إسلام ويب

الرؤى والأحلامللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ عن الرؤى والأحلام من جهة تعلقها بالشرع، وكيف أنها بشرى للمؤمن ونذارة للعاصي، وعن سبب حدوث الرؤيا، مع ذكره العلاج لمن رأى ما يكره، وأن الإنسان لابد أن يحسن الاختيار لمن يفسر له ما رآه.

    1.   

    الرؤى والأحلام في ميزان الشرع

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جلَّ عن الشبيه وعن المثيل وعن النظير ليس كمثله شيء وهو السميع العليم، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله.. اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم، وقد وعدكم بالثواب إن أتيتم بها على نحو ما أراده الله سبحانه وشرع، وقد أمركم بها في مواضع عدة من كتابه حيث قال جلَّ من قائل عليماً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].

    عباد الله.. إن من عجيب خلق الله وصنعه ما يراه النائم في عالم المنام من الرؤى والأحلام، وذلك مما يقف المؤمن أمامه مندهشاً مما يرى في نومه ويتحقق في يقظته بتأويل دقيق وبفراسة أو علم عميق، وكذلك ما يراه حقيقة بعد نومه من دون تأويل أو تفسير لظهور ووضوح رؤياه وعدم حاجتها إلى التأويل، وإن ذلك كله لما يقوي إيمان المؤمن بالوحي الإلهي والإلهام الرباني من الله جل وعلا لأنبيائه ورسله وأوليائه.

    اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالرؤى

    والرؤيا -يا عباد الله- من الأمور التي كان يهتم بها النبي صلى الله عليه وسلم ويسأل أصحابه بين حين وآخر بقوله: من رأى منكم رؤيا؟ ومن له أدنى اطلاع على تعبير الرؤى والمنامات مما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه فإنه يعرف مدى أهمية الرؤى.

    والذي يهم المسلم بالدرجة الأولى في هذا الأمر أن يعلم أن الرؤى حق لا شك فيه، وأنها قد تكون دليلاً على حدوث أمور مستقبلية، خاصة إذا رآها من هو معروف بالاستقامة والصلاح، وعبرها من اشتهر وعرف بالعلم والفراسة، ومن تيقن هذا أدرك كذب وافتراء بعض الذين يدعون أو يسمون النفسانيين في تكذيبهم للرؤيا وعدم المبالاة بها على أي وجه ومن أي صفة وأي إنسان وقعت وكانت.

    أيها الأحبة في الله.. الرؤيا الصالحة لا تخلو من بشارة أو نذارة في أمر دين أو أمر دنيا، وقد تكون مبشرة تحث من رآها على لزوم سبيل الاستقامة والثبات على الحق والدعوة إليه، أو تهديه إلى ما فيه خير له في آجله وعاجله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ [يونس:64] قال أبو الدرداء: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فقال: (ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له) وقد تكون الرؤيا نذيراً لمن رآها عن الغفلة عن ربه، والتفريط في جنبه، ومن ثم تحمله وتجره إلى التوبة النصوح، وتبعثه على العمل الصالح، وتحذره مما فيه الشر والخسارة في أمر دينه ودنياه.

    وحقيقة الرؤيا تكمن فيما يخلقه الله عز وجل في قلب النائم، فيرى أموراً كما لو كان يراها وهو في حال يقظته، فسبحان الذي يفعل ما يشاء بأفئدة عباده وعقولهم في حال نومهم ويقظتهم!

    الفرق بين الرؤيا والحلم

    روى البخاري ومسلم رحمهما الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان) وفي هذا دليل على ما ذكر، وهو أن الرؤيا من الله كلها خير، فقد تكون بشيراً بخير فيفرح المؤمن به، أو نذيراً عن شر فيتقيه ويبتعد عنه، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (الحلم من الشيطان) فليس معنى ذلك أن الشيطان يفعل شيئاً، ولكن معناه: أن خلق الرؤيا في قلب الإنسان في تلك الحال قد يكون بحضور شيطان وسروره بها فيما إذا كانت دليلاً على بلاء يحل بمسلم أو شرٍ يقع به.

    فالرؤى الصالحة الصادقة هي من الله، وكثيراً ما وقعت لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه من بعده ومن تبعهم من الصالحين إلى يومنا هذا، والغالب منها يقع على وفق ما جاء في المنام، وحسبكم -يا عباد الله- من الرؤيا الصالحة فضلاً وشرفاً أنها من أول ما بُدئ به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي، فكان لا يرى شيئاً إلا جاء كفلق الصبح، وإنها لمن المبشرات بالخير أو من النذر عن الشر، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات قيل: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة) وصح عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) ولا يمنع من كون الرؤيا الصالحة جزءاً من النبوة أن يراها الكافر أو الفاسق إذ أنهما تصدق رؤاهم في بعض الأوقات، ولكنها لا تعتبر وحياً ولا تعد من النبوة في ذلك، إذ ليس كل من صدق في حديث بغيب يكون خبره عن ذلك من النبوة.

    رؤيا الأنبياء وما في حكمها

    واعلموا -يا عباد الله- أن الرؤى لا تكون وحياً يعمل به إلا إذا رآها نبي، ودليل ذلك أن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما رأى في المنام أنه يذبح ولده إسماعيل، نفذ الرؤيا وطبقها وعمل بها، ولم يقل: أضغاث أحلام، يرى أنه يذبح فلذة كبده وولده بالشفرة والسكين كما تذبح البهيمة ومع ذلك لم يقل: هذه أضغاث أحلام؟ لأنها رؤيا نبي ورؤى الأنبياء حق، وقد وفّى بها وأراد ذبح ولده فلذة كبده ولكن الله افتداه بكبش سمين.

    وتكون الرؤيا وحياً إذا رئُيت على عهد نبي وأقرها وأمر بالعمل بها، ومثال هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم اهتم للصلاة، وكيف يجمع الناس لها، فقيل له: خذ راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها أعلم بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك وقال: (هو من أمر اليهود. فذكر له الناقوس فقال صلى الله عليه وسلم: هو من أمر النصارى) فانصرف عبد الله بن زيد رضي الله عنه وهو مهتم لهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُري الأذان في منامه، قال: طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله.. أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى. فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر... وسرد عليه الأذان إلى آخره إلى أن علمه الأذان، ثم استأخر عنه غير بعيد، ثم قال لـعبد الله بن زيد: تعود إذا قمت إلى الصلاة تقول: الله أكبر الله أكبر، وعلمه الإقامة، فلما أصبح جاء عبد الله بن زيد وقص رؤياه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال نبينا صلى الله عليه وسلم: (إنها لرؤيا حق إن شاء الله) وفي رواية قال: (قد سبقك بها الوحي، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك).

    وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا اقترب الزمان -أي: قرب قيام الساعة- لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً) ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.

    ما يفعله من رأى ما يكرهه

    والرؤيا ثلاثة أنواع: رؤياً صالحة هي بشرى من الله، ورؤيا تحذير من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء به نفسه؛ فإن رأى المسلم ما يكره فليقم وليصل ولا يحدث بها الناس، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم الحلم الذي يكره فليبصق عن يساره، وليستعذ بالله منه فلن يضره).

    وصح عنه صلى الله عليه وسلم -أيضاً-: (إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله وليتحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره).

    فمن جملة هذه الأحاديث نعلم معاشر الأحبة أن الرؤيا من الأمور الممكن تحققها ووقوعها خلافاً لمن نفى ذلك وجحده، ومن جملة تلك الأحاديث ينبغي أن ننتبه إلى أمر مهم جداً، وهو أن بعض الناس يتشاءم من بعض الرؤى التي يراها، وقد تضطرب لها حاله وتشغله في مأكله ومشربه ومجلسه، وهذا من الخطأ البين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أرشدنا وبين لنا: إن كانت الرؤيا مما يكره العبد فليستعذ بالله، وليتفل عن يساره، وليقم فليصل فإنها لا تضره، وذلك يدفع شرها عنه بإذن لله وقدره، ومن اعتقد أن الرؤيا تضر بحالها أو تنفع بحالها ممن رآه فيها فقد أشرك مع الله عياذاً بالله من الشرك، إذا أن الذي يقدر القضاء على العباد هو الله، ولا يرفعه عنهم إلا هو سبحانه.

    عن أبي سلمة رضي الله عنه قال: كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول -وذكر الحديث الذي سقناه آنفاً- (إذا رأى أحدكم ما يكره فليتعوذ بالله من شرها، وليتفل ثلاثاً عن يساره، ولا يحدث بها فإنها لا تضره).

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يوسف:4-5].

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم، التواب الرحيم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه غفور رحيم.

    1.   

    الرؤيا الصادقة وسببها

    الحمد لله منشئ السحاب، وهازم الأحزاب، ومنزل الكتاب، وخالق خلقه من تراب، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأثني عليه الخير كله، هو الذي أنشأنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام وقد ضل عنه الكثير، ومنَّ علينا بالتوحيد وقد غفل عنه الكثير، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، ومن كل ما سألناه أعطانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله.. اتقوا لله تعالى حق التقوى، تمسكوا بدين الإسلام في الدقيق والجليل، واعلموا نعمة الله عليكم بهذا الدين الذي به اطمأنت نفوسكم، وأمنتم في أوطانكم، وتدفقت الخيرات إلى بلادكم، وانظروا إلى ما حولكم من الجنوب والشرق والشمال والغرب، يتطاحنون ويتقاتلون بما كسبت أيديهم ويعفو عن كثير، جنبوا شرع ربنا واتخذوا قوانين الكفرة والملاحدة؛ فكان أن سلط الله عليهم عدواً من أنفسهم ومن بينهم، يتقاتلون ويتذابحون ويدمرون كل شيء بنوه بأيديهم، فتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ شذ في النار.

    معاشر المؤمنين.. إن من الرؤيا ما يقع أولاً على ظاهره، ومنها ما يحتاج إلى تأويل، فما يحتاج إلى التأويل منها فينبغي أن يعرض على رجل صالح ماهر بتعبير الرؤيا، مفرق بين الأضغاث وغيرها، ويفرق بين طبقات الناس إذ أن فيهم من لا تصح له رؤيا، ومنهم من تصح له وتقع بإذن الله، يقول أحد علماء السلف: الرؤيا اكتشاف لا يحصل إلا بانقشاع الغشاوة عن القلب، فلذلك لا يوثق إلا برؤيا الصالح الصادق، ومن كثر كذبه لم تصدق رؤياه، ومن كثر فساده ومعاصيه أظلم قلبه فكان ما يراه أضغاث أحلام؛ ومن أجل ذلك استحب ألا ينام المسلم إلا متوضئاً طاهراً.

    وقال بعض أهل التعبير: لكل أمم أصول لا تتغير، وأقيسة مطردة لا تضطرب إلا تعبير الرؤيا، فإنها تختلف باختلاف أحوال الناس وهيئاتهم وصناعاتهم ومراتبهم ومقاصدهم ومللهم ونحلهم وعاداتهم، فينبغي للمعبر أن يكون فطناً ذكياً ذا فراسة واطلاع.

    ومما ينبغي أن يعلمه كل مسلم أنه يحرم الكذب في قص الرؤيا، فقد جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل) وفي حديث آخر (إن أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا) فينبغي لمن رأى رؤيا صالحة ألا يحدث بها إلا عند شفيق ناصح يحسن تعبير الرؤيا وتأويلها، فإن رأى الذي ذكرت له الرؤيا خيراً فليقل: خيراً رأيت، ثم يعبرها. وإن علم من الرؤيا مصيبة أو بلاءً فليقل: خيراً إن شاء الله وليصمت، فإن وجد خيراً ذكره وإن وجد خلاف ذلك قال: خيراً إن شاء الله، وجاء عن السلف الصالح -أيضاً- جملة من ذلك.

    ومن رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه على صفته صلى الله عليه وسلم المعروفة فقد رآه حقاً وصدقاً؛ لأن الشيطان لا يتمثل به صلى الله عليه وسلم كما صح ذلك عنه في الحديث (من رآني في المنام فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بي).

    ومن الناس من يفزع في منامه لرؤىً يراها، وسبب ذلك قلة ذكر الله وشدة الغفلة في اليقظة، والخوف من الخلق، وما أشد وقوع الكثير منا في هذا، فالكثير في غفلة عن ذكر الله حال دخولهم بيوتهم، وحال خروجهم من دورهم، وحال ركوبهم دوابهم، وحال دخولهم أعمالهم، إن من القليل النادر أن تسمع صوتاً يرتفع بذكر الله جل وعلا، ومن رفع صوته يذكر غيره التفتت إليه أعين الناس، لا ينكرونه، حاشا لله أن ينكر ذكر الله! وإنما قد استغربوا من قلة الذاكرين في هذا الزمان.

    فاعلموا -يا عباد الله- أن شدة الغفلة والخوف من الخلائق والبعد عن ذكر الله مما يسبب أموراً مزعجة في المنام،نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا بذكره وطاعته، فينبغي لمن يفزع في منامه أن يحرص على قراءة ورده قبل نومه خاصة فاتحة الكتاب وآية الكرسي والمعوذات، وآخر سورة الحشر، وكذلك الأدعية التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يستحب للمسلم أن يقوله عند نومه وبعد استيقاظه، ومن شكا الأرق بعد ذلك -والأرق هو عدم النوم في الليل- فليقل: اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، ولم يبق إلا وجهك يا حي يا قيوم، اللهم اهد ليلي وأنم عيني، وليتبع ذلك بقراءة الآيات والأحاديث الواردة، وليتأكد أنه لن يقارب تمام هذه الأذكار إلا وقد غشي النوم أجفانه.

    عباد الله .. الرؤى الصادقة كثيرة جداً، فرؤى الأنبياء حق ووحي لا شك فيها، وجاء عن السلف رؤىً وقعت وتحققت، وغيرهم كثير، ولو ذهبنا نستعرض جزءاً من ذلك لطال بنا الوقت.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف:100]

    أسأل الله جل وعلا أن يمن علينا بالتوبة النصوح، وأن يوفقنا لذكره جل وعلا.

    1.   

    أمور تجعل الرؤيا فاسدة

    أيها الأحباب.. إن كثيراً من الشباب الذين شغلوا أنفسهم عن ذكر الله، وتشاغلوا بالمعاصي والملاهي يترددون على العيادات النفسية ومستشفيات الأعصاب وغيرها؛ يشكون قلقاً وجزعاً وضيقاً ونكداً في نفوسهم، وتقلباً في منامهم، وما علموا أن ذلك هو بما اجترحوه في النهار، يلقون بعضاً منه في الليل، ولو عادوا إلى ربهم وآبوا لوجدوا من ذلك خيراً كثيراً.

    يحدثني رجل أعرفه، وكان ممن يداوي بالقرآن المرضى الذين يأتونه، قال: جاءني شاب متناثر شعر رأسه، قد شحب وجهه، وقد تغير شكله، وقد رأيت فيه هيئة تفزع من رآه، ثم إن أباه قد أتاني -أيضاً- وقال: إنه يشكو في الليل أموراً كثيرة، وفي النهار يقترف أشياء عديدة، قال: فإنه لما أتاني قلت: ما الذي تشكوه؟ فذكر لي من قلقه وفزعه وغير ذلك في منامه، ونكد وقلق نفسه في النهار، عيشةً يتمنى أن يموت ولا يحيا فيها.

    يقول: فقلت له: يا بني.. هل تصلي؟ فقال: لا. فقال: عجباً من حالك! كيف تريد أن تطمئن بالنهار وأن تسكن بالليل وأنت لا تصلي؟! أما تعلم أن تارك الصلاة كافر، وما ينفع إن رقيت عليك وقد تكون -ولا حول ولا قوة إلا بالله- على كفر بتركك للصلاة؟ قال: فما تأمرني أن أفعل؟ قال: آمرك أن تستحم من جديد وأن تغتسل وأن تصلي ثم عد إلي من الغد. قال: ففعل ذلك وعاد إلي وقد هدأ، فقرأت على صدره آيات من الفاتحة وآية الكرسي ومما يسر الله من كتابه الكريم، قال: فتردد علي أيام بذلك حتى نفعه الله جل وعلا بها، واطمأن وعاد وهو الآن من الذين يؤذنون للصلاة في أحد المساجد الكبيرة في الرياض، نسأل الله أن يمن علينا وعليه وأن يثبت الجميع على طاعته.

    إذاً فاعلموا -يا عباد الله- أن كل دقيق وصغير يوحش النفوس ويفزع القلوب إنما هو بما كسبت الأيدي واجترحت الجوارح، نسأل الله أن يسخرنا لطاعته، وأن يمن علينا بهدايته.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم أعنا في ديننا.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمام المسلمين لما تحبه وترضاه، ووفق اللهم ولي عهده يا أرحم الرحمين!

    اللهم لا تفرح على أئمتنا عدواً ولا تشمت بهم حاسداً، وقرب منهم بطانة صالحة، ومن علمت فيه شراً لهم فأبعده عنهم.

    اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا حيران إلا دللته، ولا قلقاً إلا سكنت روعه وهديت قلبه برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.

    اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.