إسلام ويب

كلمة الشبابللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذا الدرس تحدث الشيخ عن مشكلتين من مشاكل الشباب: الفراغ، واختيار الصديق. وقد بين السبيل إلى القضاء على الفراغ، وكذلك وضح أهمية القرين الصالح. وبعد ذلك أجاب عن أسئلة الشباب التي تحتوي على مشكلات يعاني منها أصحابها.

    1.   

    الحث على التوبة والاستغفار

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    وبعــد:

    أيها الإخوة: ما ثم فرق بيني وبينكم فأنا واحد منكم وشاب مثلكم، وفي الحقيقة قد يكون ما عندكم أكثر مما عندي ولم آت بجديد بالنسبة لكم، ولكن من الجميل أن يجتمع الشباب وأن يتذاكروا، وأن يتبادلوا النصيحة ويتباحثوا الفوائد بعضهم مع بعض، ففي بداية هذه الكلمة أحب أن أهنئكم ببلوغكم أواسط هذا الشهر الكريم، وأسأل الله جل وعلا أن يعيننا وإياكم على القيام والصيام، وأن يجعل لنا ولكم أوفر الحظ والنصيب.

    كما لا يفوتني أن أذكركم بحديث نبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (يوم أن صعد المنبر ذات يوم، فقال: آمين، آمين، آمين، فعجب الصحابة رضوان الله عليهم من هذا، فقالوا: يا رسول الله! قلت: آمين، ثم آمين، ثم آمين، سألوه عن معنى هذا التأمين، فقال: جاءني جبريل، فقال: رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم لم تغفر ذنوبه، فقلت: آمين، ورغم أنف امرئ أدرك والديه في الكبر أو أحدهما ولم يدخل الجنة، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف امرئ ذكرت عنده ولم يصلِّ عليك يا محمد، فقلت: آمين).

    فيا معاشر الإخوة: إذا لم تنطلق أرواحنا بالعبادة والتوبة والاستقامة والإخبات والخشوع والتضرع لله سبحانه وتعالى في هذا الشهر المبارك، التي تضاعف فيه الحسنات، وترفع فيه للناس الدرجات، وتصفد فيه الشياطين، وتغل مردة الجن فلا يصلون إلى بني آدم فيما كانوا يصلون إليه سابقاً، إذا لم يتب الإنسان في هذه الفترات الفاضلة والأيام الجميلة، والليالي التي تسمو بأرواح العبادة، فمتى يتوب؟ ومتى يستغفر الله؟ ومتى يستقيم على جادة الخير والصواب؟!

    أما بالنسبة حول الشباب فإن الشباب؛ بعضهم أدرى بمشاكل بعض، ولا شك أن أهم المشاكل التي تواجه أي شاب من الشباب:

    أولها: اختيار الصديق.

    1.   

    مشكلة الفراغ عند الشباب

    وثانيها: الفراغ، لا شك أن الفرغ هو الذي يولد المشكلات ولاشك أن الفراغ كما يقول الشاعر:

    إن الشباب والفراغ والجـده     مفسدة للمرء أي مفسده

    فإذا وجد الشباب بحيويته وطاقته التي لم توجه، ووجد الفراغ، وأضيف إلى ذلك شيء من المال فإن الشاب -ولا حول ولا قوة إلا بالله- قد يقع في حضيض الهاوية، وقد يكون مع الذين لا خلاق لهم في الدنيا أو في الآخرة، ينبغي على كل شاب أن يحدد ما يملأ به فراغه، والشاب الذي لم يحدد هدفاً معيناً في حياته فإن أيامه ولياليه تذهب عليه سدى.

    ومن المشاكل التي نواجهها لدى كثير من شبابنا، أنه يصبح .. يفطر .. يمسي .. يأكل .. ينام .. يخرج من البيت .. يدخل، وتدور الليالي والأيام والسنون والأعوام وما حدد هدفاً معيناً يصل إليه ولو كان بعيداً؛ المهم أن يحدد هدفاً، ولا تحقر نفسك أمام شيء، فإن من سار على الدرب وصل غايته، على أية حال أهم الأمور أن يعيش الإنسان لهدف ولغاية، ولا شك أننا بحمد الله جل وعلا مسلمون، وما خلقنا إلا لعبادة رب العالمين، ولكن أمامنا أهداف وغايات، وبين أيدينا وسائل توصلنا إلى هذه الأهداف والغايات، فمن منا حدد غايته في حياته؟! من منا حدد أمنيته وطموحه، وسعى جاداً بوسيلة مناسبة مشروعة ليصل إلى هذه الغاية وإلى هذا الطموح.

    للأسف أن البعض أو أن الكثير يعيشون بلا غاية ولذلك لا غرابة أن نجد بعض شبابنا -ولعل من ينتسبون إلى بيوت الشباب أمثالكم ليسوا من أولئك- لا دراسة .. ولا عمل .. ولا وظيفة .. لا برنامج .. لا دورات تدريبية .. لا نشاط، لم ينخرط في تجنيد، في عسكرية، أو في أعمال فنية أو تدريبات مهنية، إنما هو عالة وعبء على المجتمع، بالعكس هؤلاء كما تقول التقارير والأبحاث العسكرية أنهم يشكلون النصاب الأعظم بالنسبة للجرائم أياً كان نوعها، تكثر هذه الجرائم مع الذين لا نصيب لهم لا في التعليم ولا في العمل ولا في الدورات التدريبية أو التعليمية أو العسكرية وغيرها.

    إذاً: فلابد من تحديد الهدف والغاية، والذي لا غاية له في حياته يا إخوان لا قيمة له، أي: أنت تعيش لتأكل، والبهيمة تعيش ونسمنها لتأكل وإذا جاء وقت الحاجة ذبحناها وأكلناها، فلا فرق بين الإنسان الذي لا هدف له ولا غاية ولا يشعر أنه مسلم، يشعر بعقيدة ويشعر بإسلام ودين يعتز به ويسعى إلى دعوة الناس إليه، فإن هذا قد يكون من رعاع، وكما يقول إبراهيم بن أدهم: حينما حدد أناساً ينبغي أن يكون الإنسان واحداً منهم، يقول:

    إذا ما مات ذو علم وتقـوى     فقد ثلمت من الإسلام ثلمه

    وموت الحاكم العدل المولـى     بحكم الأرض منقصة ونقمه

    وموت فتى كثير الجود مـحل     فإن بقاءه خصب ونعمه

    وموت الفارس الضرغام هـدم     فكم شهدت له بالنصر عزمه

    وموت العابد القوام ليلاً     يناجي ربه في كل ظلمه

    فحسبك خمسة يبكى عليهـم     وباقي الناس تخفيف ورحمه

    وباقي الخلق همج رعاعٌ     وفيه إيجادهم لله حكمه

    لله جل وعلا حكمة فيما ترون من الكثير من الرعاع، ومن الناس الذين لا يدركون حياة ذات هدف يسعون إليه ليشعروا بالحياة الكريمة، ولذلك فالإنسان الذي لا هدف له تجد أنه يشعر بشيء من الخضوع والذلة في نفسه، أنت حينما تأتي إلى إنسان منضبط في الوظيفة فيقول: والله -يا أخي- أنا منضبط بعملي، يشعر بكرامة نفسه وباحترام وقته، لكن إنسان لا عمل له مستعد أن يخرج مع هذا، ويسافر مع هذا، ويذهب مع هذا، ويقبع في البيت يومين ثلاثة مع هذا ولا نتيجة له، وفي يوم من الأيام قد يموت الذي يعوله فيعيش في أكثر المشاكل.

    بتحديد الهدف والعمل له يقضى على الفراغ

    يا إخواني .. يجب أن نقضي على أهم مشكلة في مشاكل الشباب وهي الفراغ بتحديد الغاية والهدف، وفي نفس الوقت سلوك الوسيلة المناسبة المشروعة إلى ذلك، ولست أحدد هدف الشاب بشيء معين، ينبغي لكل شاب أن يكتشف الجانب الذي تبرز نفسه فيه، والمواهب والطاقات الكامنة في نفسه فيتوجه إليها، قد يحب أن يكون عسكرياً تحب أن تكون طياراً .. تحب أن تكون قائداً .. تحب أن تكون جندياً .. تحب أن تكون مدرساً، طبيباً، مهندساً، مهنياً، أي تخصص ينبغي أن تكتشف مواهبك في البداية، وفي الحقيقة لاَ أمْثلَ من بيوت الشباب والمراكز الصيفية ومراكز الأنشطة الدراسية وغيرها، فهي تكتشف الشباب وتكتشف مواهبهم، وبعد ذلك يستطيعون أن ينموا هذه المواهب فعلى ذلك:

    النقطة الأولى: تحديد الغاية والهدف، تحديد الوسيلة التي نسلكها، في نفس الوقت ينبغي ألا نلزم أنفسنا، يعني: هل ينبغي أن نكون كلنا علماء شرعيين، أو ينبغي أن نصير كلنا تجاراً، أو كلنا نصير أطباء أو مهندسين؟ لا .. وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً [الزخرف:32] رب العالمين جل وعلا وزع هذه المواهب والطاقات بين الناس لحكمة، ولو كان من شاء أن يصل إلى أمر معين وصل لم يخدم أحدٌ أحداً ولم ينفع أحدٌ أحداً، كل الناس يبقون في درجة واحدة وتفسد مصالح الحياة، وبعد ذلك لا يبقى سبيل إلى عمارة الأرض، ولذلك جعل ربنا جل وعلا الناس والمواهب والطاقات درجات ليخدم فيها بعضنا بعضاً:

    الناس للناس من بدو وحاضرة     بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

    أكبر إنسان في الدولة وأصغر إنسان فيها لابد أن يكون خادماً لبعض، هذا مدرس، وهذا مسئول، وهذا قائد، وهذا حاكم وهذا قاضٍ، وهذا وهذا، وكلٌ منهم يقدم خدمات للبعض، وبذلك يتكامل البنيان الاجتماعي والبنيان الإنساني في أي مجتمع من المجتمعات سواء كانت صغيرة أو كبيرة.

    1.   

    اختيار الرفقاء والأصدقاء

    الإنسان كما يقول علماء الاجتماع: اجتماعي بطبعه ولابد له من جلساء، ولابد له من أصدقاء.

    وعند ذلك تأتي مشكلة ثانية من مشاكل الشباب، وهي اختيار الجليس والصديق، ولو أردنا أن نسأل أنفسنا الآن من بداية مراحل الدراسة الإعدادية -فلنترك الابتدائية لأنها في الغالب مراحل طفولة- أو بداية مراحل الثانوية إلى الجامعة إلى ما بعد التخرج، كم صديق تعرفنا عليه، والله في الحقيقة لنعجز أن نحصر هؤلاء الأصدقاء، ولكن هل ينطبق عليهم قول القائل: زينة في الرخاء، وعدة عند البلاء. في الحقيقة النادر والقليل القليل من هؤلاء الذين نجدهم في هذا الزمن.

    إذاً: فاختيار الصديق من أهم المشاكل التي تواجه الشاب، وكثيراً ما نجد شباباً وثقوا بأصدقاء وجلساء، وبعد ذلك وجدوا يوماً من الأيام أنهم أصيبوا بخيبة أمل وانتكاسة شعور حينما وجدوا أن هذا الصديق صديق مصلحة، وصديق تجارة وصديق هدف وغاية، ولا حول ولا قوة إلا بالله! قد تكون هذه الغاية في مرحلة من مراحل العمر دنيئة وسيئة وخبيثة.

    إذاً: فلننتبه إلى مسألة الجليس كما يقول الشاعر:

    إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم     ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي

    عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه      فكل قرين بالمقارن يقتدي

    إذاً: لابد أن نمتثل قول الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28] إذا كان هذا خطاب الله جل وعلا لنبيه المعصوم صلى الله عليه وسلم وخاتم الأنبياء والمرسلين وأفضل الخلائق أجمعين، أليس من باب أولى أن نتخذ نحن جلساء صالحين أخياراً، وأريد أن أحدد مقياس الصلاح -والكمال لله جل وعلا- حينما تجد صديقاً كما يقول ابن قدامه في مختصر منهاج القاصدين: وخير الأصدقاء من غلبت حسناته على مساوئه، أهم شيء في هذا الصديق أن يكون صديقاً في الحق لا معيناً على الباطل، أن يذكرك إذا نسيت أمراً من أمور الدنيا والآخرة، وأن يعينك إذا ذكرت هذا الأمر، وبعد ذلك فالزم هذا الصديق وتمسك به فإنه نادر في هذا الزمان، وما كثرة الأصدقاء في هذه الأيام إلا وبال وقد تكون على البعض مصائب، كما يقول القائل:

    عدوك من صديقك مستفاد     فلا تستكثرن من الصحاب

    فإن الداء أكثر ما تراه     يكون من الطعام أو الشراب

    الطعام والشراب الذي هو محبب للنفس كثير من الأمراض هي بسببها، إذاً: فهذا الصديق وكثرة الأصدقاء الذين لم نصاحبهم على أساس وعلى مبدأ معين فإننا في يوم من الأيام سنتأسف لصداقتهم ونعض على أصابع الندم والخيبة والويل لأننا صاحبناهم أو جالسناهم، وكم من صديق كان سبباً في هلاك صديقه.

    هناك أناس لم يحددوا ميزان الصداقة وجالسوا أناساً لم يعرفوا حقائق نواياهم، وبعد ذلك وجدوهم في يوم من الأيام أصحاب مصائب وأصحاب أمور محظورة، يعني: ليس بعيداً عنكم أصحاب مخدرات وأصحاب مشاكل، ويوم من الأيام يقبض على هؤلاء ويقبض على من حولهم وكما يقال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.

    من كان مع الأخيار فله حظ معهم، ومن كان مع الأشرار فينال مما ينالون إما من سوء السمعة، وإما أن يكون شريكاً معهم في العقاب والعذاب عياذاً بالله.

    إذاً: علينا -يا معاشر الإخوة- أن نكون دقيقين في تحديد الأصدقاء، ولو أراد الإنسان أن يحدد الصديق الذي يجده عند الحاجة والله إنك لن تجد صديقاً، لو ألمت بك حاجة من حاجات الدنيا اليسيرة وكتبت قائمة بأسماء الذين تعرفهم، تقول: أذهب إلى فلان؟ لا، والله لا آمن عليه، أذهب لفلان؟ ما عنده شيء، أذهب لفلان، ذاك لا يستطيع أن يساعدني، إذاً أين أصدقاؤك الذين تذهب معهم وتسافر معهم، يعني: الأصدقاء معك في حال نعمتك بعيدين عنك في حال حاجتك، ليس والله هؤلاء بأصدقاء، وإنما هم أعداء، وسرعان ما يتكشف لك أن صداقتهم سحابة صيف عن قريب تنقشع، وكما يقول الشاعر:

    شيئان ينقشعان أول وهلة     شرخ الشباب وخلة الأشرار

    1.   

    حديث عن فترة الشباب وأهميتها

    والأمر الثالث: فترة الشباب، وهي الفترة الذهبية؛ شباب العقل والقوة .. شباب الجسم والفهم، كل ذلك في مرحلة الشباب، من استطاع أن يستفيد في مرحلة شبابه فهو بإذن الله جل وعلا يستقيم على جادة سليمة وعلى طريق مستقيم إلى أن يتوفاه الله جل وعلا من هذه الدنيا بعد عمر طويل وأعمال صالحة، لكن الإنسان الذي ما استطاع أن يغلب نفسه في مرحلة القوة وفي مرحلة الشباب هل يستطيع أن يغلب نفسه في مرحلة الضعف؟ إذا قلنا: مرحلة الشباب هي أقوى مرحلة تستطيع أن تتخذ فيها القرار، وتستطيع أن تنفذ وأن تخطط وأن تعد الوسائل لأمنياتك، هذه مرحلة الشباب إذا كنت عاجزاً عن تحقيق أمانيك في مرحلة شبابك، فهل تحققها بعد أن تكون هرماً وبعد أن تكون في الأربعين والخمسين؟

    إذاً -يا إخواني- ينبغي أن نستغل مرحلة الشباب، وأنا في الحقيقة أقول: إن الذي خرج من العشرين وصار إلى الثلاثين ولم يحدد هدفه ولم يحدد مركزه الاجتماعي في مجتمعه، ولم يحدد مستواه المالي ولا أقول: المال هو هدف، لا. وإنما تعيش عيشاً هنيئاً كريماً فإن هذا يعيش خبالاً ووبالاً، أو يعيش كما يعيش كثير من الناس بلا هدف وبلا غاية، من العشرين إلى الثلاثين في الحقيقة ينبغي أن يسخر الشباب أهم نشاطاته ولا يعني أن يهمل المرحلة فيما قبلها.

    ومرحلة الشباب هي أفضل مراحل العبادة، وهي أفضل مراحل الإنابة، وهي أفضل مراحل التوبة إلى الله عز وجل، والذي لم يتب إلى الله في شبابه لا يستطيع أن يتوب في المستقبل، لماذا؟ لأن النفس تشب على ما عودتها:

    والنفس كالطفل إن تهمله شب علـى     حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

    فالطفل لولا تعود أنه ينفطم عن ثديها وعما نسميه بالرضاعة وغيره، قد يكبر ويعيش وهذا الحليب معه في هذه القنينة أو في هذه الزجاجة إلى أن يكبر، ولا يرده إلا الناس، يستحي منهم وإذا عاد إلى بيته استعملها؛ لأن الشاب تعود على ذلك، النفس كالطفل إذا أهملتها شبت على كل ما ترتاح إليه من الخور والكسل والهوان وشهوات النفس، والذي يغلب نفسه هو الذي يفوز بالفلاح والنجاة إن شاء الله، يقول الشاعر:

    وكل امرئ والله بالناس عالـم     له عادة قامت عليها شمائله

    تعودها فيما مضى من شبابـه     كذلك يدعو كل أمر أوائله

    علماء السلف في طلب العلم يقولون: من كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة، لكن الذي بدايته ضياع هل يجني من الشوك عنباً؟ لا والله ما يجني إلا شوكاً ومراً وغسليناً.

    إذاً -يا إخواني- لا أحب أن نكثر الحديث وأحب أن أستفيد، والله إنها لفرصة سعيدة أن ألتقي بكم، وأسأل الله جل وعلا أن ينفع أمتنا بكم، وأن ينفع أمة الإسلام بالشباب.

    حاجة الأمة إلى شبابها

    والله -يا إخوان- نحن في أمس الحاجة إلى شباب أمتنا، ونحن في انتظار اليوم الذي نشهد جميع الميادين يملؤها شباب، ونشهد جميع الميادين العسكرية والمدنية والفنية والاجتماعية والشرعية والتعليمية والقضائية يملؤها شباب، ولا أعني بذلك عصبية لشبابنا دون غيرهم، وإنما أقول: إننا في هذه البلاد -ولله الحمد- قد تيسر لنا ما لم يتيسر لكثير من شباب العالم على الإطلاق، غيرنا لا يعيش شبابه إلا بين النار والبارود والزناد والصاروخ والقنابل وغير ذلك.

    وأسأل الله جل وعلا أن يرد بلادهم إليهم وأن ينصرهم، أضرب مثلاً بالشباب الفلسطينيين، والله -يا إخوان- لو أردتم أن تعرفوا أين شباب فلسطين الآن؛ جزء في ألمانيا .. جزء في تونس .. جزء في مصر ، متفرقون، ومع ذلك وجدت من بينهم شباباً يتنافسون على أرقى المستويات العلمية والتعليمية، ويجتمعون ويجتهدون ولا زالت الآمال تداعب خواطرهم والحقائق تسعى إليهم رويداً رويداً -بإذن الله ثم بجهادهم واستعدادهم وتدربهم- إلى أن يعودوا إلى بلادهم؛ لأن المؤمن منهم والتقي الذي يؤمن بكتاب الله وسنة رسوله يعلم صدقاً وحقاً حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود) وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم! ورائي يهودي فاقتله) فالمستقبل للمسلمين.

    وهذه الدنيا والبداية الحقيقة للدنيا هي يوم بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما قبل ذلك ليست بحياة، فالحياة الحقيقية هي حياة الإسلام الذي نظم تلك الأمم التي كانت تعيش شريعة الغاب، قويها يقتل ضعيفها، والبقاء للأقوى، فقد كان هذا هو مقياس الحياة حينما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: بدأ الإسلام غريباً ثم قوي واشتد في صدر الإسلام وتوسعت رقعة الخلافة، ثم انحسر مد الإسلام.

    أنتم تعرفون أن مد الإسلام وصل حدود فرنسا، ووصل أماكن كثيرة جداً، ثم انحسر ذلك بسبب ضعف المسلمين، كان للدولة العثمانية أثراً عظيماً في بقاء اسم الخلافة الإسلامية سنين طويلة، وكان لبعض الدويلات التي تلت عصور الطوائف وعصور الأندلس وغيرها كان لها أثراً في بقاء اسم الخلافة الإسلامية، الآن لا نكاد نجد بلاداً تحكم بشريعة الإسلام وتطبقها في أهم أمورها وملزمون بتطبيقها بصغيرها وكبيرها إلا هذه البلاد فقط، أما بقيتها فتطبق القوانين الرومانية والفرنسية، القاتل يسجن حتى يموت إلا إذا كان له محامٍ ذكي، وابتكر طريقة معينة وأخرج بها هذا القاتل يقوى الثاني والثالث والرابع، هاتوا بلاداً القاتل فيها يقتل، والسارق تقطع يده، الذي يقف إلى الناس ويخوفهم في طريقهم يقام عليه حد الحرابة: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [المائدة:33] الزاني يجلد والمحصن يرجم.

    هذا -يا إخوان- نادر من كثير من بلدان العالم، قد يقول البعض: لا. لدينا بعض القصور في تطبيق بعض الجوانب، نقول: نحن بشر ولسنا ملائكة، والبشر -إن شاء الله وبعون الله جل وعلا- يسيرون نحو الكمال والتمام.

    إذاً: نحن في فرصة لا يعيشها أي فئة وأي طائفة من شباب دول العالم أجمع، تعليم مجاني بجميع مراحله؛ روضة وابتدائي وإعدادي وثانوي، وجامعي وماجستير ودكتوراه وأعلى من ذلك، والدولة تبعث من تجد فيهم الكفاءة والبركة ليحضروا التخصصات التي ليست موجودة ولكي ينفعوا البلاد من جديد.

    يا إخوان: ماذا بقي علينا؟! والله ما بقي علينا إلا أن نقدم وننفع ونجود، وأن نعيد ما استفدناه وما تربينا به أو فيه من ظل سماء هذه البلاد الطيبة ومن خيراتها وما فيها؛ لكي نرد شيئاً من الواجب وليس فيه منة، بل المنة لله جل وعلا والفضل لله جل وعلا الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ولا أحب أن أطيل وأحب أن أسمع منكم ما تود به نفوسكم أن تقولوه والله أعلم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الجلوس مع شباب غير ملتزمين

    السؤال: أنا شاب أحب الخير وأحب الصالحين الطيبين، ولكني أصاحب أناساً يدخنون وكلامهم غير طيب، وقد يؤخرون الصلاة ويغتابون الناس ولا يشجعونني على الخير، فبماذا تنصحني جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أولاً: أسأل الله جل وعلا أن يمن على من تصاحبهم بالهداية، وأن يهديهم إلى الانتباه والالتفاف للصلاة مع جماعة المسلمين، والاهتمام بالصلاة بحد ذاتها أولاً وأخيراً، وإلى ترك ما يضرهم من التدخين وغيره من العادات السيئة.

    في الحقيقة: الآن الإنسان يعيش أمام جمع كثير من الأصدقاء والجلساء وله أن يضع نفسه في المقياس الذي يريد، الناس اليوم في المجتمع طبقات، فإن شئت أن تضع نفسك مع الطبقة -ما أقول مجتمعنا طبقية اشتراكية، أو طبقية ما يسمونها بروتاريا وطبقية أخرى لا- أي: أن الناس فئات في هذا المجتمع تجد فئة مثقفين نبلاء عقلاء، وتجد فئة لا يهمها في جميع الأحوال إلا اللهو واللعب، وتضييع الأوقات بأي سبيل من السبل وبأي وسيلة من الوسائل، فأنت في البداية أين تريد أن تضع نفسك، تريد أن تكرم نفسك فاصحب خيار القوم كما قال الشاعر:

    إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم     ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي

    ثم يا أخي العزيز! خذها قاعدة: الإنسان يتأثر بجليسه قد يقول: لا. أنا لست أدخن معهم، لا شك أن التدخين ضار ولسنا الآن في صدد بيان مضار التدخين، لكن أقول يا أخي العزيز: جليسك يؤثر عليك تأثيراً نفسياً قبل أن يكون تأثير عادات وتأثير سلوك.

    يذكرون أن أحد الملوك أهدي إليه حصان، فاستشار وزيراً فطناً ذا فراسة قال: يا وزيري! ما رأيك في هذا الحصان الذي أهدي إلي، قال: هذا حصان أصيل ومن سلالة عريقة، لكن هذا الحصان قد تربى مع بقر، فاستغرب الملك وقال: كيف عرفت أنه تربى مع البقر؟ قال: لأن من عادة الخيل أن تتنظف بأسنانها وليست تتنظف بلسانها، فهذا دقق النظر في طريقة تنظف هذا الفرس فوجده يتنظف بلسانه، والخيل من عاداتها أن تتنظف بأسنانها، فبهائم طباعها أثرت على بعض فما بالكم بإنسان له عقل وله فؤاد وسمع وبصر ألا يتأثر بطبيعة جلسائه؟ والله ليتأثر.

    بعد أيام أهدي إلى هذا الملك صقر فاستدعى وزيره صاحب الفراسة، قال: يا وزيري! ما رأيك بهذا الصقر الذي أهدي إلي؟ قال: والله صقر ما مثله أبداً؛ لكن هذا الصقر تربى مع دجاج -ولعلكم تضحكون- قال:كيف تربى مع دجاج؟ قال: لأن من عادة الصقور أن تحلق في السماء وليس من عادتها أن تخنع بنظرها إلى الأرض، الصقر لا يبحث عن حب في الأرض ويلقطه، لا، الصقر دائماً تكون عيونه إلى السماء يرى فريسة تحوم فينقض عليها ويأتي بها إلى الأرض، لا يلتقط شيئاً من الأرض.

    فيا إخوان! ليس غريباً أن يتأثر الإنسان بمن يجالس، ولولا أن الإنسان يقدر صداقات ومودات بينه وبين أحبابه لتمنى أن يجالس من هو أفضل منهم علماً وأدباً ونبلاً وأخلاقاً؛ لأنك يوماً بعد يوم تزداد من صفاتهم وتكسب من أخلاقهم، ويا حبذا أن يكون لك دور ونشاط طيب في أنك تبحث عن جليس أو جلساء صالحين وتـترك جلساءك هؤلاء.

    يا إخوان: يجب أن نفهم الدين فهماً طيباً، لا يعني حينما نقول: جلساء طيبين، نتكلم باللغة ولو كانت عامية، لا يعني أن يكون شاباً معقداً كما يقول البعض، وحاشا لله أن يكون الشاب مستقيماً يفهم الدين فيكون معقداً، لكن إذا قصر البعض بتطبيق السنة وإذا أساء البعض أسلوب الدعوة إلى الإسلام فينبغي ألا ننسب الدين وألا ننسب التدين إلى كثير من الشباب في هذا الأمر، ينبغي أن نفهم الأمر، البعض يقول: لا. أنا حينما أكون متديناً يبقى لي ثوب نصف الساق ويبقى لي سواك ما يطيح ولا يطلع من المسجد، يا أخي! أنت بشر والبشر يذنبون ويستغفرون، والصحابة وهم أفضل الخلق بعد رسول الله أذنبوا واستغفروا، أهم حاجة أن نكون على التزام ولا يعني أن الملتزم لا يسقط على الطريق لا قد يسقط ويرجع.

    صحابي جاءته امرأة لتشتري منه تمراً -كان تماراً- فأعجب بجمالها فقال: لعل في البيت تمراً أجود من هذا، فلما خلا بها إلى داره كان بينه وبينها ما ينبغي إلا أن يكون ما بين الرجل وزوجته من الضم والتقبيل؛ إلا أنه لم يفعل معها ما يفعل الزوج من جماع زوجته، كما يقولون: من بعيد لبعيد، فندم على ذلك واستغفر وتاب، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره، فأطرق صلى الله عليه وسلم هنيهة حتى تغشاه الوحي ونزل قول الله جل وعلا: وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114] أكثر من الحسنات وتب من السيئات.

    المصيبة إذا وقعت السيئة أن تتبعها سيئة، المهم إذا استطاع الشيطان أن يغلبك فلتعقب ما عمله الشيطان بتوبة واستغفار؛ لأن الله جل وعلا يوم أن وصف المؤمنين في سورة آل عمران، قال: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا [آل عمران:135] ينبغي أن تقلع عن الذنب: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] أولئك: فذكر الله مصيرهم وما أعد الله لهم في الدنيا والآخرة من النعيم والطيبات في الدنيا والآخرة.

    إذاً: يا إخواني! المهم أن نفهم حقيقة التدين، وأن نفهم حقيقة الالتزام، أهم أمر أن الإنسان لا يقع من سيئة إلى سيئة، وإن كانت المعاصي بعضها تدعو بعضاً، السيئة تقول: أختي أختي، والحسنة، تقول: أختي أختي، ولكن الإنسان الذي يعصمه الله جل وعلا وإن وقع في معصية فإنه يستغفر ويتوب ويعود إلى الطريق المستقيم، ومع ذلك يبقى مع جلسائه ومع أصدقائه الطيبين وإن كان الشيطان يأتيه يقول له: لا. أنت منافق تجالس هؤلاء الطيبين وأنت تذنب؟ لا. اذهب وابحث لك عن شلة فاسدة مثلك حتى تعمل أنت وإياهم كل شيء، ولا تكون معهم أربعاً وعشرين ساعة على هذا المنوال وعلى هذا الخط، لا. هذا ليس صحيحاً، الشيطان يريد أن يبعدك مرحلة مرحلة حتى تقع في الحضيض والهاوية، لكن إذا أذنب الإنسان قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أنا بشر وأخطأت، وباب التوبة مفتوح، وكلكم يعرف قصة رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، هل هناك أعظم من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق بعد الشرك؟ لا أعظم من ذلك، قال رب العالمين: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    يا إخوان! المعصية صار لها آثار على النفس، لها آثار في نفسك، وعلى علمك، وعلى استقامتك، وفي رزقك: (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) لكن أهم شيء أنك إذا وقعت في معصية أو في شيء من هذا أن تعود إلى الله.

    أسأل الله للجميع التوفيق والاستقامة على دينه.

    سبب عزوف الشباب عن المحاضرات والدروس

    السؤال: فضيلة الشيخ! جزاك الله خيراً، السلام عليكم ورحمة الله، أني أحبك في الله، ما هو رأيك في السبب الرئيسي لعزوف الشباب عن المحاضرات الدينية وعما ينفعهم، ولهوههم في الملاهي المختلفة وإضاعة الوقت؟

    الجواب: أولاً: أحبك الله الذي أحبيتني فيه.

    ثانياً: أسباب عزوف الشباب عن بعض المحاضرات لها أسباب نفسية، ولها أسباب في الحقيقة تكون من ضعف الإنسان ومن غلبة شيطانه عليه، والذي لا يجاهد نفسه لا يصل إلى معالي الأمور، من يريد أن يصل إلى معالي الأمور يحتاج إلى جهاد:

    وإذا كانت النفوس كباراً     تعبت في مرادها الأجسام

    الذي نفسه كبيرة وشامخة وعالية وعظيمة يحتاج إلى نمط معين من الحياة، يحتاج إلى أسلوب راقٍ ونظيف ومستقيم ونزيه وكما قلت: لا يعني أنه لا يخطئ، يخطئ ويستغفر، يذنب ويتوب، الناس بشر فأهم شيء أن الشباب قد لا يبذلون جهداً في مجاهدة أنفسهم، وأضرب على ذلك مثالاً: تجد البعض يتكاسل إذا سمع المؤذن أن ينهض من فراشه وأن يقوم إلى الصلاة، دعونا من المحاضرات، نتحدث في الواجبات، الكثير منا قد يسمع الأذان وقد يصلي في بيته، وقد ينام ثم إذا استيقظ صلى، في الحقيقة قد يكون شيطانه ولاشك قد غلبه واستطاع أن يصده عن ذكر الله وعن سبيل الخير، وأشغله بأمر آخر حتى ترك العبادة.

    إذاً: ومن أسباب عزوف الشباب عن هذه الأمور نقصان المجاهدة، طريق الجنة كما يقول الرسول محفوف بالمكاره وطريق النار محفوف بالشهوات، يعني: خذ مثالاً واضحاً ولو كان فيه بساطة: طريق الجنة وطريق النار كرجل أطلق سيارة من أعلى جبل، سواءً كانت هذه السيارة تشتغل أو ما تشتغل، فيها بنـزين أو ما فيها بنـزين، هذه سيارة تنـزل في الهاوية أياً كان مستواها، لكن إنسان يريد أن يرحل بدابته أو بسيارته إلى القمة من القاع أو من مستوى الأرض إلى أعلى لا يحتاج إلى جهد، يحتاج إلى قدرة ويحتاج إلى بذل ومجاهدة حتى يصل إلى ذلك، فطريق النار حفت بالشهوات وما تشتهيه الأنفس، وطريق الجنة حفت بالمكاره، والقليل من الناس الذي يصبر على المكاره ويحتسب ما عند الله.

    الأمر الثاني: لعل البعض منكم ليس عنده ميول فكرية وثقافية، مشكلة جميع شبابنا في الغالب أننا لا نحب القراءة، النادر الذي يحب القراءة، ولقد تعجب حينما تكون في دولة أوروبية وتجد الطفل أو المرأة أو الإنسان يمشي في الشارع أو في أي مكان عند تذاكر في القطار ومعه الكتاب يقرأ، وفي الحقيقة لا يقرأ عبادة، لكن يعرف أن هذا وقته لابد يعطيه الشيء، وإن كان في كثير منها أمور خسيسة ودنيئة ورذيلة، لكن تعجب من كيفية استفادتهم في الوقت، يعني: هو يكرم نفسه في أن يخرج بنظرات عابثة وضائعة، بدل من أن أنظر في الغادي والرائح آخذ كتاباً وأقرأ.

    كثير من الشباب ما عندهم محبة للعلم والمعرفة، والكثير من المحاضرات لو استمعنا إليها وحرصنا عليها لكان للإنسان خلفية وثروة علمية، سواء في الأحكام أو في الثقافة الإسلامية، أو في النظم الإسلامية أو في أي مجال من المجالات.

    والخلاصة: أنى أرى سببين رئيسيين، ضعف مجاهدة النفوس، وتصور البعض أن هذه المحاضرات ليس فيها فائدة، والأمر الثالث: عدم الرغبة في القراءة، وهذه أمور ينبغي أن ننتبه لها.

    تحذير من ترك الدين بسبب ارتكاب الذنوب

    السؤال: هناك بعض الشباب إذا وقع في المعصية، يقول: إني أذنبت، فيترك الدين، فنريد منكم نصيحة لهؤلاء الشباب، هناك أسئلة تدور حول هذا الموضوع؟

    الجواب: يا إخواني .. بكل صراحة أنا أحد إخوانكم أي: بفضيلة أو سماحة وإنني أجزم وأتأكد أن من بينكم من هو أفضل -إن شاء الله- مني.

    يا أخواني هنا نقطة نناقشها هذا هي الدرجة الأولى، الشيء الثاني: مسألة كون الإنسان إذا أذنب ترك الجلساء الصالحين وسلك سبيل الفاسدين، أو سبيل الخسار والوبال في الدنيا والآخرة لاشك -كما قلت- أن ذلك من غلبة الشيطان عليه، لو تأمل كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لوجد في ذلك خيراً عظيماً.

    وحشي بن حرب لما قتل حمزة سيد الشهداء عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي كان قتله بالنسبة للرسول مصيبة من أعظم المصائب، كان وحشي يقول: ما من توبة، أنا قتلت أحب الناس إلى قلب رسول الله، فنزل قول الله جل وعلا: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر:53] يا إخواني! نداء رباني لطيف.

    والله قلوبنا في قسوة، إذا قرأنا القرآن نقرأ صفحة واحدة بتأمل وبتدبر أحسن من قراءة جزئين أو ثلاثة بهذٍ ونثر: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53] أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والمعاصي: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] .. وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر:54] .. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الزمر:55].

    فالآيات جاءت بدعوة الناس إلى العبادة وإلى التوبة وهي تجب ما قبلها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إني لأتقاكم لله وأخشاكم له، وإني لاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من مائة مرة) الرسول المعصوم صلى الله وسلم عليه الذي هو معصوم عن الذنوب والخطايا يستغفر الله ويتوب إليه، نحن أولى بالاستغفار، كلامنا يقع من الغيبة، نظراتنا شاردة، عباراتنا أحياناً تكون خارجة، يقع منا الزلل كثيراً، نتهاون ببعض الواجبات؛ لكن لا يعني ذلك أننا هلكنا، لا. لا نعين الشيطان على أنفسنا، لا نترك للشيطان ثغرة على أنفسنا.

    يقولون: إن الشيطان سأله أحد الأنبياء السالفين لا أدري من هو، قال له: كيف الناس معك؟ قال: طائفة منهم كالكرة في يد طفل -أي: يعبث به كما يشاء- وطائفة منهم نجتهد في ضلالهم وفسادهم فينقضون ما بيننا وبينهم بقولهم أستغفر الله، وكما في الحديث: (من لازم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً) فلا غرابة -يا إخوان- أن نستغفر، ولا غرابة أن نقع في الغلط، يعني: كون الإنسان يلتزم بجلساء صالحين، فهل يكون عند ذلك ملكاً لا يخطئ أبداً!

    يا إخوان! هل يترك هواياته التي يحب أن يمارسها من الهوايات التي هي مباحة شرعاً من سباحة أو رياضة أو تنس أو طائرة أو كاراتيه أو غير ذلك؟ لا. غير صحيح، المهم التزامك بالدين وتقديرك للدين في ذاتك، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه).

    فأعظم القربات -يا إخوان- هو إتيان الإنسان بالأمور الواجبة، يعني: لأن يصلي العشاء مع الجماعة أفضل لي من أن تفوتني الصلاة مع الجماعة وأقوم ليلة كاملة من الليالي، لا والله أصلي العشاء مع الجماعة وحينما أسمع داعي الفلاح المؤذن أتهيأ وأستعد للصلاة وأعرف أني بين يدي رب العالمين، وبين دعاء وسؤال واستغفار، وإخبات وخشوع وإنابة، والله هذا أحب إلي من أن أقوم الليلة هذه كلها وأن تفوتني صلاة العشاء، (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده الذي يبطش بها، ورجله الذي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).

    يا أخي! الزم الاستغفار وعد إلى الله في كل صغيرة، قال العلماء: وليس بشرط التوبة ألا يعود إليها، من شرط التوبة ألا يعزم الإصرار على المعصية.

    فرق في أنك تتوب إلى الله قد تقع ثانياً فيما تبت إلى الله منه، تب إلى الله توبة ثانية، تب إلى الله توبة ثالثة، تب إلى الله في كل يوم يا أخي، قد تخطفك الآجال وأنت لا تدري، شاب يخرج من بيته، فإذا كان يلزم الاستغفار والتوبة إلى الله فهذا شاب -إن شاء الله- يرجى له خير عظيم، إذا صلى كان على الإسلام، مات على شهادة لا إله إلا الله والحمد لله رب العالمين ومات على توبة، ورب العالمين يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، لكن مشكلة الشاب أنه لا يفكر بالتوبة أساساً، ولا فكر بالدين ولا بالالتزام بالواجبات، هذا متى يعود إلى الله؟!

    من فترة زارني شاب ومعه صديق يعمل في مطار الرياض، قال: شهدنا في مطار الملك خالد جنازة شاب مات في فندق اسمه قريش، كثير من الشباب يعرفون هذا الفندق ولا غرابة لا يضحك أحد يا إخوان، لا غرابة في ذلك فندق اشتهر به شبابنا، وخاصة شباب دول الخليج عامة، هذا الفندق دخل هذا الشاب وذكر من أمور بعض هذا الشاب وهو مريض، قال: والله ثم والله إنه لما تأخرت عليه بغي من البغايا فلما أتت سجد لها.

    يا إخوان! هل بعد هذا ضلال؟ هل بعد هذا وباء؟ وهذا الشاب جاءوا به جنازة طرف في الفندق، يعني: يا إخوان! الإنسان يبعث يوم القيامة على ما مات عليه، وأسأل الله أن يتوب عليه، اذكروا محاسن أمواتكم، لكن هذا الشاب -يا إخوان- لو كان مات وفي فمه زجاجة خمر، أو مات في أحضان باغية، أو مات على قمار وميسر، أليس آمل أن يموت وهو في بلاده أن يموت وهو في طريقه، وليس أشرف وأفضل وأنبل أن يموت وهو في عمله، أن يموت وهو في محرابه ساجداً، لكن انظروا يا إخوان ما مات عليه، يقول أحد السلف، قالوا: نراك تخاف من المعاصي والذنوب، قال: نفسي تجاهدني على المعصية، النفس الأمارة بالسوء تريد للإنسان أنه يفعل المعاصي، لكن أخشى أن تفاجئني المنية وأنا على هذه الحال، إنسان تختم لك خاتمة السوء بسبب معصية من المعاصي والعياذ بالله! إذاً فلنلزم الاستغفار ولا تزال ألسنتنا رطبة بذكر الله جل وعلا.

    أسأل الله جل وعلا أن يمن على شباب المسلمين بالتوبة والهداية، وأسأل الله أن ينفعنا وأن ينفع الأمة بالشباب.

    احتجاج بعض الشباب بقضاء الله وقدره في الضلال

    السؤال: بعض الشباب الضالين يقول: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فأنا أضلني الله، فأنا يائس، والعياذ بالله؟

    الجواب: يا أخي: إن شاء الله أنك ما ضللت، سؤالك هذا يدل على أنك ما ضللت ولله الحمد، إن شاء الله أنت بخير لم تضل، وإن كان السؤال فيه شيء من التحدي يقول الله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29] رب العالمين يشاء ولك مشيئة، فأنت لو أردت أن تسلك هذا السبيل ما ردك أحد.

    إذاً: امتنع عن الأكل والطعام والشراب وقل رب العالمين ما قدر لي أن آكل. وبعد يومين ثلاثة تنظر كيف سيحركك الجوع لتأكل، لا تقل: مقدر علي هذا، إذا كان مقدراً عليك الجوع بعدم الأكل فمقدر لك الشبع بالأكل اذهب فكل فتجد ذلك مقدوراً، إذا كان مقدراً لك الضلال بعدم استقامتك الزم طريق الخير يقدر لك الخير، اجلس في البرد وقل: رب العالمين مقدر علي البرد هذا إلى أن أموت فيه، يقول لك شخص: يا أخي! مكتوب عليك اجلس، تقول أنت: لا، ثم سترجع إلى البيت لتشغيل المكيف الحار وتأخذ البطانية لتتقي البرد، فأنت عندك إرادة، إذاً: إرادتك أين هي من هذا الباب لماذا لا تقلع؟ أين إرادتك تحملك وتنقلك من المجال السيئ إلى هذا المجال الطيب؟ ليست هذه بحجة.

    جاء يهودي إلى باب ابن تيمية يقول ذاك اليهودي:

    أيا علماء الدين ذمي دينكـم     محير ردوه إلى خير شرعة

    إذا ما قضى ربي بكفري فهل أنا     عاص بتابع مشيئته

    إلى آخر ما قال: فرد عليه ابن تيمية بأبيات مفادها أن رب العالمين جعل لك إرادة، وجعل لك مشيئة، ولو ذهبنا لأن نطبق هذه الحجة عليك في جميع أمورك، يعني: قف في شارع واجعل واحداً يضربك بقصد ويقول: أنا مقدر علي أن أضربك، فلا تتحرك ولا تدافع عن نفسك، هذا مقدر، إنك عند ذلك تدافع عن نفسك وتنتقل من هذا الموقف الضعيف إلى موقف قوي، تنتقل بما فرض الله وبما قسم الله لك من المشيئة من سبيل طرق الفساد إلى سلوك طرق الصلاح، واترك سبيل الضالين، واذهب إلى طريق الذين أنعم الله عليهم، فهذه ليست حجة، وأسأل الله جل وعلا لي ولك الهداية، وإذا تكرمت أن أتقابل معك بعد هذه المحاضرة يسعدني ذلك.

    حكم الموسيقى

    السؤال: لماذا تحرم الموسيقى مع أن كثيراً من الخلفاء كانت مدارسهم عامرة بالغناء مع أن العلم أثبت دورها، قصده: في الراحة النفسية؟

    الجواب: يا إخوان: مجالس الخلفاء غير مشرع، التشريع من كتاب الله وسنة رسوله، على صحة ما يقال في ذلك، قد ينسب إلى هارون الرشيد أن إسحاق بن إبراهيم الموسمي يجمع المغنين ويجتمع عنده القينات، هذا لا يليق بخليفة من خلفاء المسلمين الذي حج ماشياً، ويحج عاماً ويغزو عاماً، هذا في الحقيقة من الأغاليط التاريخية التي عمرت بها بعض الكتب التي فيها دش مثل كتاب الأغاني لـأبي فرج الأصفهاني، ومثل هذه الكتب فيها الغث وفيها السمين.

    وبالنسبة لتحريم الأغاني أنا في الحقيقة متوقع أن أسأل عن ذلك، أنا بالنسبة لي وهو الشيء الذي أدين الله جل وعلا بأنها محرمة، لأحاديث كثيرة من أهمها ما ورد في صحيح البخاري : (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر - الحر يعني: الفروج- والحرير والخمر والمعازف) وفي أحاديث أخرى: (تروح عليهم ساريتهم ثم يرفع عليهم الـعلم من الجبل فيطبقها عليهم) أحاديث فيها عذاب شديد والآية: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان:6].

    قال بعض المفسرين: أما إنه لا يشتريه وإنما يختاره على غيره، فاختياره الغناء على غيره يدخل في اشتراء لهو الحديث، وبالنسبة لما أثبت الطب فالطب ينتقل يوماً بعد يوم، إذا أثبت الطب يوماً ما أن الأغاني لها دور في الراحة النفسية، فقد أثبت الطب فيما قرأت أن بعض الموسيقى سبب الصمم وضعف العيون، موسيقى الجاز والديسكو وغيره لها أثر فإذا كنت ما قرأت هذا فاقرأ.

    ثانياً: إذا كان الطب يثبت هذا بالنسبة لأولي القلوب المريضة والسقيمة، فإن أصحاب القلوب الطاهرة والنقية لا ترتاح إلى ذلك، وإن كان الغناء سحره عجيب للقلب، ولا يتركه إلا من جاهد نفسه، فإذا استمر على هذه المجاهدة تركه وأقلع عنه، وهناك عوض عن الغناء بالحداء والأناشيد الإسلامية، والقصيد النظيف، والقصائد الجميلة فيها عوض عظيم لا شك في ذلك، يقول ابن القيم :

    تلي الكتاب فأطرقت أسماعهم لا خيفة     لكنه إطراق ساهٍ لاهٍ

    لا خيفة أي: ليس خوفاً من الله.

    وأتى الغناء فكالحمير تراقصوا     والله ما رقصوا لأجل الله

    دف ومزمار ونغمة شادن     فمتى رأيت عبادة بملاهي

    بعض الصوفية يقولون: الغناء فيه عبادة، الجنون فنون، الجنون أنواع يعني: إذا ما سمعت فاسمع وإذا عرفت فاعلم، فأسأل الله تعالى أن يوفق الجميع، وعلى أية حالة: لا يمنع كونك تسمع الأغاني أنك تتوب إلى الله، التوبة من المعاصي درجات، شاب لا يصلي ويدخن ويسمع الأغاني أنا بوجهة نظري أن الله يهديه إلى الصلاة مع جماعة المسلمين وموضوع الأغاني موضوع آخر، فلنكن متدرجين، بعض الشباب يقول: لابد أن تصير متديناً مرة واحدة أو لا، نقول له: ليس صحيحاً يا أخي، الناس بشر، هذا الشاب إذا كان ما بقي في قلبه إلا سماع الأغاني كما يقول عمر بن الخطاب لما قال للرجل: أسلم، قال: لا. أنتم مسلمون وتجلدون شارب الخمر، قال: يا أخي! أنت أسلم أولاً، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلما أخذ مدة جاء إلى عمر وقال: أريد أن أشرب الخمر، قال: لا. أنت مسلم، ولو شربت الخمر جلدناك.

    فيا أخواني: ما استطعنا أن نحصل عليه من الخير من الناس ينبغي أن نأخذه لا نرد شيئاً من الخير، شاب يأتي إلى المسجد بعد أن كان يترك الصلاة، هذه نعمة عظيمة! شاب يلتزم بجلساء طيبين، يأتي يوم من الأيام يتوب الله عليه، يأتي يوم من الأيام يقف مع نفسه وقفة صريحة ويقلع عن هذا، ثم ما هي أكبر الذنوب وأكبر المعاصي؟

    يا إخوان! أنا أقول: من أراد أن يلتزم بجلساء صالحين يخالطهم ويجالسهم في بيت الشباب، في مركز صيفي، في نادي رياضي، في مكان معين، ليس معنى ذلك -يا أخي- أنك تصير كاملاً، لا. خالطهم واجلس معهم إذا الله سبحانه وتعالى منَّ عليك بالهداية وأقلعت عن هذا فهذا خير عظيم، وينبغي أن تعرف أنه محرم، وسوف يأتي يوم من الأيام وتتركها إن شاء الله، الذي يأتي ويسلك سبيل الخير أولاً بأول يأتي اليوم الذي يقلع فيه عن الصغائر قبل الكبائر.

    يقولون: أن امرأة كان يراودها رجلٌ، وكان يشغلها ويريدها، قالت: أما إذا أردت ذلك فاشهد الصلاة مع الجماعة أربعين يوماً من حين الأذان إلى حين خروجهم، قال: لا مانع في ذلك أربعين يوماً فقط، فلزم المسجد أربعين يوماً، فمرت هذه المرأة، فقالت: انتهى أربعون يوماً وما جئتنا؟ قال: لا، ذاك أمر تركناه.

    لا يمنعك من التوبة شيء من الأمور الصغيرة، أنت التزم بالخير واغنم الخير، واغنم الجلساء الطيبين واترك جلساء السوء، ولا تقل: والله أنا لا أجلس مع هؤلاء؛ غداً يكتشفون أني أسمع الأغاني فيتركوني، لماذا يا أخي؟ أنت أجرمت، سيأتي يوم من الأيام ويتوب الله جل وعلا عليك، ولا أحب أن أطيل.

    تعليق من قبل المقدم: أريد أن أنوه كذلك أن العلم الحديث كذلك والطب الحديث اكتشف أن بقراءة القرآن المجودة لها أثر في الراحة النفسية لكثير من المرضى.

    ولو أطلنا في هذا الموضوع: أنا قابلت مرة مندوب من الجمعية الطبية الإسلامية في فلورينام في أمريكا، وكنت أتناقش معه في بعض الأبحاث، وكان عندهم أبحاث عن عسل النحل وأبحاث في القرآن، يقول: صوت القرآن كلفظ له على النفوس (نفوس كفار أو مؤمنين) أثر في الراحة النفسية بأجهزة كمبيوتر على نبضات القلب ومقاييس على الأعصاب.

    قرناء السوء يحجزون الإنسان عن الصالحين

    السؤال: أنا شاب أعرف بعض الشباب المستقيمين، لكني كلما عزمت على مصاحبتهم اجتمعت مع أصدقائي منذ طفولتي وهم ليس لهم هدف، فيزينون لي أفعالهم وأنصرف عما عزمت عليه من صحبة المستقيمين، وقد عجزت عن نفسي عجزاً كاملاً، وأشعر أن نفسي هي التي تسيرني على ما تشتهيه لما أفعل. ماذا أفعل وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: والله يا أخي تأكد:

    ألقاه في اليم مكتوفاً وقال لـه     إياك إياك أن تبتل بالماء

    هذا يعقل؟ لا يعقل، يعني: أرمي نفسي في البحر وأقول: يا نفس! لا تبتلي بالماء، إذا أردت وكنت عازماً صادقاً .. أنت فقط ما انطلقت منك الإرادة القوية؛ لأنه لا يمكن أن تعيش في هذا الوسط الفاسد وتقول: أبغي نفسي، يعني: أنت عندما تكون عندك زهرة لا تنمو إلا في تربة معينة، هل تذهب تجعلها في طين مجاري أعزكم الله؟ مؤكد أنها لا تنمو على الإطلاق، تحتاج إلى بيئة وإلى تربة نظيفة حتى تترعرع فيها وتنمو فيها نمواً طيباً نظيفاً.

    فأنت حينما تريد أن تصاحب هؤلاء الجلساء الطيبين لا تصاحبهم بأماني اللسان، عاشرهم يا أخي، فليزوروك فلتزرهم، فلتخرج معهم، ولتشاركهم في بيت الشباب، وفي المراكز والنوادي، تكون معهم باستمرار؛ لأن الجليس له أثر كما أسلفنا، أنا أقول: لا تقطع جلساءك مثلما يقولون: نسينا العيش والملح، أو تتنكر عليهم، أو تبدأ .. أعوذ بالله منكم ومن حالكم ومن مجالستكم، هذا ليس بصحيح، أنت جالس جلساء الخير، اسمع منهم، استفد منهم، اقتدِ بهم في خير ما يفعلون، ويأتي يوم من الأيام وستكون -إن شاء الله- داعياً زملاءك هؤلاء إلى الخير.

    لكن أن تكون دائماً مرتبطاً في حلقة مغلقة مع جلسائك السابقين الذين يزينون لك بعض المعاصي، وتقول: نفسي غلبتني، لا شك أن نفسك سوف تغلبك، أنت الذي أسأت على نفسك وأنت الذي جنيت على نفسك؛ لأنك ما انتقلت من الوسط إلى الوسط الآخر، إذا أردت ألا تبتل ثيابك لا تلج اليم، لا تدخل البحر اجعل نفسك في اليابسة وعند ذلك ستجد ذلك:

    ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها     إن السفينة لا تمشي على اليبس

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.