الهند وفي أفريقيا وفي الشرق وفي الغرب ألسنتهم أعجمية لا يستطيعون قراءة القرآن، ويجدون صعوبة في النطق به، ويبذلون من أعمارهم السنوات الطوال حتى يتعلمون كيف ينطقون بالقرآن، ثم إذا جاء أحدهم يقرأ القرآن لا يدري ما معناه، يقرؤه ويجوده ولا يدري معنى حرف واحد، وأنت تعرف معناه بسهولة، وتجد ثوابه بسهولة ثم تترك القرآن بعد هذه النعمة!!

    هذه علامة من علامات عدم محبتك لذكر الله عز وجل -أيها الإنسان البعيد- أما إذا قرأت القرآن وداومت على تلاوة القرآن فإن هذا من أعظم العلامات على حبك لله، وبالتالي سوف يحبك الله تبارك وتعالى.

    كثرة التقرب إلى الله بالنوافل

    الثاني: كثرة التقرب إلى الله بالنوافل بعد أداء الفرائض: والدليل على هذا حديث في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل (ما تقرب إليَّ عبدي بعمل أحب إليَّ مما افترضته عليه) أعظم عمل تتقرب به إلى الله هو الفريضة؛ لأنها شيء مطلوب محتم عليك، ولابد أن تأتي به، فمن فضل الله أن جعله محبوباً عنده كأعظم ما يكون ما دام أنك ملتزم به، لكن لا يكفي بأن تنال به محبة الله، صحيح أن العمل الذي تقدمه من صلاتك للفريضة محبوبٌ عند الله، لكن لا تنال بهذا العمل محبة الله فمحبة الله لك أنت تنالها بشيء آخر، قال: (ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه).

    (حتى) هنا للغاية أي: العبد يتقرب يصلي الفريضة ويقول: لا يا ربِّ هذه الفريضة مفروضة مني، مفروغ منها، مالي فضل فيها، أريد أن أقدم شيئاً زائداً عليها حتى أحبك، فأنا أصوم الفريضة، وأصوم معها النافلة، وأنا أصلي الفريضة وأصلي معها النافلة، وأنا أقرأ القرآن نافلة، وأنا أحج فريضة، وأعمل معها نافلة، وأنا أتصدق بفريضة الزكاة وأعمل معها نافلة، لماذا؟ قال: لأنال محبة الله.

    (ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه) فيصبح العبد ربانياً مثل ما قال الجنيد : بالله يقسم، وبالله يسمع، وبالله يبطش، وبالله يسير، يقول عز وجل: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها).

    ما معنى هذا الكلام؟! قال العلماء: معناه: أنه يبصر بالله فلا تقع عينه إلا على ما يحبه الله، ويسمع بالله فلا تسمع أذنه إلا ما يحبه الله، ولا تسير رجله إلا إلى ما يحبه الله، ولا تمتد يده إلا إلى ما يحبه الله، أصبح عبداً ربانياً يسير في كل شئونه على أمر الله عز وجل.

    متى نال هذه الدرجة؟ ومتى بلغ هذه المنزلة؟ بالنوافل، قال العلماء: النوافل هي إدامة الطرق على باب الله، تطرق باب الله عز وجل بالفريضة فيفتح لك، لكن بعد الطرق والفتح تديم وتزيد فيفتح لك أكثر، وتقبل أكثر، وتنال محبة الله عز وجل.

    ولذا كان السلف رضي الله عنهم يتنافسون في هذا المجال منافسة عظيمة: كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18] كانوا يصومون كثيراً، ويتصدقون كثيراً، ويجاهدون كثيراً، ويقرءون كثيراً، ويذكرون كثيراً يتنافسون في العمل هذا، لماذا؟ لينالوا محبة الله عز وجل، ونحن نريد -أيها الإخوة- أن نصبغ أنفسنا بهذه الصبغة، لا نريد لشبابنا.

    ولا من شباب الصحوة فينا أن يجعلوا اهتماماتهم اهتمامات لا جدوى منها، نريد أن يصلحوا أول شيء البواطن من الداخل، صحيح أن من الناس من يتحرك قلبه من الداخل، ثم بعد ذلك ينطلق فيرى منكرات ويرى آثاماً ومعاصي، فيضطر أن يصطدم بها ويعمل على إزالتها؛ لكن يهمل جانب الإيمان هنا، فتجده لا يصلي الفريضة في المسجد وهو يتقطع قلبه على الدين، تفوته صلاة الفريضة وينام عنها، وتجده لا يصلي نافلة في الليل، لا يصوم النافلة، يقصر في النوافل فيحرم أعظم شيء وهو محبة الله عز وجل.

    قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه) فتصبح العلاقة بينه وبين الله علاقة قوية، بمجرد السؤال يعطيه الله، والتعبير هنا (لأعطينه) مؤكد بمؤكدين: لام القسم ونون التوكيد المثقلة (لأعطينه) ما قال أعطيه (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) ثم قال في رواية ليست للبخاري رواية في السنن : (وما ترددت في شيءٍ أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولابد له منه) هذا الثاني -أيها الإخوة- كثرة النوافل.

    دوام ذكر الله

    الثالث: دوام ذكر الله؛ لأن من أحب شيئاً أكثر من ذكره، الذين يحبون الرياضة يكثرون من ذكرها، ويقرءون الجرائد ويفتحون على الصفحات الرياضية مباشرةً، ويحبون أخبار الدوري، وأخبار الكأس، وأخبار البطل، وأخبار الوصيف، وأخبار النجم، وأخبار هذه الأشياء، لماذا؟ لأنهم أحبوها. والذين يحبون السيارات والموديلات يتابعون أخبارها: الأمريكي والياباني والألماني والجديد، حتى أن بعضهم ليعرف السيارة على بعد كيلو متر يقول: هذه موديل واحد وتسعين، وما يدريك؟ قال: (الطيس). والثاني قال: هذه (91)، قلت: بماذا؟ قال: لوحة سوداء يضعونها عند الكَفَر، واحد أنا والله ما أدري، قلت: كيف تفرق بين (90) و(91)، قال: بهذه (طرنبيل) قطعة بلاستيك سوداء علقوها عند الكَفر الأخير، هذا الفارق بين (91) و(90)، والشخص الذي معه (90) يذهب بسيارته يبدل الرخصة تكون واحد وتسعين، لماذا؟ قال: فيها (طرنبيل)، والثاني، قال: فيها مرايا جيدة ورهيبة، و(الطيس) تولع، لا حول ولا قوة إلا بالله! كيف استخف الناس بعقولنا إلى هذه الدرجة!

    أتدرون -أيها الإخوة- أن هذه الأساليب أساليب الكفار؟ أساليب اليهود الذين يغرقون الأسواق الإسلامية بالسلع الاستهلاكية الرخيصة من أجل امتصاص ثرواتها، فهم يجددون ويضعون لنا في كل عام موديلاً وفي كل موديل خيط، بعضها يكون خيطاً أحمر أو أصفر، قال: واحد وتسعين فيذهب الشخص يبيع سيارته من أجل أن يأخذ خيطاً أصفر، قال: يا شيخ! هذه ممتازة، هذه خيطها أحسن من خيط تلك السيارة، والله هي هي، بل الموديلات الأولى أفضل، فلعبوا على عقول الرجال في السيارات، ولعبوا على النساء في الذهب وفي موضات الملابس والتشكيلات التي أضلت الناس والعياذ بالله.

    فتجد الشخص الذي يحب السيارات يهتم بها ويسأل عن دقائق الأمور فيها، والذي يحب الأراضي والعقارات معلق قلبه بها، والذي يحب المزارع معلق قلبه بها، والذي يحب الله ورسوله معلق قلبه بالله ورسوله، فإذا رأيت إنساناً يذكر الله كثيراً فاعلم أن الله يحبه وهو يحب الله، وإذا رأيت إنساناً ساكتاً لا يذكر الله، فاعلم أنه مبغض عند الله، وقد بين الله عز وجل هذا في القرآن الكريم، فقال عز وجل: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:142] يذكرون الله لكن قليلاً وهم منافقون، أما الذي لا يذكر الله بالكلية فهذا ميت -والعياذ بالله- (مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت).

    وذكر الله من أحب الأعمال إلى الله لما روى أصحاب السنن حديثاً في السنن يقويه ويشده ويبجله الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الكلم الطيب، يقول فيه عليه الصلاة والسلام: (ألا أخبركم بأفضل أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله عز وجل) والله عز وجل يقول في القرآن الكريم: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:191] فاستغرق الذكر جميع أحوالهم، فهم في ثلاث حالات ليس هناك حالة رابعة، الإنسان إما قائماً أو قاعداً أو نائماً، لكن المؤمن يذكر الله قائماً، ويذكر الله قاعداً، ويذكر الله على جنبه، فماذا بقي معه من وقت لا يذكر الله فيه؟

    وبعد ذلك يذكرون الله في كل حين ووقت: وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [آل عمران:41].. وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف:205] فالذي يغفل عن ذكر الله هذا دليل على موت قلبه، وعلى عدم محبته لله، وعلى عدم محبة الله له.

    والأذكار كما بينته في بعض الدروس خمسة أنواع أذكرها باختصار:

    1) ذكر الله عند ورود أمره: إذا ورد عليك أمر الله ونفذته فأنت ذاكر.

    2) ذكر الله عند ورود نهيه: إذا ورد عليك نهي الله وتركت النهي فأنت ذاكر.

    3) ذكر الله في الأحوال والمناسبات: إذا دخلت المسجد وخرجت من المسجد، ودخلت بيتك وخرجت من بيتك، وأكلت الطعام وشبعت منه، وجئت زوجتك، وخرجت من الحمام ودخلت إلى الحمام، أي عمل تفعله فيه ذكر مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    4) ذكر الله المقيد بعدد معين، جاء في النص من قال مائة مرة، من قال كذا هذا تأتي به كما قال.

    5) ذكر الله المطلق وهو أن تذكر الله وأن يكون ذكر الله على لسانك، لما روى الترمذي عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه، قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! كثرت عليَّ شرائع الإسلام، فأخبرني بعملٍ أتشبث به وأوجز، فقال عليه الصلاة والسلام: لا يزال لسانك رطباً بذكر الله).

    وفي هذا يقول العلماء: إن هذا من دلائل نبوته ومن إعجازه صلوات الله وسلامه عليه، فإنه جمع له الدين كله في كلمة واحدة: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله) ومن هو الذي لا يزال لسانه رطباً من ذكر الله؟ إنه الذي يحب الله. هل الزاني لسانه رطب من ذكر الله؟ أبداً. لا يزني الزاني وهو يذكر الله، ولا يرابي المرابي وهو يذكر الله، ولا يغني المغني وهو يذكر الله، ولا ينظر في الحرام وهو يذكر الله، ولا ينام عن الصلاة وهو يذكر الله، من هو الذي يعمل هذا؟ الغافل عن الله. أما الذي يذكر الله أبداً لا يمكن أن يعمل مثل هذه الأعمال، ولهذا وصاه النبي صلى الله عليه وسلم بدوام ذكر الله حتى قال: ( لا يزال لسانك رطباً ) وهذه استعارة بلاغية عظيمة بمعنى: أن الذي لسانه ليس فيه ذكر الله لسان ناشف، لسان حجري، لسان جاف، وقلبه قاسٍ -والعياذ بالله- قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22] إذا قسا القلب من ذكر الله قسا اللسان عن ذكر الله، وتحجرت العين عن البكاء من خشية الله، وقسا السمع من سماع كلام الله، وجفت الجوارح، وعجزت وتكاسلت عن القيام بأوامر الله لماذا؟ لأن القلب قاسٍ من خوف الله، قاسٍ من رحمة الله، قاسٍ من ذكر الله، أما إذا لان القلب لذكر الله دمعت العين من خشية الله، ورطب اللسان بذكر الله، وسمعت الأذن كلام الله، وسارت الرِجل إلى مساجد الله، وامتدت اليد في طاعة الله، وعَمَر الإنسان وقته كله بالإيمان بالله عز وجل.

    فلابد -أيها الإخوة- من هذا الأمر وهو من أهم الأمور ومن أيسرها على الإنسان.

    إيثار ما يحبه الله على ما تحبه النفس

    الرابع: إيثار ما يحبه الله على ما تحبه النفس:

    لابد أن يحصل تصادم وتعارض بين محاب الله ومحاب النفس، فأين أنت؟ مع من تقف؟ هناك شد حبل بين الهوى وبين الدين والشرع، الهوى يجذب وأمر الله وشرعه يرفع، والشيطان مع الهوى، والنفس الأمارة مع الهوى، والدنيا مع الهوى، وأنت مع من؟!

    إن كنت عاونت شيطانك ونفسك وهواك ودنياك سقطت عن طريق الله ومن عين الله، وإن كنت مع الشرع في صراع: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41].. وإن كنت مع الشرع في صراع أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية:23] لابد أن تقف دائماً مع الشرع، وأن تؤثر محبة الله وأمره على محبة النفس، إذا تعارض أمر الله مع أمر النفس، أمر الله بالقرآن، وأمر الشيطان والنفس بالغناء، فمع من أنت؟

    مع الله. أغلق الراديو واقرأ القرآن، أمر الشيطان بالنوم وأمر الله بصلاة الفجر وأنت على فراشك تتقلب تسمع الأذان، وفي إمكانك أن تقوم وفي إمكانك أن تنام، صراع نفسي، معركة تدور على الفراش بين نوازع الإيمان وبين نوازع الشر والشيطان، فمع من أنت؟

    إذا قمت فأنت تحب الله، إذا آثرت النوم على أمر الله فالبعيد لا يحبه الله، فهل تريد أن يحبك الله؟ عليك أن تؤثر أمر الله وتقدمه على هوى النفس ومحبتها.

    وهذا -أيها الإخوة- ميدانٌ واسع وفسيح، وعقبة كئود سقط فيها الكثير من الناس؛ لأنها نقطة عملية قد ينجح الشخص في القرآن وتلاوته؛ لأنه كلام يصرفه، وقد ينجح في ذكر الله؛ لأنه كلام يقوله، وقد ينجح في بعض النوافل، لكن متى التعارض؟ في هذه المشكلة، هنا العقدة، هنا الامتحان وفيه يكرم المرء أو يهان.

    ستعلمي إذا انجلى الغبار     أفرسٌ تحتك أم حمار

    العمل بآثار أسماء الله وصفاته

    الخامس: العمل بآثار أسماء الله وصفاته:

    الله عز وجل له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأحد أقسام التوحيد هو الإيمان بأسماء الله وصفاته، نؤمن ونثبت لله عز وجل كل ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات من غير تشبيهٍ ولا تمثيل، ولا تكييفٍ ولا تعطيل، بل نؤمن أنه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] ولكن هذا الإيمان يقتضي منا أن تنعكس آثار هذه الأسماء والصفات علينا، فإذا آمنا بأن الله هو الرزاق طلبنا الرزق بطاعة الله، لا نطلب الرزق بمعصية الله.

    بعض الناس تجده يبيع ويشتري في الدخان لماذا؟ قال: هذا الدخان يجلب الناس، فهذا لم يعرف أن الله هو الرزاق، هذا عنده قدح في عقيدته، عنده عقيدة إن الرزاق هو الدخان.

    وآخر عنده عمارة وفيها دكاكين أجرها على حلاق، لماذا؟ قال: يا أخي! مغلقة لها سنة، ليس هناك من يستأجرها، هذا ليس عنده يقين أن الله هو الرزاق، عنده يقين أن الدكان هو الرزاق، والدكان ما دام أنه لم يأتِ له شخص يستأجره غير الحلاق، فأجره للحلاق، فيفتح قلعة وثكنة لمحاربة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولحيته ملء وجهه، هو يعفي لحيته لكن يحلق لحى المسلمين في دكانه، لو أنه حلق لحيته لوحده وليس عنده دكان كان ذلك أخف؛ لأنه ما من لحية تحلق في الدكان إلا وعليه إثمها وإثم من حلقها إلى يوم القيامة.

    وقد رأيت ذات مرة رجلاً علق على دكانه -صالون الحلاقة- لوحة مكتوب فيها: صالون اللحية الغانمة -إيه والله رأيتها بعيني- صالون اللحية الغانمة، قلت: سبحان الله! أي غنمٍ لهذه اللحية وهي تحت القدم، يحلقها الحلاق ويضعها تحت قدمه، ثم يكنسها بالمكنسة ويأخذها في صندوق الزبالة، وفي آخر اليوم إذا مرت البلدية قال: قف قف يا ولد! تعال خذ الصندوق .. عندي هنا لحى المسلمين، وأخذها عامل البلدية ورماها مع الزبالة في صندوق البلدية، وحملتها سيارة البلدية، انظروا هذه اللحية المعذبة (هذه اللحية الغانمة) وأين الغنم؟! هذا الغرم! هذا الشؤم -والعياذ بالله- ثم يأخذها إلى المحرقة وتحرق مع النفايات، هذه لحية صالون اللحية الغانمة! فالذي يؤجر دكانه على محل غناء أو على محل الفيديو أو محل يباع فيه الحرام هذا ليس عنده عقيدة في أن الله هو الرزاق.

    الذي لا يقول كلمة الحق خشيةً من قطع الرزق هذا مسكين لم يؤمن بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.

    فلا بد أن تنعكس آثار هذه الأسماء والصفات عليك، إذا علمت بأن الله سميع لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء فإنك تخاف الله ولا تقدر بأن تتكلم بكلمة حرام؛ لأنك تعلم أن الله يسمعك، إذا علمت بأن الله بصير يرى ويسمع دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء، تقول عائشة : [سبحان الذي وسع سمعه الأصوات..] لما جاءت المرأة المجادلة تشتكي، تقول: [والله إنها تشتكي للرسول صلى الله عليه وسلم في الغرفة المجاورة ما سمعتها، والله سمعها من فوق سبع سماوات وقال: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:1] ] فإذا آمنت بأن الله بصير، فإنك تستحي أن تمارس معصية، فأنت تعلم أن الله يراك وأنت في غرفتك في جوف الليل:

    وإذا خلوت بريبةٍ في ظلمةٍ     والنفس داعية إلى الطغيانِ

    فاستحي من نظر الإله وقل لها     إن الذي خلق الظلام يراني

    فهذا مقتضى أنك آمنت بأن الله سميع بصير، إذا آمنت بأن الله حكيم عرفت حكمته، إذا آمنت بأن الله قوي خفت من قوته، إذا آمنت بأن الله جبار خفت من جبروته، إذا آمنت بأن الله منتقم خفت من نقمته، لماذا؟ لأنك آمنت بهذه الصفات.

    إذا آمنت بأن الله عزيز رُمت عزته وطلبت العزة في جنابه، إذا آمنت بأن الله رحيم طمعت برحمته، إذا آمنت بأن الله مالك يوم الدين طمعت بأن تنالك هذه الرحمة في ملكه يوم القيامة، لماذا؟ لأنها انعكست آثار أسماء الله وصفاته عليك، إذا تخلقت بهذا كنت ممن يحبهم الله عز وجل، وهذه مهمة جداً وينبغي أن نعود أنفسنا عليها.

    التأمل والتفكر والتدبر في نعم الله وفضله

    السادس: التأمل والتفكر والتدبر في نعم الله وفضله وإحسانه عليك أيها الإنسان! وهذه -أيها الإخوة- نغفل عنها كثيراً، وما أعظم نعمة الله علينا: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل:53] نعمة الخلق، فمن الذي خلقك أيها الإنسان؟!

    يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:6-8] نعمة الخلق والإيجاد، نعمة الرزق والإمداد، نعمة الإيمان والإسعاد، نعمة العافية، نعمة الأمن، نعمة الجوارح، تفكر يا أخي في نفسك! تأمل في نعمة العين التي في رأسك، تصور أنك أعمى في هذا المسجد -عافاك الله- وتريد أن تخرج إلى المسجد بعد صلاة العشاء فمن يذهب بك إلى البيت؟

    من يقود لك السيارة؟

    كيف تعرف الألوان؟

    كيف تعرف الأشكال؟

    الأعمى الآن مسكين لا يرى من العالم شيئاً، يقول: كيف الطيارة؟ لا يعرفها! كيف السماء؟ لا يراها، كيف الجبال؟ لا يراها، كيف البحار؟ لا يراها!

    كيف العمارات؟ لا يدري عنها شيئاً، والله جعل لك عينين: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ [البلد:8] فسخِرها فيما يحبه الله، تأمل في أفضال الله عليك، تأمل في نعمة الله عليك بالأذنين، وتصور أنه لا يوجد لديك سمع تسمع وأنت جالس في المجالس والناس يتكلمون وأنت مثل (المسند) جالس لا تسمع شيئاً! تقول: ماذا يقولون؟ لا تدري ماذا يقولون؟ يشيرون لك إشارة لا تسمع، ولا تدري ماذا يقصدون بالإشارة، فالسمع نعمة من نعم الله عليك: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78] نعمة اللسان هذه نعمة، يقول الله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً [البلد:8-9] اللسان نعمة تفصح به عما في نفسك، وتعبر به عما في خاطرك، تُعلم الناس ما تقول، الآن الأعجم يومئ بكلام غير واضح وغير مفهوم، لكن كلمتان تخرجهما من لسانك يفهمك الناس، فاستعمل هذا اللسان في طاعة الله عز وجل.

    وَشَفَتَيْنِ [البلد:9] نعمة من نعم الله عليك؛ لأن الشفتين واللسان هي التي تتحكم في إخراج الحروف، هناك حروف لا تخرج إلا بالشفتين، وهناك حروف لا تخرج إلا من طرف اللسان، وكذلك باللسان تتذوق الأطعمة، تصور نفسك مصاباً بالنزول وأهلك يحضرون لك الطعام وأنت لا تتذوقه، تقول: لا أجد فيه طعماً؛ لماذا؟ لأنك مريض، فهذه نعم.

    نعمة اليدين، نعمة الأصابع، نعمة الإبهام وديتها في الشرع نصف دية اليد، لو فقدت أو لو أن الناس ما عندهم إبهام لتعطلت الحضارة كلها، من يشد مسماراً بإصبعين؟ لا أحد يستطيع أن يشد مسماراً بإصبعين أبداً، لكن هذه تشد وتقبض، إذا حدث لأصبعك شيء لن تستطيع أن تصنع شيئاً، فاعرف نعمة الله عليك، من فصَّل لك هذه اليد؟ كلها مفاصل من أجل ماذا؟ لكي تستعملها في كل اتجاه، لكن لو أن الله أعطاك يداً مثل (العصا) فكيف ستستعملها؟ لن تستعملها إلا في الضرب، لكن الله لم يخلقك لتضارب الناس حتى يعطيك عصاً معلقة، لكن الله جعل يدك في الجزء العلوي من أجل أن تصل بها إلى رأسك، وتصل بها إلى رجلك، لكن لو أن يديك في أرجلك، وجدت حمامة أو طائراً وقفت في رأسك فكيف تمتنع؟! وجعل رأسك أعلى شيء، وجعل العينين في المقدمة، وجعل الأذنين في الجنبين، والرأس مركب على رقبة، والرقبة لولبية تحركها يميناً وشمالاً لماذا؟ من أجل أن تستعملها، لكن لو أن رأسك على رقبتك على عظم، فكيف تتلفت؟ هذه نعمة أم ليست نعمة أيها الإخوان؟!

    انظروا إلى من يصاب بشد عضلي كيف تراه؟ تقول: كيف حالك؟ يقول: بخير، لا يستطيع أن يلتفت وإذا التفت قال: آه رقبتي! ماذا بك؟ قال: عصبة صغيرة، عضلة صغيرة، اشتدت عليه أرقته في نومه، إذا جاء لينام لا يستطيع أن ينام من أجل شيء بسيط، أليست هذه كلها نعماً؟!

    في كل النعم التي يمن الله بها عليك لا تغفل عنها لحظةً من لحظاتك، وأنت تأكل الطعام تأمل في النعم التي ساقها الله إليك، وأخرج لك من الطين ومن الماء هذه النعم المتعددة، وصنفها وحلاها، وجملها وشكلها من كل نوع، ثم تأمل كيف يخرجها الله منك بعد أن تأكلها، ويفصل ما ينفعك فيبقيه فيك، ويفصل ما يضرك فيخرجه الله منك، وتأمل لو أن الله حبس فيك هذا الضرر كيف تصنع؟ لو احتبس فيك البول لأصبحت حياتك مريرة، ولانعدمت حياتك أيها الإنسان! وكل هذه النعم، والمجال لا يتيح لي التوسع فيها؛ المهم أن تتأمل في فضل الله وإحسانه عليك؛ في عافيتك، وفي ستر الله عليك، وفي رزق الله لك، وفي كل النعم التي من الله عليك بها، فإذا تأملت فيها وشكرت الله أحبك الله، هذا مما يعرضك لمحبة الله عز وجل.

    انكسار القلب والشعور بالخضوع الكامل لله

    السابع: انكسار القلب والشعور بالخضوع الكامل له، والإذعان لأمره فلابد من الإذعان والانكسار؛ لأن الله رب وأنت عبد ولا ينبغي للعبد إلا أن ينكسر أمام سيده، لا يتعالى ولا يتعاظم، وإنما يستذل: (أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي)يقول الله عز وجل: (أنين المذنبين أحب إليَّ من زجل المسبحين)فالذين تنكسر قلوبهم ويخشون الله ويخافون الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60].. وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً [الأنفال:2] أي: تنكسر وتخاف قلوبهم، هؤلاء يعرضون أنفسهم لمحبة الله عز وجل، أما الذي قلبه قاسٍ ومتعالٍ ومتعاظم ولا يخاف من الله هذا لا يعرف الله، وبالتالي لا ينال محبة الله عز وجل.

    مجالسة الصالحين

    الثامن: مما يعرضك لمحبة الله عز وجل مجالسة الصالحين:

    الحرص على أن تكون مجالسك دائماً مطعمة بالطيبين، وأن يكون وقتك كله مع الطيبين، لِمَ؟ لأنهم يؤثرون فيك، والمرء من جليسه، المرء من خليله:

    عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه     فكل قرين بالمقارن يقتدي

    ***

    إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم     ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي

    ***

    فلا تصحب أخا الفسق     وإياك وإياه

    فكم من فاسقٍ أردى     مطيعاً حين آخاه

    يقاس المرء بالمرء     إذا ما المرء ما شاه

    وللقلب على القلب     دليلٌ حين يلقاه

    وللناس على الناس     مقاييس وأشباه

    فعليك إذا كنت تريد أن تنال محبة الله عز وجل أن تجلس مع من يحبهم الله، حذار من الجلوس مع من يبغضهم الله، فإنك وإن كنت محبوباً عند الله ثم جلست مع من يبغضهم الله عرضت نفسك لبغض الله، كيف تجلس مع من يبغضهم الله وتريد أن يحبك الله؟!

    إن مقتضى محبة الله لك ومحبتك لله أن تحب في الله، وأن تبغض في الله، ولهذا جاء في الحديث، عنه عليه الصلاة والسلام، والحديث في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه: (ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: منها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله)أن يبني علاقاته وأواصره الاجتماعية على أساس دينه وعقيدته، فلا يحب إلا من يحبه الله ولا يبغض إلا من يبغضه الله، أما إذا ذاب بين الناس ولم يتميز بإيمانه ولا عقيدته، ولم يحب في الله ولم يبغض في الله، فهذا إنسان لا يعرض نفسه لمحبة الله بل ربما عرضها لبغض الله عز وجل.

    قطع كل سبب يحول بين القلب وبين الله

    التاسع من أسباب نيل محبة الله عز وجل: قطع كل سبب والقضاء على كل عقبة تحول بين القلب وبين الله:

    هناك عقبات، وهناك موانع، وهناك حواجز تحجز قلبك عن الله، فعليك أن تزيل هذه الحواجز، وأن تقطع هذه العلاقات حتى تصل إلى الله عز وجل، مثل من؟

    مثل رفيق السوء، هناك رفيق؛ لكنه رفيق سوء قاطع طريق بينك وبين الله، أنت تريد الله وهو يريدك إلى الشيطان، فاقطع الصلة به.

    مثل زوجة السوء: هناك زوجة تعينك على طاعة الله، وهناك زوجة تعينك على معصية الله قاطعة الطريق بينك وبين الله، أنت تريد الله وهي تريد النار.

    مثل عمل السوء، عمل تمارسه أنت وترتضيه وتأخذ عليه راتباً أو تمارس فيه أجراً، ولكنه عملٌ سيئ يقطعك عن الله، فاترك هذا العمل واترك وظيفة السوء، جار السوء تخلص منه، كل شيءٍ يحول بينك وبين الله عز وجل ولا يوصلك إلى الله تخلص منه، إذا وقف هذا عائقاً بينك وبين أن تنال محبة الله.

    قيام الليل

    وآخر شيء وهو أصعب شيء ولكنه من أسهل الأشياء على الإنسان ويحصل عليه الإنسان عن طريق الاستمرار والتدرب وعن طريق الصبر، يقول أحد السلف وهو ثابت البناني: [كابدت قيام الليل عشرين عاماً، وتلذذت به عشرين عاماً].

    آخر شيء مما يجعلك من أحباء الله هو قيام جزء من آخر الليل ولو ركعتين لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ركعتان في جوف الليل خير من الدنيا وما عليها) وهذه من أفضل الأشياء في آخر الليل؛ لأن الله عز وجل -كما صح في الأحاديث الصحيحة وهي عقيدة أهل السنة والجماعة - أن الله عز وجل ينزل في الثلث الأخير من الليل نزولاً يليق بجلاله فيقول: (هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من تائبٍ فأتوب عليه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له)فإذا وافقها عبدٌ سعد في الدنيا والآخرة.

    أيها الإخوة! هذه علامات محبة الله عز وجل وأسباب نيل هذه المحبة، فنريد أيها الإخوة! أن نتصف بها.

    نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم جميعاً من المحبوبين إليه، ونعيد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب كل عملٍ يقربنا إلى حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا، ومن أهلينا، ومن الماء البارد على الظمأ، إنك على كل شيءٍ قدير.

    والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    أما السؤال أيها الإخوة! كيف تنال محبة الله؟ وهو عنوان الدرس، متى يبلغ العبد هذه المحبة؟ ومتى يصل إليها؟ وكيف ينالها ويحصل عليها؟

    يذكر ابن القيم في كتابه العظيم مدارج السالكين أسباباً، فهذه عشرة أسباب يستطيع المؤمن والمسلم أن ينال بها محبة الله عز وجل إذا داوم عليها، وهذه الأسباب أسباب عملية نريد أن يأخذها الشخص كمنهج، وهذه ثمرة حِلق العلم وحضور الدروس والمحاضرات، يجب أن يكون لها أثر ومردود عليك بأن تجد من نفسك تحولاً وتعديلاً، وتغيراً في كل محاضرة تحضرها، أما أن تحضر وتسمع وتخرج ولا تتأثر فهذا لا ينفع، وهذا كان شأن الصحابة رضي الله عنهم مالك بن الحويرث رضي الله عنه جلس مع النبي عشرين يوماً ورجع معلماً لأهله في الدين، وهو الذي روى حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) وهو الذي روى حديث جلسة الاستراحة، كثير من الصحابة بعضهم ما جلس مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا يوماً أو يومين ورجعوا دعاة إلى الله.

    الجن سمعوا الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ في وادي نخلة لما رجع صلى الله عليه وسلم من الطائف مكلوماً مطروداً وجلس في الوادي وإذا بجن كانوا مسافرين من الشام إلى اليمن سمعوه، فلما سمعوه رجعوا إلى قومهم منذرين فقالوا: يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [الأحقاف:30].. ولو إلى قومهم منذرين يدعونهم ويقولون: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ [الأحقاف:31].

    فلابد أيها الإخوة! أن تكون مجالسنا مجالس علم وعمل، نستفيد منها ونأخذ منها فوائد بحيث نطبقها ونرجع إلى بيوتنا للمحاسبة والمعاتبة والمراقبة للنفس، بحيث أستفيد من كل جلسة، أي عمل أتعلمه أحوله إلى سلوك أسير عليه، وهذه الأسباب العشرة لنيل محبة الله هي:

    نصيحة لمن انقطع عن الدروس والمحاضرات في الدراسة النظامية

    السؤال: أحد الإخوة يعاتبني كثيراً ويقول: إنني انقطعت عن الدروس والمحاضرات في هذه المدينة، يقول: وهذا شيء أثر على الشباب وهم غاضبون جداً وينصحني بألا أواصل الدراسة وأن أرجع وأقطع الدراسة؟

    الجواب: جزاه الله خيراً وجزى الله الإخوة خيراً على هذا الكلام، ولكني أقول له: إن الدراسة كلها خير، وطلب العلم -كما تعرفون- فضيلة، واطلبوا العلم من المهد إلى اللحد، وقد وجدت متعة في طلب العلم، وأسأل الله أن يعينني على إنهائه وسواء كنت هنا أو هناك فالإنسان سيكون له عمل في أي مجال وأي مكان، والساحة -والحمد لله- مملوءة بالدعاة والعلماء في هذه المنطقة، وسأعود قريباً بإذن الله، أما أني أترك العلم فهو ليس شيئاً عاطفياً أو جاء من فراغ، إنما شيء جاء بعد دراسة وتصميم وقدمت فيه تضحيات حتى إني خرجت من وظيفتي وتركت عملي الوظيفي حتى أتفرغ للدراسة؛ لأن هذا شيء مهم جداً، ووجدت فيه مصلحة وفائدة كبيرة جداً.

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم بما نقول، وبما نسمع وبما نتعلم، إنه على كل شيءٍ قدير.