إسلام ويب

الشباب اللاهثونللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كم سعى أناس ولهثوا وراء الشهوات ليس في أمتنا أو زماننا فحسب، بل في كل الأمم وعلى مر العصور، فما كانت النتيجة؟ إن من لم يتب منهم فحاله كما حكى الله: ((وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً)) فلست وحدك أول من سلك هذا الطريق وراء الشهوات، فلك عبرة بمن سلف، ولك قدوة في نبيك وأصحابه إن أردت الخلاص. فإلى كل من ضيع أيامه وساعاته في معصية نقول لك: إن الباب مفتوح فسارع إلى مغفرة وجنة.

    1.   

    من هم اللاهثون؟

    الحمد لله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله على آلائه التي لا تنسى، الحمد لله على نعمه التي لا تحصى، الحمد لله خلقنا من العدم وهدانا إلى الإسلام ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا ومن كل خير سألناه أعطانا، الحمد لله على كل حال، الحمد لله الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أيها الأحبة في الله .. يا أهل رابغ.. نشهد الله أنا نحبكم في الله، ونسأله جل وعلا بأسمائه وصفاته واسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، أسأل الله لكم يا أهل رابغ ولنفسي ولإخواني المسلمين أن يجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاجعة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، ربنا لا تدع لهذه الوجوه في هذا المكان الطيب ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا كسيراً إلا جبرته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته.

    إلهنا أنت تعلم مقامنا وتعلم يا ربنا أننا اجتمعنا نرجو جنتك ونخشى عذابك، إلهنا جئنا واجتمعنا بأحبابنا وجلس أحبابنا إلينا، والله لا نريد منهم ولا يريدون منا جزاءً ولا شكوراً من عرض الدنيا ومتاعها الفاني وإنما جئنا نستغفرك اللهم لذنوبنا، ونستجديك العون لحياتنا، ونسألك الاستقامة في سبيلنا.

    أيها الأحبة.. موضوع محاضرتنا هو: (الشباب اللاهثون) وقبل أن أخوض في الموضوع فإني أشكر الإخوة الذين يعملون في مكتب الدعوة للتعاون التابع لإدارة أو رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وأسأل الله أن يجزيهم وأن يجزي إمام الجامع هذا خير الجزاء، وأن يوفقه ويعينه على تحمل أعباء الدعوة وإخوانه المشائخ الفضلاء وطلبة العلم النبلاء.

    أيها الأحبة.. الشباب اللاهثون، اللاهثون: جمع لاهث، واللاهث هو الذي يركض يمنة ويسرة، ويرمي ببصره ويلتفت بعنقه ويسارع خطوه، ويحرك يده، ويشرئب ببصره يمنة ويسرة، ومن شدة الجهد والعناء والسير تجده يلهث، يتراد النفس، تجد الزفير والشهيق في نفسه متتابع، ولكن إلى أين؟ ومن أين؟ ولأجل من؟ وفي سبيل من؟ وعلى طريقة من؟

    شباب لاهثون هم من أبنائنا وبناتنا وإخواننا وأخواتنا وأحبابنا وأقاربنا وقريباتنا، ألم تروا يوماً من الأيام شباباً يملئون الأرصفة والطرقات؟ ألم ترو يوماً من الأيام شباباً يتسكعون في الأسواق؟ ألم تروا يوماً من الأيام شباباً يجوبون الطرقات بسيارتهم ذاهبين آيبين؟ ألم تروا يوماً من الأيام شباباً أضناهم التشجيع وأتعبهم التصفيق والنعيق والتطبيق لكل ما يرونه من زبالات الحضارة الأجنبية وحثالات الفكر المستورد؟ ألم تروا شباباً ضاع وقتهم بين الأفلام والمسلسلات وأشرطة الفيديو ومسلسلات التلفاز؟ ألم تروا شباباً ضاعت أسماعهم في سماع الأغاني والملاهي؟ ألم تروا جيلاً ربما تعب جسده وأضنى بدنه وراء الرقص والطبلة والمزمار؟ ألم تروا شباباً يتابع آخر فريق فاز وآخر دوري نصب، ومن هو الذي نال الكأس، ومن هو الذي رشح للبطولة، ومن الذي تقدم لدوري الأربعة؟ ألم تروا شابات أشغلتهن موضات الأزياء ومجلات البُردَ؟ ألم تروا جيلاً أشغلهم السهر يتبادلون السجائر والأحاديث التي لا فائدة فيها؟ ألم تروا هؤلاء؟ هؤلاء هم شريحة اللاهثين.

    أولئك يلهثون ويتعبون، وتجد أحدهم يوم أن تجده قافلاً إلى بيته وتقول: يا فلان.. تعال معي خمس دقائق. يقول: أنا الآن تعبان، أنا الآن نفسي يتطاير، أنا الآن نفسي يتصاعد. تجده يلهث من شدة التعب والمشقة، لكن من أين؟ من الجهاد في سبيل الله؟ من الدعوة إلى الله؟ من مساعدة المنكوبين؟ من إغاثة الملهوفين؟ من طلب العلم؟

    لا، جاء متعباً، جاء مضنىً، جاء منهكاً، ولكن من أين؟ جاء من معصية، أو من قضية تافهة، أو أمر لا يليق أن ينشغل به بشر كرمه الله جل وعلا وخلقه الله سبحانه وتعالى، وجعل فيه السمع والبصر والفؤاد، وخلقه في أحسن صورة وأحسن تقويم، وأسجد الملائكة لأبيه، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً، وحمله في البر والبحر، بشر أكرمه الله بهذه النعم ثم تراه بعد ذلك يأبى ويرفض ويرد كرامة الله ويختار النجاسة والزبالة والوحل والوضيعة والنقيصة والهوان..!!

    أولئك هم اللاهثون، اللاهثون وراء الشهرة، اللاهثون وراء الوظيفة، اللاهثون وراء المنصب، اللاهثون وراء اللذة الجنسية والشذوذ الأخلاقي، اللاهثون وراء الفاحشة، اللاهثون وراء المعصية، اللاهثون وراء ما لا ينفع، واللاهثون وراء كل ما يضر.. هذه ليست صفة كل أبناء مجتمعنا.. لا، ففي مجتمعنا خير كثير، وأنتم من وجوه الخير الدالة على الخير في مجتمعنا، ولكن في مجتمعنا شريحة محدودة من الشباب والشابات، من البنين والبنات، من الرجال والنساء، هؤلاء يلهثون وراء ماذا؟

    وراء ما لا ينفعهم في الدنيا ولا يرفعهم في الآخرة، ولا يسرهم في القبور، ولا يضيء لهم اللحود، ولا يؤنسهم في الوحشة.

    1.   

    السبب في وجود شباب لاهثين

    أيها الأحبة .. وقبل أن نعالج أحوال كثير من الشباب اللاهثين وراء المعاكسة، أو اللاهثين وراء الفاحشة، أو وراء السفر للخارج، أو وراء المجلات، أو وراء الأفلام، أو وراء الكرة، أو اللاهثين وراء ما لا ينفع من ما صدرته الحضارة الغربية أو الحضيرة الغربية، أولئك قبل أن نعالج مشكلة كل واحد على حدة فلنسأل: ما هو الخلل الموجود في الدماغ؟ أين الخراب الموجود في الفكر، أو في المخ، أو في المخيخ، أو في طريقة التفكير التي جعلت هذا يتجه نحو الأفلام، وهذا نحو المخدرات، وهذا نحو الشذوذ، وهذا نحو الفواحش، وهذا نحو الآثام والمعاصي؟

    قدوة غائبة

    إن هناك عنصراً واحداً هو الذي أنتج كل هذه المشاكل، فمن العقل أن نعالج سبب المرض لا أن نعالج أعراض المرض، لو أن مريضاً من المرضى جاء إلى الطبيب في المستشفى فقال: عندي ارتفاع في درجة الحرارة، وعندي آلام في المعدة، وعندي شعور بالبرد، وعندي آلام في المفاصل، وعندي صداع في الرأس، وجمع خمسة أعراض.

    إن الطبيب الأحمق هو الذي يصرف خمسة أدوية فيعطي الصداع دواءً، وآلام المعدة دواءً، وارتفاع وانخفاض الحرارة دواءً، وآلام المفاصل دواءً، وأوجاع الظهر دواءً، لكن الطبيب الذكي الحاذق هو الذي يبحث عن الشيء الذي سبب هذه الأعراض الخمسة فيعطيك علاجاً يقطع السبب، ثم تنقطع الأعراض، ثم لا تحتاج إلى تلك الأدوية، كل مشكلة لها علاج على حدة.

    نعم .. من الحماقة أن نناقش كل قضية على حدة بمعزل عن مناقشة السبب الذي أوجد لنا هذه الشريحة التي بات اهتمامها وأصبح بعضهم كما قال الله: كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176] يتعب ويكد وفي نكد ونصب ووصب ومشقة، يلهث، يذهب، يجيء، يروح، يرتفع صوته، ينخفض، يتقدم، يخطو، يرحل، يسافر، لكن إلى أين؟ ومن أين؟ ولماذا؟ ولأجل من؟ ينبغي أن نسأل: ما هو السبب المولد لهذه المشكلة؟

    واسمحوا لي -أيها الإخوة- أن نقول: يمكن أن نجعل السبب الذي هو مجموعة عناصر ولدت هذه المشاكل في نقاط: أولها: شعور كثير من أبنائنا وبناتنا بعقدة النقص، فيرون الآخرين جبالاً ويرون أنفسهم أقزاماً، يرون الآخرين عمارات سامقة ويرون أنفسهم حشرات ضئيلة، يرون الآخرين قمماً عالية ويرون أنفسهم ذرات مهينة، ثم بعد ذلك يمتلئون إعجاباً بالغرب، إعجاباً بالآخرين، ويمتلئون احتقاراً لأنفسهم فلا يرى أحدهم سبيلاً إلى إثبات وجوده وتحقيق ذاته، وإيجاد نفسه في مجتمعه، ولكي يقول للناس: إني موجود، وإني أتكلم، وإني صاحب هواية، وإني صاحب فكر، فتراه يختار وسيلة من وسائل الشذوذ أو الانحراف أو المعاصي لكي يلتفت إليه الناس وينظرونه .. وهذا هو أقرب تفسير لظاهرة كثير من الشباب الذين تجدهم أصلاً لا يعرفون التدخين فيحمل السيجارة ويدخن، ويجبر نفسه على التدخين حتى لا ينظر إليه نظرة نقص، أو حتى يلفت الآخرين إلى نفسه، وهذا هو السبب الذي تفسر به وجود بعض الشباب الذي تراه قد جعل من شعره مجسماً تشكيلياً، صوالين الحلاقة الآن امتلأت بمختلف القصات والموضات، آخر قصة "قصة أزمة الخليج" رأسه في أزمة، ولذلك كانت الحلاقة على شكل أزمة الخليج، ومنهم من قال: هذه "قصة كولن باول" وبعضهم من قال: هذه أزمة أو هذه "قصة شوار سكوف" أو هذه قصة فلان أو علان، المهم يريد أن يثبت للآخرين أنه يعرف شيئاً جديداً ويسلك مسلكاً جديداً حتى يلتفت إليه الناس، فعقدة الشعور بالنقص تجاه الآخرين ولدت في نفسه أن يسلك سلوكاً بموجبه يلبس أو يحلق أو يفعل أو يتصرف بطريقة تجعل الآخرين ينظرون إليه نظرة مستقلة عن سائر الناس.

    ولو أنه يعلم أن الآخرين ينظرون إلى هذا بمنظار الازدراء والنقص والهوان لوجدته لم يفعل هذا أبداً، ولكنه رأى ما حوله من المجلات والشاشات والدعايات والإعلاميات وما شئت يجدها تصب في قالب إبراز أولئك الشاذين وغض النظر والإغفاء عن أحوال القدوات الجميلة الراقية في المجتمع.

    تربية منفلتة ضائعة

    أيضاً أيها الأحبة من الأسباب الجوهرية في هذه القضية: مسألة التربية.

    نحن نربي أطفالاً بلا هدف، تسمين عجول، تسمين أبقار وأغنام في كثير من البيوت، تجد الطفل يتدحرج من العافية لكن عقله كالطبل لا يوجد فيه شيء، عجبت للطفل الشيوعي أو الطفل الروسي قبل سقوط روسيا تجده شيوعياً من صغره، والطفل العراقي التابع لمدارس حزب البعث تجده بعثياً من طفولته، والطفل المنحرف الفاجر الذي هو في بؤرة فاجرة تجده يحقد على المسلمين منذ صغره، والطفل النصراني تجده عقلاً ممتلئاً بكراهية المسلمين والشعور بالفخر للعنصرية البيضاء تجاه الآخرين.

    ولكن طفلنا اليوم اسأله عن انتمائه، اسأله عن اتجاهه، اسأله عن آلامه، اسأله عن آماله، لا يجد شيئاً، طفلنا يعرف أفلام الكرتون، ويعرف مجلة ميكي والوطواط، ويعرف قصة البيضة الفارغة والعصفور المكسور، أما أن تجد عند أطفالنا تربية ذات هدف هذا لا يوجد إلا عند أسر محدودة من الناس، أما البقية الباقية من كثير من هذه الشريحة تجدها -ويا للأسف!- يربون أطفالاً تربية التسمين، بل لو قيل لأحدهم: يا فلان.. ما ضرك لو أنك مع مجموعة من جيرانك استقدمتم أو استوفدتم مدرساً من إحدى البلاد العربية الإسلامية أو حتى من بلاد العجم من باكستان وغيرها وجعلته يدرس أولادك القرآن براتب شهري قدره ألف ريال إذا قدرنا نحن عشرة بيوت، وعند كل واحد منا طفلان، يعني: عندنا عشرون طفلاً، كل واحد منا يقدم قرابة مائتي ريال شهرياً من أجل أن ندفع مرتباً قدره ألف لمدرس يحفظ أبناءنا بعد العصر ويدرسهم، وبعد المغرب يعطيهم درساً في السيرة، وبعد العشاء ربما راجع مع بعضهم شيئاً من الواجبات... لقالوا: وهل نحن مجانين؟ نحن نخسر الأموال بهذه الطريقة؟ هل نحن حمقى؟ إذاً ما دور المدارس؟!

    يا أخي الكريم.. إن المدرسة لا تغني عن التربية شيئاً، بل إن الأصل في تفوق الطالب ربما كان صلاح تربيته في أسرته، وفي المقابل تجد كثيراً من البيوت فيها خادمة بستمائة ريال، والسائق بقرابة ثمانمائة ريال، الخادمة دورها تلميع الزجاج والأبواب والنوافذ، ونبذل الستمائة ريال ونحن في منتهى الشعور بالراحة والطمأنينة، لكن أن نقدم ستمائة ريال لمدرس يدرس أولادنا.. لا، هذا ولد إن نفع فلنفسه وإن أساء فعليها..

    لا يا أخي، هذا الولد يحتاج إلى تربية، ولذلك كثير من الشباب الذين وجدناهم بصفة اللاهثين الذي يجوبون الطرقات، ويملئون الأرصفة، ولا هم لهم إلا آخر أغنية وآخر مقطوعة، ومن الفريق الذي فاز، ومن هي الممثلة التي اعتزلت، ومن هو الفنان النجم الذي مات، ومن هو ومن هو ... إلخ، أولئك تجدهم لم يتلقوا تربيةً على مستوى علمي أو عقلي أو ثقافي أو ديني، ولأجل ذلك امتلأت عقولهم بالزبالات، أما الذين يتربون تربية راقية يشعر الرجل منهم أن ولده فيه عقل في رأسه، وهذا العقل الذي في الرأس بمثابة الزجاج البلوري الكريستالي اللامع الجميل، فتجد الرجل يقول: أنا لا أجعل عقل ولدي الزجاجي البلوري الناعم مكاناً للزبالة ولا للرمال المختلطة ولا للنفايات، بل أحترم هذا العقل -عقل الطفل أحترمه- وأجعله مكاناً يحفظ القرآن ويحفظ السنة، ويتعلم الشعر، ويعرف الآداب، ويقرأ عن أخبار العرب وعن معارك المسلمين، ويكون لديه اطلاع بأحوال المسلمين في العالم.. هذا أمر ممكن أيها الإخوة.

    منذ أيام كنت في زيارة لأحد الأصدقاء وعنده ولد صغير نجح من المرحلة الخامسة الابتدائية إلى السادسة الابتدائية، فبينما نحن نتحدث إذ دخل معنا الطفل في الحديث، وإذ بي أجد طفلاً يتحدث عن البوسنة والهرسك، ويتكلم عن سراييفو ، ويتكلم عن ميتران رئيس فرنسا النصراني الحاقد الذي حال دون المسلمين واستلام المطار ليكون مهبطاً لدعم الأسلحة، ويتكلم عن مؤامرات الصربيين إلى تقسيم البوسنة والهرسك بين الكرواتيين، فجن جنوني..! قلت: ما شاء الله! لا إله إلا الله! تبارك الله! هذا الطفل ينجح من خامسة إلى سادسة ابتدائي ويتكلم عن هذه المعلومات؟! فلما تأملت إذ بوالده ووالدته يتحدثان إذا جلسا على الطعام وإذا جلسا للشاي عن هذه القضايا، ويلقنان الولد هذه الأمور فتجد طفلاً يحمل قلباً كبيراً، وتجد صغيراً يحمل عقلاً فذاً، وتجد ناشئاً يحمل هموم أمة، وفي المقابل تجد رجلاً عمره خمسة وعشرون سنة أو سبعة وعشرون سنة لا هم له إلا أن ينتظر حبيبته تفتح النافذة لكي يلقي عليها بنظرة، أو لا هم له إلا أن ينتظر رسالة المعشوقة متى ترسل بالرسالة مع طفل أو مع سفير أو مندوب، أو لا هم له إلا أن ينتظر متى يحين الوقت لخبص البلوت وتعمير الشيشة... وهلم جرا!

    وأين قضايا المسلمين؟ وأين أحوال المسلمين؟ وأين العبادة؟ وأين الخوف من الله؟ وأين الطمع في الجنة؟ وأين الإعداد للموت؟ وأين الإعداد لما بعد الموت؟ وأين الإعداد للسؤال والجواب بين يدي الله؟ لا تجد شيئاً.

    إذاً: أيها الأحبة! التربية سبب، فربما ربينا أطفالاً أصبحت أجسامهم أحسن من أجسام البغال، يصلحون للكد والتحميل، ولكن عقولهم -أيضاً- كعقول البغال:

    لا بأس بالقوم من طول ومن قصر     جسم البغال وأحلام العصافير

    بل إن بعض المجانين أصبحوا أحسن من بعض اللاهثين، والشيء بالشيء يذكر، خذوا هذه الطرفة اليسيرة: يقال: إن رجلاً -شاب من الذي جاء يفحط بسرعة- جاء ولف بسرعة عند مكان من الأماكن فمن شدة لف الكفرات صواميل الكفر -البراغي التي تمسك الكفر في السيارة- انقطع، فجلس هذا الشاب المفحط يدور إذ به يدور حول مبنى مستشفى المجانين، وإذ بمجنون يطل على هذا الشاب من النافذة فقال المجنون: لماذا أنت تدور على السيارة، ما بك؟ قال: والله أنت ترى، لفيت بسرعة وانقطعت صامولة الكفر وجالس هكذا. قال المجنون: فقط، يا أخي فك من كل كفر صامولة وركبها محل الصواميل التي انكسرت. قال: والله اقتراح جميل وفكرة صحيحة! طيب أنت لماذا أنت جالس في مستشفى المجانين؟ قال: صح، هذا مستشفى المجانين وليس مكان أغبياء.

    فالواقع أن عندنا من الغباء ما يتعدى الجنون، بل إن بعض المجانين أفضل حظاً من بعض شريحة اللاهثين الأغبياء، ولا نقول هذا مزيداً لاحتقارهم، ولا نقول هذا مزيداً من هوانهم بل فيهم من الهوان ما يكفي قال تعالى: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج:18].

    ولكن نقول: إن هوان العقل عند شريحة من أبناء الأمة بلغ حداً مضحكاً عجيباً.

    تربية بلا هدف

    كذلك إذا وجد هؤلاء الشباب وهم في الطفولة تربية بلا هدف، وفي المراهقة أنشطة بلا اتجاه، ولا يجدون قدوة سوية ممتازة، أضف على ذلك الغزو المكثف الموجه إلى أبناء المسلمين، هذه الشريحة -شريحة اللاهثين- كيف أصبح بعضهم يربط على جبينه خرقة حمراء، ويلبس فنيلة قد أبدت كتفيه، وأخذ يستعرض بعضلاته وكأنه يقول للشباب: انظروا إلى رامبو يدور في رابغ، انظروا إلى رامبو يدور على شواطئ جدة، انظروا إلى رامبو يدور في الرياض، ويتمثل هذا الأمر.. هذا الشاب في الحقيقة فعل هذا، وغيره فعل غيرها من العزف على العود والمنافسة في مثل هذه الأمور الرديئة بسبب النجومية التي وجه الإعلام أسهمه فيها، يعني: الآن أنت ترى، من هو أفضل واحد على مستوى الإعلام الذي يغزى به الناس ويوجه إلى الناس؟

    النجم هو اللاعب الرياضي، النجم هو الفنان الكبير، النجم هو المخرج السينمائي، النجم اللامع هو الذي أصبح هداف الدوري، النجم اللامع هو الذي أصبح ممثلاً قديراً، النجم هو الذي أصبح منتجاً سينمائياً رائعاً، لكن لم يعرف الشباب يوماً من خلال الإعلام، ولم يعرفوا من خلال الجرائد، ولم يعرفوا من خلال المجلات، ولا من خلال الداعية أن النجم هو الذي حفظ القرآن بسبع قراءات، ولم يعرفوا أن النجم هو الذي حفظ البخاري ومسلم ، وما رأوا أو سمعوا يوماً أن النجومية واللموع لمن دعا إلى الله على بصيرة، ولم يعرفوا يوماً أن النجومية واللموع لمن كان جاداً في متابعة المخدرات.

    نعم يوجد أحياناً إشادة بإنسان كان له دور في عمل ثقافي أو اجتماعي، لكن الغالب على الضخ الإعلامي والحرب الإعلامية والجرائد والمجلات والمنشورات أن النجم هو اللاعب والفنان بالدرجة الأولى .. هذان -المطرب واللاعب- تجدهما يتقدمان السباق في قضية النجومية والشهرة.

    نعم .. حينما يرى الصغار والشباب أن النجومية واللموع لهاتين الشريحتين؛ يصبح أحدهم يقول: وكيف أكون مشهوراً؟ وكيف أكون لامعاً؟ وكيف أكون معروفاً؟

    إذاً الطريق إلى أن أكون مشهوراً، والطريق إلى أن أكون معروفاً، إما أن أنخرط في سلك الرياضة، وإما أن أنخرط في سلك الفن، لكن ما تجد إلا أندر من أندر النادر من يقول: أريد أن أطور جهاز الهاتف الموجود بين أيدينا، أو أريد أن نستفيد كيف نستطيع أن نبث على الغرب معلومات عن الإسلام، أو يقول: كيف أستطيع أن أصنع شيئاً ينفع الإسلام والمسلمين.. هذا نادر؛ لأن التلميع والدعاية والإعلان والتشجيع في الغالب لا تجده إلا لهاتين الشريحتين، هذا في الغالب، ولأجل ذلك لا غرابة أن تجد بعض الشباب..، بل حتى بعض الفتيات من تلك الشريحة يتمنين أن يكن أصدقاء لمطربين أو لفنانين.

    تلميع لأهل الفن والعهر والفساد

    مدرسة من المدرسات قبضت ذات يوم على طالبة من الطالبات وهي تتبادل مع زميلاتها أوتوجراف؛ الأوتوجراف: هو دفتر صغير ربما صنع على شكل القلب أو على شكل العود أو على شكل الكمنجة، وفيه ألوان وورود، ويتبادل به الفتيات العناوين، والأسماء، والأكلة المفضلة، واللاعب الممتاز، والمطرب الذي تهواه، والأغاني ... فجن جنون المدرسة! وجدت الصفحة الأولى: الاسم فلانة، الهواية: أن تكون مضيفة، كيف دخل على عقل فتاة من بناتنا هواية أن تكون مضيفة؟! لأنها ما سمعت يوماً من الأيام انتقاداً للمضيفة التي تختلط بالرجال ولا تستحي أو يعرف عنها أنها سافرة، قليلة الأدب، قليلة الحياء، قد انكسر حجابها وحياؤها وماتت عفتها؛ ولأجل ذلك لو سمعت انتقادات المجتمع والإعلام من حولها والجرائد من حولها تقدح وتذم وظيفة المضيفة لكرهت الفتاة أن تكون مضيفة، ولكنها لما قرأت المقال ورأت صورة المضيفة وشاهدتها تقف تمنت أن تكون مثلها.

    والأخرى ماذا تتمنى؟ قالت: أتمنى أن أكون عارضة أزياء..! والثالثة ماذا تتمنى؟ قالت: أتمنى أن أكون نجمة سينمائية..! بل وبعضهن قالت: أتمنى أن أسافر إلى بانكوك ! هذا أمر يا إخوان ليس من ضرب القول وإنما هو من أوتوجراف قبضت عليه مدرسة موجود في يد بعض الطالبات، وإذا كانت المدرسة فيها ألف طالبة فإنا لا نقول: كل طالباتنا خربن، لكن نقول: يوجد شريحة من طالباتنا أو من طلابنا هذا مستوى تفكيرهم؛ والسبب: لا توجد تربية حسنة، ولا توجد مثل أعلى في القدوة الحسنة.

    وزيادة عن ذلك رأت وقرأت في الجرائد والمجلات والشاشة، وسمعت في الموجات أن المضيفة هي الملاك الطاهر، هي اليد الحنونة، هي التي تبعث الطمأنينة في نفوس الركاب إذا أقلعت الطائرة وأبحرت سفينة السماء في خضم أمواج الهواء، فإذا أصاب الناس ما أصابهم رأوا مضيفة وادعة كلها الأمن والطمأنينة.. وهذا ليس بصحيح، بل أول ما يتدافع على الأبواب عند مشاكل الطائرات المضيفات، وأول من يخوف الناس المضيفات، وأول من يروع الناس المضيفات، ولكن ما يقال للناس وكل ما يقرأ الناس ويسمعون أن هذه المضيفة هي الملاك الطاهر هذا شيء آخر، زد على ذلك أنها ذات اللباس الرشيق، والمساحيق المختلفة، والصورة من الألوان المجمعة في عينها وخدها وفمها وشفتيها، ثم بعد ذلك إذا زيد هذا الوصف بثناء ومديح عبر كتابة واحد من الكتاب المأجورين أو المسعورين أو المخدوعين أو الأغبياء أصبحت الفتاة تتمنى أن تكون مضيفة.

    إذاً: فتاة تلهث كي تكون مضيفة أو لكي تكون عارضة أزياء أو لتكون نجمة سينمائية .. لماذا؟

    لأنها رأت أن التلميع والسطوع والأضواء والثناء والمديح يكال لهذه حتى تكون مثلاً أعلى فتتمنى كل فتاة أن تكون مثلها. والله لو أننا أعطينا الأمور حقائقها فنقول: إن المضيفة خادمة في الطائرة، مسئولة هذه المضيفة إذا تقيأ رجل أو تقيأت امرأة وأخرج المتقيئ ما في جوفه من الوسخ مسئولة المضيفة أن تفتح الكيس وأن تقف عند فم المتقيئ، وأن تمد الكيس لفمه فتنتظر حتى يمتلئ الكيس قيئاً، ثم تحزمه، ثم ترميه، ومسئولة المضيفة إذا وجد رجل يعجز أن يوضئ نفسه بعد البراز والبول مسئولة المضيفة أن تمسح برازه وأن تمسح بوله، لو أعطينا المضيفة صفاتها الحقيقية بمعنى خادمة، بل أشد من خادمة لما اشتهت فتاتنا أن تكون مضيفة، لكن قلب العرض .. بدلاً من أن يقال هذه وظيفتها يقال: لا، الملاك الطاهر.. القلب الحنون.. الوديعة؛ فإذا رأت فتاتنا أو بنتنا أو أختنا المضيفة -يعني: قد يقدر لواحدة من بناتنا أن تصعد في الطائرة- ثم ماذا بعد ذلك؟ تجد هذا الملاك الطاهر الذي كتب عنه في الجرائد والمجلات ورأته في كثير من الأفلام وغيرها رأت هذا الملاك الطاهر يقف حتى تسمع صوت المزلاج، ثم ارفع اللسان إلى أعلى، ثم يسقط عليك القناع من تحت -أو القناع يسقط من فوق- ثم يسقط عليك القناع من فوق وهم ينظرون إلى حركات المضيفة فتجد الفتاة معجبة بهذه الفتاة التي كأنها تمثل عرض كراتيه بحركات يدها.

    ثم إذا سرقت النظر أختنا أو بنتنا أو بنت مجتمعنا إذا سرقت النظرة إلى المضيفة وجدتها تجلس بجوار المضيف، كتفها على كتفه، فخذها على فخذه، ثم وجدت في يدها سيجارة والمضيف يولع لها السيجارة، ثم يتبادلان هذا الشيء.. ماذا الذي يحصل؟

    تزداد إعجاباً بهذه المضيفة، ويؤجج ذلك شهوة الفساد والانحراف التي وجدت في النفس، ولكن لو قيل: إن هذه المضيفة هكذا صفتها، وهذا دورها، يعني: لو قلنا لفتاة من بناتنا: أعطنا مثالاً لفتاة لا تستحي من الرجال. قالت طفلة: المضيفة. نقول: الإجابة صح، ومثال لفتاة لا تستحي وتكسر حياؤها وعفتها بين الرجال، هات مثال. الجواب: المضيفة. صح، طبعاً المحاضرة ليست هجمة على المضيفات وإنما أقول لكم كيف تغسل الأدمغة؟ كيف تسلط الأضواء على عمل قبيح فيكون حسناً؟

    غيبة إبراز العلماء ورجالات المجتمع

    يقضى على المرء في أيام محنتـه     حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن

    وقول الله أبلغ: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [فاطر:8] والعياذ بالله، فالشاب كذلك إذا وجد النجم الفلاني هو الذي تصفق له الجماهير، وهو الذي يقدمونه، وهو الذي ... إلخ، تجده نعم يعجب بهذا المطرب، ويقول: كيف أكون مطرباً؟ ثم بعد ذلك يصدق بعضهم -بعض الشباب يصدق- أنه أصبح فناناً.

    وأذكر مرة من المرات -ولا وقت عندي للتلفاز ولله الحمد والمنة فضلاً عما فيه من المغالطات والمخالفات- أذكر أن مطرباً من منطقة ما أجريت معه مقابلة، فقالوا له: الفنان فلان بن فلان ذو الموهبة المتفجرة المعطاءة. الله أكبر! ما هي الموهبة المتفجرة المعطاءة؟! هل أغنت عن صاروخ باتريوت في رد قذائف الصد؟ هل أغنت عن طائرات أباتشي في قذف الدبابات؟ هل أغنت عن الترنيدو أو ألفا 15 المقاتلة؟ الموهبة المعطاءة ماذا أعطتنا؟ أعطتنا ضياعاً للجيل، وخراباً في الأمة، وتدجيلاً على الناس.

    فقيل له: الموهبة المعطاءة، متى بدأت مشوارك الفني؟ سؤال وجيه جداً جداً جداً -جداً تكعيب- فقال وهو يتأوه حسرة والأسى يعصر قلبه قال: لقد كنت بدأت مشواري الفني قبل فلان وفلان وفلان ولكن الحظ ساعدهم ولم يلتفت لي. مسكين..!

    أهبت بالحظ لو ناديت مجتمعاً     والحظ عني بالجهال في شغل

    لعله إن بدا فضلي ونقصهم     لعينه نام عنهم أو تنبه لي

    لكن هذا كلام يقوله ابن الوردي أو غيره ولا يقوله ذاك. قلت: والله مسكين يا أخي، حرام تجلس ثلاثين سنة تدقدق وتخرش العود اثنا عشر وتراً ولا أحد يعرفك..! والله حرام يا جماعة، أظهروه في الدعاية، اجعلوه قبل البقرات الثلاث، انظر والله مشكلة يا أخي، أظهروه، هذه موهبة حرام ما تطلع في المجتمع، حرام هذا مسكين ما أحد عرفه، قاعد ثلاثين سنة قبل فلان وفلان وفلان ما أحد يعرفه، والله قهر يا ناس.. ! سبحان الله العلي العظيم!

    هل هي موهبة اختراع؟ هل موهبة سلاح؟ هل هي موهبة فكر؟ هل هي موهبة تعليم؟ هل هي موهبة دين؟ هل هي موهبة دعوة؟ هل هي موهبة عطاء؟ هل هي موهبة قضاء؟ هل هي موهبة طب جراحة وقلب؟

    علاج في سكر؟

    لا. موهبة فن، ثلاثون سنة ما أحد يعرفه، ومثل ما يقولون -هناك مثل عند أهل مصر-: قليل البخت يتكعبل في السديرية. يعني: لو يلبس سدارية يتعثر فيها، قلنا: يمكن هذا حظه كذا ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    فالشاهد: أن اللاهثين الذين نراهم من أسباب ركضهم ولهثهم وراء هذه المتع والشهوات والملذات الضائعة الفانية التي ما تنفع الأمة أنهم يرون المجلات والجرائد والشاشات والموجات كلها لا تلمع إلا فناناً ومطرباً ولاعباً، وقل بل وندر أن تجد في مقابلة أولئك أن يلمع العلماء أو الدعاة، بل إننا لا نحتاج إلى تلميع، فالعالم علمه يلمعه، وأعجب من هذا أن تسمع من الناس من يقول: والله يا أخي هؤلاء المطاوعة مجانين، مجرد ما الشيخ ابن باز يطلع الناس يلحقونه ويحبون رأسه ويحبون يديه ويسلمون عليه، وبمجرد الشيخ ابن عثيمين يطلع الناس يسدون الشارع وراءه .. مجانين! إذا لحقوا عالماً يبارك الله بعلمه ويستجيب الله دعوته وليسوا مجانين إذا صفقوا وراء لاعب أو مدرب يحملونه فوق أكتافهم..! لا إله إلا الله! أين هذه العقلية والموهبة الوثابة التي جعلتك تكتشف أن الناس إذا تبعوا العالم ودعوا له ومشوا في إثره ولحقوا جادته واقتفوا طريقه صاروا مجانين، ويوم أن كانوا يلحقون الممثل والممثلات ما كانوا مجانين؟.. لا إله إلا الله! إن الشيطان يفتح على أوليائه صنوفاً وضروباً من الشر ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    فشريحة اللاهثين من أبنائنا يحتاجون في الحقيقة مع الدعوة واللطف والكلمة الطيبة والهدية المناسبة والأسلوب والمدخل يحتاجون أن يقال: إن من ترك الفن واتجه إلى الجهاد فهو نجم لامع، إن من ترك الضياع وملأ الفراغ بما ينفع فهو النجم الساطع، إن من ترك الغناء واشتغل بحفظ القرآن هو الكوكب الذي لا ينطفئ، إن من ترك مشاهدة الأفلام واشتغل بمطالعة الكتب هو مفكر الأمة، إن من ترك الفساد وسلك الصلاح هو الذي تحتاجه الأمة، حينئذ يشعر الشباب أن لا شيء يئزهم أو يدفعهم إلى الفساد، وإنما يرون أن كل ما حولهم حتى الداعية والإعلام وكل ما يحيط بهم يدفعهم دفعاً إلى مراقي الفلاح ومدارج الصعود، وما يرفعهم إلى كل خير بإذن الله جل وعلا.

    1.   

    دعوى الوسطية ودوافع اللهث

    شريحة من الناس تجد بعضهم إذا قلت له: يا أخي الكريم -يعني: تجده من اللاهثين وراء الأفلام، أو اللاهثين وراء المعاصي، ويعد نفسه أنه معتدل وسط- يا أخي الحبيب! لماذا لا تستقيم على أمر الله؟ لماذا لا تستقيم على دين الله؟ يا أخي الطيب، يا أخي المبارك.. لماذا لا تكون من الهداة المهتدين؟

    يقول لك: أنا أريد أن أكون وسطاً، أنا لا أريد أن أكون أصولياً متطرفاً، ولا أريد أن أكون مروج مخدرات وصاحب شذوذ أخلاقي، أنا أريد أن أكون وسطاً.

    ما هو الوسط؟

    الوسط: أن تقبل التفرج على الأفلام، وأن تطلق بصرك في الشاشة على صور النساء، والوسط: أن يضيع وقتك بلا استفادة، الوسط في نظره: ربما أخرت صلاة الفجر إلى وقت الدوام الساعة السابعة، الوسط: أن تسمع الأغاني وأن تتذوق الفن، الوسط: أن تجامل مع الناس ولا تكون إنساناً جلفاً -يعني: آمراً بالمعروف أو ناهياً عن المنكر حسب مصطلحه- الوسط: ألا تكون فضولياً تتدخل بالنصيحة في الآخرين .. إذاً أنت أيها الأخ الكريم أنت الوسط؟ أنت المعتدل؟!

    وأنت يا فتاة لماذا لا تتحجبين؟ لماذا لا تتركين الرقص؟ لماذا لا تتركين اللهو؟ لماذا لا تتركين الغناء؟ لماذا لا تتركين مجلة سيئتي أو سيدتي ؟ لماذا لا تتركين المجلات السخيفة مثل " نورا " و" كل الناس " والفيديو والتلفزيون ومجلة كذا وكذا؟

    تقول: لا والله، إنني لست بفتاة متشددة، ولا منحرفة -تعني: زانية- أنا بنت وسط معتدلة.

    طيب نقول لذلك الشاب الوسط ولتلك الفتاة المعتدلة: أنتم وسط ومعتدلون.. ماذا تسمون الرسول صلى الله عليه وسلم؟ الرسول وسط أو متشدد؟ عائشة وسط معتدلة أو متطرفة أصولية؟

    سبحان الله! دعوى الوسط والاعتدال أصبح يدعيها الذين يطئون المنكرات، ويصبحون ويمسون على المعاصي بحجة أنهم وسط.. لا والله، أنا لا أقول: حرام أو لا ينبغي أو لا يمكن أو لا يعقل أن يوجد في المجتمع صاحب معصية أو صاحبة معصية.. لا، المعاصي وجدت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ووجدت من الرجال ومن النساء، وفي مجتمعنا توجد المعاصي من الرجال ومن النساء، لكن كانوا قديماً إذا عصى أحدهم ما قال: أنا وسط معتدل، قديماً إذا عصى أحدهم قال: أذنبت فأستغفر الله. إذا عصى أحدهم أو إحداهن قالوا أو قالت: زللت فأستغفر الله، فيعودون إلى الله.

    أما نحن فتجد العاصي ما يقول أذنبت يقول: أنا ممتاز، وأنا وسط، أنا أحسن من الذين يروجون المخدرات، أنا أحسن من الذين يروجون الخمور، أنا أحسن من الذين يروجون الأفلام الخليعة .. وهذه مصيبة: أن العاصي المقصر لا تجده راضياً عن نفسه فقط بل معجب بنفسه، فوق الرضا تجد إعجاباً ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    البحث عن اللذة من دوافع اللهث

    ومما جعل شريحة من أبنائنا وشبابنا وشاباتنا يلهثون وراء ألوان المعاصي والشهوات، وبعضهم في ألوان الفواحش والمنكرات أنهم يتعاطون اللذة، فإذا انتهى طعم اللذة بحثوا عن لذة جديدة.

    مثال ذلك: تجد إنساناً مدمناً على التدخين، وتجده ما يسمع بلون من ألوان التدخين إلا ويجربه، وتجده مغرماً بأنواع التبغ والدخان الذي -مثل ما يقول- يجعل رأسه يكيِّف، ولست أدري معنى يكيف؟ يعني: يبرد؟ نحن نعرف التكييف أنه يبرد، لكن تجده عند حد معين يأنف، يقول: التدخين هذا ما أصبح يؤثر شيئاً في رأسي، إذاً ما الحل؟ الحل أن ندخن سيجار، السيجار أقوى تركيزاً من السيجارة، فتجده يدخن سيجار وبعد السيجار ينتهي، يعني يستخدم السيجار مدة ثم ينتهي إشباع لذة السيجار فيبدأ يقول: ماذا لو أننا استغنينا عن مشاكل تكييف الدماغ عن طريق الإحراق والتدخين نجرب نوعاً من الحبوب، حبوب سيكونال أو حبوب كابتيجول أو حبوب -هناك حبوب يستخدمها أصحاب المخدرات- اسمها ملكواشيجرا، طبعاً شجرا منطقة في الوشم لكن هذه الحبوب مجرد أن الواحد عندهم يأخذ حبة يصبح يرى شعلة الحرية في نيويورك وهو في مكانه، ويرى برج إيفل في فرنسا، ويرى جسور اليابان، يتوهم أنه يراها وإلا في الحقيقة هو لا يرى إلا وجهه الذي امتلأ بالمعاصي، ويرى يده التي اقترفت الآثام، ورجله التي مشت إلى الخطايا، لكن مثل ما يقول الشاعر العربي قديماً:

    وإذا سكرت فإنني رب الخورنق والسدير

    الخورنق: هذا قصر كسرى، والسدير: هذا قصر قيصر، يقول:

    إذا سكرت فإنني رب الخورنق والسدير     وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير

    إذا صحوت من هذا الشراب أدور عن القصر الذي كنت أتمشى فيه أطيح في البغل الذي قاعد هنا في مربضي، أو أطيح في الجمل أو العنز التي كانت قاعدة بجانبي، هكذا:

    فإذا سكرت فإنني رب الخورنق والسدير     وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير

    فكثير من هؤلاء نتيجة للإشباع المتناهي للذة يستخدم التدخين ثم تنتهي لذة التدخين، ثم يستخدم السيجار فتنتهي لذة السيجار، ثم يبدأ بالحبوب فتقف لذة الحبوب مع التعطيب والإشباع، الدم يستهلك ويطلب زيادة، فبدلاً من أن يستخدم حبة حبتين، وبدلاً من حبتين ثلاث، وبدلاً من ثلاث أربع، حتى تراه كالمجنون، وترى أمامك بشراً لكنه يفكر تفكير البهائم، بل إن بعضهم كما عرض علينا طبيب من الأطباء في إحدى المعامل ويشرح بشرائح البروجكتر يقول: مما يصيب المدمنين على هذه الحبوب أن أحدهم يتوهم القدرة الخيالية، بمعنى يظن أنه يستطيع أن يمد يده هكذا ويلوي العمود لويتين ثم يسقط السقف، يصل إلى درجة والعياذ بالله من الهستريا وهذا الأمر الذي يفسر كثرة حوادث السيارات من الذين يستخدمون حبوب الهلوسة وسائقي الناقلات وبعض عمال المصانع الذين بعضهم ربما انقطعت يده تحت المنشار وهو يظن أن يده بعيدة؛ لأن من آثار هذه الحبوب عدم السيطرة على الجوارح وعدم القدرة في التحكم.

    ثم ماذا بعد ذلك؟

    تنتهي إشباعات الحبوب فيبدأ إلى إشباع الشم، لأن السيجارة والسيجار والحبوب لم تعد تعطينا لذة، نبحث عن لذة جديدة لأن اللذة متناهية، اللذة انتهت فنريد لذة جديدة فيذهب إلى الكوكايين المسحوق ثم يأخذه ويشمه، فإذا شم أول شمة ضيع، قال: مضبوط.. هذا هو الذي ينفع، فيشم مرتين وثلاثاً وفي الخامسة تنتهي إشباع الكوكايين فيحتاج أن يزيد الكوكايين أو يخلطه بشيء من الهروين ويحقنه في الوريد، ومع كثرة حقن الهروين في الوريد يصير عند النفس إشباع تريد مزيد، ورأيت بعيني صوراً لشباب من اللاهثين وراء المعاصي والمخدرات أصبح يأخذ الإبرة ويجر جفن عينه ويدخل الإبرة هنا تحت جفن العين حتى تكون أقرب إلى الدماغ وسرعة التكييف؛ من شدة -والعياذ بالله- اللهث والجري وراء اللذة الموهومة.

    إذاً: فحينما نتكلم عن اللاهثين لا نتكلم عن إنسان من أول مرة بدأ بالكوكايين والهروين، ولا نتكلم عن إنسان من أول مرة بدأ بالزنا.. لا، كان لأولئك بدايات بدأت بالتدخين، مرت بالسيجار، عبرت الحبوب، انتهت إلى الكوكايين، وانتهت إلى نهاية الوفاة.

    ومن مدة كنت في مدينة من المدن في الفندق فأخبرني أحد الشباب -نزلاء الفندق- قال: منذ يومين وجد شاب في هذا الفندق دخل عليه أهله بعد أن اتصلوا به مراراً ولا يرد، وسألوا الفندق عنه قالوا: والله ليس مفتاح حجرته عندنا حتى نقول خرج. فاقتحموا عليه باب الحجرة فوجدوه هكذا منكفئاً على وجهه والإبرة -إبرة حقن الهروين- في يده، وجدوه ميتاً على هذه الحال.

    بداية كل لاهث

    إذاً: فاللاهثون لم يبدءوا بالهروين من أول بداية.. لا، إنما بدءوا بجليس سيئ، بدءوا بأغنية، بدءوا بمعصية، بدءوا بمخالفة، ثم زادوها وزادوها وزادوها وزادوها حتى وصلوا إلى هذه النهاية المريرة.

    وحتى هذا يا إخوان موجود في الغرب، الغربيون ليس عندهم حياء ولا خوف من الله، فالشذوذ الجنسي في العلاقات الجنسية عند الغربيين مر قبله بمرحلة الخيانات الزوجية، وعدم احترم الحرمات الاجتماعية، أو ما يسمى بالعلاقات الاجتماعية المفتوحة، أو ما يقال عنه (البوي فريند) تجد الفتاة لها صديق، والفتى له صديقة، ومعنى صديق وصديقة يعني أن يمارس معها كل شيء، ثم بعد ذلك يمل بعضهم من بعض فيستبدل الصديقة بصديق والصديقة تستبدل صديقها بآخر، ومرحلة استبدالات حتى يملون من المعاصي، وجدت شريحة من النساء يمارسون الشذوذ مع النساء، وشريحة من الرجال يمارسون الشذوذ مع الرجال، فمل بعضهم إلى درجة أن إحدى الدول الغربية أصبحت تنتج أفلاماً اسمها "مان آند أنيملز" "وومن آند أنيملز" الرجال والحيوانات والنساء والحيوانات، ماذا يوجد في الأفلام؟

    يوجد في الأفلام نساء يفعلن الفاحشة مع البهائم، ورجال يفعلون الفاحشة مع البهائم..! اللذة متناهية فيبحثون عن لذة جديدة، لم تقف اللذة عن العلاقات الاجتماعية المفتوحة، ولم تقف اللذة عند تغيير الفرش بين الرجال والنساء والشباب والشابات، ولم تقف اللذة عند اللواط أو عند الشذوذ والسحاق، بل تعدتها في نظرهم، وهي لذات موهومة ليست لذات حقيقية، وبعد أن يصلون إلى هذه الدرجة تنتهي أحوالهم إلى جنون أو إلى انتحار أو إلى ضياع أو إلى اكتئاب أو إلى مخدرات نهايتها الهروين، ثم نهايتها الموت البطيء أو الموت القاتل سواء علم أو جهل بذلك.

    1.   

    نهاية المطاف بعد اللهث

    ثم أيها الأحبة! نقول لأحبابنا وشبابنا: أيها الشباب.. اسألوا الفنانين الذين تابوا وتركوا الفن، واسألوا المخرجين الذين تابوا وتركوا الأقذار الفنية والوحل الفني، اسألوهم: ماذا وجدوا في الفن والوسط الفني؟ فنانون يعترفون ويقولون: الوسط الفني وسط قذر، فنانات بعد التوبة يعترفن وتقول إحداهن: لا يمكن أن تكون فتاة نجمة العام أو نجمة الاحتفال أو بطلة فيلم إلا إذا وافقت على شروط مخرج أو صاحب القصة أو بطل الفيلم، ما هي الشروط؟

    الفواحش والشذوذ والمعاصي!

    إذاً: يا إخوان لا تغركم صورة هذا الممثل مع هذه الممثلة على الشاشة، لكن ما الذي حدث قبل أن يخرجا على الشاشة؟ ما الذي حصل وقت بروفات التمثيلية؟ ما الذي حصل قبلها؟ حصل كل ما لا يخطر على بال من السفالة والقذر والوسخ وكل تعدٍ لحدود الأخلاق ولا حول ولا قوة إلا بالله..!

    إذاً: نقول للاهثين وراء هذه الأمور: اسألوا الذين عرفوا هذا وتركوه، اسألوا الذي عرفوا الفن وتابوا منه، اسألوا المطربين الفنانين التائبين، أحد الفنانين جلس عندي في بيتي وأسأله: ما الذي كان يبلغ إليه الفن في جلسات العود والطرب؟ قال: يا شيخ.. لا تصدق أن الفن هو ريشة ووتر، الفن جلسة بنات وكأس يدور، وفواحش تمر بهذه المرحلة، وتقف عند المخدرات، وتنتهي إلى الانتحار.. ولولا أن الله مَنَّ علي وهداني وإلا لكنت واحداً من ضحايا المخدرات الذين كنا نجلس في جلسات أولها الوتر وآخرها الخمر والمخدرات.

    إذاً: نقول للاهثين وراء شهرة الفن، واللاهثين وراء النجومية نقول: اسألوا الذين سبقوكم وعادوا، إن مجموعة من الفنانين والفنانات تابوا إلى الله ورجعوا ومعهم الراية البيضاء يلوحون بها ويقولون: يا معاشر الشباب، يا معاشر الشابات.. عودوا فإنا جئناكم من آخر نقطة ينتهي إليها طريق الفن، فلم نجد في هذا الطريق إلا الدعارة والفساد والعهر والانحراف، لم نجد لحظة نخشع فيها، ولا دمعة نبكي خوفاً لله منها، ولم نجد ساعة خشوع، ولم نجد ساعة طمأنينة، بل كنا نصبح في قلق، ونمسي في قلق، ونمشي في هلع، ونتنقل في فزع.. هذه حياة الفن والفنانين إلا من رحم الله من الذين عادوا وتابوا أو في طريقهم إلى العودة والتوبة.

    آخر: قابلته في السجن، أحد الفنانين كان مسجوناً فزرته في السجن، قلت له: يا فلان.. كيف تجد نفسك؟

    لقد من الله عليه بالتوبة وحفظ جزأين من القرآن في السجن، قلت له: يا فلان.. كيف وجدت نفسك الآن؟

    قال: والله لقد عرفت الفن أيام لبنان ، أيام بيروت ، والآن والله إني لا أستطيع أن أصف لك تلك المرحلة التي مررنا بها مروراً على الجلسات والحفلات حتى ما جمعناه من المال لا بركة فيه، وحتى إن المعجبين والمشجعين حولنا ويصفقون لنا، ويتقدموننا، ويتبعوننا، ويعطوننا بطاقات التعارف، ويدعوننا إلى حفلات اللقاء، ومع هذا كله والله ما كنا نأنس، وما كنا نلذ -وقال كلمته المشهورة-: ولو مت على ما أنا عليه لمت ميتة حمار. يقوله ذلك الفنان التائب العائد.

    فإلى شبابنا اللاهثين نقول: عودوا إلى الله فإن الطريق الذي تسلكونه قد سلكه أناس قبلكم وخبروه وسبروه واكتشفوه، وعرفوا غايته وأبعاده، ثم رجعوا ولكنهم قالوا كما قال رجل لما حضرته الوفاة، رجل من الذين كان لهم جلسات أنس وطرب مع صديق له، مع نديم حبيب له، توفي نديمه وتوفي حبيبه وصديقه، وأوصى هذا الرجل لما حضرته الوفاة أن يدفن عند نديمه أو بجوار قبر نديمه، وقبل موته قال كلمات، قال وهو يشير إلى قبر صديقه يقول:

    يا صاحبي قم فقد أطلنا     أنحن طول المدى هجود

    فقال لي لن نقوم منها     ما دام من فوقنا الصعيد

    تذكر كم ليلة لهونـا     في ظلها والزمان عيد

    هذا الذي يحتضر قبل الموت يكلم صاحبه الذي في القبر تحت التراب، ويذكره يقول: تذكر كم ليلة لهونا، كم سهرنا، كم فيلم رأينا، كم مجلة قلبنا، كم مرة عاكسنا، كم مرة صلحنا، كم مرة فعلنا

    تذكر كم ليلة لهونـا     في ظلها والزمان عيد

    وكم سرور همى علينا     سحابة ثرةً تجود

    كل كأن لم يكن تقضى     وشؤمه حاضر عتيد

    يقول: كل هذا كأن لم يكن، كأنما صار وتقضى وانتهى ومضى وانقضى وشؤمه -يعني: شؤم الذنب، وخطر الذنب والفاحشة والمعصية- وشؤمه حاضر عتيد.

    كل كأن لم يكن تقضى     وشؤمه حاضر عتيد

    حصله كاتب حفيـظ     وظمه صادق شهيد

    وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ [الانفطار:10-11]

    يا ويلنا إن تنكبتنا          رحمة من بطشه شديد

    يا رب عفواً وأنت مولى     قصر في أمرك العبيد

    ثم مات الرجل ودفن إلى جوار صاحبه.

    لو قدرنا لأولئك الذين مارسوا الملذات وهم من اللاهثين وراء الشهوات، وراء الأرصفة، والبنات، والطرقات، والمجلات، والمسلسلات، وراء كثير من الأمور، ثم ماذا؟

    إن أهنأ عيشة قضيتها -كما يقول ابن الوردي لولده-:

    اعتزل ذكر الأغاني والغزل          وقل الفصل وجانب من هزل

    ودع الذكرى لأيام الصبا     فلأيام الصبا نجم أفل

    إن أهنا عيشة قضيتها     ذهبت لذاتها والإثم حل

    ليس من يقطع طرقاً بطلاً     إنما من يتق الله البطل

    العنترية والحموشية وقطع الطرق والاعتداء على الناس، والتسلط عليهم ليست بطولة.

    وإنما تقوى الله، ومراقبة النفس، وإحكام تصرفات النفس هي البطولة الحقيقية التي ينبغي أن يتربى عليها الشباب وأن يعرفها الجميع.

    1.   

    ما يجنيه اللاهث على نفسه ومجتمعه

    أيها الإخوة .. بهذه الأمور مجتمعة: تربية منفلتة ضائعة، وقدوة غائبة، وتلميع للفنانين ولنجوم الكرة ولغيرهم، وغيبة لأن يلمع العلماء ورجالات المجتمع؛ جعلت الشباب هشاً مستعداً أن يقلد أدنى صيحة، ولذلك الآن ما ترى تقليعة توجد في الأسواق إلا ولبسها شبابنا وشاباتنا، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).

    وبالمناسبة يذكر أن أحد الوعاظ أو الخطباء كان ذات مرة يروي هذا الحديث، يقول قال صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) أخرجه الترمذي ، فكان هناك أحد من البادية قال: الترمذي هو الذي طلع الضب، أخرجه الترمذي يعني الحديث رواه الترمذي ، وهذا يحسب الترمذي هو الذي طلع الضب!

    وأقول: هذه الأمور مجتمعة جعلت عندنا شباباً مستعداً للانزلاق عند أدنى تقليعة، وأدنى دعاية، وأدنى صيحة.

    وبالمناسبة هناك دراسات أجريت على مجتمعنا فأظهرت أن عندنا مجتمعاً يتأثر بالإعلان والدعاية بشكل غريب جداً جداً، واحد يقول: عندي ولد إذا مسك الصابونة عند الغسالة قعد يناقز ويناقز إلى أن أمسكه. قلت: لا تلومه، هذا صابون زفت، ما تعرفه.

    يعني: عندنا شيء مؤثر جداً على عقول الشباب والشابات بطريقة غريبة وعجيبة! فإذا كانت هذه تأثير الدعايات وتأثير الإعلان فما بالك إذا أصبحت تخاطب المشائخ، وأصبحت المجلات والجرائد والبث المباشر الذي بدأ يأتينا من خلال الدش أو الأطباق التي تنصب على السطوح، وكثير من الناس -يا للأسف!- يشتريها دين، بعضهم يتدين ويركب دش، حتى لو أن عنده مليار ما ينبغي لمسلم أن يضر ببيته.

    يا إخوان .. هل فينا رجل أو هل يعقل أن رجلاً يشتري دشاً لكي يستقبل به بثاً يجعل زوجته تتعلم الخيانة الزوجية؟

    هل يوجد رجل يشتري دشاً يستقبل أفلاماً تعلم بناته المعاكسة واللف والدوران، وكيف تخرج وتلعب على أهلها وتصاحب صديقها ومن يعاكسها؟

    هل يوجد رجل يختار ويشتهي لنفسه أن يستقبل بث يجعل زوجته تنظر إلى أناس يتصارعون شبه عراة؟

    أنا لست أدري أين ضاعت الغيرة وأين ضاعت الحمية وأين فقد الإباء والشمم؟!!

    عجباً لناس تقول لأحدهم: يا حبيبي.. يا سيدي.. يا أخي الكريم.. هات مدرساً شهرياً بثمانمائة ريال يدرس أولادك الحساب والقراءة ويعلمهم أموراً تنفعهم، ويعلمهم القرآن، ويدرسهم السيرة فترفض، ثم تذهب لتشتري الدش بإثني عشر ألفاً، وإذا كان من الدشوش التي تحضر مائة وستين محطة أو أربعة وستين محطة تجده بأبهض الأثمان وأغلى الأسعار؟؟ والله مصيبة! اللاهثون في مجتمعنا كثر، ولم يقف حد اللاهثين عند الشباب المراهقين بل تجاوزه إلى كبار السن، التي يسمونها مراهقة الشيوخ أو مراهقة الكبار، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    هذه الأوضاع كلها: بث مباشر، مجلات، تلميع إعلامي، نجومية من هنا، وهلم جرا، جعلت الشاب مثل ما قال: يسكر بزبيبة، ينزلق في أدنى شيء؛ ولأجل ذلك ينبغي أن نعرف كيف ندفع الشر عن هذا المجتمع إن كنا صادقين.

    ختاماً .. متى العودة؟ ومتى الرجوع؟

    إلى كل شاب ضيع أيامه وساعاته وأوقاته في معصية الله نقول لك: إن الباب لا زال مفتوحاً، إن الباب لا زال مفتوحاً، ونقول لك قول الله جل وعلا: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] ونقول لكل شباب: هب وافترض جدلاً أنك تمتعت بكل لذة فهل هذا سيدفع عنك الموت؟ هل هذا سيدفع عنك سكرات الموت؟ هل هذا سيجعل لك إضاءة في القبر؟ أو يجعل لك سريراً أو فراشاً ناعماً في اللحد؟ هل هذا سينفعك عند الله يوم الحشر والنشر؟

    إن أردت الهداية فأقبل واسمع النصيحة والتزم الموعظة، وعد إلى الله، وإياك أن تكون بهيمة قولها كما قال القائل:

    جئت لا أعلم من      أين ولكني أتيت

    وسأبقى سائراً إن      شئت هذا أم أبيت

    كيف جئت كيف أبصرت طريقي

    لست أدري ولماذا

    لست أدري لست أدري

    بعضهم تقول له: يا حبيبي.. لماذا خلقت؟

    يقول: أنا داري؟

    ما دورك في الحياة؟

    والله ما أعرف.

    ما غايتك؟ ما هدفك في الحياة؟

    يقول: اسأل أبي..!

    هذه مصيبة، شاب يبلغ هذا العمر ولا يزال لاهثاً وراء المجلات والأفلام والمسلسلات والطرقات ولا يعرف هدفه وغايته، هذه مصيبة! شباب أشبه ما يكونون بالأغنام التي تسمن ثم تتجه إلى المسلخ فتنحر وتؤكل، بل إن الأغنام والأبقار نستفيد منها، وأما اللاهثون إن لم يهدهم الله وإن لم يتوبوا ويعودوا إلى الله فأولئك شر على المجتمع.

    التوبة هي الطريق الأسلم من رحلة اللهث

    وختاماً: لا نقول للشباب حتى وإن كانوا في السجون الآن، وإن كانوا من أهل المخدرات، وإن كانوا على الأرصفة والمتسكعين في الطرقات، لا نقول لهم: لا يمكن أن نستفيد منكم، أو مستحيل أن نستفيد منكم، بل نقول: نحن نحتاجكم، الصومال تحتاج إلى الإغاثة، فبدلاً من أن تضيع جهدك ونشاطك وصحتك في الأرصفة والطرقات اجعلها في سبيل الله والوقوف مع المسلمين بدلاً من أن يأتي المنصرون وينصرونهم، الفليبين بحاجة إليك، الفقراء في كل مكان محتاجون إليك، الأرامل، المعوقون، المشلولون، اليتامى، الأيامى، كفالة الغزاة، مساعدة المسلمين، دعوة الكفار إلى الإسلام، على الأقل لو تعرف جزء عم أو نصف جزء عم، لو تجلس وتعلم أناساً حديثي العهد بالإسلام لأصابك أجر وخير كثير بإذن الله جل وعلا.

    أيها الأحبة! نقول لكم بلغوهم وقولوا لهم: إننا لم نستغن عن شباب المسلمين، ولم نستغن عن شبابنا وأبنائنا، ونقول لهم: إن فيهم خيراً كثيراً إذا أقلعوا عن الذنوب وأنابوا إلى الله واتبعوا سبيل المهتدين، إننا لا نحقر من شأنهم فنقول: لا فائدة منكم أبداً.. لا، بل فيكم خير كثير، في شبابنا خير كثير جداً، ولكن يوم أن يفتحوا الطريق للخير يتدفق من قلوبهم إلى مجتمعهم، ويوم أن يزيلوا جبال المجلات والمسلسلات ومجالس الأشرار والسيئين عن طريقهم، حينئذ سترى الخير يتدفق منهم، نحن لم يأت اليوم الذي نقول فيه أو قلنا فيه لشاب: ليس فيك نفع أبداً، ولا يمكن أن يقال هذا لشاب، حتى الشاب الذي نزوره في السجن أو في سجن المخدرات ما نقول له: ما فيك نفع، نقول له: فيك خير، ولكن أين الخير؟ له طريق وبداية، الذي يقول: ما فيك خير.. هذا أمر صعب جداً وربما يحطم.

    الشيء بالشيء يذكر، خذوا هذه فهي تحرك الجمود: رجل كان عنده سائق، يبدو أن السائق هذا غير مسلم، فذهب به يصلي الاستسقاء صبيحة يوم من الأيام، وتعرفون أنه من السنة بعد الاستسقاء أن الإمام يقلب رداءه تفاؤلاً بتغيير الأحوال من الجدب إلى المطر، فقلب الإمام رداءه ثم قلب الناس أرديتهم، وهذا السائق ينظر إلى سيده يقلب الرداء والناس كلها تقلب الأردية، وكان الرجل متأثراً جداً من الخطبة -جزاه الله خيراً- فجاءه السائق قال: بابا.. أنا أيش في أقلب؟ قال: أنت اقلب وجهك! لأنه فعلاً منـزعج من هذه الأحوال التي سببت انقطاع المطر والجدب والقحط، فنحن ما نقول للشاب: أنت اقلب وجهك ما فيك نفع.

    أو نقول كما قال بعضهم، مجموعة من الشباب كانوا في رحلة، فأحدهم وجد هذا ينـزل العفش وهذا ينصب الخيمة وهذا يأتي بالماء، قال: وأنا ماذا أفعل؟ قالوا: أنت اذهب هش الطيور..! لا نحن لا نقول للشاب هذا الكلام أبداً، لا نقول له: اقلب وجهك، ولا نقول: هش الطيور، ولا نقول: ما فيك نفع؛ نقول: فيك خير كثير متى؟ إذا صدقت مع الله وتبت إلى الله، وأسدلت ستار التوبة على صفحة مضت، وفتحت صفحة جديدة كلها عودة وأوبة ورجوع إلى الله مهما بلغت ذنوبك.

    لا تظن يا أخي الكريم أن التوبة لإنسان معاصيه قليلة.. لا، التوبة حتى ولو كان الإنسان زانياً، حتى لو كان لوطياً، حتى لو كان تاجر مخدرات أو مروج مخدرات أو كان فاجراً أو كان فاسقاً أو كان ظالماً إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] باب التوبة مفتوح لا يغلق أبداً إلا يوم أن تطلع الشمس من مغربها، أو يغرغر العبد فتبلغ روحه الحلقوم، حينما تصل سكرات الموت، وتبلغ الحشرجة في الصدر، حينما تبلغ التراق حينئذ تقول: الآن أتوب، يا أولادي، يا إخواني.. عندي عشرون فيلماً أخرجوها من البيت، وعندي ثلاثون شريطاً أحرقوها، وعندي خمسون مجلة مزقوها، وعندي كذا شريط أتلفوه.. لا، ستحاسب عليها، فالتوبة ما دمت مستطيعاً الآن:

    أحسن إذا كان إمكان ومقدرة      فلا يدوم على الإحسان إمكان

    تب إلى الله ما دام البصر الذي نظر إلى الحرام قادر أن يغض عن الحرام، قبل أن يأتي اليوم الذي تزول فيه نعمة البصر فحينئذ تقول: أتوب إلى الله من النظر إلى المسلسلات والمجلات والمعاصي -الصيف ضيعت اللبن- نعم هذا أمر بينك وبين الله، لكن التوبة ما دمت قادراً، ما بتوبة العاجز، تب إلى الله ما دمت قادراً أو يوم أن كنت قادراً على الذهاب إلى مكان المعصية، الآن تتوب وتقول لرجلك: هنا قفي، مكانك قف، لا تذهب إلى المعصية.

    أما الإنسان الذي تضربه سيارة وينشل ويصاب بشلل نصفي وبعدين يقول: لا، خلاص أنا الآن لا أذهب إلى المعصية، أصلاً رجلك مشلولة كيف تذهب؟ والناس لا يعصون الله إلا بنعمته، هل رأيت أعمى يتفرج على أفلام فيديو لا. لأن الذين يعصون الله بالنظر إلى المسلسلات الماجنة يعصون الله بنعمة البصر. هل رأيت أصم يستمع إلى الأغاني؟ لا. لأن الذين يعصون الله بسماع اللهو يعصون الله بنعمة السمع. هل رأيت أبكم يعصي الله بالغيبة؟ لا. لأن الذين يعصون الله بالغيبة الذين عندهم نعمة الكلام، وما رأيت مشلولاً يعصي الله بنعمة الذهاب إلى الفاحشة لأن الذين يذهبون إلى المنكر يعصون الله بنعمة العافية في الأقدام، وما رأيت مشلولاً يعصي الله بالسرقة لأنه لا يوجد مشلول اليدين يسرق.

    إذاً: فلا يعصى الله إلا بنعمة فعيب علينا، استحوا وأستحي ونستحي جميعاً أن نعصي الله بنعمه علينا، يعطينا الله نعمة فنعصيه بها.

    اللهم إنا نسألك أن تتوب علينا، اللهم تب علينا، اللهم تب علينا، اللهم تب علينا، اللهم افتح على قلوبنا، اللهم إنا نسألك في هذه المكان الطيب المبارك أن تنزل علينا توبة نقلع بها عن الذنوب وتستر بها العيوب، اللهم أنت ربنا لا إله إلا أنت ونحن عبيدك، ونحن على عهدك ووعدك ما استطعنا، نعوذ بك من شر ما صنعنا، ونبوء لك بذنوبنا، ونبوء لك بنعمك علينا فاغفر لنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

    اللهم يا من سترت القبيح وأظهرت الجميل استر علينا بسترك، اللهم يا من عافيتنا وسترتنا فيما مضى فاعف عنا وأعنا على أنفسنا فيما بقي، اللهم حبب إلينا طاعتك وبغض إلى نفوسنا معصيتك، اللهم نشكو إليك قلوباً ميالة إلى اللهو، اللهم نشكو إليك أنفساً ميالة إلى الغفلة، اللهم نشكو إليك أنفساً تباعة للشهوات، اللهم فاجعل ميل نفوسنا وهوى قلوبنا إلى مرضاتك وطاعتك، حبب إلينا مرضاتك وبغض إلى نفوسنا معصيتك.

    يا رب العالمين لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، يا إلهنا، يا ربنا، يا خالقنا، يا مولانا.. إلى من تكلنا؟ اللهم إنا نشكو إليك قسوة القلوب، وجمود الأعين، وكثرة المنكرات، وتسلط الشهوات، وقلة الناصر، وكثرة المرجفين، وكثرة المثبطين، اللهم فثبتنا على دينك يا رب العالمين، وتوفنا وأنت راض عنا.

    إلهنا لا تخزنا يوم يبعثون، واغفر لنا ما لا يعلمون، واجعلنا من عبادك الصالحين، واحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    انتقاد الجوانب السلبية في الحضارة الغربية

    السؤال: يرى بعض الشباب أن انتقاد الحضارة الغربية تخلف، وأن الذي ينتقدها متخلف أو معقد ومتأثر بما يقال من أكاذيب عن الملتزمين، كذلك ما يوجد في المجتمع من نظريات، والمصيبة العظمى جهل الشباب بنعمة الله وفضله عليهم، وجهلهم بعظمة الله وقدرته، فنريد تعليقاً من فضيلتكم يعالج ذلك الأمر.

    الجواب: لا يوجد أحد يعجب بالحضارة الغربية إلا إنسان متخلف، نعم يوجد أناس لا يزالون -والعياذ بالله- مفتونين بالحضارة الغربية لدرجة أن شاباً درس في فرنسا سنوات، فلما رجع إلى أهله في القرية وكان عندهم نخل ودجاج وبط وطيور قال: حتى الآن دجاجكم يقوقي؟! سبحان الله.. على شان أنك درست في فرنسا تريد الدجاج يدرس في السربون ويتكلم فرنسي؟ طبعاً الدجاج منذ أن خلق الله آدم إلى يومنا هذا وهو يقوقي، هل سمعت بدجاج تطور فأصبح ينبح؟! غريبة والله! درس في بريطانيا ودرس في فرنسا وجاء ينكر على الدجاج البقبقة هذه..!

    فمصيبة بعض المنهزمين أنه لا يرغب في شيء من مجتمعه أبداً، حتى بعضهم جاء وأول شيء حط له ماسة وكرسي يأكل عليها، لم يعد يريد أن يجلس بجانب أبيه وأمه يأكلون على الأرض.. إن اليابان التي وصلت قمة الرقي في عالم الإلكترونيات والاتصالات لا يزال اليابانيون يأكلون بالطريقة التقليدية، طريقة متعبة: يجلس الواحد على ركبته ويجلس هكذا، يمد ساقه والركبة هكذا والفخذ والجسم كله واقف ويأكلون بهذه الطريقة بالخشبتين، ما تركوا الخشبة التي يأكلون بها، وبعض شبابنا إذا دخل مطعماً يستحي أن يأكل بيده، ولذلك يضطر يأخذ الشوكة ويضغط في الزيتونة تروح هناك، ثم يرجعها مرة ثانية يطعنها فتروح هناك، أخيراً يضطر يمسكها ويضربها هكذا ثم يدخلها فمه، ولهذا ليس بيننا وبين أن نصنع طائرة، وليس بيننا وبين أن نصنع مفاعلاً نووياً، وليس بيننا وبين أن يوجد عندنا قنبلة نووية نهدد بها العالم كما يهددوننا إلا أن نلبس بنطلوناً وقميصاً وكرفتة، وليس بيننا وبين أن نسابق على التسلح الذري وحرب النجوم إلا أن نضع هتفون ونسمع الدسكو في الأذان، وليس بيننا وبين أن ننافس على عالم الاتصالات إلا أن نضع الدش ونستقبل البث وبعد ذلك نصل إلى قمة الحضارة..!

    مصيبتنا أننا استوردنا أخس ما عند الغرب، وقل فينا من استفاد من أفضل ما عند الغرب، ولذلك الآن أغلب الذين سافروا إلى الغرب لو أن كل شباب المسلمين والعرب الذي سافروا إلى الغرب رجعوا مخترعين، صناع قنابل نووية، صناع متفجرات، وأسلحة، وقاذفات، وراجمات، ومخترعين في عالم الإلكترونيات والاتصالات لأصبح عندنا ثورة صناعية نهدد بها الغرب كما يهدوننا.. لكن للأسف نعود بشهادات كرتونية اسمه فلان بن فلان، يحمل كذا في التخصص النووي أو يحمل كذا في التخصص الإلكتروني ولو يخرب الراديو ما يعرف يصلحه، ولو تريده أن يعطينا مفاعلاً نووياً ما صلح، نريده أن يطور لنا سلاحاً لكي يصبح من أسلحة الدمار الخطيرة ما عرف.

    الأمة الإسلامية يا إخوان بحاجة إلى أن تدخل في النادي النووي الذري، هناك نادٍ اسمه نادي النواة أو نادي الذر، ما معنى النادي النووي الذري؟ يعني أي دولة تملك قنبلة نووية تهدد بالسلاح الذي تهدد به، وقديماً كانت روسيا وأمريكا كل منها يملك عشرات الآلاف من الرءوس النووية التي لو أطلقت إحداها على الأخرى عشرة لانطلق في الاتجاه المضاد ما يكفي لدمار العالم، كان الروس يعلمون أنهم لو أطلقوا من بعض الجمهوريات الإسلامية حالياً -التي كانت تحت الاتحاد السوفيتي - بعض الرءوس النووية لكان الرد من نيويورك أو من واشنطن أو من بعض مناطق الصواريخ أو منصات الصواريخ الأمريكية كافياً لدمار الدولتين، ولذلك ما الفائدة من أن تطلق روسيا سلاحاً النتيجة الطبيعية أن تطلق أمريكا في المقابل سلاحاً مثله فتنتهي الدولتان؟ فكانت كل دولة تحترم الدولة الثانية ولا تتجرأ عليها أبداً لأنها تعرف لو قهرتها بالذرة تلك تقابلها بالذرة، لو فجرت فيها قنبلة نووية تلك تقابلها، ولذلك لماذا الضجة على باكستان ؟ لماذا الضجة على المفاعل النووي الإسلامي الباكستاني؟ لماذا؟ قنبلة إسلامية يمكن يوماً ما تفجر في اتجاه أوروبا أو أمريكا .

    إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تملك القنبلة النووية في منطقة الشرق الأوسط، وتسمى منطقة الشرق الأوسط تباعاً للتسمية الغربية وإلا هي منطقة فلسطين ، أرض الآباء والأجداد، مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن قالوا يقول الغرب: نحن لو قلنا فلسطين لكنا معترفين بأننا اغتصبنا الأرض من المسلمين وبهذا نعيد لهم الرجوع والأماني في استردادها، وتسمى -أيضاً- بمنطقة الشرق الأوسط حتى تكون تسمية متوازنة لا تحرج أبداً، لا فيها اعتراف بحق للمسلمين ولا فيها إحراج للآخرين، والآن أصبحت بعض الدول تسميها إسرائيل صراحة، وعلى أية حال سيأتي ذلك اليوم الذي ترد فيه فلسطين.

    يقول أحد المفكرين: كنت ذات يوم أستمع إلى صوت تل أبيب من إسرائيل أو من فلسطين ، يقول: كان السائل مسلماً ويقول لمدير البرنامج اليهودي الإسرائيلي: يقول: قلت له: اعلم أننا في ديننا حديثاً يقول: (تقاتلون يهود فتنتصرون عليهم حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم.. ورائي يهودي تعال فاقتله) فبماذا رد المذيع؟ قال: أولاً: أنا لست من خبراء الأديان، ثانياً: لا أعرف صحة هذا الحديث الذي تقول، ثالثاً: لو قدرت صحة هذا الحديث فلسنا نحن اليهود الذين نقاتل ولستم المسلمين الذين يقاتلوننا؛ لأن المسلمين الذين يقاتلوننا سيكونون مسلمين من نوع آخر، مسلمين همهم الإسلام، قضيتهم الإسلام، الإسلام في عقولهم وأسماعهم وأبصارهم ليل نهار.

    فقضية الذين لا زالوا مولعين بالغرب بماذا يولع بعضهم؟ تجده مولعاً بالصرف الإلكتروني، بالخدمات الفندقية، بالريمونت كنترول، بالفيديو، بأشياء من قصور الحضارة، بكماليات تافهة لا تقدم ولا تؤخر، حتى التقنية ربما بعضنا اشتراها ولم يعرف يستخدمها، نحن في تخلف علمي عجيب وغريب جداً، ونسأل ونقول: أين الخلل؟

    العالم يتجه إلى تطوير مناهج تعليمه، ونحن نحتاج إلى أن نطور مناهج تعليمنا حتى تكون عقول أبنائنا وبناتنا مواكبة لآخر ما وصل إليه العالم في شأن العلوم والتقنية والصناعة.

    أما أن نقول للذين يحتقرون الحضيرة الغربية متخلفين، وأنت يا حبيبي ماذا قدمت أيها المطور المتقدم؟ ماذا قدمت يا صاحب الذرة؟

    لا ذرة ولا شيء مثل ما قال أحدهم، فمرة كنا في نادي الهلال في محاضرة قدمت فيها للشيخ عائض القرني ، فجاء سؤال للشيخ عائض ، يقول السائل: يا شيخ.. أنتم منذ سنين وأنتم تتكلمون عن صحيح البخاري وفتح الباري والروض المربع وما صعدتم القمر. فقال له الشيخ عائض : وأنت لا صعدت القمر ولا قرأت صحيح البخاري . يعني: هؤلاء الذين ينتقدون المتدينين على الأقل المتدين قد حصل دينه، أما هذا الذي ينتقد المتدين فلا دنيا ولا دين، لا صناعة ولا علم، لا شريعة ولا تقنية، لا اتصالات ولا أصول فقه.

    فهذه عقدة ينبغي أن تزول من كثير من الذين لا زالوا معجبين بالغرب، لكن مثل ما قال بعضهم، سأله واحد من هؤلاء المعجبين بالغرب قالوا له: ما هي مؤهلاتك يا شاطر؟

    قال: أنا والله معي سادسة ابتدائي وأعرف واحد في أمريكا .. هذه المؤهلات.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    ولا أود أن تقولوا جاء الشيخ فأخذ وقت المحاضرة إلى المغرب، ثم جاء يتحدث بعد العشاء، ولولا ما سحبنا منه الميكرفون ما سكت، يا ليته سكت.. لا، نحن نسكت قبل أن تقولوا هذا، وكان صلى الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة، المهم أن نطبق ما سمعناه.

    أسأل الله أن يسعدكم وأن يوفقكم وأن يصلح ذرياتكم، وأن يجعل أولادكم وبناتكم قرة أعين لكم، وأن يملأ قلوبكم سعادة وحبوراً وفرحاً وطمأنينة، وأن يتوفانا وإياكم على طاعته إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.