إسلام ويب

عوامل وحدة الأمةللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن مما يحقق ويعين على وحدة المسلمين أن يفقه كل مسلم أن الأخوة الإسلامية لا تحول دونها التضاريس الطبيعية، وأن يعلم أن إخوانه هم أطرافه وجوارحه، فمن سقي بسموم العصبية فليتقيأ هذا السم، وليشرب من نمير الأخوة عذباً، وعسل المحبة مصفى، وليدرك أنه إن قطع فيده، وإن بتر فرجله، وإن طعن ففؤاده، وإن أراق فدمه، وإن أزهق فنفسه، حينها يعلم معنى الأخوة.

    1.   

    بلاغ رسالة الله من رسله

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فهو الواحد في ربوبيته، المالك المدبر المحيي المميت، الخافض الرافع، القابض الباسط، مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، يعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

    واحد في ألوهيته، فله التنزيه والتسبيح والتهليل والتكبير، والركوع والخضوع والسجود، والإنابة والتوكل والاستعانة والذبح، وكل صغير وكبير من العبادة فله وحده لا شريك له، ومن صرف من ذلك شيئاً فقد أشرك مع الله، واحد في أسمائه وصفاته، فله الأسماء الحسنى والصفات العلى، جل عن الند والشبيه، وعن المثيل والنظير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

    وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    معاشر المؤمنين: إن حكمة الله في خلق عباده أن يعبد وحده لا شريك له، وهو القائل عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وما في هذا الكون من يستطيع الخروج عن أمر الله، وأنى له ذلك وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83].

    هذه الغاية الواحدة وهي عبادة الله وحده، هي مهمة ورسالة جميع الأنبياء والرسل وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

    ولقد بلغ رسل الله رسالة ربهم، والغاية من خلقهم والخليقة معهم، بلغوا الرسالة إلى أقوامهم، فتفرق القوم بعد بلوغ الرسالة إلى فريقين: فريق على الهدى وفريق على الضلالة، بعد أن كانوا على الكفر فريقاً واحداً وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ [النمل:45] باتوا فريقين بعد أن كانوا على الكفر أمة واحدة، وعلى الشرك صفاً واحداً.

    ولقد بلغ رسل الله أتم البلاغ وأوضحه، فلم يبق حجة أو عذر لمعاند يكابر في الإذعان للحق والانقياد له، بل قامت الحجة وبانت المحجة: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً * رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:163-165].

    ذلك لأن الوقوع في الباطل والمنكر وفوات الحق وعدم ظهوره، يعود إلى كتمان من المبلغ والداعي، أو إبهام وخفاء في البلاغ والخطاب، أو إعراض من المبلغ لهواً وكبراً، مع العلم واليقين بالحق: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص:50] .. أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية:23]، فهذا المعرض ضال ليس عن جهل، ولا عن خفاء للحق، ولكنه الهوى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [النمل:14].

    لقد تقرر في الشريعة بواضح الأدلة أن الرسالات ختمت بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنه صلى الله عليه وسلم يموت ويحمل الدين من بعده أمته، ليستمر البلاغ والدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144].

    1.   

    فتن تفتك بوحدة الأمة

    بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم عاشت أمة الإسلام حقبة من الزمن في ظل وحدة تلم شتاتها، وتوحد صفها وكلمتها، وتحوط الأمور بعنايتها ورعايتها، وتحقيق ما يصلح شأنها، وما زال الحال بالمسلمين من نقص إلى مثله، ومن انحدار إلى أسفل منه، حتى انتهى الأمر اليوم إلى ما ترون وتسمعون، وقد مر بالمسلمين في فترات ماضية أنواع وألوان مما حل بهم اليوم، ولكن لا أظن منصفاً أو عاقلاً متأملاً بنظرة شاملة، يقول: إنه مر بالمسلمين فيما مضى مثلما حل بهم في هذا الزمان وهذا العصر وهذه الحقبة، ولستم بحاجة أن أفصل لكم ما نعنيه بما أصاب المسلمين، فترى كثيراً من المسلمين يجهلون الإسلام جهلاً مطبقاً، ولا يعرفون عن الإسلام إلا اسمه، والانحراف عن العقيدة السوية أمر منتشر عند كثير من المسلمين أيضاً، وفشو البدع، وغزو المسلمين في أخلاق شبابهم، وعفاف نسائهم، ناهيك عما حل بأعراضهم من استباحة، وما حل بأراضيهم من سلب، وما حل بأموالهم من نهب، وما حل بدمائهم من نزيف، وما حل بجراحهم من ثلم.

    ثم أصبح اجتماعهم فرقة، وبات حال الواحد منهم يرى أن الموت بات أمنية، والفراق للدنيا أجمل أغنية.

    كفى بك داء أن ترى الموت شافيا     وأن المنايا قد غدونا أمانيا

    أو كما قال بعضهم:

    ألا موت يباع فنشتريه     وهذا العيش ما لا خير فيه

    ألا رحم المهيمن نفس حر     تصدق بالوفاة على أخيه

    وهل يلام من قال اليوم: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً [مريم:23] وهو يرى تسلط أبناء القردة والخنازير، اليهود الحفنة القليلة، يرى تسلطهم على الأمة العظيمة، وهو يرى ويبصر حروباً وقودها جماجم المسلمين، وحصادها أعراضهم وأرواحهم.

    وهل يلام على ذلك وهو يرى الذين تدخلوا في شئون المسلمين باسم حقوق الإنسان، يراهم لا يعتبرون لمسلم قدراً، ولا يحسبون له حساباً، حتى ولو وطئت المنجزرات والدبابات أشلاؤه في الشيشان ، أو سورته المدافع من حوله، وأظلته القاذفات السابحات من فوقه في البوسنة والهرسك، أو ظل في الجبال والأدغال يطالب بأدنى حقوقه، ويفنى ويضيع ويضل ويذهب كثير منهم هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً [مريم:98].

    كل هذا .. فهل يلام من يرى ما حل بالمسلمين وهو عاجز، أن يتمنى أن لو كان مات قبل هذا، وكان نسياً منسياً، أما من يستطيع أن يفعل شيئاً ولو يسيراً، فالصبر والمصابرة والجلد والمجالدة أولى به، وهو المشروع في حقه، حتى لا نظن أنها دعوة إلى اليأس، أو حرب على التفاؤل، أو نداء إلى القنوط.

    إن ما مضى بمجموعة لا يساوي أشد طعنة طعن بها المسلمون، وهي ضرب المسلمين في وحدتهم، وتفجير العصبيات والقبليات في أوساطهم، وتشجيع التحزب على الضلالات والشعارات، حتى أصبح الحديث عن وحدة المسلمين عند القوميين جريمة، وعند العلمانيين خرافة، وعند المنهزمين أضغاث أحلام.

    1.   

    المخرج من الفتن إلى الوحدة

    أيها المسلمون: إن حاجة الأمة إلى الوحدة الصحيحة على العقيدة السوية والمنهج القويم في هذه الحقبة خاصة فوق كل حاجة، وإن ما أصاب المسلمين يوم أن أصابهم، حتى تحول حالهم إلى هذا اليوم، إلى ما نراه في هذا اليوم، ما ذاك إلا للأسباب أهمها بعدهم عن كتاب الله، وتشتت وحدتهم، وتفرق صفوفهم، وذهاب ريحهم، واختلاف كلمتهم، وصدق الله إذ يقول: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46].

    أما المخرج من هذا التيه، والخروج من هذا الضياع، فقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بيَّن ونبأ أن الأمة ستواجه فرقة واختلافاً، ثم بيَّن المخرج من ذلك، ففي الحديث عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً).

    وقد رأينا هذا الخلاف، وصدق رسولنا صلى الله عليه وسلم، ثم قال بأبي هو وأمي: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة) فبين صلى الله عليه وسلم أن الخلاف سيقع، وأن المخرج منه لزوم السنة.

    أيها المسلمون: المخرج في صراط الله المستقيم وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153] وهذا الصراط نأوي فيه إلى ركن شديد يعصمنا بكل معنى العصمة، يعصمنا من الزلل والتفرق، نأوي فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين، وكل معصوم لا يزل ولا يضل من لزمه ولم يبرحه.

    فالقرآن محفوظ لم يفرط الله فيه عز وجل من شيء، والسنة مثل القرآن (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه) وقد قيض الله للسنة رجالاً وضعوا لها علماً لم يوجد في الدنيا له مثيل، يميزون به الصحيح من غيره، وينفون به عن السنة انتحال المبطلين، والإجماع معصوم، إذ لا تجتمع الأمة قاطبة على ضلالة، وإن حمل الأمة، وسوق الأمة، ودعوة الأمة، وبث الوعي في نفوس أبنائها باليأس، ندعو الأمة إلى اليأس والقنوط، نحمل الأمة على اليأس وننادي إلى القنوط من كل حل أو مشروع أو نظام أو منهج لا يرتبط بالمنهج المعصوم، وهو الإسلام، أو لا ينبثق منه.

    إن هذا من المهمات التي يستطيعها كل واحد منكم، إن هذا من الأمور التي يستطيعها آحاد المسلمين، فضلاً عن النظم والمؤسسات، بمعنى أن يتقين عامة المسلمين، وأن يفقهوا معنى قول الله عز وجل: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] إن حمل الأمة، ودعوة الأمة، ومناداة الأمة، وبث الوعي في نفوس أبنائها بأن كل عقدة أو مشكلة أو فتنة أو نازلة أو واقعة أو مصيبة لا ترد إلى كتاب الله وسنة نبيه؛ فإن ذلك يجعل الظلام دامساً، والمر علقماً، ولا يزيد الأمة إلا رهقاً، ولا يزيد الطين إلا بلة، ولا يزيد الأمور إلا تعقيداً، فما من مصيبة لا ترد إلى الله ورسوله، إلا وتتضاعف وتفرخ وتنتشر وتتنامى.

    ولا حل إلا بالعودة إلى كتاب الله وسنة نبيه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:59] بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب يمتعكم متاعاً حسناً، ويزدكم قوة إلى قوتكم.

    1.   

    خطوات على طريق الوحدة

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    إنه ما من مسلم إلا ويتغنى ويتمنى وينشد ويرمق ذلك اليوم الذي يرى فيه المسلمين أمة واحدة إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92] وإن مما يعين على تحقيق هذه الوحدة، أن نعظم في النفوس شأن الانقياد والاستجابة لله ورسوله، وأن نعظم في النفوس محبة الخضوع والتسليم للدليل بلا نزاع أو جدال أو تسويف، فلا إيمان إلا بتسليم لله ورسوله فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] .. وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36].

    أن نعظم في النفوس هذا الاستسلام والانقياد، وهذه الاستجابة: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285] أن نربي أبناءنا وبناتنا ومجتمعنا عبر كل وسيلة إعلامية وتعليمية وتربوية على الخضوع والاستجابة الفورية لأمر الله ورسوله.

    وإن مما يعين على تحقيق وحدة المسلمين: أن يعرف المسلمون من هم أعداؤهم، من هم الأعداء التاريخيون، ولو تلونت الوجوه، وتغيرت الأقنعة، أو تبدل السرج، وتغيرت المواقف.

    إذا عرفنا من هم أعداؤنا، نسينا خلافات جانبية أو جزئية فيما بيننا، لنقف وقفة واحدة، بغضبة وغيرة لله ورسوله في مواجهة عدو لم يألوا المسلمين خبالاً، ود عنتهم، يعض عليهم الأنامل من الغيظ، لا يفتأ يتربص بهم الدوائر، وإن تصب المسلمين حسنة تسؤهم، وإن تصب المسلمين سيئة يفرح بها.

    إن مما يحقق الوحدة الإسلامية: أن يفقه كل مسلم أن الأخوة بين المسلمين لا يحدها جبل أو بحر، أو سهل أو وعر.. أن يفقه كل مسلم أن إخوانه المسلمين هم أطرافه وجوارحه، فمن سقي بسموم العصبية عبر أي وسيلة من الوسائل، فليتقيأ ذلك السم، وليشرب نمير الأخوة عذباً، وعسل المحبة مصفى.

    أن نشعر أن إخوننا المسلمين هم أيدينا وجوارحنا وأطرافنا، فإذا ثارت نعرات القومية والعصبية والبغضاء والتناحر؛ أدركنا أننا إن نقطع فنقطع أيدينا، وإن نبتر فنبتر أرجلنا، وإن نطعن فنطعن أفئدتنا، وإن نرق نرق دماءنا، وإن نزهق نزهق أنفسنا، حينما يعظم في نفوسنا معنى الأخوة لكل المسلمين، بغض النظر من أي اتجاه هو.

    وحيثما ذكر اسم الله في وطن     عددت أرجاؤه من لب أوطاني

    إن مما يعين على تحقيق الوحدة بيننا: ألا يؤخذ المسلمون بذنوب أنظمتهم؛ إذ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164].

    وإن مما يعين على تحقيق الوحدة: نشر الوعي بكتاب الله والحاجة إليه، ونشر القنوط واليأس بإفساد وخواء وإفلاس الأنظمة التي ما جرت على الأمم إلا فشلاً بعد فشل، وهزيمة بعد هزيمة، وسقوطاً بعد سقوط.

    إن مما يعين على تحقيق الوحدة: أن ندعو إلى هذا وأن ننشره عبر الأشرطة، والكتب، وعبر كل سبيل ووسيلة نافعة.

    اللهم اجمع شمل المسلمين على طاعتك، اللهم أصلح قلوبهم، وثبت أقدامهم، ووحد صفهم، وسدد رصاصهم، وأقم دولتهم.

    الله صلِّ على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وصحبه وسلِّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.