إسلام ويب

التاريخ الأسود لليهودللشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن تاريخ اليهود تاريخ أسود، يحمل في طياته الإصرار على الذنب، والكفر بالله وبأنبيائه، وهم يدعون أن الأقصى مبني على أنقاض هيكلهم المزعوم، والعجيب أنهم يريدون إقامة الهيكل لنبي الله سليمان وفي نفس الوقت يطعنون في ذاته، وهذه هي طبيعة اليهود على مر التاريخ.

    1.   

    تاريخ اليهود وعقيدتهم الفاسدة

    الحمد لله رب العالمين الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [السجدة:7-9]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3]، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [المؤمنون:14-16]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيفما شاء وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب! صرف قلوبنا إلى طاعتك، وأشهد أن نبينا ورسولنا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا نهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أحبتي الكرام! ثبت في الأثر عن مجاهد أنه قال: ملك الدنيا أربعة: مؤمنان وكافران، أما المؤمنان فهما: سليمان بن داود عليهما السلام، وذو القرنين عليه السلام، وأما الكافران فهما: النمرود بن كنعان وبختنصر ، وحديثنا اليوم مع واحد من هؤلاء، نبي ابن نبي، زعم إخوان القردة والخنازير أنهم يريدون هدم الأقصى ليقيموا على أنقاضه هيكله، فما قصة الهيكل المزعوم؟ ومن هو سليمان؟ وما هي النعم التي أعطاها الله له؟ ثم مقارنة بين تكريمه في القرآن وبين سبه ولعنه في التوراة التلمود، التي حرفت بفعل فاعل، وقال ربنا فيها: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79].

    يزعم اليهود أن الأقصى الآن قد بني على أنقاض الهيكل، وأنه لا بد من إزالة الأقصى لإقامة الهيكل، ورغم أنهم يريدون إقامة الهيكل لنبي الله سليمان، إلا أنهم يطعنون في ذات سليمان، فهيا بنا جميعاً نستعرض تاريخهم الأسود؛ لنبين فيه عقيدتهم في الله، وعقيدتهم في رسل الله، وحالهم مع سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، لعلنا إخوتي الكرام! نستبين سبيل المجرمين، ونعرف العدو من الصديق.

    عقيدة اليهود في رسل الله وأنبيائه

    اليهود في توراتهم طعنوا في كل رسل الله وأنبياء الله، فلوط زنى ببنتيه زنى بمحارم، ونوح شرب الخمر حتى أخذت برأسه، وإبراهيم قدم زوجته للملك الظالم ليفعل بها الفاحشة ويتاجر في عرضه، وهارون عبد العجل من دون الله عز وجل، وعيسى تآمروا على قتله، وقتلوا يحيى وزكريا، أما النبي محمد صلى الله عليه وسلم فأنتم تعلمون ما صنعوا معه بعد خيبر، فقد قربوا له شاة مسمومة، وجاء الوحي ليخبر الحبيب عليه الصلاة والسلام بتآمرهم، فإن كانوا قد تآمروا منذ زمن على الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، فهم يتآمرون اليوم على شرعه، ويتآمرون اليوم على سنته: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [الكهف:5]، قالوا عن سليمان: إنه ساحر، وقالوا عن سليمان: إنه كان يعشق النساء وانشغل بعشقهن عن طاعته لربه.

    عقيدة اليهود في الله سبحانه والملائكة والجنة والنار

    أحبتي الكرام! هذا شأن اليهود مع أنبياء الله ومع رسل الله.

    أما إلحادهم في عقيدتهم في الله فنقرأ في كتاب ربنا: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا [المائدة:64]، قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181]، ألحدوا في الجنة والنار، فقالوا: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111]، وألحدوا في حق الملائكة حينما بينوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل هو عدوهم، فأنزل الله: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [البقرة:97]، ومن إلحادهم في النار قولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:80].

    1.   

    ذكر بعض النعم التي أنعم الله بها على سليمان

    أحبتي الكرام! لقد أنعم الله على سليمان بنعم عديدة.

    نعمة الفهم في العلم

    الأولى: أن الله عز وجل آتاه نعمة الفهم في العلم، وأعتقد أن سوء الفهم هو الذي مزق الأمة إلى فرق وجماعات، فالخوارج كفروا مرتكب المعصية بكبيرته من سوء فهمهم، والمرجئة قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة، فنزعوا العمل من مسمى الإيمان؛ لسوء فهمهم، والمعتزلة قالوا عن مرتكب الكبيرة: إنه في منزلة بين المنزلتين في الدنيا وفي الآخرة ومخلد في النار؛ لسوء فهمهم، والجبرية قالوا: إن العبد لا اختيار له، إنما هو كالريشة في مهب الهواء لا اختيار له وهو مسير، فلماذا يحاسبه الله؟ لسوء فهمهم، والروافض الشيعة الأشرار وقعوا في أصحاب سيد البشر عليه الصلاة والسلام؛ لسوء فهمهم، ولذا فأقول: سوء الفهم مشكلة الأمة؛ ولذلك الإمام البخاري يضع في كتاب العلم باباً يحمل هذا العنوان: باب الفهم في العلم، وليس حفظ النص هو المشكلة، المشكلة أن تفهم ما في النص، والأفهام تختلف؛ ولذلك انظر أخي الكريم! إلى تلك النعمة، يقول ربنا في حقها: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:78-79]، ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان إذا سئل عن تفسير آية يقرأ لها مائة تفسير، ثم يذهب إلى أحد المساجد ويسجد بين يدي ربه ويقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني! ويا مفهم سليمان فهمني!

    فالفهم رزق وعطاء وحكمة: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة:269].

    القصة كما جاءت في كتب التفاسير: أن رجلاً ترك غنمه فنزلت في زرع رجل بالليل فأفسدت عليه زرعه فتحاكما إلى داود عليه السلام، فقدر داود ما أتلفت بقيمة الغنم، وحكم بالغنم لصاحب الزرع تعويضاً له عما أتلفت، لكن عندما خرجا من عنده لقيهما سليمان فقال لهما: بم قضى بينكما أبي؟ قالا: بكذا، فعاد بهما وقال لأبيه: إني أرى فيها رأياً، قال: ما تقول يا بني؟! قال: أرى أن ندفع الزرع لصاحب الغنم، وأن ندفع الغنم لصاحب الزرع، أما صاحب الزرع فيأخذ الغنم ينتفع بأصوافها وألبانها وسمونها، وأما صاحب الغنم فيأخذ الزرع ويقوم بزراعته ورعايته حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحبها ويعود الزرع إلى صاحبه، فقال ربنا سبحانه: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79].

    وابن عباس على حداثة سنه يجلسه عمر مع كبار أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ممن شهد بدراً، فيقرأ على مسامعهم: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1] ثم يسألهم عما فهموا من السورة، فإذا بـابن عباس يفهم غير ما فهم الجميع، يقول: يا عمر ! أرى أن هذه السورة نعي من الله عز وجل للحبيب محمد، أي: إشارة إلى اقتراب أجله ودنو عمره ومفارقته للحياة، من أين فهم؟ من قول الله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [الحجر:98]، والاستغفار عادة يكون في ختام الشيء، فختام المجالس الاستغفار، وختام الصلاة الاستغفار، فإن الله عز وجل قد أمر نبيه بالاستغفار، إذاً: حياة النبي أوشكت على النهاية، وهكذا فهم ابن عباس من النص ما لم يفهمه الكبار.

    روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنها قال: (خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم) -والإمام البخاري يأتي بهذا الحديث كعادته في أكثر من موضع، ففي موضع في كتاب العلم يقول: باب الفهم في العلم، ثم يعود فيقول: باب الإمام يطرح المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من علم- فقال: (إن من الشجر لشجرة لا يسقط ورقها، مثلها مثل المؤمن، حدثوني ما هي؟ يقول ابن عمر : فوقع الناس في شجر البوادي)، والحديث في كتاب البيوع: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهو يأكل جماراً)، والجمار: قلب النخلة. يقول ابن حجر : وفيه جواز بيعه؛ لأن ما جاز أكله يجوز بيعه، ومن ثم أخرجه البخاري في كتاب البيوع، وهذا هو فقه البخاري في تبويبه وتراجمه كما قال العلماء، يسأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلم الإجابة. قال: (فوقع الصحابة في شجر البوادي فحدثتني نفسي أنها النخلة، ولكن منعني الحياء أن أتحدث في حضور أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام)، أدب يا عباد الله! صغير يوقر الكبير، رغم أنه يعلم، قال: كيف أتحدث في وجود أبي بكر وعمر وأبي هريرة وكبار أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ وقد دار في نفسي أنها النخلة ومنعني الحياء.

    والبخاري لفقهه بعد الباب مباشرة يأتي بباب: العلم يضيع بين الكبر والحياء، فإن كنت تستحيي فكلف غيرك ليسأل؛ ولذلك جاء بحديث علي بن أبي طالب يقول فيه: (كنت رجلاً مذاءً -أي: كثير المذي- فاستحييت أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن فاطمة زوجتي، فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام وأنا أسمع). يقول ابن حجر : فمن استحيا أن يسأل فليكلف غيره ليسأل، ورحم الله نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من التفقه في دين الله، فقد (جاءت أم سليم إلى رسول الله تسأله: هل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ قال: نعم إذا رأت الماء، فقالت أم سلمة : يا رسول الله! أوتحتلم المرأة؟ قال: ففيما يشبهها ولدها؟).

    أحبتي الكرام! أقول: قال ابن عمر : (حدثتني نفسي أنها النخلة ومنعني الحياء، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: إنها النخلة)، والسؤال الآن ما وجه الشبه بين المؤمن والنخلة؟

    كلهما نفعه ممتد، المؤمن نفعه بعد موته يمتد، والنخلة بعد خلعها نفعها يمتد، فكلها نفع، وهكذا المؤمن إن مات يترك علماً ينتفع به، ويترك ولداً صالحاً يدعو له، ويترك معهداً يخرج منه طلبة العلم، ويترك آثاراً، فهو في قبره ميت، لكنه في واقع الأمر ما مات؛ لذلك قال الشاعر:

    الناس من جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء

    فإن يكن لهم في أصلهم حسب يفاخرون به فالطين والماء

    ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء

    وقدر كل امرئ ما كان يحسنه وللرجال على الأفعال أسماء

    وضد كل امرئ ما كان يجهله والجاهلون لأهل العلم أعداء

    ففز بعلم تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء

    كان سلفنا يرحل، لكنه لا يرحل إلى ألمانيا أو إلى إيطاليا ليطلب الرزق في مجتمع المعاصي، هيهات هيهات! قال عليه الصلاة والسلام: (أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين)، والرحلة لا تكون إلا في طاعة، فقد كانوا يرحلون لطلب العلم، فهذا جابر بن عبد الله أحد أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم يسمع حديثاً، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (يحشر الناس حفاة عراة)، فقال: من الذي سمعه من رسول الله؟ قالوا: عبد الله بن أنيس قال: أين هو؟ قالوا: في أرض الشام، فـجابر في المدينة وابن أنيس في الشام، ويحزم جابر المتاع ويعد العدة ويركب الراحلة ويقطع آلاف الكيلو مترات؛ لكي يسمع حديثاً واحداً لرسول الله عليه الصلاة والسلام طلباً لعلو الإسناد، فيأتي إلى الشام ويطرق الباب فيقول عبد الله : من؟ فيقول: أنا جابر ، يقول: جابر من؟ يقول: صحابي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فيفتح ابن أنيس ويعانق جابراً ، وفي الحديث مشروعية معانقة المسافر. قال ابن أنيس : ما جاء بك يا جابر ؟! قال: يا عبد الله ! سمعت أنك سمعت حديثاً من رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول فيه: كذا وكذا، قال: نعم يا جابر ! سمعت ذلك أذناي، فعاد جابر يحدث بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام بسند عال عن عبد الله بن أنيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه رحلة لطلب العلم، فأين الذين يرحلون لطلب العلم؟ وأين الذين يجتهدون لتحصيل العلم؟ الأمة الآن تجتهد في طلب الدنيا!

    تعليم سليمان عليه السلام منطق الحيوان

    من النعم التي أعطاها الله لسليمان بعد نعمة الفهم في العلم: أن الله علمه منطق الطير، وفي قصة النملة معه دروس وعبر فضلاً عن حوار الهدهد، فيا ليتنا نستنبط الدروس من الآيات. يقول ربنا سبحانه عن قصته مع النملة: حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18].

    فإن سليمان لو شعر بالنملة وبأمة النمل ما داسها؛ لذلك قالت النملة: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18]، فكم من دولة عتيدة عظيمة جبارة تريد أن تبتلع دولة صغيرة، وكم من صاحب قصر داس على صاحب كوخ، وكم من رجل آتاه الله قوة فاستغل قوته في البطش والتعدي على من لا ينبغي له أن يتعدى عليهم، إن النملة لها حق الحياة، فلا ينبغي أن يصادر حقها في الحياة أبداً، ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ [النمل:18]، قال ابن القيم رحمه الله: هناك دروس مستفادة من كلام النملة مع بني جنسها.

    أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو أننا كنا بدلاً من النملة لتنحينا جانباً وتركنا الباقي ليقتل، لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر، لكن النملة أحبت لبني جنسها ما أحبت لنفسها، وهذا هو المعنى الغائب في معنى الأخوة، الأخوة ليست شعارات، الأخوة عمل وترجمة، انظر إلى حال السلف الصالح: رجل فقير يهدى إليه ذراع شاة، فيأخذ الذراع ويقول: أخي فلان أشد حاجة مني، فيطرق الباب ويعطيه، فيقول الآخر: أخي فلان أشد حاجة مني، فيعطيها إلى الثالث، والثالث إلى الرابع، والرابع إلى الخامس، وتنتقل ذراع الشاة بينهم حتى تصل إلى صاحبها الأول: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9].

    يقعون في أرض معركة فيحتضرون عطشاً، وكل يحتاج إلى قطرة ماء قبل موته ليشرب وهو معذور، الروح تخرج والعطش شديد، وإن شرب لا حرج عليه، يأتي الساقي إلى الأول فيقول له: خذ الماء واشرب فأنت الآن مفارق للحياة. فيقول: اذهب بالماء إلى أخي الذي بجواري فإنه أشد حاجة للماء مني، فيذهب إلى الثاني فيقول: اذهب إلى الثالث فالرابع! وهكذا مشهد يا ليتنا نعيش ذلك المشهد، حتى يصل إلى الأخير فيأمره أن يعود إلى الأول، فيأتي إلى الأول فيجده قد فارق الحياة، والثاني فارق الحياة، والثالث فارق الحياة، وهكذا ماتوا جميعاً دون أن يشربوا، لكنهم شربوا عند الله: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان:21]، فأين هذا المعنى يا عباد الله؟!

    النملة حريصة: يَا نداء، أَيُّهَا تنبيه، النَّمْلُ جمع، ادْخُلُوا أمر، مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ نهي، سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ خصصت وعممت، ثم أحسنت الظن بقولها: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18].

    سليمان تبسم ضاحكاً من قولها، والأنبياء كان ضحكهم تبسماً، تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: (ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً)، أي: ما رأيته يفتح فاه هكذا، ولم يكن يضحك بصوت مرتفع ولا بقهقهة، إنما كان ضحكه تبسماً عليه الصلاة والسلام. قالت: (ما رأيت النبي مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى لهواته)، واللهوات: في مؤخرة الفم، ونحن الآن نتنافس ونقول: المسرحية بها ثلاثة آلاف ضحكة. وكثرة الضحك تميت القلب، فيا ويل الذين يضحكون الناس بكذب، قال في حقهم النبي صلى الله عليه وسلم: (ويل له، ويل له، ويل له، قالوا: من يا رسول الله؟! قال: الذي يكذب الكذبة ليضحك الناس).

    أحبتي الكرام! كذلك في قصته مع الهدهد دروس وعبر، قال تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ [النمل:20]، وكلمة تَفَقَّدَ تشير إلى معنى: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، فيا من تملأ البطن، وتنام في بروج مشيدة، وتترك الفقراء لا يملكون طعاماً، سيسألك ربك عز وجل يوم القيامة، اسمعوا إلى قول عمر وهو في المدينة: لو تعثرت بغلة في العراق لسئلت عنها: لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا عمر ؟! إن البغلة في أمة الإسلام لها حق، فلا بد لكل ولي أمر أن يتفقد رعيته، فكم من مظلوم لا يجد من ينصره، وكم من جائع لا يجد من يطعمه، وكم من فقير لا يجد من يؤويه، وكم من يتيم لا يجد من يكفله. حدث ولا حرج يا عبد الله! كلهم أمانة في رقبة ولي الأمر يوم القيامة، وأنت في بيتك راع ومسئول عن رعيتك، فيا من تصلي في الصف الأول، ويا من تقرأ القرآن ثم تترك لبنتك حرية اختيار زيها، فتلبس البنطال وتخرج بعورتها المغلظة. اعلم أنك ستحاسب بين يدي الله يوم لقيامة.

    أحبتي الكرام! قال تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [النمل:20-21]، والمتهم برئ حتى تثبت إدانته، وهذا أصل شرعي، لكن الظلمة يوجهون الاتهام؛ لأن قلوبهم تحمل الحسد والحقد، قال الله سبحانه: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118]، آخر مقال لكاتب يهودي يكتب في صحيفة صهيونية: إن المقابل لضرب تلك الأماكن في الولايات المتحدة لم يشف غليلنا إلا أن تضرب الكعبة، ذلك الصندوق الأسود الذي يحاط بحوائط، حتى توجه المسلمون إلى خراب في خراب، أقول له: إن كنت عازماً على ما تقول فاقترب من بيت الله عز وجل، فستكون نهايتك كنهاية أبرهة الذي خرج من اليمن ليهدم بيت الله، وتخلى الجميع عن بيت الله، ولكن للبيت رب يحميه. قال سبحانه: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25]، وقال سبحانه: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ [الفيل:1-4]، فالحجارة في القديم كانت سبباً في نهاية أبرهة ، وستكون بفضل الله في العصر الحديث سبباً في نهاية إخوان القردة والخنازير، أسأل الله أن يثبت أطفال الحجارة، وأن يربط على قلوبهم، وأن يوحد جمعهم وأن يجعل الدائرة على أعدائهم.

    يقول سبحانه: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [النمل:21]، هكذا الراعي لا يعرف المجاملة، ولا يعرف المحسوبية، وكما يقولون في لغة الأرياف: (اضرب المربوط يخاف السايب)، فلو غاب الهدهد ولم يعذر لأصبح الأمر على مصراعيه يغيب متى شاء، فسليمان أعلن أنه سيعذبه حتى يفهم الحضور أنه لا ينبغي لأحد أن يغيب إلا بعذر، قال تعالى: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ [النمل:22]، جاء الهدهد واقترب من سليمان، مع أنه في ملك سليمان، لكنه أخذ يعبر عن رأيه، فلا تقنين للأصوات، ولا مصادرة للآراء، ولا حجر على صاحب فكر. قال الهدهد في بلاغة وحكمة وقوة شخصية: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل:22]، والآية فيها دليل على أن سليمان لا يعلم الغيب، فقد غاب عنه أن في سبأ امرأة تسجد للشمس من دون الله، كذلك لما توكأ على عصاه ومات تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ:14].

    ولما كان موسى في رحلته يبحث عن الخضر نام قليلاً وانفلت الحوت من يوشع ، فقال له: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا [الكهف:62]، ولو كان موسى يعلم الغيب لعلم أن الحوت قد خرج؛ لذلك نقول: الغيب لله رب العالمين: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الأنعام:59].

    فما بال أقوام يدعون علم الغيب؟ وتسمعون عن قراءة الفنجان التي يحضرها بعض طبقات المثقفين، ولعلكم سمعتم في الآونة الأخيرة عن امرأة خرجت في الإسكندرية، وهب لها من كل أنحاء مصرنا من يطلب العلاج والتداوي، ولو كان لهؤلاء عقيدة ثابتة لعلموا أن الذي يملك جلب النفع ودفع الضر هو الله سبحانه، لكنهم على شفا جرف هار.

    أيها الإخوة الكرام! قال الله تبارك وتعالى: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل:22]، والنبأ هو الخبر العظيم، إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ [النمل:23].

    قال الهدهد ذلك مستنكراً على الرجال أن تملكهم امرأة، وفي عصرنا تخرج علينا من تقول: الله ظلم النساء بعدم مساواتهن في الميراث بالرجال، أقول لها: رب العالمين يقول: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران:36]، والأحكام الشرعية التي يختلف فيه الرجال عن النساء كثيرة، فليس للمرأة أن تؤم الرجال في صلاة، وليس لها أن تؤذن، وليس لها كذلك أن تخطب الجمعة أو تخطب العيد، بل حتى في العقيقة للذكر شاتان وللأنثى شاة، بل في الشهادة كذلك الآيات بينة: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282]، يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، حتى في البول إذا تبول المولود قبل فطامه على ثيابك إن كان ذكراً ينضح، وإن كانت أنثى يغسل، فهذه أحكام يختلف فيها الرجال عن النساء، والله يقول: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ [النساء:32].

    وفي زمن الإحن والمحن، وفي زمان الفتن يريدون للمرأة أن تزاحم الرجل، فتكون عمدة أو قاضية أو مأذوناً يتولى عقد الزواج، وكل شيء فعلوه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، وليس هذا قدحاً في المرأة، فالمرأة خلقت لوظيفة سامية وعالية، هذه الوظيفة أن تربي الأجيال وتخرج النسل وتنشئ الشباب الذي يدافع عن المقدسات وتزرع فيه العقيدة، وانظروا إلى الصحابيات في زمان رسول الله عليه الصلاة والسلام، امرأة يموت أولادها الأربعة فتقول: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم جميعاً؛ تقول ذلك لأنها ربت رجالاً في المساجد، ولقد ضل أقوام زعموا أن الجهاد شعارات، فتركوا المساجد والجماعات، والقائل يقول:

    لا بد من صنع الرجال ومثله صنع السلاح

    لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح

    في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح

    شعب بغير عقيدة ورق يذريه الرياح

    من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح

    فأول طريق للالتزام على منهج الله أن تلتزم حدود الله وأوامره، وأن تستقيم على شرع الله: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112]، خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12]، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات:50]، وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133].

    أحبتي الكرام! الأمر جد لا هزل فيه، ولا ينبغي أبداً لنا أن نتقاعس عن التصفية والتربية، فذاك هو طريق السلف الصالح أن تصفي ثم تربي، وصدق من قال: كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة، فلن تجتمع الأمة إلا إذا كانت على عقيدة ثابتة راسخة، ثم بعد ذلك لا يهمنا.

    1.   

    عرض سريع لوقائع في غزوة الأحزاب ومقارنتها بالعذاب النازل على الأمم السابقة

    أختم الحديث بعرض سريع لوقائع في غزوة الأحزاب لوجه الشبه بينها وبين واقعنا اليوم.

    تآمر المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل قوى الشرك اجتمعت من كل فج عميق، فاليهود خرجوا إلى مكة وإلى المنافقين والمشركين، وجمعوا كل قوى الشرك؛ حتى يقضوا على الإسلام في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأني بهم اليوم يجتمعون أيضاً، لكن انظر يا عبد الله! جمعوا عشرة آلاف، والمدينة بأطفالها ونسائها ثلاثة آلاف، أي: لا قبل للمدينة بتلك القوى، فماذا كانت النتيجة؟ استشار النبي أصحابه، ونزل على رأي سلمان الفارسي ، فحفر خندقاً ليحول بين المشركين وبين دخولهم المدينة، وبينما هم يحفرون الخندق يقول أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم: كنا نرى النبي صلى الله عليه وسلم وقد ربط على بطنه حجراً من شدة الجوع، والتراب يعلو لحيته ورأسه صلى الله عليه وسلم، وإذا به ينظر إلى أصحابه فيجد الجوع في وجوههم، والتعب يبدو على ملامحهم، فيقول: (اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة).

    فيجيبونه:

    نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما حيينا أبداً

    فيا لها من روح معنوية مرتفعة! ويتضرع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه داعياً: (اللهم منزل الكتاب هازم الأحزاب) ، وظل يدعو عليهم دعاء تبتل كما دعا في بدر، فأرسل الله على قوى الشرك ريحاً، ولله جنود: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31].

    انظر يا عبد الله! فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا [الحاقة:5-7]، إن كنا لا نملك قوة فمعنا الحارس الذي لا يغلب، والقوة التي لا تهزم، والفئة التي لا تغلب، إن كان معنا الله فمن يملك لنا هزيمة! وكما قال ربنا سبحانه عن يوم بدر: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ [الأنفال:26]، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران:123]، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [التوبة:25]، فالكثرة يا عباد الله! لا تحقق نصر، والقلة كذلك لا تحقق نصر، إن الذي يملك مفاتيح النصر والهزيمة هو رب العالمين سبحانه وتعالى.

    نوح عليه السلام لم يؤمن معه من قومه إلا قليل، قال تعالى: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:10-12]، ودمر الله قوى الشرك على الأرض بالمطر، وبالماء، وبالريح، وبملائكة مع الحبيب محمد إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9].

    1.   

    منزلة سليمان عليه السلام عند اليهود

    سليمان عليه السلام هو الذي أعاد بناء المسجد الأقصى في سبع سنوات، وبعد أن أتم البناء بنى ما يسمى بالهيكل، والهيكل هو ما يسمونه ببيت الرب، أو بيت الملك، وبناه في ثلاث عشرة سنة، وكان الهيكل بخلاف موضع المسجد، أي: أن الهيكل في موضع، والمسجد في موضع آخر، واليهود يزعمون الآن أن الأقصى مبني على مكان الهيكل، فلابد من إزالة الأقصى؛ ليقام بدلاً منه الهيكل، وهذا زعم باطل مفضوح، فهم أساتذة في التحريف والتبديل، يقول ربنا سبحانه: وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75].

    فهم يحرفون مع سبق الإصرار والتعمد، أي: يحرفون بعد أن يعقلوا؛ ولذلك المؤولة الذين يؤولون الصفات فيهم شبه من اليهود، فهم يقولون: استوى بمعنى: استولى، أو اليد بمعنى: القدرة. فهؤلاء أسوتهم اليهود، فقد قال الله لهم: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ [البقرة:58] ماذا صنعوا؟ قالوا: قال تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [البقرة:59]، فلعنة الله على الكافرين والظالمين.

    أحبتي الكرام! رغم أنهم يريدون أن يقيموا الهيكل إلا أنهم يطعنون في صاحب الهيكل، والحقيقة أن قصة سليمان وربطها بالواقع مهم؛ وذلك لأن الهدهد داعية للتوحيد، فقد أنكر على القوم أن يعبدوا غير الله، والهدهد في رعية سليمان يعلم أن الذي يستحق العبادة هو الله وحده لا شريك له، فيا ليتنا نجد هدهداً نرسله إلى بعض فرق التصوف ليعلمهم التوحيد، إن فرقة التصوف الآن يقبلون الأعتاب ويطوفون في الأضرحة، ويدعونها من دون رب العالمين، والعجيب في الأمر أنك تجد يوم عرفة مليوناً ونصف مليون حاج، وفي ليلة البدوي الكبير ثلاثة مليون، يعني: من يذهب إلى طنطا أكثر ممن يرحل إلى عرفة، وإنا لله وإن إليه راجعون.

    أين التوحيد في الأمة يا عباد الله؟!

    انظروا إلى الهدهد ماذا يقول لسليمان: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ [النمل:24]، يعلل الحكم بقوله: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ [النمل:24]، والشيطان يزين لكل فرقة أنها على حق، فالخوارج عندما خرجوا على الإمام علي ظنوا أنهم على حق، والروافض الشيعة يظنون أنهم على حق، قال الشاعر:

    وكل يدعي وصلاً لليلى وليلى لا تقر لهم بذاك

    فكل واحد يقول: أنا أنا، لا. إن المنهج واضح بين، المنهج لا غبار عليه، تركها عليه الصلاة والسلام ناصعة البياض ليلها كنهارها، وإنما تشتت الأمة إلى فرق لسوء الفهم، أي: فهم النصوص الشرعية، ففي سورة البقرة يقول ربنا تبارك وتعالى: مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81]، فقد فهم الخوارج من هذه الآية أن العاصي مخلد في النار، فسوء فهم هذه الآية بمعزل عن فهم بقية الآيات والأحاديث.

    أين قوله صلى الله عليه وسلم: (أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، وعمل من الخير ما يزن ذرة، وعمل من الخير ما يزن برة، وعمل من الخير ما يزن شعيرة)، فكل يجتهد في فهمه ويفهم على حسب هواه؛ ليؤيد عقيدته الفاسدة.

    1.   

    قصة سليمان عليه السلام مع الجياد

    إخوتي الكرام! في هذه الآيات أيضاً بعض الدروس والعبر، لكني أنتقل سريعاً إلى قصة أدخلها من أدخلها بعمد في كتب التفسير، يقول ربنا تبارك وتعالى في شأن سليمان عليه السلام: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ [ص:31-33].

    من ملك سليمان عليه السلام: أن الله سخر له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب، وسخر له الجن يعملون بأمره، كما ذكر البخاري في كتاب الصلاة: باب ربط الأسير في المسجد، فالبعض قد يسأل: هل يجوز للمشرك أن يدخل المسجد؟

    الجواب: نعم، إلا المسجد الحرام؛ لأن فيه نصاً: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ [التوبة:28]، أما ما سوى ذلك فالنبي قد أسر رجلاً من بني حنيفة يسمى ثمامة وكان مشركاً فربطه في سارية المسجد النبوي.

    وبينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عرض له الشيطان فأمسك به. يقول: (فوجدت برد لعابه على يدي -صلى الله عليه وسلم- وكدت أن أربطه بسارية المسجد، ليلعب به غلمان المدينة، لولا أني تذكرت دعوة أخي سليمان: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ص:35]).

    سليمان عليه السلام خرج يتفقد الخيول، وانشغل بتفقدها ونسي صلاة العصر، وحدث هذا للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب لما انشغلوا بحفر الخندق حتى غابت الشمس، فقال: (شغلونا عن الصلاة الوسطى، أشعل الله في بيوتهم ناراً) ، والحديث عند البخاري .

    فلما انشغل بالخيل عن صلاة العصر حتى توارت الشمس بالحجاب -أي: غابت- قال: رُدُّوهَا عَلَيَّ [ص:33] فأعادوا الخيول إليه فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ [ص:33]، الإسرائيليات تقول: أخذ سيفاً وقتلها، وهذا كلام باطل؛ لأنه إفساد لمال لا ينبغي أن يكون، إنما الراجح من أقوال العلماء: أنه أخذ يمسح على رءوسها، فلابد من تنقية التفاسير من هذه الأشياء الدخيلة، كقوله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [ص:34] اقرأ في بعض الكتب، يقولون: إن سليمان ضاع منه خاتم الملك في البحر، واستولت الشياطين على الملك، وجامعت نساءه وهن حيض، فهذا كلام باطل لا ينبغي أن يكون في حق نبي.

    والقصة الحقيقية عند البخاري : قال سليمان: (لأطوفن الليلة على تسعين امرأة) وفي رواية: (مائة)، وأحمد عبد الوهاب حفظه الله رئيس إدارة هذه الجمعية له كتاب رائع أنصح بقراءته، اسمه تعدد نساء الأنبياء، وعقد مقارنة في عدد نساء كل نبي، وبين بالدليل أن أقل الأنبياء زواجاً هو النبي صلى الله عليه وسلم لعلهم يفقهون، يقول سليمان: لأطوفن على مائة امرأة كلهن يأتين بمجاهد يجاهد في سبيل الله، ونسي أن يقول: إن شاء الله، فطاف عليهن، والأنبياء رزقهم الله قوة، فلا ينبغي لأحد أن يقول كما يقول العلماني في أحد أعمدته: كيف سيعطي الله لنا سبعين من الحور العين في الجنة، ونحن لا نستطيع على واحدة أو أربع في الدنيا؟

    الجواب: أهل الجنة لهم هيئة تختلف؛ فهم لا يتبولون ولا يتبرزون ولا يصيبهم فيها حزن، والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث الكسوف يقول: (دنت مني الجنة)، أي: اقتربت الجنة من رسول الله، (حتى كدت أن آخذ عنقوداً من عناقيد عنبها، ولو أخذته لأصبح طعاماً لأهل الأرض جميعاً)، عنقود واحد لماذا؟ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة:25]، ليس له إلا الاسم.

    أقول: أحبتي الكرام! الصحيح في القصة أن سليمان لما نسي أن يقول: إن شاء الله لم تنجب إلا امرأة واحدة، وأنجبت نصف رجل، أي: عنده شلل نصفي، وألقي على كرسيه هذا الجسد، يقول الله سبحانه: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا [ص:34]، أي: هذا النصف، ثُمَّ أَنَابَ [ص:34] أي: عاد واستغفر الله عز وجل ورجع إليه.

    أحبتي الكرام! الحقيقة أن قصة سليمان فيها من الدروس والعبر الكثير والكثير، وأكتفي بهذا القدر حتى لا نشق على إخواننا.

    أسأل الله سبحانه أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وفي السر والعلن، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وجزاكم الله خيراً.

    والسلام عليكم ورحمة الله.