إسلام ويب

واقع المسلمين اليومللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد يعيش المرء هانئ البال، مستريح النفس، متمتعاً بالنعم، وقد يعيش على العكس تماماً من ذلك، فيتكدر باله، وتتشتت أموره، وتغتم نفسه. وما يعيشه المسلمون اليوم إنما هو جزء مما سبق، وخاصة ما يعانيه إخواننا في أراضي الجهاد، والواجب على كل من يؤمن بقوله صلى الله عليه وسلم: ( المؤمن للمؤمن كالبنيان ) أن يبرهن على ذلك بأن يشد من أزر إخوانه هناك مادياً ومعنوياً، أو الدعاء فهو سهام لا تخطئ هدفها.

    1.   

    غفلتنا أدت إلى مصائبنا المتلاحقة

    الحمد لله مغيث المستغيثين، ونصير الضعفاء والمكروبين، وقاصم الطغاة والمتجبرين.

    أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الواحد المتفرد بالكمال والجمال، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جلَّ عن الشبيه، وعن الند، وعن المثيل، وعن النظير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلَّى الله عليه وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من اقتفى أثرهم واتبع هداهم إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي سبب غيث القلوب، وهي سبب غيث البلاد والبهائم والعباد، وهي أمر الله جلَّ وعَلا للمؤمنـين في مُحـكم كتابـه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    أما بعــد:

    غفلتنا عن الشرع والتفاتنا إلى النعم

    فيا عباد الله: إن المتأمل لأحوال المسلمين في أصقاع المعمورة، والمتدبر لجوانب معايشهم وحياتهم، وتعليمهم واقتصادهم، وعلاقاتهم ومعاملاتهم لَيَجِد أن المسلمين مستضعفون في عامة البلاد إلا في هذه البلاد ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [المائدة:54] .

    ولكن ما السبب في ذلك يا عباد الله؟!

    المسلمون في غالب الأحوال مشردون، والمسلمون في غالب الأحيان يُقْتلون، وأطفالُهم ييتمون، ونساؤهم تُرَمَّل، فما السبب في ذلك يا عباد الله؟!

    أهو أمْـرٌ جَنَـوه على أنفسهم؟! أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165]!

    أهو أمْرٌ بسبب تقصير المسلمين وتفريطهم في حق إخوانهم؟!

    أهو عدمُ التفاتٍ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).

    نعم هذا واقع يا عباد الله، نحن منشغلون غافلون عن هذا الحديث!

    أهو عدم التفات لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً. وشبَّكَ النبي صلى الله عليه وسلم بين أصابعه).

    نعم، نحن في غفلة في شهواتنا!

    نحن في غفلة في ألوان ملذاتنا!

    نحن في غفلة وسكرة من هذه النعم التي بأيدينا!

    نحن في غفلة في ذلك كله عن هذا الحديث!

    نحن في غفلة عن الأثر الذي يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن أمسى وأصبح غافلاً عن شأن المسلمين فليس منهم).

    نحن في غفلة عظيمة، وسكرة كبيرة عن ذلك كله!

    وما سبب هذه الغفلة؟!

    ألأَنَّا نستحق النعمة، وغيرنا يستحقون العذاب؟!

    ألأَنَّا نستحق العزة، وغيرنا يستحقون الذلة؟!

    لا وربي، لا والله، إنما ابتلى الله بعض العباد وما ابتلى غيرهم.

    ....................     ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

    نسأل الله ألا تكون استدراجاً لنا.

    جملة من مصائب المسلمين بسبب غفلتهم

    يا معاشر المسلمين: إن واقع المسلمين في كثير من البلدان يشهد بذلك، ولو أردتُم أن نذكر قليلاً من الأمثلة لوجدنا القتل والتشريد، ورُخْص الدماء، وهُوْن الرقاب على الأنفس في مذابح المسلمين في الهند في آسام.

    في مذبحة المسلمين في سوريا، وما نسيها مسلم ولن ننساها، ونقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، لا ينسى مسلم قتل ثلاثين ألف نفس في مذبحة واحدة.

    ولا ينسى مسلم مذابح المسلمين في فلسطين؛ في دير ياسين، وفي صبرا وشاتيلا، وبرج البراجمة، وغيرها من المذابح التي استهدفت أرواح المسلمين، خاصة السُّنَّة منهم.

    ما السبب في ذلك يا عباد الله؟!

    تأملوا وتدبروا، وإليكم مزيداً من حوادث المسلمين في ذلهم وضعفهم:

    في أفغانستان قُتل ما يربو على مليون وثلاثمائة ألف شهيد، يقول زعيم اتحاد المجاهدين/ سياف : لقد بنينا سداً منيعاً من جماجم الشهداء، نعم قدموا أرواحاً، وقدموا نفوساً، وشُرِّد أطفال، ورُمِّل نساء، وضُيِّعت منازل، وأحرقت الزروع، وما ذلك إلا كما يقول الله جلَّ وعَلا: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [البروج:8-9] .

    وفي مقابل هذه الأوضاع الحزينة التي تجعل القلوب تبكي دماً نجد كثيراً من المسلمين في غفلة من هذا، يصبحون ويمسون، ويأكلون ويشربون وينكحون، كأنهم ما خلقوا إلا لهذا، وقد نسوا أمر الله جلَّ وعَلا لهم بعبادته، وقد نسوا أمر الله جلَّ وعَلا لهم في التفاتهم، وفي تحملهم المسئولية في شأن إخوانهم المسلمين في كل مكان.

    فإذا أردت أن تقارن بين هذين الحالين: أقوام في جحيم، وأقوام في حروب، وأقوام في عذاب، وآخرون في غفلات، وشهوات، ولذات -نسأل الله جلَّ وعَلا أن يرد الجميع إليه رداً جميلاً- يصدق عليهم قول القائل:

    قلب يئن ودمعة تترقرقُ     ودمٌ ينِزُّ وأمة تتمزقُ

    وطنٌ تجوسُ الطائراتُ سمـاءَه     والخمر في ساحاته يتدفقُ

    تنبهوا لذلك يا عباد الله، واعلموا أنكم لستم ذوو فضل ومزية على غيركم من المسلمين إلا بتقوى الله، وبطاعته، وبحسن التمسك بالعقيدة، وقد يكون ما لديكم من النعم استدراجاً.

    نسأل الله ألا يعذبنا بذنوبنا.

    واجبنا لدفع غفلتنا

    عباد الله: إن واجبنا ألا نعيش عيش البهائم!

    فإن أردنا أن نأكل طعاماً لذيذاً نظيفاً تذكرنا أقواماً يأكلون طعاماً كَدِراً!

    وإن لبسنا ثياباً جميلة جديدة تذكرنا أقواماً وفئات يلبسون ثياباً خَلِقَةً ممزقة!

    وإن ركبنا مراكب فارهة، وسكنا مساكن عالية؛ فإن الكثير يركبون الدواب، ويمشون حفاة عراة، ولا يجدون إلى راحة العيش سبيلاً!

    وإن أردنا أن نبيت آمنين مطمئنين تذكرنا أناساً يبيتون تحت قذائف الطائرات، ومدافع الدبابات، وأصوات المتفجرات، لا يهدأ لهم بال، ولا يلذ لهم نوم، ولا يقر لهم قرار!

    فنحن مسئولون عن إخواننا في كل مكان، مسئولون عن ذلك كله؛ لأنهم إخواننا في الإسلام؛ ولأننا وإياهم كما شبَّهنا المصطفى صلى الله عليه وسلم: (كالبنيان الواحد يشد بعضه بعضاً. وشَبَكَ بين أصابعه).

    فأين التشبُّك والتلاحم والترابط حتى في أدنى اليسير، وأقل القليل لبذل المعونة وتذكر حالهم، والدعاء لهم.

    نسأل الله جلَّ وعَلا أن يرفع المحنة عنهم، وأن يهلك عدونا وعدوهم.

    اللهم ثبتهم، اللهم انصرهم على عدوهم، اللهم سدِّد رصاصهم في نحور أعدائهم، بقدرتك يا جبار السماوات والأرض!

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، وتوبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً ويرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم.

    1.   

    واقع الجهاد على أرض الأفغان

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن أقدامكم وجسومكم على وهج النار لا تقوى.

    اعلموا -يرحمكم الله- أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.

    المجاهدون يلقون الشدائد

    عباد الله: إن أردنا أن نخصص واقعة معينة من أشد ما يواجه المسلمين في هذه الأيام، ومنذ أعوام مضت، وجدنا فئة مجاهدة صابرة، قد ابتليت في عقر دارها بعدو ملحد لدود، يملك أقوى الطائرات والمدافع والدبابات، ويناصف القوى العالمية ممالكها وقواها في كل سباق التسلح، وما تطور من أجهزة الحروب.

    وجدنا إخواناً لنا في أفغانستان يقاتلون الروس، وهم الذين يُعتبرون من أمهر الجيوش في حروب الشتاء في هذه الأيام.

    تتكاثف الوطأة على إخواننا المجاهدين، والروس يخرجون من القلاع المحصنة، ويعدون العدة لضرب المسلمين في هذا البرد القارس، وفي الزمهرير الشديد، يعدون العدة لضربهم على رءوس الجبال، وقمم الثلوج، يعدون العدة لضربهم، وهم لا يملكون عتاداً ولا سلاحاً، إلا ما تيسر من قديم السلاح والعتاد، وما غنموه من نحور أعدائهم.

    عباد الله: إن إخوانكم المجاهدين في أفغانستان لفي واقعة من أهم الوقائع التي لا ينبغي لمسلم أن يغفل عنها، ولا ينبغي لمسلم أن ينساها، وينبغي له أن يتذكر كل نعمة في صباحه أو مسائه، في ذهابه أو إيابه، أن يقارنهم بها، وأن يشعر عِظَم حاجتهم إلى ما هو فيه من النعمة، فإن لم يكن ذلك فلا أقل من بذل المعونة، ومد يد النصرة، واستنفار النفس قليلها وكثيرها لمد العون، ولمساعدتهم هناك. إنهم يعيشون حرباً شديدة شعواء.

    وإن كنا نسمع عن الأخبار الرياضية في مختلف ألوان البلاد، ونسمع عن مسابقات الجمال، ونسمع عن كل المهاترات والسخافات؛ إلا أننا لا نسمع إلا القليل القليل عن أخبار إخواننا المجاهدين، والكثير منا في غفلة عن حالهم، وإلا فمن أراد أن يتتبع حالهم، وأكثر السؤال عنهم، فسيجد الإجابة المحزنة، والإجابة المريرة التي تجعل القلوب تنجرح دماً لما هم فيه من البلاء.

    جرائم الروس وثبات الأفغان

    إن الروس أعداء الله ورسوله يوم أن دخلوا قرية غزنة، وقد فعل المجاهدون فيهم فعلة عظيمة، دخلوا تلك القرية وأخذوا الشيوخ العجائز الكبار، وجرَّدوهم من ثيابهم، وصعدوا بهم في الطائرات، ورموهم على قمم الجبال، وعلى الأرض من بعد سحيق.

    انظروا ماذا يفعل أعداء الله وأعداء رسوله بإخوانكم!

    إنهم إذا دمَّر المجاهدون لهم سرباً من الدبابات، أو شيئاً من الغنيمة غنموه منهم، دخلوا على أقرب قرية للأبرياء العزل، فجردوا الفتيات، واغتصبوهن في أعراضهن، ثم بقروا بطون الحوامل منهن، ثم صعدوا بمن شاءوا في الطائرات، وألقوهم من شواهق الجبال، ثم التفتوا إلى المواشي والزروع، فأحرقوها دماراً وهلاكاً عليهم وعلى المجاهدين. فحسبنا الله ونعم الوكيل!

    إن المجاهدين إذا فعلوا بهم فعلة ناجحة قوية دخلوا إلى إحدى القرى وأخذوا يذبحون الناس فيها ذبح الشياه، يُجْرُون السكاكين على رقابهم، والصغار والنساء والكبار لا يملكون إلا أن يرفسوا بأرجلهم كما ترفس البهيمة التي ذاقت ألم الذبح من مُرِّ السكين.

    فأي واقع لإخوانكم المسلمين أنتم غافلون عنه؟!

    نسأل الله جلَّ وعَلا أن يكشف ما بهم، نسأل الله أن يهلك عدوهم.

    ومع ذلك فكما أسلفتُ لكم قدَّموا مليوناً من الشهداء وثلاثمائة ألف شهيد، كلهم لقوا ربهم.

    نسأل الله أن يجعلهم من الشهداء، وأن يجعل عملهم خالصاً لوجهه، وأن يكونوا سبباً لنصرة إخوانهم مِن بعدِهم.

    مع ذلك كله وما قدَّموه فإخوانكم يزدادون صلابة، وإذا اشتد البرد اشتدت نفوسهم للجهاد، وإذا حمي الوطيس حَمَت قلوبهم على الزناد، واشتدوا في حرب أعداء الله ورسوله.

    يحدثني أحد الذين جاهدوا هناك، يقول: والله إنهم ليفرحون بالشهادة.

    يقول: كنتُ في مدفعية مع اثنين من المجاهدين، وواحدٌ منهم اسمه: نَوَّاب، وكان يطلق قذائف متتالية، أطلق قذيفة أولى وثانية وثالثة، فلم نلبث إلا أن جاءته قذيفة على قلبه، فانطوى على نفسه، من مُرِّ الحادثة وحرها على بدنه، وأخذ يتلوى من شدة الألم؛ ولكنه يقول: والله لا يئن، ويرى ذلك ضَعفاً واستكانة، فلم يقل إلا سبحان الله، الحمد لله، أخذ يرددها حتى فاضت روحه إلى باريها، هذا نموذج من نماذج الثابتين المصرِّين على الجهاد.

    نسأل الله جلَّ وعَلا أن يثبتهم، وأن يحتسب لهم ما قدَّموه في الآخرة.

    عباد الله: إن أعداء الله الروس الشيوعيين يخططون لحرب طويلة المدى، فلا تنقطعوا عن معونة إخوانكم، إنهم يأخذون الصغار والأطفال الذين لم يميزوا ولم يلتفتوا، فيذهبون بهم هناك، ويدربونهم في معسكرات الجيوش؛ لكي يعودوا حرباً على أمهاتهم وآبائهم وإخوانهم هناك، كل ذلك تخطيطاً لحرب طويلة المدى.

    نسأل الله جلَّ وعَلا أن يشفي مرضى المجاهدين، وألا يعذبنا ويعذبهم بسبب ذنوبنا.

    ونسأل الله جلَّ وعَلا أن يرفع المحنة عنهم.

    ما يعانيه الجهاد على أرض الأفغان

    أيها الأحبة: إن هناك مصائب عدة يواجهونها بسبب قلة ذات اليد؛ أكلهم قليل، يأكلون اليابس من الخبز، والملابس قليلة خاصة في هذا الشتاء. بعد هذا المطر الذي أصابكم البارحة توافد الناس إلى الأسواق وجمعوا ما جمعوا من الملابس الصوفية، في داخل أبدانهم وخارجها، وأخذوا يلبسون ويُعِدُّون ويستدفئون!

    فمن بالدفء لإخوانكم؟!

    من الذي يقدم لهم ما يستدفئون به؟!

    ومن يقدم لهم ما يأكلونه ويشربونه؟!

    ومن يقدم لهم ما يطلقونه رصاصاً في نحور أعدائهم؟!

    إنهم يواجهون وعورة الطرق، ينقلون العتاد على البهائم، على البغال والحمير، يقول أحدهم: والله لقد رأيتُ بعيراً سقط بحمله الذي عليه؛ لأن الطرق والمسالك الجبلية وعرة ضيقة جداً، فإن أقسى حالات الحرب وأمرها ظروفاً يعيشها إخوانكم المجاهدون، يسيرون على الأقدام أياماً طويلة، ومع ذلك يتقبلون كل ذلك بصدور رحبة.

    واعلموا أن أعداء الله ورسوله من الشيوعيين والصليبيين وغيرهم يريدون أن يقضوا على هذه الثلة المجاهدة، ولذلك فإن بعضهم وإن كانوا يتسمون بجمعيات الصليب الأحمر، أو لإنقاذ الغرقى والهدمى وغيرهم، ومن أصيب من المجاهدين، يحاولون أن يفتحوا مستشفيات هناك، فإذا جاء من علموا من حاله ومكانه بين المجاهدين، وفيه جُرح في يده قطعوا يده كلها، أو جُرح في رجله بتروا ساقه كلها، يريدون أن يعيقوا مسيرة الجهاد.

    وما وقفوا عند هذا الحد، بل إن الروس أعداء الله والعملاء الخونة والمنافقين الذين يوالونهم قد أرسلوا من أرسلوا ليدخلوا في صفوف المجاهدين، وليشوهوا صورة المجاهدين، وليبينوا للناس أنهم لا يجاهدون لله، وهذا كذب وافتراء وزور وبهتان، ومن تحمل ذلك أو قاله فإنه لا يبالي بملايين الشهداء.

    أخذوا يدسُّون العملاء؛ ليعرفوا من هم القادة بين المجاهدين، وليدبروا لاغتيالهم في صفوف الجهاد؛ نظراً لقلة ما في أيدي المجاهدين، واستغلالاً لضعف إيمان أولئك.

    إن حاجة إخوانكم منذ زمن طويل وهي مريرة في جهادهم هذا، وفي دخول موسم الشتاء يزداد الألم مرارة، ويزداد الأمر حسرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    الأيام دواليك

    يا عباد الله! تنبهوا أن الأيام دواليك، فإن لم تفزعوا لنصرتهم ونجدتهم فإن الإنسان مهدد بانقلاب الدائرة عليه، إن لم يشكر نعمة ربه، وإن لم يقم بواجب إخوانه، وإن لم يقم بالواجب الذي فرضه الله عليه تجاه إخوانه من المسلمين، وتذكروا قصيدة أبي البقاء الرندي يوم أن سقطت الأندلس، ودخلها النصارى، وقَتَلوا مَن قَتَلوا فيها، وشَرَّدوا مَن شَرَّدوا فيها، التاريخ يعيد نفسه، ونجد هذه الحادثة تقع على إخواننا المجاهدين في أفغانستان، ويقول فيها:

    يا غافلاً ...

    واسمعوا -معاشر الغافلين- الذين لم يلتفتوا:

    يا غافلاً وله في الدهر موعظـةٌ     إن كنت في سِنَة فالدهر يقظانُ

    فجائعُ الدهر أنواعٌ منوعةٌ     وللزمان مسراتٌ وأحزانُ

    يا ماشياً مرحاً يُلهيه موطنهُ     أَبَعْدَ حمص تغرُّ المرءََ أوطانُ؟!

    ونحن نقول:

    أبعد ما فُعل بالمجاهدين! أبعد هذا تغرُّ المرءَ أوطانُ؟!

    تلك المصيبة أنست ما تقدَّمها     وما لها مع طول الدهر نسيانُ!

    كم يستغيث بنا المستضعفون وهم     قتلى وأسرى فما يهتز إنسانُ؟!

    ما ذا التقاطع في الإسلام بينكمُ     وأنتمُ يا عباد الله إخوانُ

    ألا نفوسٌ أبِيَّات لها هِمَمٌ؟!     أما على الخير أنصارٌ وأعوانُ؟!

    يا مَن لِذِلَّة قومٍ بعد عِزِّهمُ     أحالَ حالَهمُ جورٌ وطغيانُ

    بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم     واليوم هم في بلاد الكفر عُبدانُ

    لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ     إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ

    فهل في القلوب إسلامٌ وإيمانُ؟!

    هل في القلوب نجدة لإخوانكم يا معاشر المسلمين؟!

    هل في القلوب نخوة لإخوانكم؟!

    هل في القلوب ذرة رحمة لهم؟!

    يوم أن وقع الزلزال في مكسيكو، وحلَّ البركان في كولومبيا، ثارت الصحافة بأعلى أصواتها، وتحرك الضمير الإنساني لنجدتهم؛ فأين ضميرنا لإخواننا المسلمين؟!

    هو والله واجب علينا، وفريضة علينا، وحق في مال كل مسلم منا، ولو عرفنا حق المجاهدين، وأدركنا مكان وجوب البذل لهم لأدركنا أن من الواجب على كل مسلم أن يعرف ويقدر قيمة هذا الجهاد، أن يخصص من دخله وماله جزءاً شهرياً لهم، ولو أقل القليل وأدنى اليسير.

    فإن القليل مع القليل كثيرُ

    هذا واجب لهم علينا، ولا مِنَّة لنا في ذلك ولا فضل، فالله الذي ابتلاهم بهذا، وابتلانا بالنعمة، والله الذي أعطانا، والله الذي أمرنا، فلا قليل ولا كثير منا، بل كل ذلك من فضل الله وحده سبحانه جلَّ وعَلا.

    فخافوا الله في أنفسكم وفي إخوانكم معاشر المؤمنين، وابذلوا لهم المعونة، وإن مما يسركم أن يكون معكم اليوم وفي هذه الساعة من مندوبي المجاهدين من سيجمعون تبرعاتكم، وما تجود به أنفسكم لإخوانكم، واجعلوا ذلك دائماً (فإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) ولا تستكثروا على الله شيئاً تبذلونه لهم، ولا تستكثروا صدقة صغيرة أو كبيرة، ولا تحتقروا قليلاً أو يسيراً، فإن ذلك محسوب لكم ومُحتسَب في موازين أعمالكم يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ [الشعراء:88].

    وفي الحديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) فهل تتقون النار ببذل الصدقة والمعونة لهم؟!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم احم حوزة الدين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في أفغانستان، اللهم مكن لهم من نحور أعدائهم، اللهم عليك بالظالمين والمنافقين والمجرمين والخونة يا قوي يا متين!

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.