إسلام ويب

هم الآخرة [1]للشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الآخرة هي نهاية الدنيا، فمن كانت الآخرة همه فإن الله يجمع له شمله، ويجعل غناه بين عينيه، ومن كانت الدنيا همه فرّق الله عليه شمله، وجعل الفقر بين عينيه، فصاحب هم الآخرة تراه حزيناً دائب العمل للآخرة، سريع التأثر إذا ما رأى جنازة ... وفي هذه المادة ما يحدوك إلى أن تجعل الآخرة نصب عينيك.

    1.   

    شرح حديث من كانت الآخرة همه ...

    الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واسمعوا قول ربكم عز وجل في محكم كتابه حيث يقول: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20] واسمعوا قول ربكم عز وجل في محكم كتابه حيث يقول: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16] واسمعوا قول ربكم عز وجل حيث يقول: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [البقرة:200-202].

    معاشر المؤمنين: إن الله جل وعلا خلق هذه الدنيا وأودع فيها من الكنوز والخيرات والثمرات، وحبب إلينا أصنافاً وأنواعاً من نعيمها وطيباتها وملذاتها، فلا يظنن ظان أن الله أباح الطيبات وندب إلى السعي في الدنيا وحبب الناس إلى شيء من لذاتها، ثم بعد ذلك يحرمها عليهم قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32] أوليس جل وعلا هو الذي قال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15] أوليس ربنا عز وجل هو الذي قال: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران:14] ثم بين ربنا عز وجل أن في الآخرة ما هو خير من الدنيا: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:17] .. وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى [الضحى:4].

    بين ربنا عز وجل بعد ذكر هذه المحببات المزينات إلى النفوس أن هناك ما هو خير منها: قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:15] ذلك الخير لمن؟ للذين اتقوا.

    معاشر المؤمنين: إن المعاتبة والمحاسبة والملامة والمناقشة هذا اليوم ليست مع أقوام أخذوا من الدنيا نصيبهم وبذلوا هذا النصيب فيما يعين ويحقق الغاية التي من أجلها خلقوا، ألا وهي عبادة الله، وإنما الحساب والعتاب مع أحباب لنا، مع إخوان لنا أشغلتهم دنياهم واستعبدتهم، فخدموها بدلاً من أن تخدمهم، وتبعوها بدلاً من أن تتبعهم، وجعلوها غاية بدلاً من أن يجعلوها وسيلة.

    معاشر المؤمنين: اسمعوا هذا الحديث من كلام من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم، أخرج هذا الحديث ابن ماجة بسند صحيح قال صلى الله عليه وسلم: (من كانت الآخرة همه جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له) هذا حديث عجيب! وهو من جوامع الكلم، ووالله إني لأعرف أناساً كانوا متذبذبين حيرى مترددين في قلق عظيم يريدون أن يشتغلوا بالدنيا، ويريدون أن يعملوا للآخرة ويقولون: لو أشغلنا حظنا من جهدنا وفكرنا للآخرة لفات حظنا ونصيبنا من الدنيا، والناس ذئاب يتقاتلون على الدنيا فلن يبقى لنا منها شيء.

    يقول قائلهم: ما زال ذاك الهم يقلقني وفي المنام يؤرقني؛ حتى قرأت هذا الحديث فكان كالماء العذب الزلال على قلب الظامئ الصديان، كان هذا الحديث شفاء من سقم تلك الوسوسة، ودواءً من علة ذلك الشك، ولا عجب أن يصيب المؤمن شيء من ذلك، إذ أن الشيطان لا يدع أحداً إلا وسوس له: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس:5] والله جل وعلا بين أن هذا الشيطان يعدنا الفقر ويأمرنا بالفحشاء الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:268].

    تعالوا معاشر الشباب! تعالوا معاشر الشيوخ! تعالوا معاشر المسلمين! لنقرأ ولنتدبر هذا الحديث (من كانت الآخرة همه) من هو الذي يهتم للآخرة وبالآخرة وما صفاته؟

    أخي الحبيب: إن كانت الآخرة همك فإنك لن يمر بك يوم إلا تذكرت فيه مصيرك ومعادك، إن كانت الآخرة همك فإنك لن ترى شيئاً من الدنيا إلا ربطته لا محالة بالآخرة، إن صعدت جسراً في الطريق تذكرت جسر جهنم، وإن لبست ثوباً تذكرت لباس أهل النار ولباس أهل الجنة، وإن شربت شراباً تذكرت شراب أهل النار وأهل الجنة، وإن أكلت طعاماً تذكرت طعام أهل النار وأهل الجنة، وإن اجتمعت بك حال أو تشتت بك أمر ستتذكر بهذا أحوال أهل النار وأحوال أهل الجنة.

    أما الذي ليست الآخرة همه، ولم تشغل باله، وليس لها نصيب من فكره، فسيان إن علا أو هبط، وسيان إن لبس أو نزع، وسيان إن حل وارتحل، وسيان إن جاع أو عطش، وسيان إن نام أو استيقظ، أما من كانت الآخرة همه فإنك تراه يتذكر الآخرة في كل حال وهو يتقلب فيها من الدنيا.

    أخي الحبيب: إن كانت الآخرة همك لا شك أنك لن تتحدث بحديث إلا وللآخرة فيه نصيب، فإن كان الكلام في دنيا فإن لآخرتك من دنياك نصيباً، وإن كان الكلام في أمر فإن للآخرة في بدايته أو في وسطه أو ختامه ذكراً، وبالجملة فمن كانت الآخرة همه تجده يرضى لأجل الآخرة، ويحزن لأجل الآخرة، ويغضب لأجل الآخرة، ويفرح لأجل الآخرة، ويسعى لأجل الآخرة، فمن كان كذلك فقد أوتي نعيماً وفضلاً عظيماً، ومن كانت الآخرة همه فبشارته ليست مني ولا من عالم على وجه الدنيا، بل من سيد الأنبياء الذي لا ينطق عن الهوى وحديثه وحي يوحى، من كانت الآخرة همه فإن محمداً صلى الله عليه وسلم يبشره ويقول له: أبشر أولاً باجتماع شملك.

    إن من كانت الآخرة همه يعطى نعمة اجتماع الشمل، فيعطى سكينة وطمأنينة، واجتماع فكر، واجتماع أهل وأحباب وشمل وإخوان، ويجنب الشقاق والقطيعة، وتجتمع دنياه عليه ويكتب له القبول في الأرض، فلا يراه أحد إلا أحبه، وبالجملة يجتمع له وحوله في طاعة الله كلما أراد، ومن كانت الآخرة همه جمع الله له شمله وآتاه الله غنى في قلبه.

    1.   

    حقيقة الغنى

    إن الغنى ليس بأصفار على يمين الأرقام في الأرصدة الجامدة أو المتحركة في البنوك، وإن الغنى ليس في الضِيَاع والعقارات المتناثرة يمنة ويسرة، وإن الغنى ليس في المراكب، وكم من رجل أصفاره لا تعد على يمين أرقام حساباته، وكم من رجل لا يحصي صكوكه ووثائق أملاكه، وكم من رجل أوتي من الضِيَاع والضيعات والأموال كثيراً ومع ذلك تجد الريال يؤرقه، والقليل يؤذيه، والدينار يشغله ويحرمه لذة النوم، بل وربما ألوان الطعام لا يتلذذ بها.

    أشد الغم عندي في سرور     تيقن عنه صاحبه انتقال

    ويقول آخر:

    أحب ليالي الهجر لا فرحاً بهـا     عسى الله يأتي بعدها بوصال

    وأكره أيام الوصال لأنني     أرى كل وصل معقب بزوال

    تجد ذلك الذي تزاحمت الأرقام في أرصدته لا يهنأ؛ لأنه ربما تذكر ذكرى الحسرة لا ذكرى العبرة، تذكر أنه سيفارق هذا؛ ولأجل ذلك تجد بعضهم بقدر لهثه وسعيه ودأبه وكده في جمع الدنيا على اختلاف أصنافها ومجالاتها لا يتلذذ بها، فكلما تجدد له نوع كسب من الدنيا تجددت له علة جديدة، إما في همه أو في بدنه، أو فيمن حوله.

    لذا فإن من كانت الآخرة همه آتاه الله اجتماع الشمل ثم أورثه وأنعم عليه بغنى القلب؛ ولأجل ذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس) رواه مسلم .

    فتجد هذا الذي جعل الآخرة همه قانعاً راضياً سعيداً باشاً ضحوكاً، طيب القلب لين الجانب، خافض الجناح حسن المعاملة، في كل أمر تراه راضياً مرضياً، غير لحوح في بذل الأسباب للحصول على الدنيا، يعمل بقول نبيه: (اتقوا الله وأجملوا في الطلب) يعني: بذلاً معقولاً مناسباً في الحصول على الدنيا، لا أن يجعل الدنيا همه فتشغله، يبيت عليها، ويرى في المنام أحلاماً حولها، يستيقظ مفكراً فيها، ويمشي خطوات في تحصيلها، ويحزن ساعات على فواتها، ولا يجتمع بأهل لأجلها، ولا يصل رحماً لأجل صلته بها، ولا يبر الوالدين لأجل اشتغاله بها.

    هكذا -أيها الأحبة- من كان غناه في عرضه فلن يجد لذة الغنى الحقيقية، إن لذة الغنى هي في القلب، ولأجل ذلك تجد الكريم غنياً في قلبه:

    تعود بسط الكف حتى لو أنـه     ثناها لقبض لم تجبه أنامله

    فلو لم يكن في كفه غير روحه     لجاد بها فليتق الله سائله

    هو البحر من أي النواحي أتيته     فلجته المعروف والجود ساحله

    تجد العبد الغني في قلبه لا يتردد ببذل دنياه، إن أدبرت لا يحزن، وإن أقبلت لا يفرح لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد:23] يجد أن من صميم زهده في الدنيا أن ما أقبل منها فلأجل الله، وما أدبر منها فبقدر الله، وأسأل الله لي ولكم أن يجعل ما أقبل علينا من الدنيا في طاعته، وأن يجعل ما أدبر عنا من الدنيا حراماً يصرف عنا بمنه وكرمه.

    1.   

    من كانت الآخرة همه أتته الدنيا وهي راغمة

    أيها الأحبة في الله: من كانت الآخرة همه جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا راغمة، هذه الدنيا شأنها عجيب، إن لحقتها فرت عنك، وإن أعرضت عنها لحقتك، وهذا والله مجرب، واسأل كثيراً من الصالحين أو ممن عملوا في الدين والدنيا، يقولون: إن اشتغلنا بدنيانا أدبرت عنا ولحقناها فأشغلتنا، وتبعناها فضيعت أوقاتنا، فإذا أعرضنا عنها لأمر الآخرة إذ بألوانها وعروضها تحوم حولنا وتتزخرف لنا تتراقص طرباً بين نواظرنا علنا أن نعود إليها من جديد، فالعاقل يقبل إلى الآخرة وستأتيه الدنيا راغمة.

    إن الدنيا من الله والآخرة إلى الله، ومن طلب الآخرة فإن الله يبعث له الدنيا ويرسلها، ومن اشتغل بدنياه التي قسمت وفُرِغ من شأنها، وطوي الكتاب في صحائفها، وجف القلم بالزائد والناقص منها، من طلب الدنيا في أمر قد قسم وانتهى فذلك مشغول بما فرغ منه، ومن طلب الآخرة فيما له حظ في كل زيادة يحققه فيها جعل الله الدنيا تابعة لاحقة.

    أذكر شخصاً من علماء المسلمين الذين أفضوا إلى ربهم ولا بأس أن أذكره فقد أفضى إلى ربه عز وجل، ذلكم هو الشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد الذي كان رئيساً للتمييز وقبله للإفتاء ومن العلماء الأجلاء المعروفين، وله من الكتب والمصنفات شيء كثير، وقد أدركته في آخر حياته، يقول: كنت في بداية عمري فقيراً لا أجد إلا قيمة الحبر والقمطر، لا أجد إلا قيمة القلم واللوح وشيء من البلغة في طلب العلم، قال: وفي يقيني أن الله جل وعلا سيفتح علي من الدنيا ما يزيد عن حاجتي وحاجة أهلي، ثم يحدثني ويقول: وأنا الآن أجد حولي من الدنيا شيئاً كثيراً أضعاف أضعاف ما كان يخطر ببالي، قال: كنت مشغولاً بطلب العلم وكنت مشغولاً مع الإخوان في بيت الإخوان في مدينة الرياض بطلب العلم والتدريس والمناقشة، كنت آنذاك فقيراً، أو قليل ذات اليد، وفي يقيني أن الدنيا ستأتي، قال: فما هي إلا سنوات حتى أتت الدنيا من كل جانب، أسأل الله أن يجمعنا به في الجنة، وأن يتغمد روحه وأن يسكنه الجنان بمنه وكرمه.

    1.   

    من كانت الدنيا همه شتت الله شمله

    أيها الأحبة: إقبال الدنيا ومجيئها لمن اهتم بالآخرة أمر غريب عجيب! قال ابن الجوزي: الدنيا ظل، إن أعرضت عن ظلك لحقك، وإن طلبته تقاصر دونك.

    وأما من كانت الدنيا همه -كما في تتمة الحديث- (ومن كانت الدنيا همه فإن الله جل وعلا يشتت عليه ضيعته ولا يأتيه من الدنيا إلا ما قسم له) أي: من كانت الدنيا تفكيره، لأجلها يقدم خطوة، ولأجلها يتقهقر أخرى، من كانت الدنيا سبباً في قربه وبعده، وابتسامته ونطقه وصمته وكلامه، ورضاه وسخطه وحزنه ومعاتبته، فليعلم أنه يعاقب عقوبة عاجلة:

    أولها: تشتت الشمل، فكل ما حوله متشتت حتى ولو رآهم رأي العين بين يديه، انظر لمن حوى الدنيا بأجمعها، واسأله عن حال قربه بأهله وزوجاته وأبنائه وأولاده، تجد أولاده يتمنون الدقيقة من وقته ليقابلوه، موظفوه يقابلونه أضعاف أضعاف ما يقابله أبناؤه، وخدمه يقابلونه أضعاف أضعاف ما تقابله زوجته، والسبب في ذلك أن الدنيا باتت له هماً ومطلباً، ومغنماً، ولأجل ذلك تشتت شمله حتى وإن كان الأمر بين يديه، وزد على ذلك أن الفقر يلازمه، ولا يعني ذلك أن له صك إعسار ثبت فيه عسره أمام غرمائه، لا وألف لا، بل أرصدته تملأ البنوك، ولكن الفقر بين عينيه، لو طرق الباب سائل يريد لقمة لأعطي اليوم وحرم الغد، ولو طلب أحد جهازاً من اللهو أو شيئاً من المنكر لبذل الكثير في سبيله، تجده مغداقاً منفاقاً بذولاً في الحرام والشبهات والمكروهات، شحيحاً بخيلاً في الطيبات والصدقات، وذاك من أصناف الذين اشتغلوا بالدنيا، فشتت الله شمله وأصبح الفقر لا يفارق عينه حينما يدعى إلى خير، وإذا دعي إلى شر أو حرام بذل الأموال ولم ينس أنه يحاسب، وقد نسي أنه يحاسب على ما بذل.

    نعم. الشيطان يعده الفقر ويأمره بالفحشاء، وهذا والله أمر غريب وعجيب، سمعنا ورأينا وعرفنا أصنافاً من الأثرياء إذا سئل أحدهم كفالة داعية من الدعاة، أو تجهيز غاز من الغزاة، أو كفالة يتيم من الأيتام، أو بناء مسجد من المساجد، أو دار من دور الحضانة والتعليم لأبناء المسلمين؛ أخذ يتعلل بحاجة المال وصرفه وتدويره وتشغيله في صنوف شتى، وأما إذا دعي إلى سفر في جولة لأقطار الدنيا وما فيها من مشاهد محرمة وصور مظلمة، وأحوال لا ترضي الله هان عليه الدرهم والدينار.

    فذاك رجل الفقر بين عينيه حينما يدعى إلى الخير والمعروف، ويغيب الفقر عن عينيه حينما يدعى إلى الحرام إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15].. إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ [التغابن:14].

    أيها الأحبة في الله: اسألوا ذلك الذي اهتم بدنياه وخدمها وأتقن حساباتها ولا ينتهي عام إلا والميزانية لمؤسسته وشركته تقدم بين يديه بالهللات والأرقام، ووراء المحاسب مراجع، ووراء المراجع محاسب قانوني، ووراء القانوني مدقق لتقدم نهاية العام كشوف في غاية الدقة والعناية، هل اهتم بأعماله بنصف هذا القدر أو بثلث هذا القدر، أو بربع هذا القدر؟ لا والله، وذلك من الحرمان.

    واسأل ذلك الثري الذي أشغلته دنياه عن آخرته: كم لك من دنياك؟ هل تلبس كل ثيابك التي في خزينة ملابسك؟ ليس لك إلا ما يغطي ظهرك، وليس لك من مخازن الأطعمة إلا لقيمات تشبع بطنك، وليس لك من أنهار المياه وبحارها إلا جرعة تملأ جوفك، وليس لك من ملاذ النساء إلا فراشاً في دقائق معدودة بلذة فانية يعقبها التعب وانكسار القوة، الذين جمعوا الأموال هل تلذذوا بلذات مئات الرجال في آن واحد، وهل أكلوا مقدار ما يأكله مئات الرجال في آن واحد، أو شربوا ولبسوا بقدر ما يشربه ويلبسه مئات الرجال في آن واحد، لا وألف لا.

    ملك كسرى عنه تغني كسرة     وعن البحر اجتزاء بالوشل

    القليل ربما أغنى وكفى عن الكثير، وصدق صلى الله عليه وسلم: (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) الثري الذي دنياه لدينه وآخرته وإخوانه والمسلمين؛ قاصداً بذلك مرضاة رب العالمين، فنعم المال له! اللهم فزد له وبارك له.

    أما الثري الذي أشغلته دنياه عن آخرته، وإن الأثرياء لهم إيمان بالغيب عجيب في شأن الأرصدة، يوقع الثري صفقة بخمسمائة مليون أو بمليار أو بمائة مليون، ويقبل أرقاماً وأصفاراً على ورق، لكنه ما رأى المليار وما رأى الملايين مجتمعة، رأى أرقاماً ووقع على وثيقة فآمن تمام الإيمان أنه يملك المليار، ولو قيل له: تصدق بحائطك، تصدق ببستانك، تصدق بشيء من ثروتك، واعلم أن لك في الجنة أضعافها لتردد يمنة ويسرة، وفكر وقدر، ثم هلك كيف قدر، يؤمنون بالغيب في أرقام حول أرصدة من الدنيا، وأما الإيمان بالغيب فيما أعد الله من نعيم الآخرة فإن الكثير منهم في ضعف وتردد وشك وريب، أين هو من ذلك الصحابي الذي تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، يوم أن دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصدقة فقال صلى الله عليه وسلم: (لك بها سبعون ناقة مخطومة في الجنة) فأخذ يهلل ويكبر، كأنه يرى نوقه في الجنة، كأنه يسوق أذواده في الجنة، كأنه يحتلب ويدور حول نوقه في الجنة، إيمان بغيب.

    وهذا صهيب الرومي لما لحقت به قريش، قالوا: جئت صعلوكاً فقيراً فآويناك وأغنيناك، أو بعد ما قويت واغتنيت تهاجر بمالك؟ والله لا ندعك، فقال: [وإن تركت لكم المال؟ قالوا: نخلي عنك، فوصف مكان ماله لهم وفر مهاجراً إلى الله] وما يغني قليل وحفنة ومتاع من الدنيا أمام الهجرة إلى الله ورسوله، إن الهجرة إلى الله ورسوله لهي أضعاف أضعاف لا يمكن أن تقاس، وكما قال صلى الله عليه وسلم -كما ذكره الإمام مسلم في كتاب وصف الجنة- : (مثل هذه الدنيا في الآخرة كمثل ما يضع أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع) إن الدنيا قطرة من الماء علقت بسبابتك وأما الآخرة فهي البحار في الدنيا مجتمعة، فمن ذا يبيع بحراً بقطرة، ومن ذا يبيع محيطاً برشفة، ومن ذا يبيع أنهاراً عذبة زلالاً بقربة، إن ذلك هو الخسران المبين.

    أيها الأحبة: إن من كانت الدنيا همه فإن الدنيا تدبر عنه ولو جمع الله حوله أرقاماً وضِيَاعاً ومراكب وقصوراً؛ لكنه لا يتلذذ بها، حدثني شاب كان سابقاً يعمل مديراً للإدارة الإقليمية في بنك من البنوك الربوية، وجاء رجل من كبار السن من أهل الودائع الربوية، قال: فجاء الرجل متعكزاً على عصاه وواحدة من ودائعه بالدولار -ستون مليون دولار- قال: فجاء ونفسه مضطرب قد علت أنفاسه وخارت قواه، فقال: يا ولدي كم بلغت الفوائد على الوديعة؟ قال فقلت له: يا والد! يا شيخ! ألك حاجة في السؤال عن فوائد الوديعة وأنت ترى ما أنت فيه من ضعف الصحة وإدبار العافية، وانقطاع النفس والحرمان من كثير من اللذة؟ قال فانقلب إلي قائلاً: وهل عينوك في المكتب واعظاً أو مديراً؟ قال فما لبثت أن سمعت عنه أن انقطع للعلاج في المستشفى على سرير قد لزمه شهرين كاملين قال: فجاء بعد خروجه من المستشفى وقد وضع له جهاز ينظم ضربات قلبه -ما عاد قلبه يسعف نفسه وحاله- ثم جاء مرة أخرى على عكازه وقال: كم بلغت الوديعة؟!

    أليس ذلك من تشتت الشمل، أليس ذلك من الفقر، أليس ذلك من المحق؟ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا [البقرة:276] يمحق الله الربا والمرابي في صحته وفي بدنه وفي عافيته وفي أهله، أولاده حوله لا يتمتعون بالجلوس معه، والدنيا بمتاعها ولذاتها حوله، أما الحلو منها فسكره يمنعه من تناوله، وأما المالح فضغطه يمنعه، وأما الدسم والدهن فضيق شرايينه يمنعه، إن ذلك لمن صور تشتت الشمل، لا يعني تشتت الشمل حالة واحدة فقط، بل ربما رأيت في ظاهر الأمر أن الدنيا اجتمعت لمن اهتم بها وخدمها، ولكنها في الحقيقة بين عينيه ولا يمس منها شيئاً بين يديه، ولا يدخل جوفه منها شيئاً، الدنيا حوله ولا يستمتع بقليل منها.

    ومن تأمل -أيها الأحبة- حال أولئك وجد أنهم كالذي يجلس على شاطئ بحر مالح فكلما ازداد شرباً من البحر الذي لا ينفد ازداد عطشاً فعاد مرة أخرى شارباً، تخيل رجلاً قد بلغ به العطش مبلغاً، وقد نصب خيمته بجوار البحر كلما شرب ليروي ظمأه إذا به يزداد عطشاً، والبحر لن ينتهي بشرب ذلك العطشان، والشرب من الماء المالح لن يروي ظمأ ذلك الصديان.

    أيها الأحبة: من تأمل حال الفريقين -من كانت الدنيا همه ومن كانت الآخرة همه- وجد أن الفرق بينهما عجيب، وعجب في هذه الدنيا! كلما سعيت في طلبها كلما أدبرت عنك وهربت.

    أيها الأحبة: قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: [هم الدنيا ظلمة في القلب، وهم الآخرة نور في القلب] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني بما فيه من الآيات والذكر والحكيم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    صفات أصحاب هم الآخرة

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    أيها الأحبة في الله: إن المتأمل لأحوال الخلق يراهم إما من أصحاب هم الآخرة أو من أصحاب هم الدنيا، أو من أصحاب هم الدنيا والآخرة، فهم المخلطون وما أكثرهم في هذا الزمان! نسأل الله أن يعفو عنا وعنهم أجمعين.

    يقول يحيى بن معاذ الناس ثلاثة: رجل شغله معاده عن معاشه فهو من الفائزين، ورجل شغله معاشه عن معاده فهو من الهالكين، ورجل مشتغل بالمعاش والمعاد فهو من المخاطرين.

    أيها الأحبة: لئن سمعنا صفات أهل الآخرة الذين أهمتهم الآخرة، ولئن سمعنا عما أعد الله لهم فلنسأل عن صفاتهم، إن أصحاب هم الآخرة أقوام علموا أن الدنيا وسيلة وجسراً للآخرة، فتصرفوا بالدنيا ولم يجعلوها تتصرف بهم، وشتان بين من جعل الدنيا غاية وبين من جعلها وسيلة، إن من الجنون أن ترى رجلاً قد ركب جسراً ينقل أو يفضي أو يوصل من بلد إلى بلد فلما بلغ منتصف الجسر أناخ رواحله وضرب خيامه ونزل بأهله وقال: ها هنا النهاية، أتظنون أن هذا من العاقلين ولو غره ما على الجسر من المناظر والمطاعم والمآكل والمشارب، أما العاقل فلن يغتر بما يرى على قارعة الطريق؛ لأنه يعلم أن الغاية بعد لم يصل إليها.

    إن الذين يجعلون الآخرة همهم لهم صفات عجيبة:

    الحزن لأجل الآخرة

    فأولها: الحزن لأجل الآخرة، فترى الشخص منهم يحزن إن أذنب ذنباً، المؤمن يرى ذنبه كجبل يوشك أن يقع على رأسه، وأما المنافق وأصحاب هم الدنيا فإن الشخص منهم يرى الذنب كذبابة وقعت على أنفه فقال بها هكذا، وأشار بيده حول أنفه فطارت، تجد الواحد منهم لا يفرق بين أن يدخل مسجداً أو يخرج إلى ملهاة، إذا وجدت قلبك يستوي عند الدخول في مكان طاعة أو في مكان معصية، وخروج من مكان طاعة وخروج من مكان معصية، فاعلم أن هذا قلب من قلوب الهالكين، ما لم يتداركه الله بتوبة ورحمة.

    من صفات أصحاب هم الآخرة الحزن: فيحزن إن فاتته صلاة الفجر، ويجد أثر ذلك في صبيحته وضحاه وسحابة يومه، ويحرص على أن يعوض ما فاته من الفجر في بكور ومبادرة إلى الصلوات الأخرى، بل ربما دخل المسجد قبل الأذان ليعوض ما فات في صلاة الفجر، تجده حزيناً قلقاً، تجده كئيباً، لماذا؟ لأن صلاة الفجر فاتته، أو تجده حزيناً لأنه قارف ذنباً من الذنوب، حتى يأتي بحسنة تمحوه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114].

    قال مالك بن دينار: إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب، كما أن البيت إذا لم يسكن خرب، وتعلمون أن البيوت التي لا تسكن سرعان ما تأوي إليها الهوام والخشاش، وسرعان ما تخرب بل ربما تعودها الناس مكاناً لقضاء الحاجة ورمي المخلفات، والقلب إذا لم يساكنه حزن على فوات طاعة، وحزن على اقتراف معصية، وحزن على فوات أمر من أمور الخير، فإن ذلك القلب يكون خرباً بقدر ما فاته من الحزن، وبقدر حزنك وهمك للآخرة يتحقق فيك بإذن الله صفة الاهتمام بالآخرة.

    تأمل -يا أخي- إذا كانت نفسك لا تحاسبك ولا تلومك ولا تعاتبك في فعل معصية أو زلة أو هفوة، فعالج قلبك وانظر أنك إذا أصابتك علة في رجل أو يد أو حاسة أو جارحة بادرت إلى المستشفى بالكشف والتحليل والإشاعة والتشخيص، ولكن القلب إذا مرض لا تعالجه، أفلا يهمك قلبك كما يهمك بدنك؟!

    قال ربنا عز وجل: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:1-2] قال الحسن البصري: [هي والله نفس المؤمن] لا ترى المؤمن إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلامي، ما قصدت بطعامي وشرابي؟ أما الفاجر فلا يحاسب نفسه أبداً.

    نعم. إن القلوب إذا ران عليها الذنوب أصبحت لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً.

    من يهن يسهل الهوان عليه          ما لجرح بميت إيلام

    العمل الدائب للآخرة

    أيها الأحبة: ومن صفات أهل الآخرة أن ترى عملهم للآخرة دائباً قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ [الأنعام:162] البداية وَمَمَاتِي [الأنعام:162] النهاية لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162].

    قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162-163] هكذا تكون صفات أهل هم الآخرة، العمل الدائب الذي لا ينقطع، وليس للاستقامة والعبادة والعلم والدعوة والتعليم تاريخ صلاحية، أن يقول شاب أو رجل التزم عشر سنوات، أو أطلب العلم عشر سنوات، أو علم عشر سنوات، فينتهي الأمر، بل مع المحبرة إلى المقبرة وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99].

    ومع هذا العمل الدائب وجلٌ وقلقٌ وخوفٌ رجاءَ أن يُقبَل العمل، وخشية أن يرد العمل لقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60] وجاء في تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة حول هذه الآية: (أولئك الذين يصومون ويتصدقون ويقومون الليل وقلوبهم وجلة يخافون ألا يقبل منهم).

    أيها الأحبة: إن الحزن الذي هو من علامات وصفات أهل هم الآخرة، ليس الحزن الذي يقبع بهم في السراديب أو ينزوي بهم في الأقبية أو يعزلهم عن الناس، بل هو الحزن على فوات الخير الذي ينقلب تشميراً وجداً في طلب الخير والسعي إليه والدعوة والعبادة، وحينئذ يكون الحزن للآخرة سعادة تنعكس على العبد بإذن الله.

    التأثر عند رؤية الجنائز

    ومن علامات وصفات أهل هم الآخرة أنهم إذا رأوا جنازة أو شهدوها تأثروا بها.

    هو الموت ما منه ملاذ ومهرب     متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب

    نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها     وعلّ الردى مما نرجيه أقرب

    أيها الأحبة: إن من شهد جنازة فلم يتأثر، ووقف على شفير قبر فلم يتأثر، فليعلم أن قلبه ليس من قلوب هم الآخرة، فليعالج هذا القلب، وليعلم أنه مريض، بل إن المرض مستحكم فيه، إن الموت عبرة، وإن الموت آية: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء:34-35] .. أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] .. اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42] إن الذي لا يعتبر بالموت ولا يتأثر به ليس من أصحاب هم الآخرة.

    قال إبراهيم النخعي رحمه الله: كنا إذا حضرنا جنازة أو سمعنا بميت عرف فينا أياماً؛ لأنا قد عرفنا أنه نزل أمر صيره إلى الجنة أو إلى النار.

    فكونوا من أصحاب هم الآخرة يا عباد الله!

    أسأل الله جل وعلا أن يعز الإسلام والمسلمين، وأسأله سبحانه أن يدمر أعداء الدين، وأسأله سبحانه أن يجعلنا في الآخرة من الحريصين، ولأجلها من الساعين، وبها من المهتمين، وللحديث بقية لعله أن يكون في جمعة قادمة.

    نسألك اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، واسمك الأعظم ألا تدع لنا في هذا المقام ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا غائباً إلا رددته، ولا حاجة إلا قضيتها، ولا عيباً إلا سترته، ولا زللاً إلا غفرته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا متزوجاً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا مجاهداً إلا نصرته بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً طبقاً مجللاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم إنا خلق من خلقك، وعبيد من عبيدك، فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، ولا تحرمنا بمعاصينا رحمتك، اللهم إن عظمت ذنوبنا فإن فضلك أعظم، وإن كثرت معاصينا فإن رحمتك أكبر وأكثر، يا حي يا قيوم! أعطنا ولا تحرمنا، واسقنا وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في طاجكستان، وفي البوسنة وفي كل مكان.

    إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.