إسلام ويب

الصبر عند المصيبة [3]للشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كلنا نعلم أنه ما من راحة تامة، أو سعادة دائمة، إلا في الدار الآخرة، دار الخلود والبقاء، وأما هذه الدنيا فدار الابتلاء والكبد والشقاء، ومن أجل ذلك كان عيش المؤمن فيها مشقة، ولولا ما فيها من عبادة الله، واللجوء إليه، والاستئناس والاطمئنان بذكره لما أطاق المؤمن البقاء فيها، ولله في ذلك حكمة بالغة.

    1.   

    ذم الدنيا

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل وعن الند والنظير لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم ولمن كان قبلكم من الأمم، يقول تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] ويقول جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أيها الأحبة في الله: مر معنا في جُمع ماضية الحديث عن الصبر، وأنه أنجع وأطيب علاج أمام المصائب والمحن والآلام, وتتمة الحديث في هذا الموضوع، يقول الله سبحانه وتعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4] قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: روي من طريق أبي مورود سمعت الحسن قرأ هذه الآية فقال: [يكابد أمراً من أمر الدنيا وأمراً من أمر الآخرة، وفي رواية: يكابد مضائق الدنيا، وشدائد الآخرة] واختار ابن جرير أن المراد بالآية: مكابدة الأمور ومشاقها.

    أيها الأحبة في الله: كلكم يعلم أنه ما من راحة تامة، أو سعادة دائمة، إلا في الدار الآخرة، دار الخلود والبقاء، وأما هذه الدنيا، فدار الابتلاء والكبد والشقاء، ومن أجل ذلك كان عيش الإنسان فيها في مشقة، ولولا ما فيها من عبادة الله، واللجوء إليه، والاستئناس والاطمئنان بذكره، لما أطاق المؤمن البقاء فيها، ولله في ذلك حكمة بالغة، إذ لو صفت الدنيا لأهلها من الأكدار والمصائب لركنوا إليها واطمأنوا بها، ولما اجتهدوا في الأعمال الموصلة إلى دار النعيم والخلود المقيم، قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله: يا أبتِ متى الراحة؟ فقال: يا بني! الراحة عند أول قدم نضعها في الجنة!

    عباد الله: تأملوا هذه الدنيا وما فيها من خلق الإنسان من كبد، وهي برمتها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تعدل ذلك لما سقى منها كافراً شربة ماء، فالاجتماع فيها مآله إلى الفراق، قال صلى الله عليه وسلم: (جاءني جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس) فنهاية الحياة موت، وغاية الاجتماع فراق.

    أما اللذات في الدنيا، من المآكل والمشارب والمناكح، فتزينها الصحة والعافية، وأكثر أرباب الدنيا وأصحاب الأموال فيها، يعانون أنواع البلاء والأمراض والأسقام، فيرون نعيماً ولذات لا يقدرون التمتع بها، وأعمار الخلائق في الدنيا محصورة محدودة الأجل، رب معمر شقي بعمره، سيما إذا كان مفرطاً فيما مضى من عمره، قيل للأعشى ميمون بن قيس ، وقد بلغ من الكبر عتياً: كيف وجدت الحياة؟ فقال:

    المرء يرغب في الحياة وطول عيش قد يضره     تفنى بشاشته وبعد حلو العيش مره

    وتسوءه الأيام حتى ما يرى شيئاً يسره     كم شامت بي إذ هلكت وقائل لله دره

    فلا أنس ولا لذة في الدنيا إلا بطاعة الله وذكره وعبادته، وذلك يوم أن حضرت معاذ بن جبل الوفاة، بكى فقيل له: [ما يبكيك يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أما والله إني لا أبكي على ملذات الدنيا وشهواتها ولكني أبكي على صيام أيام الهواجر، وقيام ليالي الشتاء، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقي أطايب التمر آكله] ذلكم والله، هو ما يحقق السعادة ويربطها بالحياة ربطاً وثيقاً، فاجتهدوا -يا عباد الله- في طاعة ربكم ومرضاته، وتنافسوا في الأعمال الصالحة، والتجارة الرابحة، ولا تغبطوا أحداً كائناً من كان، لا تغبطوا أحداً إلا في طاعة الله، وحفظ كتابه ومرضاته، وما سوى ذلك فحطام غير حقيق بالحسد والغبطة، واعلموا أن كل من ترون في هذه الدنيا، مهما علا منصبه أو سفلت مرتبته، شقي لا محالة، شقي بنفسه أو ماله أو ولده، أو سلطانه أو فقره أو غناه، أو عزه أو ذله، إلا من شد وثاق النفس عن المعاصي والآثام، وأحكم السير وجد في المسير وأمسك بالزمام:

    كل من لاقيت يشكو دهـره     ليت شعري هذه الدنيا لمن؟

    تقلب الدنيا

    عباد الله: إن بعض المسلمين هداهم الله، قد انشغلوا باللهو عن ذكر الله، وغرهم إقبال الدنيا عليهم، وخدعهم تردد خلان الغنى والرخاء إليهم، وما تأملوا حقيقة دنياهم ونعيمها، وأن الأيام فيها دولة يداولها الله بين الناس، وكأن بعضهم ما سمعوا وما عرفوا أحوال الأمم السالفة فيما مضى والحاضرة في هذا الزمان، كيف هوت وسقطت من عز إلى ذل، ومن قوة إلى ضعف، ومن غنى إلى فقر، ومن شمل مجتمع إلى شتات وتفرق وتشرد، قالت هند بنت الملك النعمان بن المنذر : لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكاً، ثم لم تغب الشمس حتى رأيتنا ونحن أقل الناس، وسألها رجل أن تحدثه عن أمرها، قالت: أصبحنا ذات صباح وما في العرب أحد إلا يرجونا، ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمنا، وقال إسحاق بن طلحة : دخلت عليها يوماً فقلت: كيف رأيت؟ كيف الأمر بكم يا بنت النعمان ؟ فأنشدت قائلة:

    فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا     إذا نحن فيهم سوقة متنصف

    فأفٍ لدنيا لا يدوم نعيمها     تقلب ساراتٍ بنا ونصرف

    قال صلى الله عليه وسلم: (حقاً على الله ما رفع شيئاً إلا وضعه) فلا تغتروا بالدنيا -يا عباد الله- ولا تجزعوا على المصائب فيها، فإذا كانت النفوس التي تملك الأشياء، تذهب فكيف نبكي على ما ذهب من مال أو متاع أو ولد؟! قال الشاعر:

    نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة     فكيف أبكي على شيء إذا ذهب

    فكونوا من دنياكم على حذر، واتخذوها معبراً ولا تجعلوها مقراً.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب وتوبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى، ويمطر السماء عليكم مدراراً.

    1.   

    الدنيا دار البلاء والمصائب

    الحمد لله الواحد الصمد على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن أقدامكم على وهج النار لا تقوى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثه بدعة؛ وكل بدعة ضلالة؛ وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ؛ شذ في النار.

    عباد الله: هاأنتم ترون حال الناس في الدنيا، وتقلبهم بين أنواع المصائب والبلاء والمحن فيها، ولله في ذلك حكمة بالغة، إذ لو صفت هذه الدنيا لأحد، لصفت لنبينا صلى الله عليه وسلم خير من وطأت قدمه الثرى، لو صفت هذه الدنيا لأحد لصفت للأنبياء، صفوة الله من خلقه أجمعين، إذاً: فلا غرابة أن يصاب الإنسان فيها، ولا غرابة أن يعترضه وأن يعتمره شيء من آلامها، والبلاء والمحن فيها، ولله في ذلك حكمة بالغة، نبيكم صلى الله عليه وسلم قد عذب وأوذي وطرد من بلاده حتى تركها، وألقي سلى الجزور على ظهره ومع ذلك صبر واحتسب، هذه من أقدار الله جل وعلا، من أقداره والأقدار الكونية كثيرة يقدرها الله على العباد أجمعين، فإذا تأملتم وقلبتم النظر، لم تجدوا أحداً يسعد في هذه الدنيا، سليماً معافى من الأكدار والمصائب والآلام، إلا من رضي بقضاء الله وقدره، وصبر واحتسب فعند ذلك تكون المصيبة منحة له وإن كانت في ظاهرها محنة، يقول القائل:

    من ذا الذي قد نال راحة فكره     في يسره من غمره أو يسره

    يلقى الغني لحفظه ما قد حوى     أضعاف ما يلقى الفقير لفقره

    فيظل هذا ساخطاً في قله     ويظل هذا تاعباً في كثره

    عم البلاء ولكل شمل فرقة     يرمى بها في يومه أو شهره

    أو ما ترى الملك العزيز بجنـده     رهن الهموم على جلالة قدره

    فيسره خبر وفي أعقابه     هم يضيق به جوانب قصره

    وأخو التجارة حائر متفكرٌ          مما يلاقي من خسارة سعره

    وأبو العيال أبو الهموم وحسرة     الرجل العقيم كمينة في صدره

    ولرب طالب راحة في نومـه     جاءته أحلام فهام بأمره

    والطفل من بطن أمه يخرج إلى     غصص الفطام تروعه في صغره

    ولقد حسدت الطير في أوكارها     فوجدت منها ما يصاد بوكره

    والوحش يأتيه الردى في بـره     والحوت يأتي حتفه في بحره

    ولربما تأت السباع لميت     فاستخرجته من قرارة قبره

    تالله لو عاش الفتى في أهله     ألفاً من الأعوام مالك أمره

    متلذذاً معهم بكل لذيذة     متنعماً بالعيش مدة عمره

    لا يعتريه النقص في أحواله     كلا ولا تجري الهموم بفكره

    ما كان ذلك كله مما يفي     بنزول أول ليلة في قبره

    كيف التخلص يا أخي مما ترى     صبراً على حلو القضاء ومره

    فالحياة وحدها شقاء وبلاء، ولا سعادة فيها إلا بطاعة الله، وملازمة أمره واجتناب نهيه، وملازمة ذكره سبحانه، فتلك بإذن الله سعادة في الدنيا وموصلة إلى دار السعادة الأبدية، فاستعدوا استعدوا للرحيل وتزودوا قبل أن تردوا مفازة لا موارد للزاد فيها، وكن -أيها المسلم- كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، ألا وإن الضعيف المحروم الذي سكن إلى الدنيا واطمأن إليها، وغفل عن دار البقاء والخلود، واشترى الدنيا بالآخرة، وباع الغالي بالخسيس، عياذاً بالله من تجارة كاسدة.

    اللهم إنا نعوذ بك من حلول نقمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً وبعلمائنا فتنة وبولاة أمرنا مكيدة، وبشبابنا ضلالة، وبنسائنا تبرجاً وسفوراً، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم افضحه على رءوس الخلائق، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم اختم بالشهادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى جنتك مصيرنا ومآلنا، ولا تجعل إلى النار مثوانا ومنقلبنا، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها، اللهم أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وأعطنا ولا تحرمنا، وكن لنا ولا تكن علينا، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    اللهم آمنا في دورنا، واصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وارزقهم البطانة الصالحة، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم اجمع شمله ووحد صفه، وثبت قدمه وارزقه بطانة صالحة، وقرب إليه من علمت فيه خيراً له ولأمته، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته.

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلَّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لنا ولإخواننا ولوالدينا وموتى المسلمين أجمعين، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.

    إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.