إسلام ويب

أحوال المسلمين في كوسوفا [2]للشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جرح الأمة ينزف في كوسوفا دماً، لكن الأمة أغفلت عن جرحها، وألهيت عن قضيتها؛ حتى ضعف الولاء، وقلّ التناصر، فهذا بيان لحال المسلمين هناك، ودعوة للمسلمين في العالم لينظروا في قضيتهم؛ ليعلموا كيف يداوون مصيبتهم.

    1.   

    قضية كوسوفا

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33].

    معاشر المؤمنين! في الآونة الأخيرة لا يكاد يمر عامٌ أو عامان إلا وتُفتن أمة الإسلام بفتنةٍ جديدة في بقعةٍ جديدة، تُظهر حال الذل والهوان الذي يعيشه كثيرٌ من المسلمين اليوم، وتكشف مستوى الولاء بين المسلمين قوةً أو ضعفاً، وقضية المسلمين في كوسوفا واحدةٌ من سلسلة القضايا التي أغنت الصور فيها، عن كثيرٍ من مفردات قواميس البلاء والتشرد والقتل والإبادة والتصفية العرقية.

    إنها قضية شغلت العالم بأسره شرقه وغربه، مسلمه وكافره، وحسبكم بحال المسلمين فيها أن يُعلن اليهود استعدادهم لإيواء بعض اللاجئين أو إرسال بعض المعونات إلى المسلمين، واليهود -كما تعلمون- لم تجف دماء إخواننا بسبب مذابحهم واغتيالاتهم في فلسطين على الأرض المباركة، في الأسابيع الماضية صار الموتُ قبل ورود العار أمنية، وصار التشرد والرحلة إلى المصير المجهول أغنية:

    كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً     وأن المنايا قد غدون أمانياً

    أيها المسلمون! قلنا في الجمعة الماضية إن الحرب الدائرة الآن ينتصب الصرب الأرثوذكس في أحد طرفيها، وهم المعروفون بالحقد المقيت ليس على المسلمين وحدهم، بل حتى على إخوانهم الكاثوليك، والتاريخ شاهدٌ على ذلك، وليست هذه الإبادة هي الأولى من نوعها لإخواننا المسلمين على يد الصرب، بل سبقها حلقاتٌ في مسلسل الإبادة والتصفية العرقية.

    لقد كان المسلمون في كوسوفا 95% والخمسة الباقية من السكان بين الصرب الأرثوذكس والكاثوليك، ومع ذلك وباستمرار مسلسل التطهير والإبادة أصبح المسلمون قلةً بالنسبة لهؤلاء، ومع ذلك لم يشفع للمسلمين جهل كثيرٍ منهم بالإسلام، أو مشابهة كثيرٍ من المسلمين للنصارى في عاداتهم وتقاليدهم وأمور حياتهم، لأن المسلمين ارتكبوا ذنباً لا ينساه الصرب أبداً.

    وهو أن أجداد هؤلاء المسلمين اعتنقوا الإسلام ودانوا به، يوم دخل السلطان مراد العثماني تلك البقعة ونشر الإسلام فيها قبل أكثر من (600) سنة في معركةٍ حاسمة بين الإسلام والنصرانية في أوروبا، فكان لابد أن يدفع المسلمون ثمن إسلام الأجداد غاليةً كما دفعه أهل البوسنة قبل سنواتٍ قليلة: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19].

    إننا لا ندري أين الطريق التي ستتحرك منها قوافل الفتح لفتح أوروبا، ولفتح روما، كما بشر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لتفتحن القسطنطينية وروما فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش، فقال الصحابة: وأي المدينتين تفتح يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل أولاً) يعني بها: القسطنطينية، وقد فتحت من قبل وجثمت العلمانية عليها الآن، وبقيت روما لم تفتح، فلا ندري هل ما دار في البلقان على أرض البوسنة ، أو يدور الآن على أرض كوسوفا إرهاصٌ لحربٍ تكون نهايةً لهذه الأمم الكافرة؟

    أيها الأحبة! القضية التي يتحدث عنها كثيرٌ من الناس: هي الحرب بين الناتو من جهة والصرب والدوما من جهةٍ أخرى، وتلك وإن كانت مسألة كبيرة وخطيرة، إلا أنها كما قلنا: لا تساوي شيئاً أمام تهجير المسلمين وتشريدهم وتنصير أطفالهم، بعد أن تتقاسمهم الأديرة والكنائس ليتربوا هناك، في ملاجئ ومهاجر ومحاضن الكفار المنتشرة في أنحاء أوروبا، وهل يبقى بعد ذلك انتماء، أو تصمد هوية؟!

    هذا هو الوجه الأخطر للحرب القائمة، وأما الدمار للمنشآت الصربية، وأما الحرق للمباني الصربية، فهو وإن كان قرحاً يسرنا ما نراه فيهم، وما نراه من ضرباتٍ عسكرية متتابعةٍ من الناتو، وإن كان يسرنا أن يُسلط الله كافراً على كافر، لكن بيقين أن حفنةً من ملايين الدولارات تعيد البناء أحسن مما كان، فضلاً عن قلة المتضررين بشرياً من الصرب، لكن مصيبتنا العظمى هي جيل المهاجرين من كوسوفا إلى دولٍ أوروبية، في كل دولةٍ منهم جزءاً، وكل مدينةٍ تتقاسمهم في أحياء وكل حيٍ يذوبون فيه ويختلطون كما يذوب الملح في الماء، وما أهداف وأبعاد معركة الصرب هذه إلا من أجل أن يذوب المسلمون في المجتمعات الأوروبية، لأن تجمعاً وتكتلاً بشرياً على رقعة واحدة منذرٌ بخطر على هؤلاء، أن تقوم دولةٌ إسلاميةٌ هناك.

    أيها الأحبة في الله! هذا الجيل المهاجر.. هذا الجيل المشرد.. هذا الجيل التائه الهائم على وجهه، من يعيده؟ ومن يبنيه؟ ومن يحفظ عليه دينه وهويته؟ اللهم إنك أنت المستعان، وأنت حسبنا وحسبهم ونعم الوكيل.

    1.   

    مصير الشباب والشابات في كوسوفا

    أيها المسلمون! شردت الكنيسة الأرثوذكسية، قرابة المليون نفس، جُلهم من الأطفال والشيوخ والنساء، أما الشباب فكانت المقابر جماعية تنتظرهم على موعد الدفن وهم أحياء، وآخرون في السجون والمعتقلات، ولعل المتأمل والمشاهد لهذه الصور التي تعرضها وسائل الإعلام لقوافل المهاجرين والمشردين لا يظهر فيها إلا الشيوخ والعجائز والأطفال والنساء، الحال في كوسوفا مشهدٌ يُترجم مفردات الألم والحسرة والذل والمعاناة التي يمر بها المسلمون هناك، والحال في كوسوفا مشهدٌ يترجم مفردات الحقد والبغض والعداوة الدينية التي بلغت حد القتل والاغتصاب والتشريد.

    أسألكم أيها المسلمون! هل تأملتم الصور التي تعرضها الشاشات للمهاجرين؟

    ألا ترون فيها أمراً عجباً! لا يظهر فيها صنفان من البشر إلا قليلاً ممن نجح في الهرب والفرار بنفسه، الشباب والشابات هؤلاء نفقدهم في مشاهد الهجرة وصور اللاجئين، والجواب تعرفونه، بل أخبرنا به من هم الآن يعيشون على فوهة الصراع هناك، الشابات الجميلات على وجه الخصوص، ينتزعن من القافلة عند أول الرحيل ليكن مرتعاً لتفنن جنود الصرب في ألوان اغتصابهن، في ثكنات جنود الصرب وملاهيهم.

    وأما الشباب فالغالب منهم كما قلت: على موعدٍ مع مقابر جماعية حيث الجرافات الكبيرة تنتظرهم، مستعدةً لأن يهال التراب عازل الصوت والصراخ والأنين وعازل الهواء والأكسجين، واسأل من اكتشف مواقع دفنهم جماعياً؟! واسأل من سيكتشف مواقع دفنهم جماعياً؟!

    1.   

    حال المسلمين في ألبانيا

    أيها المسلمون! ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم؟! ألم يأن لكم أن تلين أفئدتكم؟!

    أفئدة من حجر! ألا يكلف المرء نفسه تحريك جفنيه وفتح عينيه، ليرى صرعى البؤس والتشريد وضحايا الظلم والعدوان والفاقة ماثلين أمامه في غير ما سبيل، ألا يرى ذلك فتأخذه بهم رحمة الإنسان؟ كيف يستطيع أن يهنأ صاحب الترف واللذات بطعامه وشرابه؟! بل كيف يُدلل صبيانه وبناته؟! وكيف يضاحك عياله؟! ويمازح أهله؟! وهو يرى في كوسوفا صبيةً مثل عياله أبرياء ما جنوا ذنباً، أطهارٌ ما كسبت أيديهم إثماً، أفيكون من العدل أو من الإخوة ألا تبالي بهم! وألا تذكر حالهم عند نومك أو يقظتك أو طعامك أو شرابك أو اجتماعك بأهلك وأولادك؟!!

    يبكون من الحيف ويتلمظون من الجوع! أفلا يهزنا ما نسمعه عن نساءٍ وصبايا في ألبانيا كاللآلئ المكنونة والدرر المصونة، ولغت فيها الكلاب الصربية الآثمة، وطالتها الأيادي المجرمة، أولا ينظر المرء إلى بلاد إخوانه في الديانة، تحت سيطرة الصرب والنصارى الحاقدين:

    وطفلة ما رأتها الشمس إذ بزغت     كأنما هي ياقوتُ ومرجانُ

    يقودها العلج للمكروه مكرهةً     والعين باكيةٌ والقلبُ حيرانُ

    لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ     إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ

    قالها الرندي لما سقطت الأندلس وأعيد قولها فيما فعله الشيوعيون في أفغانستان، وفيما فعله الروس في كثيرٍ من البلدان، وفيما فعله الصرب في البوسنة، ونرددها الآن فيما يفعله الصرب في أرض البلقان، وفي كوسوفا على وجه الخصوص، لقد سالت حممٌ من القنابل والشظايا، وامتلأت بلادهم جثثاً وغدت أباطح، وتهجر المسلمون من منازلهم وعيشهم إلى هجرةٍ نحو الحدود وسفوح الجبال.

    أولا ينظر المسلمُ إلى كوسوفا ومن خرج منها من ساكنيها فراراً حيث لم تعد دوراً ولا منازل، وإنما صارت جيفاً وأشلاء، يقف المسلم الألباني أمامها مشدوداً، لسان حاله يقول:

    سقوف بيوتي صرنَ أرضاً أدوسها     وحيطان داري ركعٌ وسجودُ

    تصور أخي المسلم! تخيل أنك مكان هذا الأب المفجوع بأهله، وأن زوجتك مكان هذه الألبانية في معسكرات الصرب والاعتقال، أو مع اللاجئين والمشردين، تخيل نفسك مكانهم، تخيل أولادك وذريتك المكسورة الجناح تنهشهم أفاعي البشر، وتفتك بهم ذئاب الكفر، هل تطيق أن تتخيل أن تدور عليهم رحى الأيام والأيام قُلّب! فيصبحون لا حول لهم ولا قوة، يطمع فيهم الطامع، وما من نصيرٍ لهم ولا مدافع إلا من رحم الله، فما بالك بمن يعيش هذا البلاء كله، الذي أنت لا تطيق أن تتخيله، وهم يعيشونه ويرونه عين اليقين وعلموا به علم اليقين، ويعيشونه حق اليقين!!

    أخي المسلم! وتأمل حال هؤلاء المهاجرين، امرأةٌ حُبلى تضع ولدها في طريق الفرار، وطفلٌ يئن لا يجدون له قطرة حليب، ورجلٌ عجوزٌ شيخٌ كبير لا تستطيع رجلاه أن تحمله فيبقى في جحيم المأساة، جحيم الهرب وجحيم الرصاص والنار، ثم إذا تجمعوا على أرضٍ هي الفراش، وتحت سماءٍ هي الغطاء، وأخذوا يتناهشون خبزةً أو لقمةً أو كساءً أو غطاءً.

    البرد لا يزال قارساً هناك، والظروف في غاية الصعوبة، وأصبحوا لا ترى على عيونهم إلا دموعاً يسحونها من مآقيهم على خدودهم:

    ضج الأنين من الأنين     وطغت تباريح السنين

    وازْوّر وجه الحق يخـ     ـجل من نواح المسلمين

    والأم تعصر ثديها          ألماً على هذا الجنين

    والزوجة الثكلى ترقرق     دمعها دمعاً حزين

    والشيخ ملَّ الانتظـارَ     على طوابير الطحين

    جاء المنصر والمبشـر     لا يمل ولا يلين

    ويباع أطفال العقيـدة     في المزاد بكل حين

    ونظل نلهو لا نبـالي     أن نكون العابثين

    ما الذي يحدث لإخواننا؟! وما الذي يجري الآن على تلك الحدود في تلك المنطقة؟! ما الذي أصابنا وما الذي حل بنا من موت الشعور وانعدام الإحساس؟!

    أيها الأحبة! إن الواجب الذي أمر الله به وشرعه رسوله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] و(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) إن هذا الواجب يملي علينا وجوباً لا خيار فيه، وفرضاً لا تردد فيه، أن نُقدم كل ما نملكه من مساعدةٍ ومعونةٍ بالدعاء أولاً وبالمال والنقد والجهد والفكر والاقتراح والسعي وبكل ما استطعنا ثانياً.

    إننا أيها الأحبة! على خطرٍ إن ظللنا نتفرج على مآسي المسلمين هكذا، إن الذين يتفرجون على كربات المسلمين وهم قادرون أن يغيثوهم والله سيدفعون الغرامة ضعفين، إما عاجلاً أو آجلاً، وإننا مأمورون أن نبذل حتى لا يحل البلاء بساحتنا أو قريباً منا، فتُكسر البيضة ويضيع الأمن والأمان فسنة الله الكونية ومطارقه الربانية لا تجامل أحداً.

    أيها الأحبة في الله! كلنا شركاء في هذا الهم، وكلنا إخوة تجمعنا هذه العقيدة الواحدة، وعلينا أيها الأحبة! أن ننهض من هذه الغفلة وكثير من شبابنا اليوم لا زال في غفلته ولهوه، وكثيرٌ من النساء لا زلن في غفلاتهن، وإننا نقولها بصراحة: لا يكفي الحسبلة والحوقلة فقط، وهي وإن كانت دعاءً من أول الأدعية فإن الله قال: وَأَعِدُّوا لَهُمْ [الأنفال:60] نريد أن يتعدى الأمر إلى أكبر من ذلك، إلى العمل والتحرك لعمل ما يمكن عمله، من الدعم والنصرة المادية.

    فيا أيها الأحبة! يقول تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195] والله وبالله وتالله! لو أنفق المسلمون على إخوانهم المهاجرين واللاجئين والمستضعفين في كوسوفا ربع ما سينفقونه في رحلات الصيف والسياحة في أوروبا، لحققوا كثيراً، واليوم يومٌ مبارك، فأروا الله من أنفسكم خيراً.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الحث على دعم المسلمين في كوسوفا

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ في الدين بدعة، وكل بدعةٍ في دين الله ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    أيها الأحبة! أنتم اليوم في يوم الجمعة، هو آخر يومٍ في الأسبوع وهو آخر يومٍ في عامنا هذا، نحن في اليوم الثلاثين من الشهر الثاني عشر لعام (1419هـ) نودع هذا العام، في ذكر هذه المصيبة، وفي ذكر هذه الكارثة، فهل نودعه بتوبة، وهل نودعه بصدقة، وهل نودعه بنجدة، وهل نودعه ببذلٍ وعطاء، ودعاءٍ بسخاء للمسلمين في كوسوفا؟!

    أيها الأحبة! تداركوا سويعات بقيت من يومكم هذا، وألحوا على الله في ساعة الإجابة في آخر هذا اليوم، أن ينصر الله إخوانكم في كوسوفا ، وأن يجعل لهم من كربتهم وضيقهم فرجاً ومخرجاً، وأن يحيل شتاتهم دولة، وأن يجعل تفرقهم تجمعاً، وأن يجعل الدائرة على أعدائهم: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ [الفرقان:77].. وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].. وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186].

    ألحوا على الله يا عباد الله! ألحوا على الله يا عباد الله! ألحوا على الله يا عباد الله، فإنها قاصمةٌ ليس لها من دون الله كاشفة، إن هذه المصيبة ثقتنا بأن الدعاء يرفعها وما نبذله إنما هو سبب، إن أمماً ودولاً قد أنفقت لأجل هذه المصيبة، لأجل أن تحيق بالمسلمين هذه الدائرة، وإن فتات الجيوب.. وإن فتات القوت والموائد قد لا يرفع ذلك إلا بسببٍ مباركٍ يرفعه ويقبله، وهو العمل الصالح والدعاء والعبادة، فألحوا على الله يا عباد الله، واجتهدوا وألحوا على ربكم أن ينصر المسلمين في كل مكان، وأن ينصرهم في كوسوفا خاصة، وكما قلنا في الجمعة الماضية، ستجدون على الأبواب من يجمع اليوم ما تجود به أنفسكم، ومن جاء بتبرعٍ ولو في أي يومٍ من أيام الأسبوع فليسلمه إلى مؤذن وإمام هذا المسجد جزاه الله خيراً.

    وليتحقق من أن ما يضعه هو في يد المؤذن ذاته، وهنا نداء.. نداءٌ إلى كل شاب، وإلى كل امرأة، وإلى كل فتىً وفتاة، وإلى كل ثريٍ وتاجر، وإلى كل غني أن يقدموا ما يستطيعونه، وألا يترددوا في أن يبذلوا ما يستطيعونه ويجدونه، من بذلٍ وعطاءٍ وفكرٍ ورأيٍ واقتراح، ومن أراد أن يتصل بمكتب رابطة العالم الإسلامي في الرياض ، فليتصل بها، فإنها الهيئة المكلفة من قبل ولاة الأمر بأمرٍ سامٍ لتتولى الوقوف مع المسلمين في هذه الكارثة.

    نسأل الله أن يجعل ما يبذله ولاة أمرنا لإخواننا هناك سبباً في دفع البلاء عنا وعنهم، وسبباً في استقرار الأمن في أرضنا، ونسأله سبحانه ألا يكلنا إلى أنفسنا، ونسأله سبحانه أن يرفع البلاء عنا وعنهم، وألا يجعل ما نحن فيه من نعمٍ استدراجاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أرادنا بسوءٍ فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم إنا نسألك بمنك وأسمائك وصفاتك أن تُحسن خاتمتنا، وأن تجعل ميتتنا على أحسن حالٍ ترضيك، وأن تجعل خير أيامنا يوم لقاك، وأن تثبتنا على طاعتك وعلى مرضاتك يا حي يا قويم.

    اللهم انصر من نصر إخواننا المسلمين يا رب العالمين..، اللهم انصر المسلمين في كوسوفا..، اللهم انصر المسلمين في كوسوفا ، اللهم انصر المسلمين في كوسوفا ، اللهم ارحم أيامامم وثكالاهم وأطفالهم وشيوخهم وعجائزهم، اللهم إنهم جياعٌ فأطعمهم، وظمأى فاسقهم، وعراةٌ فاكسهم، ومشردون فآوهم، اللهم تلطف بهم يا رب العالمين، واجعل الدائرة والبطش على أعدائهم، يا من لا يعجزه شيء، يا ودود، يا ودود، يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما تريد.

    نسألك اللهم أن تنزل بهم شديد بأسك وعظيم سخطك، اللهم أنزل شديد بأسك، وعظيم سخطك على اليهود والصرب ومن أعانهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم إنا نشكو إليك، اللهم إنا نشكو إليك، ضعف المسلمين أمام هذا الأمر، اللهم فلا ناصر ولا معين إلا أنت، أنت حسبنا ونعم الوكيل: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ [آل عمران:173-174].

    اللهم إنا نسألك بمنك وكرمك أن تنصرهم نصراً مؤزراً عاجلاً غير آجل، وأن تجعل ما أصابهم سبباً في عودةٍ صادقة إلى التمسك بالكتاب والسنة، وليعرفوا حقيقة دينهم الذي عاداهم لأجله، وتكالب عليهم لأجله دول الشرق والغرب من الروس ومن الصرب ومن أعانهم، اللهم عجل نصرهم، وأقم دولتهم وأرنا في اليهود وفي الصرب عاجل بطشك يا حي يا قيوم، يا جبار السماوات والأرض.

    اللهم صلِّ وسلم على محمد، اللهم صلِّ وسلم على محمد، اللهم صلِّ وسلم على محمد، اللهم صلّ وسلم على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارضَ اللهم عن بقية العشرة وآل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك، يا أرحم الراحمين.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.