إسلام ويب

بادروا بالأعمالللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمرنا الله سبحانه وتعالى بالمسارعة والمسابقة إلى مغفرته وجنته، وأخبرنا أن ذلك من صفات الأنبياء عليهم السلام، وذلك -بدون شك- يحتاج إلى مجهود عظيم من المسلم. وفي هذه المادة بيان لأهمية المبادرة بالأعمال، قبل وقوع الفتن، أو حلول الأجل. وقد ذكر الشيخ -أيضاً- في هذه المادة بعض وسائل رفعة الدرجات في الآخرة، وبعض فضائل الأعمال، واستدعى كل ذلك ذكر شيء من أحكام التوبة، وموانعها، وبيان يسرها وأهميتها.

    1.   

    مدلولات المسارعة والمسابقة

    يقول الله سبحانه وتعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133] ويقول سبحانه: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21] لاحظوا الآية الأولى سارعوا، والآية الثانية سابقوا.

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمساً قبل خمس) فلفظ المسارعة، ولفظ المسابقة ولفظ المبادرة ولفظ الغنيمة كلها تحوم حول أمرٍ يفوت، وهذا الأمر إن لم يتدارك بالمسابقة والمبادرة والمسارعة وإلا فإن صاحبه يعض أنامل الندم على ما فرط فيما مضى، أو ضيع من هذه الفرص المتاحة بين يديه.

    ومن زرع البذور وما سقـاها     تأوه نادماً وقت الحصاد

    يقول صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبلك هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وخذ من نفسك لنفسك، ومن دنياك لآخرتك).

    مدلولات المسارعة في حياة الأنبياء

    الغنيمة أيها الأحبة لا تقال إلا لأمرٍ لا ينال بالهين من الحال، والغنيمة لا تكون إلا في شيء يفوت، والغنيمة لا تكون إلا في أمرٍ إذا فات لا يعوض، فدل هذا على أننا قد وجدنا في هذه الدنيا من أجل أن نتنافس هذه الغنيمة، من أجل أن نتبادر هذه الكرامة، من أجل أن نتسابق وأن نسارع كما هو الحال في شأن خيرة خلق الله وهم أنبياء الله ورسله، حيث قال الله عز وجل في شأنهم: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90] الأنبياء أولو المعجزات الذين اختارهم الله واصطفاهم من بين الخلائق وأيدهم بالمعجزات، وأكرمهم بالوحي؛ فمنهم الكريم، ومنهم الذي آتاه الله ما لم يؤت أحداً من العالمين، ومنهم الذي سخرت له الجن والإنس ومع ذلك هؤلاء الأنبياء يصفهم الله عز وجل بقوله: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً [الأنبياء:90] أي: طمعاً وحباً ورجاءً لما عند الله عز وجل من الخير ( ورهباً ) أي: خوفاً وإشفاقاً من النار.

    أهمية الرغبة والرهبة في الدعاء

    أقول أيها الأحبة: إن الله عز وجل قال في شأن هؤلاء الأنبياء: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90] فجمعوا بين المسارعة والرغبة في الجنة والخوف من النار والخضوع والذلة والإخبات والانكسار إلى الله عز وجل، ولو خرجنا عن موضوعنا قليلاً لاستفدنا من هذه الآية فائدة عظيمة وهي ردٌ على طائفة من طوائف الضلالة وهم غلاة الصوفية الذي يسمون بأصحاب مدرسة الحب الإلهي الذين يقولون: إننا عبدنا الله حباً في ذات الله لا خوفاً من عذابه ولا طمعاً في ثوابه وإنما حباً في ذاته، فنقول لهؤلاء: كذبتم وخبتم وخسئتم وخسرتم، لن تكونوا أمثل وأكمل وأفضل وأجل نهجاً وسمتاً وهدياً من خيرة خلق الله الذين اصطفاهم من سائر خلقه وهم الأنبياء والرسل ومع ذلك يقول الله عز وجل عنهم: وَيَدْعُونَنَا رَغَباً [الأنبياء:90] يطمعون في الجنة وَرَهَباً [الأنبياء:90]أي: خوفاً من النار وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].

    بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قد صرح بذلك لما جاءه أعرابيٌ فقال: (يا محمد! إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ، ولكني أسأل الله الجنة، وأستعيذ به من النار، فقال صلى الله عليه وسلم: يا أعرابي أنا ومعاذ حولها ندندن) ما أنا وما معاذٌ وما الصحابة إلا وهم في دعائهم في صلاتهم وعبادتهم إلا يسألون الله الجنة، ويستعيذون بالله من النار، لكن الجنة تحتاج إلى مسابقة، وتحتاج إلى مبادرة ولذا قال تعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ [الحديد:21] فالذي يريد الجنة بنومٍ عن صلاة الفجر، ويريد الجنة بنومٍ عن شهود الصلاة مع الجماعة، وبإعطاء النفوس شهواتها، ويريد الجنة بالبخل عن الإنفاق في سبيل الله، وبالقعود عما أمر الله به، ويريد الجنة وقد أسلم لنفسه زمامها في شهواتها وغفلاتها ومعاصيها وإصرارها على المعصية ثم بعد ذلك يقول: أنا أريد جنة عرضها السماوات والأرض، الجنة تريد مسابقة.

    تسألني أم الوليد جملا     يمشي رويداً ويجيء أولا

    تريد جنة عرضها السماوات والأرض وأنت إذا قيل: حي على الفلاح، انقلبت على الجنب الآخر لا تريد أن تسمع بقية الأذان؟! تريد جنة عرضها السماوات والأرض وأنت إذا دعيت لتنفق في سبيل الله من مالك أصبح الإنفاق على شهوتك ولذتك وشهوات أولادك أحب إليك من الإنفاق في سبيل الله؟! تريد جنة عرضها السماوات والأرض وأنت قد أعطيت النفوس زمامها وأسلمت لها العنان وأطلقت لها الأمر فما اشتهت من شيء إلا وطئته حلالاً كان أو حراما؟! ثم إذا قيل هذا لا يرضي الله وهذا يسخط الله، وهذا لا يجوز وهذا لا ينبغي؛ أتيت بحججٍ وأقاويل وتأويل، وربما وكيف وأين ولعل ويمكن وقيل وسمعنا وروي، تتعلل في الهروب معللاً لنفسك فعل الحرام، وتتلون في الفرار مبادراً أو مسارعاً بالفرار عن المسابقة إلى مرضاة الله، ثم تقول: إني أريد جنة عرضها السماوات والأرض.

    حتمية عذاب العصاة بقدر ذنوبهم

    نحن لن نكون خوارج فنقول: إن أهل الكبائر وأهل المعاصي لا يدخلون الجنة، حاشا وكلا، فمعتقد أهل السنة والجماعة أن أهل الكبائر من أمة محمد عصاةٌ أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم، ولكنهم ليسوا بمخلدين في النار، ولكن من لم يغفر الله له فإنه لابد أن يمسه من عذاب الله ما يمسه حتى يطهر من ذنوبه وغفلاته وسيئاته، وربما شدد له العذاب في قبره، أو شدد له في سكرات موته، أو شدد له في مصائب دنياه، أو شدد له في عرصات القيامة، أو مكث في النار ما شاء الله له أن يمكث حتى يطهر من ذنوبه ويرد على الله عز وجل، لكن لا نتوقع أن أمر الجنة ومنازل الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين تنال بالأمر الهين.

    أسألكم بالله هل يستطيع أحد أن ينال الشهادة الجامعية ليسانس أو بكالوريوس بنومٍ في النهار وسهرٍ أمام القنوات والأفلام في الليل، فإذا جاءت الامتحانات كتب فيها ما يكتبه الغافلون والساهون، هل يستطيع أن ينال هذه الشهادة؟ لا، على أهل الشهادات مواظبة .. دوام .. حضور .. مراجعة .. بحوث .. دراسة حتى استطاع أن ينال شهادته، وربما تغرب زمناً طويلاً حتى نال شهادته، وربما اضطر أن ينشغل عن حاجات زوجه وأهله حتى ينال شهادته، وهي شهادة قرطاسية يسيرة من أمر الدنيا ما نالها إلا بالمشقة.

    واسألوا ضابطاً من الضباط كيف علق نجمة أو تاجاً أو مقصاً أو وساماً أو نياشين، هل نالها بالنوم والعبث واللهو والعصيان والعناد للأوامر؟ ما نالها حتى جاع أياماً، وزحف على بطنه، واختبرت لياقته، واختبرت شدته وتحمله وصبره، وثبت على ذلك زمناً ودورة بعد دورة ومسابقة بعد مسابقة، حتى علق نجمة أو اثنتين أو تاجاً أو مقصين.

    واسألوا التاجر كيف جمع هذه الأموال؛ أبالغفلة واللهو والإسراف والتبذير والعبث؟ بل بصرِّ الدينار على الدينار والدرهم على الدرهم والمتابعة، تعبٌ في جمع المال وتعب في متابعة الاستثمار حتى استطاع أن يجمع هذا المال كله.

    إذا كان هذا في شأن ما نراه من أمور الدنيا ما نالها أربابها ما حصلها أصحابها إلا بتعب أتظنون أن جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أتظنونها تنال بالأماني؟ أتظنونها تنال بلعل وليس ولو أني؟

    ولست بمرجعٍ ما فات مني          بليت ولا لعل ولا لو اني

    دواعي المسارعة والمسابقة

    إذاً أيها الأحبة.. الله عز وجل أمرنا بالمسارعة، وأمرنا بالمسابقة، وأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالمبادرة؛ لأن الأمر جد خطير وجد عظيم، ولابد أن يتبادر وإلا فات، وما الذي يفوت؟ الجنة باقية لها أهلها ورجالها، المتنافسون المتسابقون في ميادين الليل بالقيام، وفي ميادين النهار بالصيام، وفي المحاريب بالصلاة، وفي الأعمال بالدعوة إلى الله عز وجل، وفي السعي على الأرامل والمساكين، وفي الصبر على هذه الدنيا ونكدها وكبدها، وفي السير بصدقٍ وإخلاص وجدية في هذه الحياة، وفي التربية الحسنة لأبنائهم، وفي الثبات على دين الله، وفي الاستقامة على شرع الله: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112] تكون الجنة لمن رحمه الله ووفقه الله إلى هذه الأعمال، واعلموا أن لكل شيءٍ أسبابه، ولكل شيءٍ مقدماته التي تفضي إليه: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل:5-7] لما أعطى واتقى وصدق بالحسنى أكرمه الله ويسره لليسرى.

    وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:8-10].

    إذاً لكل شيءٍ مقدماته:

    وكل امرئ والله بالناس عالم     له عادةٌ قامت عليها شمائله

    تعودها فيما مضى من شبابـه     كذلك يدعو كل أمرٍ أوائله

    من جد واجتهد، وحصل وكابد وجد نتيجة طيبة، ومن كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة.

    1.   

    أهمية المبادرة بالأعمال قبل حلول الفتن

    يقول تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً [المائدة:48] ويقول صلى الله عليه وسلم في بيان شأن آخر بالأمر بالمبادرة: (بادروا بالأعمال فتناً .) أي: اعملوا اجتهدوا.

    أحسن إذا كان إمكانٌ ومقدرة     فلا يدوم على الإحسان إمكان

    أنت اليوم مبصر، وغداً لا تدري أكفيف أم بصير، وأنت اليوم تمشي، وغداً لا تدري أراجلٌ أو معوق، وأنت اليوم قادر، وغداً لا تدري أقادرٌ أم ضعيف، أنت اليوم قوي، وغداً لا تدري أقويٌ أم عاجز، وأنت اليوم عزيز، وغداً لا تدري أعزيزٌ أم ذليل، وأنت اليوم قد متعك الله بكل ما آتاك، وأنت لا تدري غداً هل تعيش وأنت محرومٌ مما أوتيت من قبل، أو لا تدري لعل غداً يأتي وأنت في جوف الأرض ولست على ظاهرها.

    ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا) رواه الإمام مسلم.

    ففي هذا الحديث يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نبادر بالأعمال، فالواحد لا يدري لعل فتناً تحل بواقعه، وفتن الزمان عجيبة..

    والليالي من الزمان حبالى     مثقلاتٍ يلدن كل عجيب

    لا تدري أتصبح في فتنة قد لا تمسي فيها مؤمناً، أم تمسي في فتنة قد لا تصبح فيها مؤمناً، يفتن الناس فتناً عظيمة، ولا يقولن أحدٌ: أنا ذلك الحصن المنيع الذي لا يتسور، وأنا تلك الصخرة الصماء التي لا تخترق، وأنا ذلك الجدار الذي لا ينكسر، بل قل: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك.

    إن فتناً حقيرة من أمور الدنيا، تعجب يوم أن ترى الناس يتعصبون لها ويتحزبون ويتدابرون فيها، ويتقاطعون بسببها، وهي أمورٌ تافهة ليس فيها من العجائب أو الغرائب أو المعجزات، ومع ذلك فتن الناس بها أو كثيرٌ منهم أيما فتنة، فما بالك إذا جاءت فتنٌ كقطع الليل المظلم يرقق بعضها بعضا، يصبح الواحد فيها مؤمناً فيمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً فيصبح كافراً.

    ما دام الواحد منكم -يا عباد الله- في فسحة من العيش، في مهلة من الأجل، في قوة من العافية وسعة من الرزق.. في قدرة من الحال.. ما الذي يردك أو يصدك عن المبادرة؟

    أقوامٌ بصر الواحد منهم حديد (ستة على ستة) فيقال له: اتل كتاب الله، تدبر كتاب الله، يقول: فيما بعد، أو إذا كبرنا، إذا ... إذا ... إن شاء الله، ثم إذا ضعف البصر واحتاج إلى عدسة غليظة، ثم ما عادت العدسة تنفعه، قال: يا ليتني أبصر لأقرأ في كتاب الله عز وجل، وأين القراءة في كتاب الله عز وجل يوم كان نظرك (ستة على ستة)؟

    وآخر كان يسابق الذئاب والثعالب والتراحيل من شدة عدوه وسرعته، وينام عن الصلاة في المساجد، ثم إذا تقدم به السن قليلاً أو أصابه من مقادير الله ما أصابه فأصبح عاجزاً عن المشي على قدميه قال: يا ليت لي قدمان تحملني إلى المسجد لكنت أصلي كل فرضٍ في بيت الله، وأين أنت أيام كانت الأقدام قوية؟

    وآخر كانت الدنيا في يده يعبث بها يمنة ويسرة في إسراف وشهوات، وفي أمورٍ كثيرة، ثم تقلبت به الأيام وتغيرت الأمور: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140] فقال بعد أن افتقر بعد ذلك الغنى: يا ليتني كنت غنياً فأكفل الدعاة، وأكفل الأيتام، وأسعى على الأرامل والمساكين وأعطي المحتاجين.. وأين أنت يوم أن كاد الرصيد يئط كما يئط الرحل من حملٍ فوقه، أين أنت عن الإنفاق في سبيل الله عز وجل؟ أين أنت أيام قدرتك المالية؟ لما ضاع المال وذهب واضمحل وزال وولى وانتهى تأتي وتقول في حال الفقر: يا ليت وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28].. وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ.. [التوبة:75] إلى قوله عز وجل: فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِه [التوبة:76].

    علامات انتهاء فرصة المبادرة

    أيها الأحبة! لا يزال السياق في الأمر بالمبادرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (بادروا بالأعمال ستاً..) بادروا أي: سارعوا وسابقوا واجتهدوا في الأعمال قبل أن تحل بكم واحدةٌ من هذه الست، أو بعضها. (بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها) وإذا طلعت الشمس من مغربها فلا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، حينئذ يُغلق باب التوبة ويحال بين المرء وما يشتهي: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ [سـبأ:54] ثم يقول صلى الله عليه وسلم: (أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة) أي: سابقوا بالأعمال الصالحة ستاً، والمراد أن واحداً من هذه الست لو نزلت بأحدكم لأشغلته عن مبادرةٍ وعن استمرارٍ وسعيٍ للعمل.

    استغلال النعم المعاصرة لزيادة الطاعات

    أيها الأحبة! لو أن الواحد منا تفكر في حال آبائه وأجداده، معاناةٌ منذ الصباح إلى المساء، قطرة الماء معاناةٌ لا يجدها بسهولة ولا بيسر، وإن كان بعض الناس لا يزالون يجدون شيئاً من المعاناة في حصولهم على الماء، ولكن شتان شتان بين حال الأوائل وحال المتأخرين، وطهي طعام يحتاج إلى معاناة، من جمع الحطب والبحث عما يشعل هذه النار، والانتظار على هذا الطعام ثم بعد ذلك ما يتبعه من تبعاتٍ وأمورٍ أخرى.

    وأما الثياب فمعاناة، وأما المبيت فمعاناة، في الشتاء معاناة وفي الصيف معاناة، وفي كل حالٍ من أحوال الفرد معاناة.

    أما الآن فكما يقول الشيخ الجزائري: نحن في زمنٍ طرنا في الهواء، وسرنا على الماء، وأكلنا فاكهة الصيف في الشتاء، وما كان ذاك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهل هذا دليلٌ على أن زماننا خيرٌ من زمن الأوائل؟ لا وألف لا -أيها الأحبة- ولكن الأمر أننا ابتلينا بما آتانا الله عز وجل.

    إن كل ما سخره الله لنا من مبانٍ أو إضاءة أو خدماتٍ، أو غنى أو أمن أو طمأنينة؛ يبتلينا الله عز وجل فيه لينظر ما نحن صانعون؟ أنت في أمن والآمن يستطيع أن يفعل خيراً، وأن يعبد الله عز وجل، أما الذي هو في خوف فلا يعرف كيف يعبد ربه.

    أنت في غنى والغني يستطيع أن يجد فسحة من الوقت ليعبد الله سبحانه، أما الفقير الذي منذ أن يصبح لا يفكر إلا في لقمة يسد بها رمقه، ويقيم بها صلبه وأوجه، فلا يستطيع؛ يفكر في هذه اللقمة ولا يفكر في غيرها، أما الغني فلا يفكر في هذا إطلاقاً وعنده فسحة من الوقت وفسحة من الزمن يستطيع أن يتعبد الله عز وجل بذلك.

    المبادرة قبل حلول الأجل

    إذاً أيها الأحبة! لا يدري الواحد ما الذي يحول بينه وبين العمل، وإنما ضيع كثيرٌ من الناس أنه أكثر من التسويف وأكثر من التعليل، تقول له: تب إلى الله، استقم على طاعة الله، أقلع عن الذنوب والمعاصي وهو قويٌ غني صحيحٌ شحيح يرجو الغنى ويخشى الفقر، ما هو جوابه إذا دعي إلى الله ورسوله؟ يقول: إن شاء الله غداً! بعد أسبوع! بعد الحج! رمضان قريب! بعد نهاية رمضان! إذا فرغت الصوامع! إذا قضيت الدين! إذا فعلت كذا، إذا فعلت كذا!! ويعلق توبته على أمورٍ هو لا يعلم هل يبلغها أم لا.

    لو أنك تقدمت في معاملةٍ تريد حقاً من حقوقك أو مصلحة من مصالحك، فقال لك المسئول: ننجزك ما تحتاج أو نخدمك بما تريد إذا حصل كذا، وعلقك على أمرٍ لا تدري متى يحل، فأنت لا تقبل بهذا الأجل، تقول: حدد لي أجلاً معيناً، فإني لا أريد أن أضيع وأن أسوف، ما أدري هل هذا الأمر يقع أو لا يقع، وما أدري هل أنا أبلغ هذا الأجل أم لا أبلغه، فكذلك قل لنفسك إذا دعيت إلى التوبة والمبادرة والإنابة إلى الله عز وجل، قل لها: هل تستطيعين أن تبلغي ذلك الأجل؟ هل تستطيعين أن تبلغي تلك الغاية التي جعلتيها أو علقت بها هذه التوبة وهذه الإنابة:

    مضى أمسك الماضي شهيداً معجلا     وأعقبه يومٌ عليك جديد

    فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة     فثن بإحسان وأنت حميد

    فيومك إن أعتبته عاد نفعه     عليك وماضي الأمس ليس يعود

    ولا ترجِ فعل الخير يوماً إلى غدٍ     لعل غداً يأتي وأنت فقيد

    يقول لي أحد الذين أعرفهم: كنت ممسكاً بيد والدي وقد خرجنا -في مدينة الرياض - من المسجد في شهر شعبان قبل سنتين أو ثلاث، يقول: ونحن في نهاية الشهر على قرب حلول رمضان يقول: فكان أبي وهو ممسكٌ بيدي يقول: يا ولدي! كم من نفسٍ لا تصوم هذا الشهر، وكم من نفسٍ لا تكمل صيام هذا الشهر، يقول: فكان أبي هو ذاك الذي ما صام من الشهر إلا أياماً فمات، رحمه الله رحمةً واسعة.

    وهذا جليٌّ وواضح وليس بالغريب، وليست بقصة معجزة، بل ما أكثر الذين يتحدثون عن المنايا والآجال وهي تنتظرهم، لعل المتحدث أول من يموت، ولعل السامع أول من يموت، ولعل الصغير أول من يموت، ولعل الكبير أول من يموت، وتقول العوام: كم ناجحٍ شربت في جلد حوارها، يعني: ناقة عسراء أنتجت ثم إن نتاجها الحوار الذي خرج مات ثم بعد ذلك جعلوا من جلده سقاءاً فشربت الأم في جلد نتاجها ووليدها:

    تزود من الدنيا فإنك لا تدري     إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجر

    فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ     وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهر

    وكم من صغارٍ يرتجى طول عمرهم     وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر

    وكم من عروسٍ زينوها لزوجها     وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري

    تذكر الموت غايته الاستعداد والمبادرة

    أيها الأحبة! مصيبتنا أننا إذا تكلمنا عن الآجال لا يتخيل أحدنا أنه ربما هو الذي يوافقه، أو أن السامع لا يتخيل أن الأجل ينتظره، ولأجل ذلك علينا أن نكون مستعدين للقاء الله عز وجل، حينما نتكلم عن الموت ينبغي ألا نخرج من الكلام إلى الزاوية الخلفية أو الوجه المعاكس في هذه القضية، بعض الناس إذا تكلم عن الموت أخذ يبكي وانقطع عن العمل والإنتاج، وضيع قيمة الزمن، ما عاد يحترم هذه الأمور جميعاً، لا، نتكلم عن الموت بحيث يكون الإنسان مستعداً للقاء الله عز وجل من أول لحظة، تكلم عن الموت واذهب من الفجر إلى السوق وبع واشتر، وتكلم عن الموت، واذهب غداً إلى مصنعك وأنتج واصنع، وتكلم عن الموت واذهب إلى مدرستك وتعلم وعلم، وتكلم عن الموت وقف على حدودك واحرس وراقب، وتكلم عن الموت، وكن منتجاً إيجابياً فاعلاً قوياً نشيطاً، ليس الكلام عن الموت من أجل البكاء والانكسار في المساجد والخلوات، الكلام عن الموت من أجل الاستعداد: (واتق المحارم تكن أعبد الناس) فلا يغرنك ثناء الناس عليك، أنت أدرى بنفسك وكما يقول ابن الجوزي رحمه الله: يا ناقص العقل! لا يغرنك ثناء الناس عليك، فإن أعجبوا بك فإنما أعجبهم جميل ستر الله عليك. فلا يغترن أحدٌ منا بنفسه، أو تغره نفسه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33] إما أن يغرك الناس، أو تغرك دنياك، أو تغرك العافية، أو يغرك الغرور، من هو الغرور؟ هو الشيطان الذي يوسوس ويسوف، ويعلل ويرجي، ويجعلك تسوف هذه التوبة حتى تلقى الله عز وجل وأنت عاص.

    أحبتنا في الله! الحديث بصدقٍ وصراحة أقرب إلى النفوس من التعليل، ماذا لو أن أحدنا قيل له: إن ملك الموت ينتظرك عند باب المسجد! أو لو أن ملك الموت دخل على هؤلاء الحاضرين وقال: يا عباد الله من أهل شرورة! من منكم مستعدٌ للقاء ربه الآن؟ هل فينا أحد مستعد؟

    لا والله، نقول له: انتظر لحظة.. دعنا نسدد الديون، دعنا نرجع حقوق الناس، نتخلص من بعض الذنوب، نتخلص من بعض المعاصي، نرجع بعض الأشياء، الإنسان أدرى بنفسه.

    نعم أيها الحبيب الواحد خير شاهدٍ على نفسه، وإن مدحك الناس فأنت أدرى، وإن ذمك الناس فأنت أحرى وأدرى، فلو أن ملك الموت وقف وقال: يا عباد الله! من فيكم جاهز يسلم أمانته لله عز وجل الآن؟ لا والله ما فينا واحد مستعد، لماذا؟ لأننا لا نبادر بالعمل، لأننا نسوف، هذه حقوق مالية إن شاء الله نعطيها صاحبها فيما بعد، مع وجود ما نسدد به المال، وهذه مظلمة ما أنصفنا صاحبنا منها، وهذه خطيئة ما تبنا، وهذا ذنب ما أقلعنا عنه، وتلك مصيبة ما تبنا إلى الله منها، فكنا قد جمعنا أموراً، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه) وأنا أقول: كثيرٌ منا يعمل حسناتٍ كثيرة، ولكن يعمل سيئات أكثر، فلا تغتر بكثرة حسناتك مع كثرة سيئاتك، إن التاجر الذي يكسب في الصباح مليوناً ثم يخسر في المساء مليونين لا يمكن أن يقال: إنه تاجر؛ لأنه خسر أكثر مما ربح، وإن الذي يعمل حسناتٍ ثم يثنيها بسيئاتٍ ترجح بها فحينئذٍ لا يمكن أن يسمى رابحاً أو فالحاً؛ إنما الفالح الذي رجحت حسناته على سيئاته، نحن لا نتوقع ولا نظن أن عبداً من عباد الله يخلو من الذنوب أو المعاصي الصغائر أو الكبائر، كلٌّ بحسب حاله، ولكن المصيبة كل المصيبة، والبلية كل البلية من عبدٍ تتراكم عليه الذنوب والمعاصي ولا يتوب.

    إذا كنت جاداً صادقاً في هذا الأمر فتوقع وانتظر أن تلقى الله عز وجل في أي ساعة فتكون مستعداً، ثم إن الله سبحانه وتعالى قد شرع لنا من المبادرة ما ينظف الرصيد من المديونية أولاً بأول.

    الواحد منا لا يسلم .. خطوة .. زلة .. كلمة .. نظرة .. صغيرة .. لمم .. فتجد عنده الأخطاء، لكن الله عز وجل شرع لنا ما يمحو هذه الخطايا أولاً بأول، ومن زلت به القدم فليبادر إلى التوبة، ولا يدع الذنوب حتى تجتمع عليه، أنت إذا جاءتك فاتورة الكهرباء قدرها ثلاثمائة ريال يمكن أن تسددها، لكن إذا تراكمت شهراً بعد شهر حتى صارت آلافاً فإنك تعجز عن أن تسددها، فكذلك بادر بالتوبة ما دامت الذنوب صغيرة، وجاهد نفسك ألا تقع في دين الذنوب مرة أخرى، وإن وقعت ثانية فتب ثانية، وإن زللت ثالثة فتب ثالثة، وإن أخطأت رابعة فارجع رابعة، وليس بينك وبين التوبة أحد، بل إن التوبة لا تحتاج إلى واسطة، والمهم المبادرة (وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلقٍ حسن).

    جاهد في محو كل ما يكدر ويسود ويلوث صفحة أعمالك، وخالق الناس بخلقٍ حسن، هذه معاملة مع الناس، والخلق الحسن من أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة كما أخبر صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أثقل شيءٍ يوضع في ميزان العبد يوم القيامة، فقال: (تقوى الله وحسن الخلق) الشاهد أن الواحد منا مأمور بالمبادرة، وقد شرع الله لنا المبادرة بأعمالٍ لا تبقي على الواحد بإذن الله سيئة إذا هو اجتهد.

    1.   

    وسائل وفضائل محو الخطايا ورفعة الدرجات

    قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله) الآن أنا لو آتي على مجموعة من الموظفين في العمل، أقول: يا إخوان عندي لكم شيء، جميع الإنذارات تمزق، جميع لفت النظر يمحى، جميع التهديد ينتهي ويحقق لكم رفعة ورتبة، الذي في الثانية يرقى إلى الرابعة ، والذي للرابعة في الرابعة عشر يروح للممتاز، والنقيب يأخذ رتبة رائد، والمقدم يأخذ رتبة عميد، وهنا السيئات تمحى والدرجات ترتفع: (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: كثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على المكاره، فذلكم الرباط .. فذلكم الرباط).

    ما أجمل هذا الكلام الذي هو وحيٌ يوحى! ما ينطق صلى الله عليه وسلم عن الهوى، إذا كنا نريد أن نجتهد في المبادرة فهذا نموذج من نماذج المبادرة في الأعمال الصالحة التي تفيد الإنسان الاستمرار والمداومة على مرضاة الله عز وجل.

    كثرة الخطى إلى المساجد. مساكين الذين لا يصلون مع الجماعة، محرومون الذي يقعدون عن الصلاة مع الجماعة، يظلمون أنفسهم، يخسرون هذا الخير العظيم، إذا تطهر وأحسن الطهور والوضوء خرجت من يده كل معصية اقترفتها يده مع الماء أو مع آخر قطر الماء، وخرجت مع عينه كل معصية نظرت بها عينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، وخرجت من رجله كل معصية مشت إليها رجله مع الماء أو مع آخر قطر الماء، ثم ماذا بعد ذلك؟ ثم يمشي إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة فكل خطوة ترفع حسنة وتمحو سيئة.

    فضل دعاء الملائكة وقراءة القرآن

    ثم يدخل إلى المسجد فالملائكة تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، ما دام في انتظار الصلاة، الآن يقول بعض الناس: جزاك الله خيراً، لا تنسنا من دعائك، قل لفلان يدعو لنا، أنا عندي لك ملائكة تدعو لك، تقول: اللهم اغفر له الله ارحمه، لو قلت لك الشيخ ابن باز أو الشيخ ابن عثيمين يدعو لك لفرحت، لكن أيضاً بإمكانك أن تجعل الملائكة تدعو لك وتستغفر لك وتقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الملائكة تستغفر لأحدكم ما دام في مصلاه ينتظر الصلاة ما لم يحدث) فأنت إذا بكرت بخطواتك مكتوبة، وهذا ربح لا يفرط فيه أحد، ولذلك بنو سلمة لما أرادوا أن ينزلوا من دورهم وبيوتهم ومساكنهم ليبنوا بيوتاً ويسكنوا دوراً بجوار مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: (يا بني سلمة! دياركم -أي: الزموا دياركم- تكتب آثاركم) لماذا تضيعون الحسنات إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12].

    ثم إذا دخلت المسجد وصليت هاتين الركعتين المباركتين وتسندت على هذا العمود فالملائكة تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه.

    ثم فتحت المصحف لتقرأ وليس (الم) حرف، ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، ولك بكل حرفٍ حسنة ولك بالحسنة عشر أمثالها، ثم إذا أقيمت الصلاة وصليت والصلاة بإذن الله عز وجل كفارة للذنوب كما قال صلى الله عليه وسلم: (أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهراً غمراً يغتسل منه كل يومٍ خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء، قالوا: لا يا رسول الله، لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلكم الصلاة لا يبقى من درن العبد وذنوبه معها شيء) الله أكبر! لكن صلاة كاملة، صلاة تامة، الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، الصلاة التي تحضرها بقلبك، الصلاة التي تتدبرها، وقد تنسى وقد تغفل وقد تنشغل في صلاتك بشيءٍ ما، لكن عد وجاهد نفسك، فلك بإذن الله أجر الصلاة وأجر المجاهدة.

    يا أحبابي! هل يبقى من درن الواحد منا شيء؟ الجنة قريبة، ولا يحرم الجنة إلا الذي أصر وقال: أريد النار، لا يهلك على الله إلا هالك.

    أسباب الخير كثيرة ويسيرة ومتعددة، لم يجعل الله طريق الجنة في الأموال والصدقات، لو كان ذلك لحرم الفقراء دخول الجنة، لو جعل الله دخول الجنة في الجهاد لكان الضعفاء لا يدخلون الجنة، ما جعل الله دخول الجنة في عملٍ معين بل من فضل الله ومنه وكرمه أنه لم يجعل الجنة في الجهاد فحسب، أو في الصيام فحسب، أو في الصدقة فحسب، أو في عملٍ معين فحسب، بل جعل أبواب الجنة متعددة، وكلٌ يسلك طريقه إلى الجنة، والمرد والمنتهى والعاقبة إلى الجنة بإذن الله عز وجل.

    الفضائل العظيمة للذكر

    لما جاء الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور لهم فضول أموال يتصدقون بها وليس لنا أموال نتصدق بها، فقال صلى الله عليه وسلم: (لكم بكل تسبيحة حسنة، وبكل تهليلة حسنة، وبكل تكبيرة حسنة، وإصلاح بين اثنين حسنة، إماطة الأذى عن الطريق صدقة، تغيث الملهوف صدقة، تصنع لأخرق صدقة، تعين المسكين صدقة) سبحان الله ما جعلت الجنة للأغنياء فحسب، فكما أنها في أعمال الأغنياء هي كذلك في أعمالٍ يدركها الفقراء بل إنك لتعجب من أن الله عز وجل شرع سبلاً وأبواباً إلى الجنة بعبادة غريبة عجيبة وكبيرة يسيرة: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [القصص:68] كما أن الله اختار محمداً نبياً واختار الكعبة قبلة، واختار الإسلام ديناً، واختار هذه الشرائع لعلمٍ وحكمة بالغة فكذلك اختار الله الذكر ليكون عباده يسيرة على جارحة صغيرة وعليه أجورٌ كبيرة وكثيرة، هل يعجز أحد أن يذكر الله عز وجل؟ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:191] أنت تستطيع أن تذكر الله سبحانه وتعالى وأنت مضطجع أو قائم أو جالس أو مسافر، خارج البيت وداخله، راكب في السيارة، أو ماشياً على أقدامك، لا أحد يستطيع أن يمنعك من ذكر الله عز وجل أو يشغلك عن ذكر الله عز وجل إلا من تشاق.

    ثم هذا الذكر ليس مشروطاً بالوضوء، ولا يحتاج إلى استقبال قبلة أو الدخول إلى مسجد، أو تقول: إنه سيقطعك أعمالك.

    ثم ماذا؟

    ثم إنه يعينك على طاعة الله عز وجل، ويكسبك رزقاً وقوة وخاتمة حسنة بإذن الله سبحانه وتعالى، يقول صلى الله عليه وسلم: (أيعجز أحدكم أن يكسب ألف حسنة أو تمحى عنه ألف خطيئة؟ قالوا: من الذي يستطيع ذلك يا رسول الله؟ قال: يسبح الله مائة مرة، فتمحى له ألف خطيئة أو تكتب له ألف حسنة) أنا الآن أريد من الإخوة الحضور كل واحد يمسك ساعته دقيقة ويقول سبحان الله مائة مرة، تدريب عملي بسيط، هذا ما هو بذكر جماعي حتى يقول واحد: والله الجماعة قد صاروا صوفية، لا. المسألة أن انظر كم يستغرق من الوقت أن تقول: سبحان الله مائة مرة، كل واحد يسبح مائة مرة في نفسه.

    مرت دقيقة ونصف.

    هاه يا إخوان، استغرقت أقل من دقيقتين.

    إذاً أيها الأحبة! لا يهلك على الله إلا هالك فعلاً كما قال صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى! فعجب الصحابة وقالوا: من يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).

    عطايانا سحائب مرسلاتٍ          ولكن ما وجدنا السائلينا

    باب مفتوح يقول للناس: هلموا خذوا .. املئوا .. اختاروا ما شئتم، والناس معرضون،

    وكل طريقنا نورٌ ونورٌ     ولكن ما رأينا السالكينا

    الخير مفتوح وأسبابه كثيرة، يقول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) يقول صلى الله عليه وسلم: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير كتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة ....).

    1.   

    نعمة التوبة والمبادرة إليها

    عمر بن الخطاب بلغه عن أحد عماله أنه شرب الخمر، فأرسل له رسالة من عبد الله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى فلان، يقول الله عز وجل: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [طـه:82] الله أكبر! ما أجمل هذه الحكمة العظيمة من عمر بن الخطاب ! يرسل رسالة إلى هذا الذي يعلم أنه مخطئ ثم يقول له مذكراً بهذه الآية: عد وتب إلى الله عز وجل.

    ما أجمل هذا النداء! ولماذا لا نكون كذلك، والله عز وجل العظيم القوي العزيز الجبار يتحبب إلينا معاشر العباد ويقول لنا: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] أياً كان هذا الذنب، بعض الناس يقول: هذه آيات لمن عنده معاصٍ خفيفة، لكن أنا عندي مخدرات، أنا مهرب ومروج، أنا أتعاطى المخدرات وأشرب خمر، أنا عندي مشكلة خلقية، مشكلة زنا، مشكلة لواط، فكيف يتوب الله عليَّ؟

    الله عز وجل قال في آخر سورة الفرقان قال: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:68-70] من الذي يحول بين الشباب وبين التوبة؟ من الذي يحول بين الناس وبين التوبة؟ من الذي يرد الناس عن التوبة؟

    بل إن الذي يقول: إن التوبة أصبحت بعيدة المنال هو الذي يقتل نفسه بهذا الجواب، ولا أدل على ذلك من ذلك العابد الجاهل الذي جاءه رجلٌ وقد قتل تسعاً وتسعين نفساً، فجاء إلى ذلك العابد فقال له: إني قد قتلت تسعاً وتسعين نفساً، فهل لي من توبة؟

    فكان الجواب الجاهل المبني على غير علم، قال: ليس لك توبة، فجنى الجواب على المجيب فطعنه القاتل فأكمل به المائة، فذهب الجاني إلى عالم وقال: قتلت مائة نفسٍ، فهل لي من توبة؟ قال: نعم، ومن ذا الذي يحول بينك وبينها، الحق بأرض بني فلان فإن فيها قوماً يعبدون الله عز وجل، وفي هذا فوائد:

    الأول: أنه مهما عظم الذنب فإن الرحمة قريبة: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56].

    الأمر الثاني: أن من أذنب وأراد التوبة الصادقة النصوح الخالصة الصحيحة، فعليه أن يغادر مكان المعصية ووسط المعصية ومناخ المعصية؛ لينتقل إلى مناخ وجو ومكان وطبيعة الطاعةِ والعبادة والذكر والإنابة والإخبات والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.

    أما بعض الناس يشكو من الجراثيم والفيروسات ثم يعالج ويعالج ويحقن بالكيماوي وبالأدوية وبغير ذلك، ثم يرجع من جديد في وسطٍ متجرثمٍ مملوءٍ بالبكتيريا والفيروسات والجراثيم ثم يقول: كيف رجعت إليَّ هذه الأمراض من جديد؟ يداك أوكتا وفوك نفخ، أنت الذي اخترت أن تعيش في وسط المعصية مرة ثانية، ولو أنك صادق في توبتك لخرجت من وسط المعصية إلى وسط أهل الطاعة، وانتقلت عن جلساء السوء إلى جلساء الخير، وتركت عاداتٍ قبيحة إلى عباداتٍ جليلة نافعة بإذن الله وحينئذٍ تترقى في دين الله، وتجد لذة لا تقف.

    شبهة حول صعوبة الالتزام والتوبة

    بعض الناس يقولون: مساكين هؤلاء المطاوعة كيف يعيشون؟ بالله أنا أريد أن أفكر أفهم كيف المطوع قادر يعيش؟

    زعموا المطوع ديناصوراً انقرض وانتهى ولا يمكن أن يعيش في زمن الأزمات، وكلمة مطوع هذه لها قصة، يقول الشيخ ابن حميد الله يدخله في جنات النعيم، يقول: كلمة مطوع عند أهل نجد هي أصلاً كما يذكر محمد رشيد رضا صاحب المنار : هي كلمة بين العالم والعامي، هي كلمة تعني: أن الرجل في منزلة بين العالم والعامي؛ لكن كثير من الشباب يتوقع أن هذا المطوع لا يمكن أن يعيش حياة طبيعية، ولا يمكن أن يعيش حياة سعادة، ولا يمكن أن يعيش حياة فيها أنس وبهجة، وضحك وسرور وطرافة، ودعابة ومزاح، وانبساط واندماجية، واجتماعية وتفاعل أبداً، يتوقع هذا المطوع حالته حالة، مثلما يخبرني أحد الشباب يقول: والله كنت أتصور أن المطاوعة خلقٌ غريبٌ عجيب، قلت: كيف؟ قال: مرة من المرات مجموعة من الشباب دعوني أن أخرج معهم إلى رحلة البر، فيقول: وخرجت معهم بعد العصر، يقول: فلما خرجنا، فرشوا بساطاً وطلعوا الشاهي، وجاءوا بكتاب رياض الصالحين وقاموا يقرءون أحاديث، قلت: حتى الآن معقول، وبعد قليل ختموا هذا الكتاب، وكل واحد فتح شنطة سيارته وجاب (التكميلة) ولبس (تكميلته) ويفرشون ويلعبون، يقول: جن جنوني! مطاوعة ويفرشون ويعلبون كرة! المسألة غريبة جداً، قلت له: ماذا تتوقع يعني؟ قال: والله أتوقع أن كل واحد يقعد عند إطار ويصيح.

    فيا أحبابنا! كثيرٌ من الناس لا يكره الخير، لكنه يتصور أن الاستقامة أمر صعب المنال، ويتصور أن التوبة قضية تحتاج إلى بروتوكول وإلى طقوس وإلى قرارات، وإلى مراسيم وإلى إصدارات، ويعظم أمر التوبة، وما المسألة إلا شيءٌ سهل قليل، وهو تتوضأ وتصلي ركعتين تقول: يا رب تبت إليك، انبذ أشياء تذكرك بالمعصية، صور، مجلات، أفلام، ارمها إلى الشارع، ثم انظر إلى صحبة أخيار: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28].

    وماذا بعد ذلك؟ يكون التزام على علم، لا على عواطف؛ لأن العاطفة ارتفاع في منحنى معين ثم فجأة يسقط الأمر، ارتفاع في حالة معينة، ثم فجأة تزول تلك العاطفة، فمن الطبيعي أن تجد رجلاً بجوارك في صلاة التراويح أو في ختمة رمضان، ثم إذا جاء العيد حجز على دولة من الدول المجاورة وذهب يزني فيها، العاطفة ليست بمقياس، العاطفة هي فرصة للإنسان أن يدفع نفسه إلى الأمام وأن يتخلص من ذنوبه ومعاصيه، لكن لابد أن تبني استقامتك والتزامك على علم، وعلى صحبة صالحة وعلى رفقة أخيار، يشدون عضدك ويأخذون بيدك، ويذكرونك إذا نسيت، ويعينونك إذا ذكرت.

    تدليل على يسر التوبة من قصة صحابي

    لا تظن أن التوبة أمر صعب المنال، إن النبي صلى الله عليه وسلم كما هو المعلوم في سبب نزول قوله سبحانه وتعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114] في سورة هود هذه الآية المدنية في تلك السورة المكية سبب نزولها أن أحد الصحابة كان تماراً -رضي الله عنه- فجاءته امرأة جميلة بارعة الجمال فقالت: هل عندك تمرٌ أجود من هذا؟ فقال: نعم، في البيت تمرٌ أجود منه، فتقدمها وفتح الباب لها، ظناً منها أن في مقدمة البيت تمراً أجود من ذلك التمر الذي رأت، فما كان منه -رضي الله عنه- إلا أن أغلق الباب دونها، ثم أخذها وضمها وقبلها، يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: وما كان بينه وبينها ما يوجب الحد، مجرد ضمة وقبلة، ثم إنه ندم وبدأ عتاب الضمير يلاحقه ويجلده بسياطٍ في نفسه حتى هرع مسرعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني فعلت كذا وكذا، فهل قال صلى الله عليه وسلم: اقلب وجهك، اغرب عنا، أنت منافق، في ظاهرك مع الصحابة وتفعل هذه الغلطة الكبيرة، لا يمكن هذا!! كما هو الحال اليوم لو أن بعض الناس زل أو أخطأ لربما أنكره إخوانه وأبغضوه، وتجهموه وطردوه من مجالسهم، كان الرجل يعصي فيقيم عليه النبي صلى الله عليه وسلم الحد، ويجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم من يوم غد، ما قال: ابعد فقد عصيت الله ولا تجلس مع الأخيار، بل الواجب أن الأخيار هم أوسع الناس صدراً وأرحب الناس قلوباً لاحتواء من زل وأخطأ وأذنب ثم عاد إلى الله سبحانه وتعالى.

    الحاصل قال صلى الله عليه وسلم: لا تبرح مكانك، حتى تغشاه الوحي، فلما سري عنه صلى الله عليه وسلم قال: أين السائل؟ قال: هو أنا ذا يا رسول الله، قال: إن الله عز وجل يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] ما أجمل هذا القرآن! ما أجمل هذا الكلام المعجز القوي المتين.... المملوء حكمةً وعلماً! وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان:27].. قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي [الكهف:109] ما أجمل كلمات ربي! ما أحكم كلمات ربي! ما ألذ كلمات ربي!

    وإن كلام الله أوثق شافعٍ     وأغنى غناء واهباً متفضلا

    وهذا زمان الصبر من لك بالتي     كقبضٍ على جمرٍ فتنجو من البلا

    ولو أن عيناً ساعدت لتوكفت     سحائبها بالدمع ديماً وهطلا

    ولكنها عن قسوة القلب قحطها     فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا

    قسوة القلوب سبب الإصرار

    مصيبتنا قسوة القلوب، ولو كنا نتدبر كلام الله عز وجل ما أصر أحد على معصية، أنا لا أقول: إننا سننقلب إلى ملائكة ليس فينا من يخطئ، لكن لن يكون فينا من يصر على ذنب، بل من أذنب استغفر.

    إن الله عز وجل لما بين صفات المتقين بعد أن دعانا إلى المبادرة والمسابقة والمسارعة إلى الجنة، فقال في سورة آل عمران: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133] من هم المتقون يا رب؟ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ [آل عمران:134-135] يا سبحان الله! متقون وفيهم من يفعل فاحشة، أو يظلم نفسه، لكن: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135].

    إذاً يا أخي الحبيب: لا تتوقع أنك بالتزامك ستكون ملكاً معصوماً، بل المرجو من كل واحدٍ منا أن يجاهد نفسه عن المعصية، وأن يكون قريباً من طاعة الله ومرضاته، ولكن المبادرة تعني المبادرة إلى العمل، وتعني المبادرة إلى التوبة إذا وقع الزلل، لا تتصور أن المبادرة إلى الأعمال هو نداءٌ للمتدينين فقط، أو نداءٌ للمستقيمين فقط، لا، المبادرة إلى العمل للمذنب والمطيع، للصالح والطالح، للمخطئ والمصيب، للقريب والبعيد، مبادرة من المخطئ بالتوبة، مبادرة من المذنب بالاستغفار، مبادرة من الذي ابتعد بالرجوع، ومن عظيم نعم الله عز وجل أن الواحد لا يحتاج إلى أن يفضح نفسه إذا أراد أن يتوب.

    لا داعي لاعتراف التائب أمام الناس

    بعض الشباب...، إذا غلط غلطة راح وجاء عند الإمام وقال: والله يا شيخ في تمام الثانية عشر ظهراً من ذلك اليوم الذي في تاريخ كذا (وعطف التاريخ كله) فعلت وفعلت وفعلت.

    يا أخي: من الذي قال لك تعترف بكل ما فعلت؟ لسنا نصارى! لستَ أمام قسيس، أمام كربينال، في كاتدرائية، تب إلى الله فيما بينك وبين نفسك: (كل أمتي معافى إلا المجاهرون، قيل: من المجاهر يا رسول الله؟ قال: هو الذي يمسي يستره الله عز وجل، فيصبح يهتك ستر الله عليه) من عظيم النعمة أننا في هذا الدين ارتباط بالله عز وجل ليس بيننا وبين الله واسطة، لا داعية.. لا عالم.. لا حاكم، لكن انظر إلى الأديان والملل الضالة كالنصارى في طوائف أخرى، الواحد يضحك من غرائب ما يجري.

    مرة زرت الفاتيكان في روما فوجدت حجيراتٍ في ذلك المكان القبيح، وليس بمكانٍ طاهرٍ لأنه مملوء بالصلبان، ولكن: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:64] فقلت لمترجمٍ كان معنا: ما هي هذه الحجيرات الصغيرة؟ قال: هذه يجلس القسيس في هذه الحجرة الصغيرة في هذه الزاوية أو في هذه الجهة منها وأنت كما ترى هذه الستارة أو هذا العازل وبينهما فتحة مربعة، فيجلس القسيس، يعني: الحجرة فيها عازل، يجلس القسيس هنا ويجلس المجرم هنا، فيجلسان ويقول المذنب: أيها القسيس! باسم الرب والروح القدس فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا، ثم يدخله القسيس -مسخرة- يقدم له إناء فيضع فيه كذا دولار أو كذا عملة معينة، ثم يدق جرس ويقول: قد غفر الله لك.

    لا تضحكوا يا إخوان، وشر البلية ما يضحك، من قُدر له أن يزور سيجد من هذه السخافات والعجائب، وكل كنسية لها طريقة في التوبة وفي الاعتراف وفي طريقة الغفران، لكن في دين الإسلام لا أحد يذهب إلى القاضي أو الشيخ أو العالم ليقول: إني أذنبت وفعلت وفعلت، نعم إذا كان مبتلى بذنب، ما يقول: أنا أذنبت، يقول: كيف ما هي نصيحتك لمن وقع في ذنب كذا، أو يريد التخلص من كذا، أو شخصٌ ما يريد أن يتخلص من كذا، ما تأتي لتفضح نفسك؛ لأن الله ستير يحب الستر ومن ستر مسلماً ستره الله، لا واسطة بيننا وبين الله.

    لا داعي للواسطة بين التائب وبين ربه

    من جميل ما قاله أحد المفسرين: إن الله عز وجل في كتابه الكريم في سورة البقرة لما سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة:219] قل أي: يا محمد وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [البقرة:220].. يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة:217].. وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222].. يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189] فما سأل الصحابة سؤالاً إلا قال الله عز وجل: يا محمد قل لهم الجواب كذا.

    ولما سأل الصحابة عن الاتصال بالله، قالوا: يا رسول الله! ربنا بعيدٌ فنناديه أم قريبٌ فنناجيه، فقال الله عز وجل ما قال قل يا محمد، وإنما جاءت في كتابه الكريم وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] ما فيها واسطة، حتى الاتصال بالله ما تحتاج إلى أنك تتصل بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم تتصل بالله عز وجل، نعم صلتنا بالله في معرفة ما أراده الله في تطبيق شرع الله، لكن في المناجاة يا محمد قل للناس، يا محمد ندعوك أن تبلغ دعوتنا لله، لا، يا ألله مباشرة، يا ألله مباشرة، وهذه من هذه الكرامات والمنن العظيمة الجليلة التي أكرمنا الله بها في هذا الدين.

    ومما زادني شرفاً وتيها     وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبـادي     وأن صيرت أحمد لي نبيا

    أن يكون الواحد عبداً لله، وأن يناجي الله عز وجل مباشرة، ما أطيب وألذ وأجمل هذه الصلة! إن الدنيا ربما يحتاج الإنسان إلى وساطات حتى يتوصل إلى فلان أو زعيم أو أمير، لكن الصلة بملك الملوك وهو الله مباشرة.

    1.   

    أمور ضرورية للمبادرة

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    أيها الأحبة في الله! علمنا أن الغنيمة تفوت، وأن العمر يمضي، وأن الفرصة ثمينة، وأن ما فات لا يسترد، فما الذي يردنا عن المبادرة إلى التوبة؟ وما الذي يردنا عن المبادرة إلى المسابقة في الأعمال الصالحة، وإلى التنافس في مرضاة الله عز وجل؟ قال صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان قعد من ابن آدم بأطرقه، فقعد له في طريق الإسلام فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك، فعصاه فأسلم، ثم قعد الشيطان للمسلم في طريق الهجرة، فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس ذي الطول -الطول هو الحبل الشديد يشد أحد الطرفين في وتدٍ والطرف الآخر في يد الفرس ليدور فيه ويرعى ولا يذهب- فعصاه فهاجر، ثم قعد الشيطان للعبد في طريق الجهاد، فقال: تجاهد، فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال، فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن وقفته دابته كان حقاً على الله أن يدخله الجنة) رواه أحمد والنسائي وابن حبان بإسنادٍ صحيح.

    ضرورة المجاهدة

    أيها الأحبة! المبادرة تحتاج إلى مجاهدة: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    المبادرة تحتاج يقظة وحذراً من هذه الملهيات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:9-11] لا بد أيها الأحبة من المبادرة، ولا بد أن تعلم أن الليل والنهار يمضيان ويسرعان.

    والليل فاعلم والنهار كلاهـما     أرواحنا فيها تعد وتحسب

    قال الجنيد لرجلٍ وهو يعظه: جماع الخير كله في ثلاثة أشياء: إن لم تمض نهارك بما هو لك فلا تمضه بما هو عليك، وإن لم تصحب الأخيار فلا تصحب الأشرار، وإن لم تنفق مالك فيما لله فيه رضاً فلا تنفقه فيما لله فيه سخط وغضب:

    صرمت حبالك بعد وصلك زينب     والدهر فيه تصرمٌ وتقلب

    فدع الصبا فلقد عداك زمانـه     وازهد فعمرك مر منه الأطيب

    ذهب الشباب فما له من عودة     وأتى المشيب فأين منه المهرب؟

    ضيفٌ ألم إليك لم تحفل به     فترى له أسفاً ودمعاً يسكب

    دع عنك ما قد فات في زمن الصبا     واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب

    واخش مناقشة الحساب فإنـه     لا بد يحصى ما جنيت ويكتب

    لم ينسه الملكان حين نسيته     بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعب

    ضرورة احترام الأوقات

    أيها الأحبة! المبادرة إلى الخيرات تحتاج احتراماً للأوقات، الوقت هو الحياة، والذي لا يحترم وقته لا يحترم حياته، والذي لا يحترم حياته لا يحترم نفسه ولا يحترم شخصيته، الناس كلهم اليوم الواحد يتمنى أن يكون مهيباً عزيزاً كريماً موقراً بين الناس محترماً بين من حوله، فكيف يوقر ويحترم وهو يهين نفسه بإهانة وتضييع وقته.

    قال حماد بن سلمة : ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله عز وجل فيها إلا وجدناه مطيعاً، إن كان في ساعة صلاة وجدناه مصلياً، وإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئاً، أو عائداً مريضا أو مشيعاً جنازة أو قاعداً في المسجد قال: فكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله عز وجل، يقول حماد : نتوقع أن سليمان التيمي لا يعرف كيف يعصي الله، والحقيقة أنه يعرف، وكل واحد يعرف كيف يعصي الله، والأتقياء يعرفون، لكن لماذا لا يعصون؟ لأنهم لا يريدون أن يبيعوا الباقية والخير العظيم بالفانية التافهة وهي الدنيا.

    ضرورة التفكر في حقارة الدنيا وعظمة الآخرة

    قال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم في كتاب وصف الجنة: (مثل هذه الدنيا كمثل ما يضع أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بمَ يرجع) القطرة التي تسقط من أنملتك هي الدنيا، واليم المحيط والبحار هي الآخرة، فمن الذي يبيع المحيط بقطرة؟ من الذي يبيع الدنيا بشبر؟ من الذي يبيع المليار بهللة؟ من الذي يبيع الكمال والبقاء بالزوال والفناء؟ سبحان الله العظيم! إن لم نبادر أيها الأحبة فنحن على خطرٍ عظيم، وواجبنا أن نتهيأ وأن نستعد فيما بقي، فما فات لن يعود أبداً.

    ما مضى فات والمؤمل غيبٌ     ولك الساعة التي أنت فيها

    كان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد ! من الذي يصلي عنك بعد الموت؟ من الذي يصوم عنك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس! ألا تبكون ألا تنوحون على أنفسكم باقي حياتكم، يا من الموت موعده، والقبر بيته، والثرى فراشه، والدود أنيسه، ومع هذا ينتظر الفزع الأكبر؛ كيف يكون حاله؟!

    إذاً أيها الأحبة! فلنبادر بالعمل الصالح، وخير المبادرة ما كان في طاعة الله، اتق المحارم تكن أعبد الناس، ترك المعاصي وفعل الواجبات في الدرجة الأولى، والله لو أن الواحد إذا سمع الأذان حي على الصلاة حي على الفلاح رمى الشغل الذي في يده وذهب إلى المسجد، لا نريد مزيداً من الصيام، ومزيداً من التهجد، ومزيداً من أعمال كثيرة، جرب نفسك مع هذه العبادة التي هي أول ما ينظر في عمل العبد يوم القيامة، انظر نفسك مع الصلاة، والله لو عود الواحد نفسه ألا يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح إلا وهو في المسجد، أو يبادر، والله ليجدن لذة يقول: هل من مزيد، هات صياماً، هات صدقة، هات دعوة، هات جهاداً، هات كفالة أيتام، هات كفالة دعاة، يريد أن يفعل كل خيرٍ يقربه إلى مزيد قربى من الله سبحانه وتعالى.

    أيها الأحبة! الحديث كثير، ولكن نريد أن يكون العمل كثيراً أيضاً، يقول الله عز وجل في شأن من طبق ما علم، ونفذ ما سمع، وانتصح واتعظ بما وعظ، أي: ليست مجرد معلومات وثقافة واستعراض مهارات، لا والله يا أحباب، علينا أن نعلم أن الكلام الذي نقوله ونسمعه حجة علينا يوم القيامة، قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [النساء:66-68] أربع فوائد عظيمة لمن يبادر ويطبق هذه المعلومات، ويحول العاطفة والالتزام إلى برنامج عمل.

    أسأل الله أن يتوفانا على طاعته ومرضاته، اللهم يا حي يا قيوم! نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، واسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، أن تجعل لي وللحاضرين من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا تائباً إلا قبلته بمنك وكرمك يا رب العالمين، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجمع اللهم شملنا وحكامنا وعلماءنا، ولا تشمت بنا حاسداً ولا تفرح علينا عدواً، إنك ولي ذلك والقادر عليه. آمين يا رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    رجاء ..!!

    السؤال: كتب فيه السائل في أوله: الرجاء قراءة هذا السؤال، ولعلنا جميعاً نشارك هذا السائل فيما ذكر، فهو يقول: أخي فضيلة الشيخ! إني أحبك في الله، ولا أحبك لشيءٍ من أمور الدنيا، وإني عندما أسمع صوتك أرتاح راحة نفسية، ونحن في مدينة شرورة نرحب بك ونرجو منك تكرار الزيارة لنا، لكي تعطر الجو بصوتك الجميل.

    الجواب: والله يا أحبابنا لو كنت شاعراً لقلت فيكم أبياتاً، ولا أخفيكم أني منذ أن هبطت الطائرة في هذا المكان انشرح صدري انشراحاً بالغاً، وما كنت أجد هذا في بعض المناطق، فلعلها من دلائل الخير والفضل والتوفيق، وأسأل الله أن يثبتنا وإياكم على طاعته ومرضاته، وأعد إن شاء الله بتكرار هذه الزيارة، وأنتم أصحاب الفضل بعد الله سبحانه وتعالى أن شرفتموني بالحديث إليكم والنزول بين يديكم.

    نصائح في دعوة الجار

    السؤال: فضيلة الشيخ! كثرت الأسئلة عن التهاون في الصلاة، وكلها تدور حول الجار الذي لا يحضر المسجد، وهذا سؤال منها يقول: عندي جار وله أربع سنوات ومنزله مقابلٌ للمسجد، ولكن لا يصلي في المسجد، وقد نصحته مراراً لكنه يرد عليَّ بقوله: إني أصلي من قبل أن أعرفك، ما هي نصيحتكم لهذا ولغيره؟

    الجواب: يتلطف معه في الدعوة وبالكلمة الطيبة لعل الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بيده إلى الهداية، والدين النصيحة، المهم ألا تحول النصيحة إلى فضيحة هذه قضية مهمة.

    المسألة الثانية: اعلم أخي الحبيب أنك مكلفٌ بالبلاغ، والهداية بيد الله عز وجل: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:20].. إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد:7].. لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة:272].. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] لاحظ أخي الحبيب أن النبي صلى الله عليه وسلم يُخَاطَب في غير موضعٍ من كتاب الله ليقال: إنما عليك البلاغ، إنما أنت منذر، إنك لا تهدي من أحببت، ليس عليك هداهم، لكن يخاطب ويقال: بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67] فإذاً نحن علينا البلاغ، والهداية بيد الله عز وجل، وهذا الذي تنصحه لعله بعد استمرار النصيحة يهتدي، فلا تمل نصيحته أبداً، قد يأتيه يومٌ إما أن يصلي وإما أن يرحل عن جوارك، لأنه لا يريد أن يكون بجواره رجلٌ يتربص به كلما نزل به ليأمره بالصلاة وينهاه عن المنكر.

    مخاطر القنوات الفضائية

    السؤال: من الأمور التي كثرت عنها الأسئلة الأطباق الفضائية (الدشوش)!

    الجواب: أيها الأحبة! الفضاء اليوم مملوء بالصور والكلمات والأفكار والأطروحات والقضايا الخطيرة، فلا ينبغي أن يكون موقفنا هو موقف المنهزم، بل يقول الله عز وجل: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [الفرقان:33].. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء:18].. فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17] ينبغي أيها الأحبة أن نحصن أبناءنا من بداية مراحل الطفولة، وفي بدايات مراحل التعليم بالحق أولاً؛ حتى إذا عرفوا الحق أدركوا أن ما سواه الباطل، ولا بأس أن ننوه بأنواع الأخطار والضلالات والمصائب، مع أنه سيأتي الحديث عن قضية الدش، لكن هذه المسألة مهمة قبل ذلك وبعده، ربما لو أتينا لنقول لأحد الإخوة مثلاً: ضع شريط (الكاسيت) في (كرتون الفاين)! فهل سنسمع الشريط؟! لا. لأن مكانه الطبيعي هو المسجل، وكذلك وضعه في الكأس خطأ، ووضعه تحت الطاولة خطأ، ووضعه في الجيب خطأ، ووضعه على الأرض خطأ!! كم تتصورون من احتمالات خاطئة، ملايين الاحتمالات من الأخطاء، لكن المكان الطبيعي لهذا الشريط هو: جيب هذا الجهاز، فينبغي أن نبدأ أولاً بتعليم مجتمعنا وأبنائنا وبناتنا ورجالنا ونسائنا الحق، ويعلمون أن ما سواه الباطل، لأن تعليم الحق لا يكلفك إلا بيان الموقع الطبيعي، والصيغة والمقام والمكان والزمان لهذا الحق الذي تدعو إليه، فإذا علمنا ذلك أدركنا أن ما سواه هو الباطل، فأمام هذا السيل الجارف من الصور والكلمات والأفكار ينبغي أن نركز على تعليق الأسس والمبادئ، ولئن كانت الصين الوطنية الكبيرة التي أخذت من الآن رغم الضلال البعيد يعلمون الأطفال من جديد مبادئ (ماوتسي تونغ) من أجل المحافظة على أصول الشيوعية حتى لا يجرفها تيارٌ أو ما يسمى التغيير أو غير ذلك.

    فنحن أيضاً أيها الأحبة ونحن دعاة حق يجب علينا أن نعمق كل صور الحق، وأن يعلموا أن ما سواه هو الباطل، حتى لا تبقى عقولهم خالية فتكون كما قال القائل:

    أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى     فصادف قلباً خالياً فتمكنا

    هذه الدشوش نقلت أفكاراً خطيرة، وحولت أوضاع المجتمعات إلى صور وغرائز، ولو أن راصداً أو باحثاً يستقصي بالأرقام والبيانات حجم الجرائم والمشكلات والمشاكل الزوجية، والخيانات والجنح والأخطاء الكثيرة لوجد أن المؤشر يرتفع منذ بداية الدشوش إلى يومنا هذا، والسبب أن هناك سماً زعافاً يبث للناس، يا عجباً لرجلٍ لو قلت له: تعال أعطني ولدك أريد أن أتحدث معه على انفراد، أرجوك لا تتدخل ودعني أتكلم معه!! ماذا تقول؟ لماذا تنفرد به؟ لماذا تكلمه بهذه الطريقة؟

    تجد نفسك حريصاً على أن تعرف ما سأقول له، فلماذا لا تكون حريصاً لتعرف ماذا يقول الدش لأولادك وبناتك؟ يا من تتركهم ست ساعات وخمس ساعات وأربع ساعات ضيعوا الدراسة، وتركوا الصلاة، وضيعوا العفاف وتمردوا على قيم الفضيلة، وتجرءوا على السفور والتبرج، وعلى أمور خبيثة ما كنا نعرفها في مجتمعنا إلا يوم أن عرفنا الدش.

    ولعلكم في هذه المدينة الصغيرة أحسن حالاً من مدنٍ كبيرة كل ما ينشر في الدش اليوم تجده غداً أو بعد غد (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلتموه).

    الآن يوجد من الشباب من يقلد الذين يراهم عبر الفضائيات من المطربين والمخنثين!! والله يا أحباب! مرة في إحدى مدن الولايات المتحدة في مركزٍ إسلامي، جاء شابٌ ظننت أنه منهم يضع ربطة بنت، وجاء فسلمت عليه، وقلت: إن شاء الله هذا مسلم جديد، داخل في الإسلام، ولنفرح به مهما كانت حاله، قال: ألا تعرفني؟ قلت: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: أنا فلان، أنا جاركم أنا في البيت الفلاني، قلت: ما الذي جاء بك؟! ما الذي تضعه على رأسك، قال: يا شيخ أنا ساكن في مجتمع غربي ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    لما رأت أختها بالأمس قد خربت     صار الخراب لها أهدى من الجرب

    الخراب يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب، فيا أحبابنا! بعض الناس إذا ناقشته في الدش قال: أنا يا أخي أتتبع الأخبار! أنا أنتبه للأطفال! وأنا وأنا، أنا قد أغزو! أنا سياحي، رجل صاحب قرار سياسي، رجل صاحب قرار عسكري، رجل مسئوليته تحتم عليه هذا، لكن واحد ينظر في الدش يتفرج عليه وينام عن صلاة الفجر قال: نحن نتتبع الأخبار! قلت: أخبرني عنها، قال: في أفغانستان قتلوا ...... ماذا فعلت؟ هذه آراكن في البوسنة ... ماذا فعلت؟ هذه البوسنة قاتلوا الصرب فعلوا ..... ماذا فعلت؟ مصائب المسلمين، اليهود مزقوا الناس في فلسطين وقاتلوهم وقتلوهم وشردوهم ..... وكسروا عظام الشباب وسجنوا وفعلوا، ماذا فعلت؟ يا أخي لا تكذب .. وإذا بليتم فاستتروا.

    بعض الناس زوجته وقعت في الفاحشة مع ذي محرم، فعلت الفاحشة مع خالها الذي هو أخو أمها، بسبب ماذا؟ بسبب القنوات والأطباق، وعما قريب سيأتي طبق أكبر من هذا يأتي بأربعين محطة، فالمسألة تحتاج إلى تربية، وتحتاج إلى تعميق الإيمان بالله في النفوس، مساحة لا يمكن أن تصل إليها رقابة الشرطة أو القانون أو الحاكم أو المسئول، إنها الرقابة الذاتية فيما بين الإنسان وبين الله عز وجل.

    بعض الناس للأسف يعطي لولده الحرية المطلقة، حمل! ولادة! رضاع! يترعرع ثم إلى الهاوية، والله لأن يكون أحدكم عقيماً خيرٌ من أن يكون له ولدٌ بهذه الحال، الذي أخرجه به إلى الدنيا وضيعه وأهمله، لا تربية! لا قدوة! ولا تعليم! لا هداية! لا ثقافة! لا تحذير من المعاصي! ثم أطلقه سماً وخنجراً على المسلمين!!

    وأبناءً حسبتهم سهاماً      فكانوها ولكن في فؤادي

    وإخواناً جعلتموهم دروعاً     فصاروها ولكن للأعادي

    فيا أحبابنا! أنصحكم والعقلاء يسمعون النصيحة، أثر في مدينة الرياض رجل برسالتين الرسالة الأولى ثم تبعتها رسالة ثانية بغض النظر عن الحلال والحرام تناقشه مناقشة عقلية برسالتين بفضل الله عز وجل أخرج الدش من بيته من الذي يقتنع أن وجود الدش حرام؟ يا إخوان نحن ننظر إلى تاريخ صلاحية العلبة من الجبن أو القشطة أو المربى، ونقول: لا لا هذه انتهت الصلاحية، انتهت، لا تأكلها فيحدث تسمم، لكننا نحضر السموم ونسقيها أبناءنا في غفلتنا عما يعرض عليهم في هذه الشاشات.

    هل تعلمون أن بعض الأمريكان أو الكفار أصبحوا الآن يطالبون بالتخلص من هذا البث، ويرون أن من علاج المجتمع الأمريكي الذي نشأت فيه الجريمة المبكرة هو التخلص من هذه القنوات، ويقولون: إن هذه الأفلام علمتهم السرقة والقتل والجريمة.

    نصائح في مواجهة بعض الفتن

    بارك الله فيك! هذان سؤالان في معنى واحد؛ فالأول يقول فيه السائل: كيف يتقي الإنسان الفتن وما هي الأسباب الميسرة للاستقامة على دين الله يقول خاصة فتنة النساء؟

    سؤال آخر: كيف يواجه الشاب المسلم الآتي: الشيطان، الشهوة، النفس، الهوى، وكيف ومتى يعلن الالتزام، وكيف يكون الصبر على الطاعة، وعن المعصية؟

    الجواب: على أية حال فإن قضية أن يتقي الإنسان الفتنة فأجيب عليها بالمثل العامي يقولون لك البادية: لو أعطيت الجني قل: بسم الله، قال واحد: لا تعط الجني ولا تسمي.

    كيف تتوقى الفتن؟

    لا تقرب الفتن:

    قالت الأرنب قولاً جامعاً كل المعاني

    أشتهي ألا أرى الذئب ولا الذئب يراني

    لا تطلب الفتن تسلم بإذن الله عز وجل، أما واحد يعرض نفسه للفتن، ويقع في أماكن الرذيلة، أماكن الخطر، مواقع السوء، مجالس اللهو، مجالس الغفلة، ثم يقول: كيف التوقي من الفتن؟ تسبح في بركة (بنزين) وتقول: أخاف الاحتراق، هذا ليس بصحيح، التخلص من الفتن ما هو بصنعة صاروخ ولا كبسولة ولا حقنة في الوريد، أنت تأخذ أرجلك وتبتعد عن مكان الفتنة، يوجد جلسة فيها لهو، غفلة، معصية، ابتعد عنها واذهب إلى جلسة فيها ذكر وطاعة خير من جليس السوء، ولأن تشتغل في أي عملٍ مباحٍ من أمور الدنيا، خيرٌ من أن تجلس في جلسة فيها ما يجرك إلى ضياع دينك ودنياك.

    أما كيف ومتى وأين ولعل وسوف، والصيدليات المناوبة، ودرجات الحرارة في الالتزام، إجابة هذا السؤال الكبير؟ يا أخي الحبيب لا تحتاج إلى مكان ولا تحتاج إلى جماعة، إذا عندك أشرطة ومجلات فقطعها، وكذلك سائر المعاصي ابتعد عنها واهجرها، وهذا خير سبيل للوقاية من الفتن، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.