إسلام ويب

الغلوللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من القواعد المتفق عليها عند جميع أهل الملل أن الله تبارك وتعالى إنما شرع الأحكام لمصلحة العباد، ولذلك جاءت الشرائع كلها لجلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها، ولا تتأتى مصالح العباد إلا بأن يكون التشريع شاملاً لأضعفهم، ليكون متيسراً لجميعهم. ولا يتأتى طلب اليسر والسماحة إلا بالاحتكام لشريعة الله والامتثال التام لها وعدم رد أي حكم من أحكامها.

    1.   

    يسر الدين وسماحته

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    فمن القواعد المتفق عليها عند جميع أهل الملل: أن الله تبارك وتعالى إنما يشرع الشيء لمصلحة العباد؛ ولذلك جاءت الشرائع كلها لتحصيل المصالح وتكثيرها، وتقليل المفاسد وإعدامها ما أمكن، ولا تتأتى مصالح العباد إلا بأن يكون التشريع مشتملاً لأضعفهم، لا تتم المصلحة إلا بمراعاة الأضعف، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه: (يا رسول الله! اجعلني إمام قومي -إمامهم في الصلاة- قال: اذهب فأنت إمامهم واقتد بأضعفهم) لأن مراعاة الأضعف لا يضر القوي، ومراعاة القوي تضر الضعيف، فتحصيل المصلحة إنما تكون بمراعاة الأضعف؛ لأن القوي لا يؤثر عليه ذلك؛ إذ يستطيع تحصيل ما يحصله الضعيف، إنما لو كان الشرع على قدر القوي لضر ذلك الضعيف.

    لذلك كان من سمة ديننا اليسر الذي يستطيعه الأضعف، فقال تبارك وتعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] و(من) هنا للتبعيض، أي: لا يوجد بعض الحرج؛ لذلك إذا نظرت إلى الأوامر والنواهي ترى هذه الرحمة وهذا اليسر.

    قاعدة في الأوامر والنواهي

    كل ما نهاك الله عنه ففي إمكانك أن تنتهي عنه، وكل ما أمرك به ليس في إمكان الكل أن يأتمر به؛ لذلك الله يعذب الذي يفعل ما نهي عنه، ولو كان النهي ليس في طاقة العبد لما عذبه، إنما يعذبه على ما في مكنته وقد نهاه عنه، فجميع المناهي بإمكان العبد أن يتركها، أما الأوامر فهي كثيرة ومتنوعة، كل ما أوجبه الله على العبد بإمكانه أن يفعله، وكل ما ندبه إليه واستحبه له لا يفعله إلا قلائل.

    وتوضيحاً لهذا الكلام أقول: كل ما أوجبه الله أمر إيجاب على العبد، بمعنى أنه يعذب إذا لم يفعل، ففي إمكان العبد أن يفعله؛ إذ لا يتصور أن يأمره بما لا يطيق ثم يعذبه، فإن التكليف بما لا يطاق ليس من مذهب أهل السنة والجماعة، فإن الله تبارك وتعالى لا يأمر إلا بما في إمكان العبد أن يفعله، ولذلك كان فعل هذا النوع من الأوامر من أحب ما يتقرب إلى الله به، كما قال تبارك وتعالى في الحديث القدسي الذي رواه البخاري : (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه).

    إذاً: أفضل شيء تتقرب به إلى الله أن تفعل ما أمرت به على سبيل الفرض، إذاً ما أمرت به على سبيل الفرض والإيجاب الذي لا خيار لك في الترك، إنما لابد لك من الفعل، ففي إمكانك أن تفعل؛ لذلك يعذبك على الترك.

    والمناهي التي نهي العبد عنها نهي تحريم إذا فعلها العبد فإن الله يعذبه.. لماذا؟ لأن بإمكانه أن يمتنع.

    أما المستحبات التي لا آخر لها فإن العبد يثاب بقدر ما يفعل، ولا يؤاخذ مؤاخذة تقصيره في الفرض، وذلك ظاهر في قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي في تمامه: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) فهذا الحب هل هو وليد فعل الفرائض أم وليد فعل النوافل؟ في الأول قال: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) هذا هو الفرض الذي يجب أن يفعله، ثم قال تبارك وتعالى: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) إذاً هذا الحب وليد النافلة، هذا الحب ترتب على فعل النافلة؛ لأنه لا يتصور أن يكون هناك رجل مقصر في الفرض وهو مجد في النافلة، وإذا أردت أن تعلم مدى التزام العبد فانظر إليه في النوافل، إن رأيته على قدم وساق، فاعلم أنه يفعل الفرض كما أمر، فلا يتصور أن يتصدق إنسان وهو مدين، مدين ويتصدق؟! هذا غير متصور؛ لذلك كان تأدية النافلة علامة الالتزام، وهي التي استجلبت للعبد حب الله تبارك وتعالى.

    ولله المثل الأعلى، لو تصورت أن لك خادماً وتعطيه أجراً على هذه الخدمة، فكلما أمرته امتثل، فإنك تحبه، عاشرك هذا الخادم فترةً طويلة، وعرف مواقع غضبك ورضاك، ما تكره وما تحب؛ فصار يفعل لك الذي تحب، ويتجنب الذي تكره من غير أن تأمره، أتزداد له حباً أم لا؟ تزداد له حباً.

    حسناً!! لو افترضنا أنه إذا أمر بالأمر نفذ، وكنت فرضت له أجراً في الشهر كذا، فلو طالبك بزيادة على هذا الأجر نظير امتثاله لما تأمره به لقلت له: أجرك على قدر هذا الفعل. إذاً: أنت لا تعطيه زيادة على أجره، لأنك تعطيه الأجر على الفعل، إنما لو كان هذا العبد ذكياً، فصار يفعل الذي تحب من غير أن تأمره، حينئذٍ لو طلب منك زيادة فسوف تعطيه.

    فإذاً: يبلغ العبد رضوان الله تبارك وتعالى بفعل النافلة؛ ولأن النافلة واسعة جداً، ما يبحر فيها إلا قلائل؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (ما أمرتكم به من شيء فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عن شيء فانتهوا) لم يقل: فانتهوا ما استطعتم؛ لأن النهي في مكنة العبد أن يفعله، لكنه لا يستطيع أن يفعل كل ما أمر به، ولذلك في باب الأوامر قال: (فأتوا منه ما استطعتم) فهذا يدل على أن بعض الأوامر لا يستطيع الإنسان في كل أوقاته أن يفعلها، وهي الأوامر التي أمرت بها على سبيل الندب والاستحباب، فشريعتنا كلها سمحة، أما التعقيد الذي يعانيه بعض الناس فإنما هو بسبب انحرافهم، وإلا فاليسر كل اليسر في اتباع أمر النبي عليه الصلاة والسلام، هذا هو اليسر، إذا أردت اليسر فاتبع والزم.

    1.   

    النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من الغلو

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمره يلتزم الرفق واليسر، حتى لما أمر ابن عباس أن يلتقط له حصيات رمي الجمرات بـمنى ، ماذا قال له؟ قال له: (مثل حصا الخذف، وإياكم والغلو! فإنما أهلك الذين من قبلكم غلوهم في دينهم) تأمل هذا الحديث! تأمل هذا الأمر ما أجمله! قال لـابن عباس : (مثل حصا الخذف) حصا الخذف الذي هو بقدر حبة الفول، وأصل الخذف: أن تضع حصاة في النبل وترميها، فإنك إذا أردت أن تخذف، فستختار أصغر الحصيات، فلا يختار الإنسان طوبة كبيرة ليخذفها، فقال: (مثل حصا الخذف -بقدر حبة الفول- وإياكم والغلو) الغلو هنا في ماذا؟ في جمع الحصا، لا يعمد أحدكم إلى أن يختار حصا أكبر من حصا الخذف، فالذي يختار حجارة كبيرة قد أو قع نفسه في الغلو (مثل حصا الخذف وإياكم والغلو) يعني: بأن ينتقي أحدكم حصاة أكبر من حصا الخذف.. لماذا؟ لأنه إذا غلا في حصاة غلا في أمر آخر، وهكذا الغلو.

    آفات الغلو

    وأكبر آفات الغلو: أن ينظر الغالي إلى الناس من مكان عالٍ، فيراهم أقل منه، فيحتقرهم ويزدريهم، لذلك لا يغلو عبد إلا خرج من الهدي الصالح في آخر الأمر.

    جماعة التكفير هؤلاء، ما هي الآفة عندهم؟ يرى أحدهم أنه هو المسلم والكل كافر..! أهناك تزكية للنفس أكثر من هذا؟! مع أنهم -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - فيهم من الظلم والغلو أضعاف أضعاف ما في الذين يكفرونهم، يرى أحدهم أنه هو المسلم الوحيد، وكل من عداه كفره، وآخر أمره: تنظر إليه يخرج من دينه في النهاية، وأسوته في ذلك جدهم الأعلى ذو الخويصرة الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين- وقال: (يا محمد! اعدل، فإنك لم تعدل. قال: ويحك! ومن أحق أهل الأرض أن يعدل إذا لم أعدل أنا؟! خبت وخسرت إن لم أعدل. ثم تولى الرجل، فقال خالد: دعني أقتله يا رسول الله! قال: دعه، فإن له أصحاباً -وفي راوية- يخرج من ضئضئ هذا -الضئضئ: هو الأصل- أقوام يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد).

    والنبي صلى الله عليه وسلم بهذا القول يخاطب أبا بكر ، ويخاطب عمر ، ويخاطب علياً ، ويخاطب عثمان ، يخاطب السادة العباد، يقول: أيها العباد! إنه يخرج من أصل هذا رجال يعبدون الله أكثر مما تعبدون! يصلون أكثر مما تصلون! يصومون أكثر مما تصومون! يقرءون القرآن أكثر منكم! أكثر من أبي بكر وعمر! إي نعم، أكثر من أبي بكر وعمر ، مع أن الصحابة كانوا على الغاية القصوى من العبادة، ومع ذلك يخرج من أصل هذا أقوام أكثر اجتهاداً في الصلاة والزكاة والقراءة من هؤلاء الصحابة الأخيار.

    لكن ما نفعتهم هذه الصلاة، ولا كثرة الصيام، ولا ظمأ الهواجر، ولا قراءة القرآن، قال عليه الصلاة والسلام: (يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية) أرجو أن تتأملوا هذا التشبيه..! سهم يخرج من الرمية بهذه القوة، كم تكون سرعته؟! ليته إذ خرج من دينه خرج الهوينى، يمشي على مهل، لكنه يخرج من دينه بأقصى سرعة! فأين صلاته؟ وأين صيامه؟ وأين قراءته للقرآن؟! أين ذهبت؟! مع أن المفروض أن أمثال هذه العبادة تثبت العبد على دين الله، لكن ما نفعتهم، لماذا لم تنفعهم؟ بسبب الغلو الذي أخرجهم من الدين كما يخرج السهم من الرمية.

    وقد قال أحد السلف: (أخلص دينك لله يكفيك العمل القليل) فإن الله تبارك وتعالى يزن العباد بقلوبهم.

    الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا في كل أمورهم وفتاواهم يمشون على الجادة؛ لذلك وصلوا.

    والرسول عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه فقال: (بشروا ولا تنفروا، يسروا ولا تعسروا، وعليكم بشيء من الدلجة).

    ما هي الدلجة؟ الدلجة: هي الليل، إذا أردت أن تسافر فسافر ليلاً؛ فإن الأرض تطوى بالليل.

    وأنا جربت هذا، ولعل بعضكم جرب.

    في الليل المسافة تكون أقل.

    وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أراقب عدة مرات الساعة وعداد الكيلومترات أجد أن الفرق بين سير الليل والنهار نصف ساعة، هذا للذي يريد أن يسافر، لكن مقصود النبي عليه الصلاة والسلام، -أو من مقصوده- في هذا الحديث: (عليكم بالدلجة) أي: عليكم بقيام الليل، يعني: صلِّ والناس نيام تَصِلْ، كما أنك إذا أردت السفر تسافر ليلاً فتطوى الأرض لك، فإذا قمت بالليل طويت العبادة لك، وطويت المشقة، فتشعر بهذه اللذة؛ لأن في الليل الإخلاص، إذ لا يتصور أن يقوم مراءٍ منافق من سريره ولا يراه أحد، فيتجشم الوقوف أمام الله رب العالمين ليرائي؛ فلا يقوم بالليل إلا مخلص؛ لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (عليكم بشيء من الدلجة) لأن هذا هو الذي يناسب أول الحديث: (بشروا ولا تنفروا، يسروا ولا تعسروا.. وعليكم بشيء من الدلجة).

    إذاً: هؤلاء الخوارج الذين كفروا جمهور الصحابة، وكفروا عامة المسلمين بارتكاب الكبيرة، لسان حالهم يقول: نحن أبرار، نحن لا نرتكب الكبيرة؛ لذلك نحن مؤمنون وأنتم كفرة.

    ما معنى أن يكفر غيره بالكبيرة؟

    معناه: أنه لا يفعل الكبيرة، فرجل يبرئ نفسه من الإثم ويرمي به غيره ظالم معتد.

    لذلك خرج من تحت عباءتهم -أو شاركهم في بعض ما يقولون- جماعة أتوا فقالوا: إن الله يجب عليه أن يفعل الأصلح للعباد! انظر إلى الكلام! إن الله يجب عليه! من الذي أوجب عليه؟! وهل لأحد عليه حق.؟!

    إن الله يجب عليه أن يفعل الأصلح للعباد..!

    وهذا قول المعتزلة، وهذا كله بسبب الغلو.

    والجهمية الذين نفوا عن الله تبارك وتعالى صفاته فعلوا ذلك بسبب الغلو، فكل داء خرج من تحت عباءة الغلو.

    هناك مناظرة طريفة حدثت بين أبي الحسن الأشعري وبين شيخه أبي علي الجبائي رأس المعتزلة ، وأبو الحسن الأشعري رحمه الله كان رأساً في المعتزلة ؛ لكن بعد هذا المناظرة ترك مذهب الاعتزال.

    قال أبو علي الجبائي : إن الله يجب عليه أن يفعل الأصلح لعباده. فقال له أبو الحسن -وكان لا يزال على مذهب المعتزلة: أفرأيت إلى ثلاثة إخوة: أحدهم مات صغيراً قبل أن يحتلم، وكبر اثنان، فآمن أحدهما وكفر الآخر، فدخل المؤمن الجنة، ودخل الكافر النار. فقال: ما حالهم؟ قال: إن الله تبارك وتعالى يقول: إن الذي كبر وكفر استحق النار، والذي كبر وآمن استحق الجنة. وما حال الصغير الذي قبضته قبل أن يحتلم؟ قال: علمت أنه لو كبر لكفر، فدخل النار، فراعيت مصلحته فقبضته صغيراً، فحينئذ صاح الذي في النار وقال: يا رب! لم لم تراع مصلحتي؟! لم لم تقبضني صغيراً كأخي؟! قال: فانقطع أبو علي الجبائي ، وخرج أبو الحسن من المعتزلة؛ لأنه كلام متناقض على أصولهم، إذا كان الله يجب أن يفعل الأصلح لعباده فما هو الأصلح أن يدخل العبد النار؟!

    كل هذا بسبب الغلو، ولا تجد فُرقةً بين المسلمين إلا بسبب الغلو؛ ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو، فقال: (إياكم والغلو! فإنما أهلك الذين من قبلكم الغلو في الدين) ولذلك كان كلما خطب عليه الصلاة والسلام يقول: (خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم) لأنه كان هدياً قاصداً، ما فيه عنت؛ لذلك أسعد الناس هم المتبعون للرسول عليه الصلاة والسلام، لا يجدون على الإطلاق مشقة.

    قصة الثلاثة الذين تقالوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم

    ذهب ثلاثة إلى بيوت النبي عليه الصلاة والسلام يسألون عن عبادته، فلما سمعوا بعبادة الرسول عليه الصلاة والسلام كأنهم تقالوها، فقالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم غفر له ما تقدم من ذنبه!.

    ماذا يعني هذا الكلام؟ يعنون به أن رسول الله -عبد أو لم يعبد، جد أو لم يجد- مغفور له.

    فهم تقالوا عبادة الرسول عليه الصلاة والسلام، فماذاً يريدون؟ يريدون الغلو، لما تقللوا عبادة النبي عليه الصلاة والسلام قالوا: لن ننجو إلا إذا أخذنا على بعضنا مواثيق، أو على أنفسنا عهوداً، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، والآخر قال: وأنا أصوم ولا أفطر، والآخر قال: وأنا لا أتزوج النساء! قالوا ذلك لأنه لا يستقيم في نظرهم أن يدخل أحد الجنة إلا بهذا الجد!

    لكنه جد على غير طريق الرسول؛ أنى ذلك؟!

    فأول ما علم النبي عليه الصلاة والسلام راعه الأمر، ونادى المسلمين جميعاً وقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا؟! أما إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية).

    كيف يخطر ببالك أن تتقلل عبادة رسولك؟ فليس الأمر بكثرة القيام؛ إنما الأمر بالإخلاص؛ لذلك الله تبارك وتعالى يزن الناس بالقلوب: (رب صائم لا يأخذ من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم لا يأخذ من قيامه إلا النصب) فنهاهم عن ذلك.

    التشديد في العبادة وآثاره

    وانظر إلى أثر التشديد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، الذي رواه الشيخان وأحمد -والسياق لـأحمد - قال عبد الله بن عمرو بن العاص: (زوجني أبي امرأةً ذات حسب من قريش، وعبد الله بن عمرو بن العاص كان من المجدين في العبادة، فأول ما دخل بامرأته تركها وقام يصلي من الليل، فأبوه عمرو بن العاص رضي الله عنه خشي أن يكون عبد الله فعل هذا الأمر -قام الليل وترك امرأته- فذهب في الصباح يسأل المرأة: ما حال عبد الله معك؟ قالت: عبد الله نعم العبد لربه، لكنه لم يعرف لنا فراشاً، ولم يفتش لنا كنفاً، قال: فجاءني أبي فشتمني وعضني بلسانه، وأسمعني هُجراً -أي: كلاماً شديداً- وقال: زوجتك امرأة ذات حسب من قريش فعضلتها! ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكاه، فأرسل إليه، فقال: يا عبد الله ! كيف تقرأ القرآن؟ قال: أقرؤه كل ليلة -انظر الجد- كيف تصوم؟ قال: أصوم كل يوم -ما هذا؟! ما هؤلاء؟! يعني يبلغ به الجد أن يقرأ القرآن كل يوم، ويصوم كل يوم؟!- فقال له: اقرأ القرآن في أربعين -انظر اليسر، قال له: اقرأه كل أربعين يوماً مرة- قال: إني أستطيع أكثر من ذلك. قال: فاقرأه كل شهر. قال: إني أستطيع أكثر من ذلك. قال: فاقرأه كل جمعة. قال: إني أستطيع - يعني أقدر أكثر من ذلك- قال: فاقرأه في ثلاثة أيام. قال: إني أستطيع. قال: اقرأه في ثلاث، لا تقرأه في أقل من ثلاث، فإن من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه -لأنه سيقرأ بسرعة جداً، لا يفقه القرآن حينئذ- ثم قال: كيف تصوم؟ قال: كل يوم. قال: صم ثلاثة أيام من كل شهر. قال: إني أستطيع. قال: صم صيام داود ، صم يوماً وأفطر يوماً، يا عبد الله ! إن لأهلك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، ولضيفك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، فآت كل ذي حق حقه).

    ما الذي حصل؟ صار عبد الله بن عمرو بن العاص يقرأ القرآن كل ثلاث، ويصوم يوماً ويفطر يوماً أيام الشباب، ثم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن عمرو بن العاص مجد، لكنه، بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام بزمان كبر وشاخ، وصار لا يتحمل، لا يستطيع أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، لكنه لا يريد أن يقلل من عبادة تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، لا يريد أن يقل، فماذا قال؟ كان يقول: ( يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم ).

    شدد على نفسه، وكان بوسعه أن يقبل الرخصة، لكنه لما شدد على نفسه شقي بذلك وتعب، حتى إنه كان يفطر الأيام الطويلة المتتالية يتقوى، ثم يصوم بدلها سرداً -يوم وراء يوم- يفطر عشرة أيام، ويأكل لكي يقوي بدنه، بعد ذلك يصوم عشرة أيام متواصلة، لا يريد أن يكون أقل في العبادة عما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرأيتم إلى الغلو؟

    لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى).

    انظر إلى الكلام الجميل!

    رجل مستعجل، يريد أن يدرك أقرانه، هو راكب دابة، فمن شدة استعجاله ظل يضرب في الدابة حتى قتلها، فوقف مكانه، لا أرضاً قطع -لا هو مشى- ولا أبقى الظهر الذي كان يركبه، فلما قتلت الراحلة وقف..!

    هكذا الغالي، يظل يغلو حتى يخرج من الهدي الصالح، وهو هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤال الصحابة إياه خشية التشديد

    إن الحمد لله تبارك وتعالى نحمده، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (أيها الناس! إن الله فرض عليكم الحج فحجوا. فقام سراقة بن مالك فقال: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، قال: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، قال: أكل عام يا رسول الله؟ قال: ذروني ما تركتكم، إنما أهلك الذين كانوا من قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم) لو قلت: (نعم، كل عام) لوجبت عليكم كل عام، ولما استطعتم، (ذروني ما تركتكم) أي: طالما أنني تركتكم فاتركوني، لا يزال العبد يتنطع حتى يحرم الله تبارك وتعالى عليه ما كان أحله له قبل ذلك.

    أكل عام؟ سكت؛ يخشى أن ينزل الوحي (بكل عام)؛ فيصير هذا الرجل مجرماً في حق جميع المسلمين إلى قيام الساعة، قال صلى الله عليه وسلم: (إن أعظم المسلمين جرماً في المسلمين من سأل مسألة فحرمت لأجل مسألته) كانت حلالاً، كل المسلمين يستمتعون بهذا الحلال فقام شخص يسأل، فلا يزال يتنطع حتى يحرم الله ذلك الحلال، فيحرم المسلمون جميعاً منه، إذاً كأنه أجرم في حق جميع المسلمين إذ حُرم عليهم بعدما كان حلالاً، كل هذا بسبب الغلو والتنطع، لذلك ما من مصيبة تكون إلا بسبب الغلو.

    الرفق بالمسلمين

    قال الله تبارك وتعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] فهل نحن تأسينا بهذه الأسوة الحسنة حقاً؟!

    كان محسناً حتى إلى الدواب والأنعام.

    رأى عائشة رضي الله عنها تضرب جملها -وهي وصفته- قالت: كان جملاً صعباً بليداً لا يكاد يمشي، فلما رآها تضربه وتسبه قال: (يا عائشة ! إن الله يحب الرفق في الأمركله) حتى مع هذه الدابة..! فإذا كان هذا الدين العظيم يلاحظ الدواب ومعامتلها، فكيف بك أيها المسلم لا تلاحظ معاملة أخيك المسلم؟! دين عظيم يلاحظ معاملة الدابة! دين شفاف، دين متين! لكن المسلمين هم الذين حادوا عن الهدي الصالح؛ لذلك شقوا، وكانوا كما قال الشاعر:

    بإيمانهم نوران ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات

    بيده نوران، ليس نوراً واحداً، بيده كشاف، ومع ذلك كلما وجد نقرة وقع فيها، إذاً ما فائدة النورين؟ ما فائدة النور في يدك إذا كان لا يهديك إلى طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

    غربة الإسلام في هذا الزمان

    نحن في زمان استعرت فيه الفتن، نحن في زمان الغربة الثانية التي قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها: (إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) طوبى للغرباء الذين يقبضون على دينهم كما يقبض الإنسان على الجمر، أرأيت إلى رجل يمسك بجمرة وتحرقه، وهو مُصِر على أن يقبض عليها؟! ما معنى هذا الكلام؟ معناه: أن حياته في هذه الجمرة، معناه: أنه لو تركها لتلف، فهو يرتكب أخف الضررين، يحرق ويكابد، لكنه لو ترك لخرج من دينه، فيصبر على هذا، رجل يرى أن حياته في القبض على هذه الجمرة بالرغم أنها تحرقه، لكنه يصبر، يريد العقبى، هذا زمان الغربة الثانية الذي استعرت فيه الفتن، وخرج أناس وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن).

    الغلو والجهل أخطر الأدواء

    عندنا داءان من أعظم الأدواء كلها: داء الغلو، وداء الجهل. داءان يفتان في عضد الأمة، لا تتصور أن غلوك ورع.

    هناك فرق بين الورع والغلو، لكنه فرق طفيف جداً لا يدركه ولا يراه إلا أهل البصيرة والفقه، أرأيت إلى رجل يتوضأ فيغسل العضو عشرين مرة.. هل هذا ورع أم وسواس؟ وسواس، وليس هو بسبيل إلى الورع، الورع له ضوابط، إذا اختلت هذه الضوابط انتقل العمل من باب الورع إلى باب الوسواس.

    كما أن هناك فروقاً طفيفةً جداً، مثلاً بين الغيبة والنميمة وبين قول الحق، هناك فرق بين أن تغتاب الشخص وبين أن تذكره بما فيه تبصيراً للمسلمين، لكن لا يدرك هذا إلا أهل العلم.

    1.   

    سر عظمة الصحابة

    أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لماذا سادوا ووصلوا؟ كانوا لا يتعبدون بالخلاف، بل كانوا يتحاشون الخلاف ما أمكن، فإذا اختلفوا فكان الله تبارك وتعالى يقي شر هذا الاختلاف بإخلاصهم في طلب الحق، فإن التعبد بالخلاف جريمة، الصحابة ما كانوا يفعلون ذلك، ولذلك حدثت المواقف العظام التي لو حدث عشرها، بل عشر معشارها لطارت فيها رقاب الآن.

    سقيفة بني ساعدة يا لها من موقعة! يا له من موقف حدث للمسلمين بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام! كان النبي صلى الله عليه وسلم ملء السمع والبصر، ما كان أحد يتصور أن يعيش بدونه كما قال أنس بن مالك : (جاء النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجراً فأضاء منها كل شيء، فلما دفناه أظلم منها كل شيء) انظر إذاً واحد يعيش مع هذا النور، لا يتصور أن يعيش لحظةً بدونه، وفجأة فقده، فجأة صار يمشي ولا يراه، بالله كم تكون مصيبته..؟ إنها أعظم المصائب؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب) فإنك لن تصاب بأعز منه، ولا أجل منه، ولا أفضل منه، لن تصاب بأعز منه أبداً، فتصور الذين عاشروه وعايشوه ورأوه، فجأة فقدوه..

    كانوا إذا ادلهمت عليهم الخطوب ذهبوا إليه فسألوه، الآن مات عليه الصلاة والسلام ولم يفصل في المسألة من يكون الخليفة من بعده، وارتدت العرب، وبدأ الناس يتفلتون، واختلف المهاجرون والأنصار في من يمسك هذا الأمر، فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، الأنصار يقولون: نحن أولى بهذا الأمر، نحن أهل النصرة وأهل الدار والإيمان. وأبو بكر يقول: بل نحن الأمراء وأنتم الوزراء. ومرت ثلاثة أيام، تركوا النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام لا يدفنونه بسبب هذا الأمر، ما دفنوه ثلاثة أيام؛ بسبب اختلافهم.

    كان يمكن أن تطير فيها رقاب، لا سيما مع حرص الناس على الإمارة، وهذا شيء مفطور في الإنسان.

    واختلف المهاجرون والأنصار، وظلوا يختلفون ثلاثة أيام، حتى جاء عمر بن الخطاب مع أبي بكر الصديق إلى سقيفة بني ساعدة، وكان أبو عبيدة بن الجراح معهما، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: بل نحن الأمراء وأنتم الوزراء، إني اخترت لكم أحد هذين الرجلين: عمر أو أبا عبيدة بن الجراح . قال عمر : فأخذت بيد أبي بكر فقلت: ابسط يدك فلأبايعك. فبسط يده، فبايعته فبايعه الناس، قال عمر -وقد وصف هذا الذي حدث-: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها؛ لماذا؟ لأن الكل مخلص في طلب الحق.

    1.   

    بين التيسير والتفريط

    إن الرسول عليه الصلاة والسلام هو الأسوة الحسنة، وما شق على أمته يوماً ما، بل لما علم أن معاذ بن جبل يطيل على المسلمين في صلاة العشاء قال: (أفتان أنت يا معاذ ؟! هلا صليت بالشمس وضحاها، وبالليل إذا يغشى؟) ويقول: (إني لأدخل في الصلاة فأريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فيها رحمة بأمه) كل تشريعه رقة ويسر، وليس معنى هذا أن الواحد يترك الواجبات ويقول: إن الله غفور رحيم.. لا، إنما يكون اليسر بالاتباع، تصل إلى اليسر باتباعك للرسول عليه الصلاة والسلام.

    إياك -أيها المسلم- أن تضع أحداً في مقابله! فإنه لا يوجد أحد يزنه، ما هناك أحد يوضع أمامه في الميزان عليه الصلاة والسلام، فكيف ترضى بالدون؟! أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة:61].

    طلب اليسر بالتحاكم إلى الكتاب والسنة

    لقائل أن يقول: ما قلته حسن وجميل، ولكننا نريد أن نصل إلى هذا الهدي -هدي النبي صلى الله عليه وسلم- فكيف لنا به؟ كيف نستطيع أن نصل إلى هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى نرى اليسر في عبادتنا، بل في حياتنا؟

    الجواب: يجب علينا أن نرد مشكلات الحياة -وديننا يهيمن على الحياة، خلافاً لهؤلاء العلمانيين الذين يريدون أن يفصلوا ديننا عن الحياة- نرد جميع مشكلاتنا إلى الله ورسوله، والرد إلى الله والرسوله يكون بالرد إلى النص.

    إن كثيراً من الناس يزعمون أنهم يردون الكلام إلى الله ورسوله، وهم من أبعد الخلق عن النص، ولابد إذا وصلك النص من التسليم، وهذا شرط، كما قال تبارك وتعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [النساء:65] وهذا من المواضع القليلة التي أقسم الله تبارك وتعالى فيها بذاته العلية في القرآن الكريم، كقوله تبارك وتعالى: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ [الذاريات:23]، فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ [مريم:68] فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:92].

    فقال تبارك وتعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65]، أي شيء يتشاجر فيه اثنان لابد من الرد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن لم يرد فإن الله تبارك وتعالى أقسم ونفى الإيمان عنهم فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    هذه الآية نزلت -كما في الصحيحين- بسبب أن رجلاً من الأنصار تشاجر هو والزبير بن العوام على ماء كانوا يسقون به زراعتهم، أرض الزبير بن العوام مرتفعة، وأرض الأنصاري أخفض من أرض الزبير بن العوام، وأنتم تعرفون ما كان هناك أنهار، ولا كان هناك أنابيب، ولا شيء الماء يتجمع في مكان وبعد ذلك يحفروا له قنوات، فالشيء الطبيعي أن الرجل الذي أرضه مرتفعة هو الذي يسقي أولاً؛ لأن الأرض المنخفضة لو استوعبت الماء يبقى الذي في العالي لن يصل إليه ماء.

    الزبير بن العوام أرضه مرتفعة، والأنصاري أرضه منخفضة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك) فهذا الأنصاري قال للرسول عليه الصلاة والسلام: حكمت له أن كان ابن عمتك؟! بسبب أنه ابن عمتك جعلته يسقي أولاً!

    فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (اسق يا زبير ثم احبس الماء) قال الزبير : فنزلت الآية فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65] مع أن الاثنين حكموه، هاهو الصحابي أتى بـالزبير وحكموه، لكن مجرد التحكيم لا يكفي، ما زال هناك أشياء ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا [النساء:65] أي: ضيقاً في الصدر مِمَّا قَضَيْتَ [النساء:65] وليس هذا فقط، بل وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    كل إنسان يرفع خصومه مع آخر، قطعاً هو يريد الشيء؛ وإلا لو كان يعلم أن الشيء هذا ملك صاحبه ما كان اشتجر ولا رفع الأمر للسلطان.

    فكل خصمين يخرجان إلى ساحة القضاء كل منهم يظن أنه صاحب الحق، فبالتالي إذا حكم القاضي لخصمك يسوءك ذلك، فالله تبارك وتعالى قال: ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مما قَضَيت [النساء:65] يعني: إذا قضى لخصمك عليك لا يكون في صدرك حرج وضيق بسبب أنه قضى لخصمك عليك، ولا تبلغ تمام الإيمان بذلك، بل لابد أن تسلم تسليماً، التسليم يعني: أن يزول الحرج تماماً ويحل محله الرضا، كأنه حكم لك. مَنْ مِنَ الناس يفعل ذلك؟ إذا خصمه أخذ الأقضية فرح له كما لو كان هو الذي أخذها؟ مَنْ مِنَ الناس يفعل ذلك؟

    فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    1.   

    السنة النبوية وحي من الله إلى نبيه

    إن الله تبارك وتعالى جعل الرد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بلغنا نوعين من الوحي:

    النوع الأول: القرآن.

    النوع الثاني: السنة.

    لقوله تبارك وتعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4] أي: ما يتكلم، ما ينطق عن هوى نفسه، إنما الذي ينطق به وحي يوحى، فدل ذلك على أن السنة من الوحي.

    ومن أظهر الدلائل على أن السنة من الوحي: قوله صلى الله عليه وسلم: (إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه) أوتيت القرآن وأوتيت مثل القرآن مع القرآن، التي هي السنة؛ لأن السنة بالنسبة للقرآن بمنزلة المبين كما قال تبارك وتعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44] فلو أن السنة ضاعت ما استفاد الناس من كثير من لفظ القرآن، ولظل القرآن مجملاً في كثير من المواضع.

    الصحابة الذين هم العرب الأقحاح لم تدخل ألسنتهم عجمة، وكانوا أولى الخلق بإصابة الحق وفهم الكلام، كان هناك بعض آيات القرآن ما فهموها لولا أن النبي عليه الصلاة والسلام بين لهم.

    لما نزل قوله تبارك وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] فهؤلاء عرب أقحاح -كما قلت- لما سمعوا كلمة (ظلم) هكذا نكرة لأنه ليس فيها ألف ولام، و(ظلم) نكرة في سياق النفي تفيد العموم.

    إذاً أي ظلم يقع فيه العبد يخرجه من دائرة الأمن؟ هم هكذا فهموا الآية، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بأي ظلم كان -قليلٍ أو كثيرٍ- أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

    من الذي لم يخطئ؟ لا أحد: (كل بني آدم خطاء) إذاً: كل إنسان ارتكب الظلم.

    ولذلك فهموا أنهم ليسوا في دائرة الأمن؛ وشق عليهم ذلك، فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: (يا رسول الله! أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟).

    هؤلاء صحابة، لو كان أحد يصيب الحق لكانوا هم، ورغم ذلك لم يفهموا مراد الله من الآية، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: (ليس كما تفهمون، أولم يقل العبد الصالح -الذي هو لقمان - إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] فالظلم: هو الشرك)

    إذاً ببيان الرسول عليه الصلاة والسلام ظهر أن الظلم المقصود في آية الأنعام هو الشرك الأكبر، وليس المقصود به أي ظلم مثل ما الصحابة فهموا.

    فالبيان لابد منه؛ ولذلك السنة مهمة جداً بالنسبة للقرآن، لما نزل قوله تبارك وتعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] كان أحد الصحابة يأتي بخيط أبيض وخيط أسود ويضعه في أصابعه ويظل ينظر فيه، إذا ميز بينهما توقف عن الأكل، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابي الذي فعل ذلك: (إن وسادك لعريض -يعني: أنت عريض القفا- إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار) لكنه نظر، بادر إلى العمل على قدر فهمه.

    النبي عليه الصلاة والسلام قال لزوجاته رضي الله عنهن: (أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً) يعني يقول: إن أول واحدة ستموت بعدي منكن أطولكن يداً، فكن يقسن أيديهن بأيدي بعض، قالت عائشة : ( وما فهمناها إلا حين ماتت زينب رضي الله عنها ) أول من ماتت بعد النبي صلى الله عليه وسلم كانت قصيرة، فقصر الطول يستتبعه قصر الأعضاء، فعرفن أنه ليس المقصود بها اليد، إنما المقصود بها الصدقة (أطولكن يداً) أي: بالصدقة، فحينئذ فهموا.

    لكن الذي يأخذك ويأخذ بمجامع قلبك أنهم يبادرون إلى التنفيذ على قدر الفهم، فنحن عندنا السنة بمنزلة البيان بالنسبة للقرآن، القرآن فيه كثير مجمل: الصلاة، والزكاة، والحج، وسائر العبادات... أمر بإقامة الصلاة لكن لا نعرف كيف نقيم الصلاة متكاملة إلا من لفظ النبي عليه الصلاة والسلام.

    السنة من الوحي كما قال عليه الصلاة والسلام: (إني أوتيت القرآن ومثله) مثل القرآن السنة التي هي بيان القرآن وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ [النحل:44].

    الحديث الآخر الذي يدل على أن السنة من الوحي ما رواه الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (بينما سودة رضي الله عنها -وكانت امرأةً بدينة، طويلة، وسودة هذه زوج النبي عليه الصلاة والسلام- خرجت تقضي حاجتها إذ رآها عمر ، فقال: يا سودة ! انظري كيف تخرجين! فوالله ما تخفين علينا. فغضبت سودة ورجعت إلى النبي عليه الصلاة والسلام تشتكي عمر -وكان في بيت عائشة رضي الله عنها- قالت عائشة: فدخلت فقالت: يا رسول الله! أرأيت إلى عمر ، يقول كذا وكذا. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان في يديه عرق يتعرقه -الرجل الأمامية للشاة، الرسول عليه الصلاة والسلام يأكل اللحمة الملتصقة بالعظم- إذ أوحي إليه، فأخذه ما يأخذه من الوحي، وكان إذا نزل عليه الوحي في اليوم الشاتي شديد البرد يتصبب عرقاً) ، كما قال زيد بن ثابت : (وضع النبي صلى الله عليه وسلم ركبته على ركبتي، فنزل قوله تبارك وتعالى: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95] قال: فثقلت فخذه حتى كادت أن تُرض فخذي من ثقل الوحي).

    لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي كادت فخذ زيد بن ثابت تتهشم، وكان عليه الصلاة والسلام إذا أوحي إليه وهو يركب الناقة تبرك على الأرض، لا تستطيع أن تحمله وهو يوحى إليه، تضرب بجرانها على الأرض؛ لأنه وحي! كلام ثقيل! كله تبعات وتكليف!

    قالت: (فأخذه ما يأخذه من الوحي، ثم سري عنه، فقال لها: إن الله قد أذن لكن في قضاء حوائجكن) ونحن نعلم يقيناً أن هذه ليست آية، لكنها كلمات أوحي بها إليه، قال: (إن الله قد أذن لكن) مما يدل على أن الوحي يكون بالسنة أيضاً.

    إذاً: نحن عندنا وحيان: الوحي الأول: القرآن، والوحي الثاني: السنة.. فإذا أردت أن تصيب الحكم لابد أن ترد الأمر إلى الله ورسوله.

    1.   

    قواعد في فهم القرآن والسنة

    عدم صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته

    وهذه بدهية لا نطيل الكلام عليها لوضوح الأدلة عليها، لكن كيف نرد؟ إذا رددنا إلى الكتاب والسنة بأي طريقة نرد طالما اتفقنا على أن نرد إلى الكتاب والسنة؟

    نقول: إن العلماء يقولون: الأصل في الألفاظ الحقيقة، والأصل أيضاً الظاهر.

    ما معنى هذا الكلام؟ مثلاً لفظ (اليد) إذا سمعت لفظ (اليد) أول ما يخطر على بالك اليد التي لها خمس أصابع، يد الإنسان، لكن هذه الكلمة -التي هي كلمة (يد)- يمكن أن يكون لها معنى آخر غير اليد التي هي الراحة التي فيها خمس أصابع، يمكن أن تكون بمعنى النعمة مثلاً، كما لو قلت: فلان له علي يد، أي: له علي جميل.

    لكنك ما صرفت اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة، سياق الكلام هو الذي أخرجه.

    أنت لو سمعت كلمة (صوم)؛ شخص قال لك: إني صائم. أول معنى يخطر على بالك ما هو؟ صائم عن الأكل والشرب والجماع، الصيام الذي نحن نعرفه، لكن هل الصيام هو ذلك فقط؟ لا، أصل كلمة (صيام) يعني: الإمساك. كلمة (صيام) معناها: الإمساك عن أي شيء اسمه صيام.

    ألا ترون إلى قول مريم عليها السلام: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم:26] يعني: الصوم عن الكلام، ليس الصوم عن الأكل والشرب.

    ما الذي أعلمنا أن صيام مريم عليها السلام الذي هو الصيام عن الكلام؟

    سياق الآية، لكن لو كانت الآية: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [مريم:26] ووقفت على هذا، نفهم أن المقصود بالصيام: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع مثلاً، فلما أتممنا بقية الكلام عرفنا أن الصيام المقصود ليس هو الصيام المتبادر إلى الذهن، إنما هو صيام مخصوص.

    الأصل في الألفاظ الحقيقة، فلو قلت: سلمت على أسد -ونحن نعلم أن الأسد لا يسلم عليه- فإن سياق الكلام يدل على أنك تقصد: سلمت على رجل كالأسد.

    لذلك سياق الكلام إحدى القرائن الصارفة للكلام.

    يبقى الأصل في كلام الله ورسوله أن ينزل على الحقيقة، لا يصرف عن غير الحقيقة إلا بدليل؛ ولذلك أصابنا شر عظيم بسبب الحيدة عن هذا الأصل الكبير.

    ومن أشد الناس ضلالاً في هذا الصوفية أصحاب التفسير الإشاري كابن عربي ، وابن الفارض ، وابن سبعين ؛ فهؤلاء خرجوا عن ظاهر الشريعة وأصل الكلام فأحدثوا من الفساد ما لا يعلمه إلا الله!

    الروافض غلاة الشيعة الذين هم مثل أصحاب إيران الآن، ما هؤلاء كلهم روافض ليسوا شيعة فقط، يا ليتهم شيعة! الشيعي قديماً كان يقدم أبا بكر وعمر ويعظمهما لكن يقول: أنا أرى أن علياً أولى بالخلافة من عثمان ، إذا كانت المسألة هكذا تبقى خفيفة.

    لكن هؤلاء روافض يسبون أبا بكر وعمر ، ويزرون بالصحابة ويقولون: إن الصحابة جميعاً ماتوا على النفاق ما عدا ستة..!

    هؤلاء الروافض لما فسروا قوله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67] قالوا: يعني أن تذبحوا عائشة ! ما دخل البقرة بـعائشة ؟!

    افتح القاموس، هل تلاقي من مفردات كلمة (بقرة) أو من معانيها عائشة ؟!

    لأنهم روافض ويكرهون عائشة فلذلك قالوا: (بقرة) يعني: عائشة .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا [آل عمران:200] أبو بكر وَصَابِرُوا [آل عمران:200] عمر وَرَابِطُوا [آل عمران:200] عثمان وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200] علي !

    ما هذا الكلام ؟!

    من يفهم أن (اصبروا) هي أبو بكر ؟

    وهؤلاء صندوقهم لا ينتهي؟ يضع أحدهم يده في الصندوق ويخرج بحاجة ما الذي أدخل أبا بكر وعمر في الآية؟

    وبعض المنتسبين لـأهل السنة يريد أن يرد على الشيعة؛ فيفسر بعض آيات القرآن الكريم مثل ما هم يفسرون.

    يأتي محيي الدين بن عربي (وليس بمحي للدين، فإنه عمل فساداً عريضاً في هذا الدين) يفسر -أو يحرف- قوله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:6-7].

    أنت -أيها المسلم- إذا سمعت هذه الآيات تعرف أن الناس ينزلونها على الكافرين، هو قال: إن هذه الآيات نزلت في أهل الورع..! فهي لم تنزل في المسلمين فحسب، بل نزلت في المؤمنين الخلص.

    فماذا عن كلمة (كفروا)؟! أين تذهب بها؟!

    قال لك: (كفروا) يعني: كفروا إيمانهم؛ أي: غطوه، فحجبوه عن الناس خشية أن يحبط بالرياء.

    انظر إلى التحريف!

    يقول: (إن الذين كفروا) أصل الكفر هو التغطية، كما قال تبارك وتعالى: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ [الحديد:20] الذين هم الزراع؛ لأن الفلاح حين يزرع البذرة في الأرض يغطيها فيقال فيه: كفرها.

    وسميت الكفور كفوراً لأنها تكفر بالأشجار.

    وهذا مكان اسمه (كفر الشيخ) سميت كفراً لأن أصل الكفر: البيوت الكثيرة التي التفت حولها الأشجار فغطتها عن العيون، فلذلك كان اسمها كفراً، وسمي الليل كافراً لأنه يغطي نور النهار، وسمي الكفر كفراً لأنه يغطي الإيمان.

    فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة:6] أي: إن المؤمنين من أهل الورع الذين كفروا إيمانهم يعني: غطوه، فلا يظهرونه للناس خشية أن يحبط بالرياء.

    فماذا عن قوله تعالى: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6] ؟!! أين تذهب بها؟ قال: الإيمان أصله التصديق، فمهما هددهم الناس وتوعدوهم فهم لا يصدقون بذلك، ومصداقه قوله تبارك وتعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173].

    خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [البقرة:7] فلا يدخلها غيره.. انظر إلى التحريف!

    وَعَلَى سَمْعِهِمْ [البقرة:7] فلا يسمعون إلا منه.

    وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة:7] فلا يرون الباطل.

    وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:7] يعني: من الناس المخالفين لهم.

    انظر.. انظر إلى هذا الكلام! انظر إلى التحريف!

    ويزعم أن هذا هو التفسير المتين، وأنه هو الذي يفهم القرآن، وعلماء الشريعة هؤلاء علماء الظاهر الذين لا يفهمون شيئاً، إنما هؤلاء علماء الباطل أوالباطن كما يقولون.

    كل جناية عن الشريعة بسبب صرف اللفظ عن ظاهره أو حقيقته.

    ولذلك الجهمية الذين نفوا صفات الله تبارك وتعالى بدعوى التنزيه، يقولون -في تفسير قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] (يد الله) أي: قدرته أو نعمته..

    فهذا تحريف.

    انظر إلى النفي والإثبات في قوله تبارك وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] فنفى المثلية وأثبت السمع والبصر..

    إذاً: كل الصفات التي تثبتها تحت قوله تبارك وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] له يد وليس كمثله شيء، له سمع وليس كمثله شيء، له بصر وليس كمثله شيء، كل صفاته تحت قوله تبارك وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

    إذاً: نثبت لله يداً على الحقيقة، لكن كما يليق بجلاله.

    قال ابن قتيبة رحمه الله: ومن الأدلة على بطلان قولهم: (إن اليد بمعنى النعمة في القرآن) أن العرب إذا قصدت أن اليد بمعنى النعمة، فإنها إما أن تفردها وإما أن تجمعها، فتقول: فلان له علي يد أو أيادٍ -إما أن تورد اليد بالإفراد وإما أن توردها بالجمع- ولا يثنون اليد أبداً وهم يقصدون النعمة، لدينا المفرد والمثنى والجمع، خرج المثنى من الموضوع يبقى لنا الإفراد والجمع، فالعرب إذا أرادت اليد بمعنى النعمة إما أن تفرد وإما أن تجمع.

    ثم قال: اقرأ قوله تبارك وتعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ [المائدة:64] مثنى أو جمع؟ مثنى، قال: فذلك يدل على أن اليد على الحقيقة بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64].

    ابن قتيبة هذا أحد علماء العربية الأقحاح، رجل متضلع حتى النخاع، فيقول: إن العرب لا تعرف اليد بمعنى النعمة إلا في الإفراد والجمع.

    فالمبتدعة الذين أرادوا أن ينزهوا الله تبارك وتعالى فأخرجوا الألفاظ عن ظاهرها، كانوا معسكرين: معسكر نفى الصفة، ومعسكر رد عليهم وبالغ حتى شبه الله بخلقه.

    معسكر قال: ليس له يد، بل اليد بمعنى النعمة. والمعسكر الثاني رد عليه وقال: له يد مثل يدي هذه.

    والحق بينهما.

    ولذلك رحم الله القائل: إن المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً.

    المعطل -وليس المنزه- يعبد عدماً، والمشبه يعبد صنماً..

    ما معنى هذا الكلام؟

    المعطل: كلما تأتي له بصفة من صفات الله يعطلها مباشرة حتى لا يشبه الله بخلقه، يقول لك: لا، هو لا له يد، ولا له سمع، ولا له بصر، ولا له إصبع، ولا له قدم، ولا له أي صفة من هذه الصفات.

    أليس هو إلهاً؟! ما هي صفاته؟!

    يقول: لا سميع ولا بصير ولا قدير ولا شيء من هذا.

    إذاً يعبداً عدماً!

    لما عطل صفات الله تبارك وتعالى عبد العدم.

    والمشبه -الذي رد على المعطل لكنه تطرف في الناحية الثانية- يعبد صنماً؛ لأنه جعل من إلهه شبيهاً بخلقه.

    إنما الرجل من أهل السنة والجماعة يثبت ما أثبته الله لنفسه بلا كيف.

    وكان الجعد بن درهم -أصل واضع مذهب الجهمية ، الذي يعطل صفات الله تبارك وتعالى- كان يقول: إن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً. وهذه مضادة لصريح القرآن: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء:125] وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164] فكل من يقول: إن الله لم يكلم موسى تكليماً يكذب الله تبارك وتعالى.

    فطلبه خالد بن عبد الله القسري ، وكان هو الحاكم على العراق آنذاك، فجاءوا به فقال: أنت الذي تقول: إن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً؟! وحبسه، حتى جيء به في يوم عيد الأضحى مكتفاً مقيداً، ووضع تحت المنبر، وخطب خالد فيهم خطبة العيد، وقال: (أيها الناس! ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بـالجعد بن درهم ، فإنه يزعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً) ونزل فذبحه عند المنبر؛ فشكره علماء السنة جميعاً..

    لماذا؟ لأن الجعد عمل فساداً عريضاً.. لماذا؟ صرف اللفظ عن ظاهره بدعوى التنزيه.

    وكل شر مستطير إنما هو بصرف اللفظ عن ظاهره أو بصرفه عن الحقيقة.

    إذاً: الأصل في اللفظ أن يكون على ظاهره وأن يكون على الحقيقة، ما يصرف إلى غير الظاهر، ولا يصرف إلى غير الحقيقة إلا بدليل مستقل.

    إذاً: نرد إلى الله ورسوله، ولا نتجاوز ظاهر الكلام إلا بدليل آخر عن الله ورسوله.

    فمثلاً: لو سمعت حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً) (سباطة) أي: زبالة.

    فالرسول عليه الصلاة والسلام في إحدى الغزوات جاء على هذه الزبالة فبال قائماً.

    إذاً: هذا يدل على جواز أن تتبول قائماً، وأنه ليس فيه شيء.

    إذاً: أنت لا تخرج عن ظاهر الكلام إلا بدليل آخر يبيح لك أن تبول وأنت قاعد.

    ترى مثلاً حديث عائشة رضي الله عنها (ما بال النبي صلى الله عليه وسلم إلا جالساً) إذاً: هناك وضع آخر بخلاف الوضع الأول.

    إذاً: أحدهما صارف للفظ الآخر عن ظاهره، إذاً يحمل حديث عائشة رضي الله عنها على البيوت، أنه حين يكون في البيت لا يتبول قائماً؛ لأن السيدة عائشة لن تراه في الغزوات فهي كانت في البيت، ونقلت ما رأته في البيت، وحذيفة نقل ما رآه وهو معه في الغزوة.

    إذاً: فكل واحد من هذين الحديثين يعمل به في مكانه.

    إذاً: تجاوزنا ظاهر أحد الحديثين لأن عندنا نصاً آخر، وتجاوزنا ظاهر الآخر لأن عندنا نصاً آخر.

    لكن افترض أنه يوجد حديث واحد ولا صارف له، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أعفوا اللحى، وقصوا الشارب، وخالفوا اليهود والنصارى) فإن اللفظ لا صارف له عند جميع العلماء.

    إذاً: يبقى على ظاهره، لا يجوز أن تخالفه إلا بدليل آخر.

    الخاص مقدم على العام

    إذا كانت لدينا مسألة خاصة نريد تحرير الكلام فيها: لا نأتي بالأدلة العامة فنحتج بها على ذلك الخاص، بل لا بد من دليل خاص.

    مثال: قال الله تبارك وتعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة:3] الميتة هنا: لفظ يفيد العموم، يعني: جميع أنواع الميتة حرام، وجميع أنواع الدماء حرام.

    إذاً: هذا لفظ عام.

    هل جميع الدماء حرام؟ الجواب: لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أحل لنا دمان: الكبد والطحال) والكبد هي دم، والطحال هو دم.

    فإذاً: عندنا هذا الحديث خصص بعض أنواع الدماء من الآية الكريمة، وكذلك عندنا ميتة السمك والجراد، فهذه تخصص من الميتة الموجودة في الآية.

    فكيف نفهم الآية إذن؟

    حرمت عليكم الميتة إلا السمك والجراد، والدم إلا الكبد والطحال.

    أنا أقدم بهذا المثال لكي نصل إلى القضية التي ذكرتُها.. إذا كان هناك نوع محرم من الدماء، وجاء الإذن لك بأكل الدماء أو بشربها.. فلا تقل: أنا عندي الأمر العام بشرب الدماء!

    لماذا؟ لأن النهي جاء خاصاً، فهو يعمل في مكانه، والعام ليس بحجة على الخاص، إنما الخاص هو الحجة على العام، ولذلك خصصنا العام بالخاص، يعني الآية ليست عامة (حرمت عليكم الميتة والدم) خصصنا عموم الميتة بالحديث، وخصصنا عموم الدم بالحديث، فالمخصص هو المقدم دائماً.

    إذاً: إذا كانت هناك قضية خاصة لا تحتج عليها بالأدلة العامة؛ لأن هذا ليس من الرد إلى الله ورسوله، إذا سمعت قوله تبارك وتعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة:3] وقلت: ما هو حكم الدم الموجود في الفراخ بعدما نذبحها؟ فإننا نغسل الدجاجة أو البط ونجد دماً في العروق، ما هو حكم هذا الدم؟ والدم كثيره وقليله حرام.. لماذا؟ لأن الآية ما فرقت بين قليل ولا كثير.

    فما هو حكم الدم؟ نحن نريد دليلاً، نريد قول الله ورسوله في الموضوع، يأتي العلماء يقولون لك: إن هذا الدم معفو عنه.

    ما هو دليل العفو؟

    قوله تبارك وتعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145] إذاً: المحرم هو الدم المسفوح الذي يصب صباً، الذي ينزل من العروق مصبوباً، هذا هو الدم المسفوح، إذاً: الدم المحرم هو المسفوح، غير المسفوح معفو عنه.

    إذا كان متجمداً مثل الكبد -فهو دم متجمد وليس مسفوح- فقد خرج من الدم المحرم.

    كذلك الدم الموجود في العروق ليس مسفوحاً بطبيعة الحال؛ لأنه لا يصب، هو بقايا دماء موجودة في العروق.

    إذاً: لما رددنا إلى الله ورسوله على القواعد التي ذكرها أهل العلم أصبنا الحق.

    رد كل قول يخالف الكتاب والسنة مع احترام العلماء

    علماء المسلمين جميعاً يأمروننا بالرد إلى الله ورسوله، لا يحجزك عن الله ورسوله حاجز، لا عالم ولا غيره، لأن الرد إنما يكون إلى المعصوم عليه الصلاة والسلام، إنما العالم مهما جل قد يخطئ، قد لا يعرف وجه الحق في المسألة رغم جلالته، ألا ترون إلى مالك بن أنس رضي الله عنه وفحولته وجلالته؟

    روى البيهقي في سننه، عن ابن وهب ...

    وابن وهب هذا هو: عبد الله بن وهب ، الإمام المصري، العلم الفرد، وكان من تلامذة مالك .

    روى البيهقي في سننه، عن ابن وهب قال: سمعت مالكاً وسئل عن التخليل بين الأصابع -يعني وأنت تتوضأ تخلل بين الأصابع بإصبعيك، توصل الماء سواء كان أصابع اليدين أو أصابع الرجلين، أو البراجم- ما تقول فيها؟ فقال: ليس ذلك على الناس -يعني: لا يوجد أحد يعمله- قال: فقلت لـمالك : كيف تقول هذا وفيه عندنا سنة؟

    هل مالك لا يعرف السنة في تخليل الأصابع؟ نعم، لا يعرفها، أبى الله أن يجمع العلم في واحد، ولهذا كيف يتم عجز الإنسان؟ يتم عجز الإنسان بأنه ناقص مهما كان، ما جمع الله العلم كله إلا في الرسل؛ ولذلك قال الإمام الشافعي : (ما منا من أحد إلا وتعزب عنه -أي: تغيب- سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فمهما أصلت من أصل أو قلت من قول وكلام النبي صلى الله عليه وسلم على خلافه فخذوا بكلام النبي صلى الله عليه وسلم).

    فـابن وهب يقول لـمالك: كيف تفتي بهذا وفيه عندنا سنة؟ قال: وما عندك؟ قلت: حدثنا ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن فلان عن فلان عن المستورد بن شداد رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خلل بين الأصابع) فانظر إلى الإمام مالك! الإمام المنصف! يقوم يغتبط بهذه الفائدة ويفرح، لا يستنكف أن تلميذه رد عليه أو علمه، فقال: هذا حديث حسن جداً، وما سمعت به إلا الساعة. قال ابن وهب : فحضرته في المجلس بعد ذلك، فكان يفتي بسنية التخليل بين الأصابع.

    إذاً: أي عالم مهما كان فحلاً كبيراً تفوت عليه سنة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه واسطتك إلى معرفة الحق.

    أنت تلزمه إذا كان عالماً ربانياً، وإذا ظهر لك أن السنة في خلاف قول العالم تترك قول العالم وتمتثل قول النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن العلماء جميعاً قالوا لك ذلك.

    وهناك أرجوز لطيفة كثيراً ما أرددها لجمالها وحلاوتها وطلاوتها، لخص فيها صاحبها -رحمه الله تبارك وتعالى- هذا الكلام المبارك لعلماء المسلمين في وجوب ترك أقوالهم والالتزام بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حال المعارضة، إذ لا يجوز لأحد أن يضع في الكفة أحداً في مقابل النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال رحمه الله:

    وقول أعلام الهدى لا يعمل بقولنا بدون نص يقبل

    فيه دليل الأخذ بالحديث وذاك في القديم والحديث

    قال أبو حنيفة الإمام لا ينبغي لمن له إسلام

    أخذاً بأقوالي حتى تعرضا على الكتاب والحديث المرتضى

    ومالك إمام دار الهجرة قال وقد أشار نحو الحجرة

    كل كلام منه ذو قبول ومنه مردود سوى الرسول

    والشافعي قال إن رأيتمو قولي مخالفاً لما رويتمو

    من الحديث فاضربوا الجدارا بقولي المخالف الأخبارا

    وأحمد قال لهم لا تكتبوا ما قلته بل أصل ذاك فاطلبوا

    فانظر لما قال الهداة الأربعة واعمل بها فإن فيها منفعة

    لقمعها لكل ذي تعصب والمنصفون يكتفون بالنبي

    عليه الصلاة والسلام، كل علماء المسلمين، ليس من العلماء الأربعة فقط: أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، كل علماء المسلمين تبرءوا أحياءً وأمواتاً من مخالفة النبي عليه الصلاة والسلام، بأن تلتزم قول العالم بعد ما ظهر لك بجلاء أن قول النبي صلى الله عليه وسلم يخالف قول العالم، إذ أن الرد إنما يكون إلى الله ورسوله.

    ولذلك كان من ثمرات الذي يرد إلى الله ورسوله أنه يحيا حياة طيبة في الدنيا والآخرة كما قال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] ولا يحيا القلب إلا بالوحي، فإن الله تبارك وتعالى جعل الأمر على قسمين لا ثالث لهما، قال تبارك وتعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص:50]...

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.

    اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

    رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا.