إسلام ويب

الخوف والرجاءللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن تساهل العبد بذنبه مما يدل على عدم خوفه وخشيته من ربه، وإغراقه في الرجاء يدل على الأماني الكاذبة والأحلام الزائغة التي لا تجدي، وهو خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، ولابد للعبد أن يعيش في هذه الدنيا -كما قال ابن القيم- كالطائر: يعيش بجناح للرجاء وآخر للخوف ورأس هذا الطائر المحبة.

    1.   

    خوف عباد الله الصالحين

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أن حسن الظن والرجاء بمغفرة الله ومثوبته ينبغي أن يكون لعبد أخلص النية وأحسن العمل واجتهد في العبادة، أما العصاة المصرون على الذنوب والمستهترون بفعلها والمقيمون على الفواحش، فأي عمل صالح يرجونه ويحسنون الظن به، فلو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.

    أيها الأحبة في الله: إن كثيراً من أبنائنا، إن كثيراً من شبابنا، إن بعض المسلمين -هداهم الله- ليتساهلون بالذنوب والمعاصي إلى حد الإصرار المقيم والعمل المديم على المعاصي والفواحش والسيئات، دون تفكير أن يتوبوا أو يقلعوا أو أن ينيبوا إلى الله منها، فأولئك لو حادثت بعضهم وهو مصر مقيم على معصية الله قال: إني أحسن الظن بالله. والله لو أحسن الظن لأحسن العمل.

    خوف النبي صلى الله عليه وسلم من ربه

    إن المقيم على الذنب والمصر على المعصية لفي أشد الحاجة إلى ما يخوفه ويزجره عن التمادي، ويردعه عن الوقوع في الغفلة والشهوات المحرمة، ومن خاف ربه وخشي الله حق خشيته ما تجرأ على معصيته، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أشد الأمة خشية لربه يقول: (أنا أعرفكم بالله، وأشدكم خشية له) ويقول سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] فمن كملت معرفته بربه ظهر خوفه من الله، وأثَّر ذلك على قلبه، ثم انعكس على جوارحه بكفها عن المعاصي، وإلزامها بالطاعات، تكفيراً لما سلف واستعداداً لما سيأتي.

    قال صلى الله عليه وسلم: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنـزلة) ولكن اعلموا يا عباد الله! أن البكاء وحده ليس دليلاً على الخوف من الله، لكن حقيقة الخوف ترك العبد ما حرم ربه مع قدرته عليه، وإذا بلغ الخوف بالمؤمن هذه الدرجة انقمعت شهوته، وتكدرت لذته، فتصير المعصية المحبوبة للنفس مكروهة يبغضها القلب، وتكف عنها الجوارح، وكلما تمكن الخوف من الله في قلب المؤمن زادت مراقبة العبد ومحاسبته لنفسه.

    عباد الله! إن كثيراً من المسلمين لا يخافون الله حق خوفه، ولا يخشونه حق خشيته، أيغرهم إمهاله لهم؟ أم يظنون أن الله غافل عما يعملون سبحانه جل شأنه؟

    وبعضهم إذا وقع في معصية ولم تصبه عقوبتها، ولم ير أثرها في الحال؛ يظن أن المعصية بعد ذلك لا تضره، وهو بفعله هذا على حد قول القائل:

    إذا لم يغبر حائط في وقوعه     فليس له بعد الوقوع غبار

    وقد نسي ذلك المسكين أن بعض الذنوب -ولا حول ولا قوة إلا بالله- مما لا يرى العبد أثره وشؤمه إلا بعد عشر سنين أو عشرين سنة أو أربعين سنة، ترى بعضاً منهم لا يخشى ولا يخاف عاقبة السيئة وما اقترف من الخطيئة، والبعض يتقلب في لهوه وغفلته كأنما ضمنت له الجنة وقدمت بين يديه الرحمة والمغفرة، فأين هو من جيل الصحابة الراشدين والسلف الصالحين الذين بلغوا أعلى مراتب الخوف والخشية من ربهم؛ وما ذاك إلا لكمال معرفتهم بخالقهم.

    معاشر المؤمنين: تأملوا كتاب الله تروا كيف كان الملائكة المقربون الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، كيف كانوا يخافون من الله، كيف كانوا يخافون من خالقهم، يقول الله جل وعلا في وصفهم: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:50].

    أما نبينا صلى الله عليه وسلم وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، تقول عائشة رضي الله عنها: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قط مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى لهواته، إنما كان يتبسم، وكان إذا رأى غيماً وريحاً عرف ذلك في وجهه، فقلت: يا رسول الله! الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه مطر، وأراك إذا رأيته عرفت الكراهة في وجهك! فقال: يا عائشة ! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا) أخرجاه في الصحيحين .

    وكان صلى الله عليه وسلم يقول: (أما والله لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تندبون أنفسكم وتجأرون إلى الله).

    خوف الصحابة الراشدين من ربهم

    أما الصحابة رضوان الله عليهم وفيهم من شهد له الرسول بالجنة، وهم بالجملة من أثنى الله عليهم في كتابه؛ فخوفهم من جلال ربهم عظيم، لقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: [يا ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل] وكان رضي الله عنه يقول: [وددت أن أقدم على الله يوم القيامة لا لي ولا علي].

    وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل حذيفة أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل عدني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين) وكان رضي الله عنه يسمع الآية فيمرض فيعاد أياماً، وقرأ ذات يوم في صلاة الفجر: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [المدثر:8] فبكى ونشج نشيجاً عجيباً فعاده الصحابة أياماً في بيته من شدة ما أصابه من خشية الله وخوفه، وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء.

    وكان أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه يقول: [وددت أن كنت كبشاً فذبحني أهلي فأكلوا لحمي وحسوا مرقي] وقال عمران بن حصين : [يا ليتني كنت رماداً تذروه الرياح].

    ويقول علي بن أبي طالب : [والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما أرى اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً بين أعينهم أمثال ركب المعز، قد باتوا لله سجداً وقياماً يتلون كتاب الله، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، إذا طال القيام سجدوا، وإذا طال السجود قاموا، فإذا أصبحوا فذكروا الله عز وجل مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبتل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين].

    خوف التابعين من ربهم

    أما التابعون لهم بإحسان والسلف الصالح فلهم من خشية الله وخوف عقابه ما تهتز لذكره القلوب والأفئدة، كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، ويبكي حتى تجري دموعه على لحيته، وبكى ليلة فأبكى أهل الدار معه، فلما تجلت العبرة عنه قالت زوجه فاطمة : [بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين! مم بكيت؟ فقال عمر : ذكرت منصرف القوم من بين يدي الله تعالى فريق في الجنة وفريق في السعير، ثم صرخ وغشي عليه].

    و الحسن البصري رضي الله عنه بكى بكاءً شديداً وسألوه فتلى عليهم قول الله جل وعلا: وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا [الجاثية:33] وتلى أيضاً: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].

    فهذا خوف الملائكة وذلك خوف الأنبياء، وذاك خوف الصحابة والتابعين، ومنهم المعصوم، ومنهم من شهد له بالجنة فنحن أجدر وأولى بالقول منهم، فاخشوا الله حق خشيته، وتذكروا سطوته وأليم عقابه، واصحبوا -يا عباد الله- من يخوفونكم حتى تأمنوا، ولا تصحبوا من يؤمنونكم حتى تخافوا.

    معاشر المؤمنين: إن منزلة الخوف من الله جل وعلا قد تقهقرت في النفوس، وتراجعت في الأفئدة إلى حد عجيب جداً، ترى كثيراً من الناس يدفنون موتاهم بأيديهم ثم يخرجون من أبواب المقابر ضاحكين! وترى كثيراً من الناس يرون ما حل بالخلائق حولهم وتراهم في أكلهم وشربهم لاهين غافلين أفأمنوا مكر الله؟ أفأمنوا عقوبة الله؟ أفأمنوا سخط الله؟

    إن أمة من الأمم التي سلفت قد عذبت بذنب واحد من الذنوب، فكيف بهذه الأمة التي فيها أناس قد استجمعوا ذنوباً عظيمة، استجمعوا أكل الربا والسكوت على المنكرات، وبيع آلات اللهو والطرب، والتجارة بإفساد العقول والأفئدة، والتهاون بخروج المحارم، والسكوت عن كلمة الحق، وأمور كثيرة نسأل الله جل وعلا ألا يعذبنا بذنوبنا، وألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    المؤمن يعيش بين الخوف والرجاء

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    أيها الأحبة: اعلموا أن المؤمن كما أن خوفه من الله عظيم فله رجاء بالله كبير، فالرجاء والخوف جناحان يطير بهما -عباد الله- إلى منازل الخلود والنعيم في الآخرة، والرجاء هو اطمئنان وراحة في انتظار ما يحبه العبد ويشتاق إليه مع قيام العبد بتحصيل أسبابه، والمعنى: أن المؤمن يرجو النعيم في قبره والأمن في محشره، والجنة داراً مقيماً له برحمة ربه، مع بذله أسباب الفوز والفلاح وفعل ما يرضي الله وتجنب ما يسخطه؛ لأن الرجاء مرتبط بالعمل، أما الرجاء الذي لا يصحبه عمل صالح ولا يقترن به عبادة مخلصة فهو تمنٍ مجرد، وما ظنكم معاشر المؤمنين برجل يقول: أرجو أن يوهب لي ولد صالح ولم يتزوج، أو يقول: أرجو أن تنبت هذه الأرض عنباً ورماناً وهو لم يحرثها ولم يبذرها ولم يبذل أي سبب في إصلاحها، فلا شك أنكم تقولون: هذا مجنون لا عقل له.

    إذاً: فما تقولون في رجالٍ لا يشهدون الصلاة مع الجماعة، غافلون عن ذكر بهم وعبادة خالقهم، في ملهاة الغناء والطرب والمعاصي واللهو، منشغلون بذلك عن كل خير ومعروف، مجترءون بذلك على حدود الله ومحرماته، ثم إذا كلمهم واحد منكم وقال لأحدهم: أي عمل قدمت بين يديك؟ فرد عليه قائلاً: إني أرجو الجنة وأرجو رحمة ربي، وهو مصر على المعصية مقيم على الفاحشة، فهل يسمى قوله هذا رجاءً؟ لا والله، بل هذا هو التمني رأس أموال المفاليس الذي يصدر من العاجزين، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، ورحم الله القائل:

    ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها     إن السفينة لا تمشي على اليبس

    وعلى ذلك فالرجاء الصادق ينطبق على انتظار الجزاء والثواب بعد تمهيد أسبابه المرتبطة بفعل الطاعة وتجنب المعصية، وبعد ذلك ينتظر العبد التوفيق والهداية والقبول من الله سبحانه وتعالى، لقد ذم الله جل شأنه أقواماً هذا شأنهم، أقواماً يرجون بلا عمل فقال سبحانه وتعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا [الأعراف:169] وقال سبحانه: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف:35-36].

    وتأملوا قول الله جل شأنه في وصف عباده الراجين رحمته بصدق: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [البقرة:218] فجعل الرجاء بعد الإيمان وبعد الهجرة والجهاد.

    واعلموا -يا عباد الله- أن الرجاء محمود ومطلوب من العبد؛ بأنه باعث على العمل ومعين على تحسينه، بخلاف اليأس الذي هو مذموم وصارف عن العمل.

    عباد الله! ينبغي لكل مسلم أن يحسن العمل والرجاء والظن، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي -وفي رواية- فليظن بي ما شاء) وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله).

    1.   

    سعة رحمة الله ومغفرته للذنوب

    اعلموا -يا عباد الله- أن العبد المذنب إذا تاب وأقلع عن الذنوب والمعاصي فإنه يكون بأمس الحاجة إلى رجاء رحمة ربه وعفوه وغفرانه، إذ أن بعض العصاة والمذنبين يردهم اليأس والقنوط عن التوبة والإنابة، ولا شك أن هذا من كيد الشيطان ووسوسته.

    حينما يأتي الشيطان إلى العبد فيقول له: أذنبت وعصيت وفعلت ما حرم الله عليه فأنى لك بالتوبة؟! وكيف تدرك التوبة وقد فعلت ما فعلت وجنيت ما جنيت؟!

    ولا يزال الشيطان بالعبد يجعله يائساً من رحمة الله، ويقنطه من مغفرة ربه حتى يصل به إلى اليأس والقنوط، بل إن بعضهم قد يصل به الأمر مع الشيطان أن يقول له: اكفر بالله ثم أسلم لأن الإسلام يجب ما قبله ويمحو ما قبله. ومن يضمن للعبد المسكين أن يعيش بعد كفره إلى أن يجدد إسلامه؟ وليس للعبد في هذه المرحلة وفي هذه المعركة الرهيبة مع الشيطان إلا أن يجدد رجاءه وعزمه بالله.

    وعلى ذلك فالواجب على كل مسلم مهما كبرت ذنوبه ومعاصيه أن يتوب إلى الله توبة صادقة نصوحاً، ثم يكثر من الحسنات الماحية للسيئات، ثم يعظم رجاءه بربه ويحسن ظنه بخالقه، وليتذكر قول الله جل وعلا: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] وقول الله أيضاً: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد:6] وقول الله جل وعلا: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [التوبة:102] وقول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] وقول الله أيضاً: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70] وقول الله جل وعلا: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً [النساء:31] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على سعة الله ومغفرته لعباده التائبين الأوابين المقلعين عن الذنوب، النادمين على ما سلف، الكارهين أن يعدوا إلى المعصية كما يكره المرء أن يقذف في النار.

    وتذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: (سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يدخل أحدٌ الجنة عملُه، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).

    وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله علي وسلم قال: (يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم! قم فابعث بعث النار، فيقول: لبيك وسعديك والخير بين يديك، يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ يشيب المولود، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم وقالوا: يا رسول الله! وأيَّنا ذلك الواحد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، فقال الناس: الله أكبر! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، والله إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، والله إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبر الناس فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنتم يومئذ في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض).

    وقال ابن مسعود رضي الله عنه: [ليغفرن الله عز وجل يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر].

    وفي السيرة في قصة سبي هوازن أن امرأة جاءت تسعى بين السعي فوجدت وليداً لها فأخذته فضمته إلى صدرها، ثم ألقمته ثديها والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر، والصحابة ينظرون فقال صلى الله عليه وسلم: (أتظنون أن هذه تلقي بولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال النبي صلى الله عليه وسلم: لله أرحم بعبده من هذه بولدها).

    وفي الحديث (إن الله جل وعلا خلق مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة في الأرض؛ فبها يتراحم الناس والوحش والسباع والطير والبهائم، وادخر تسعاً وتسعين رحمةً لعباده يوم القيامة) فأقبلوا على الله -يا عباد الله- وأبشروا بمغفرة الله إن صدقتم العدل والعهد والوعد مع الله، أقبلوا إلى الله وجددوا التوبة واستغفروا الله كثيراً، أنيبوا إلى ربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له، بادروا إلى الأوبة قبل أن تبلغ الروح الحلقوم.

    1.   

    التوبة .. التوبة ياشباب!

    عودوا إلى الله يا شباب الإسلام!

    يا شباباً سلف منه ما سلف! يا شباباً مضى منه ما مضى! يا شباباً فعل في سفره ما فعل! يا شباباً اجترح في خلوته ما اجترح! أبشر بقول الله في آياته: إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38] فأنيبوا إلى الله، ربكم رحيم غني كريم، وهو غني عنكم يتودد إليكم يقول: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] إن رحمة الله لا يستعصي عليها ذنب، ولا تعجزها معصية، فأين العبد التائب؟ وأين العبد الأواب؟ أين العبد البكاء على خطيئته؟ أين العبد الأواه المنيب؟

    عودوا إلى الله يا شباب الإسلام! إن طريق الإسلام كله سعادة ولذة وراحة وطمأنينة، إن الاستقامة .. إن الالتزام .. إن الارتباط بالصالحين .. إن حسن العلاقة بالطيبين الصالحين من أسهل الأمور وأهونها، ومن أعظم الأسباب الميسرة للحياة السعيدة خلافاً لحياة المعصية والفواحش والآثام والكبائر فكلها قلق ونكد وحسرة.

    إن أهنا عيشة قضيتها     ذهبت لذاتها والإثم حل

    فيا شباب الإسلام، ويا أمة الإسلام! عودوا إلى الله الذي هو غني عنكم ويتودد إليكم، ويتقرب إليكم، يقول الله جل وعلا: (إذا تقرب إلي عبدي باعاً تقربت إليه ذراعاً، وإن أتاني العبد يمشي أتيته هرولة، وإن لقيني لا يشرك بي شيئاً بقراب الأرض خطايا لقيته بقرابها مغفرة) ذلك فيما سلف والله يعفو عنه، ذلك فيما مضى والله يتجاوز عنه، فعاهدوا الله من هذا المكان، في هذه الساعة، في هذه اللحظة، عاهدوا الله جل وعلا على ترك الذنوب وترك الإصرار على المعصية فإن الله غفور رحيم.

    وهنيئاً لعبد تاب إلى الله، في الحديث أن الله جل وعلا يدني عبداً من عباده يوم القيامة، والخلائق في الحشر واقفون، والناس ينظرون فيدنيه الله جل وعلا، ثم يكشف له سجله يقول الله: عبدي أتذكر ذنب كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: إي يا ربي والله أذكر. فيقول: إي عبدي أتذكر كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: إي يا ربي والله أذكر. فيقول: أي عبدي أتذكر ذنب كذا في مكان كذا في يوم كذا؟ فيقول: أي والله أذكر. فيقول الله جل وعلا لعبد -تغمده الله برحمته وأدركته التوبة-: يا عبدي! إن غفرتها لك وجعلتها حسنات. فيقول العبد: يا رب! إن لي ذنوباً ما رأيتها، أين هي؟ طمع العبد أن يراها حتى تجعل مع حسناته، وحتى تقلب من سيئات إلى حسنات، عند ذلك ضحك النبي صلى الله عليه وسلم، أو كما جاء في الحديث.

    فيا عباد الله: توبوا إلى الله، إن الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) الجنة قريبة إليكم يا عباد الله، الجنة سهلة ميسرة.

    يا سلعة الرحمن لست رخيصة     بل أنت غالية على الكسلان

    يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ     ـخطاب عنك وهم ذوو إيمان

    يا سلعة الرحمن سوقك كاسد     فلقد عرضت بأيسر الأثمان

    يا سلعة الرحمن سوقك كاسد     بين الأراذل سفلة الحيوان

    يا سلعة الرحمن ليس ينالها     في الألف إلا واحد لا اثنان

    فكونوا من خطاب ما عند الله، كونوا من أهل الشراء للجنة، كونوا ممن ينالون سلعة الله (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) وثمنها التوبة والإنابة والإقلاع والاستغفار وكثرة المداومة على الصالحات، والبعد عن السيئات بعد فعل الواجبات وترك المحرمات.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً [الكهف:58].

    أسأل الله العلي العظيم أن يمنَّ عليَّ وعليكم بالتوبة الصادقة النصوح.

    اللهم اهد شبابنا وردهم إلى الحق رداً جميلاً، اللهم أصلح أفئدتهم واهد قلوبهم، واحفظ جوارحهم.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم احفظ إمام المسلمين، وارفع اللهم إمام المسلمين، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على ما يرضيك يا رب العالمين!

    اللهم لا تفرح علينا ولا عليهم عدواً، ولا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، اللهم انصر المجاهدين، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم اقمع أعداء دينك أعداء الدين، اللهم ثبتنا على ما يرضيك إلى أن نلقاك، اللهم جنبنا أسباب سخطك، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.