إسلام ويب

الدفاع عن السنة [1، 2]للشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجب على كل عبد نطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يحقق معناها، ولا يتم تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله الله إلا باتباعه والعمل بسنته وقبول أحاديثه الصحيحة، ومحبته الصادقة قبل محبة النفس والمال والأهل والولد؛ وبهذا تنتصر الأمة على أعدائها، وتحتفظ بمكانتها.

    1.   

    تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله

    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.

    (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد -كما تقول عائشة رضي الله عنها- حتى جاءه الوحي، فرجع إلى خديجة رضي الله عنها يرجف فؤاده وقال: (لقد خشيت على نفسي). قالت: (كلا والله لا يخزيك الله أبداً) -وفي الرواية الأخرى: وهي في بعض نسخ البخاري- قالت: (كلا والله لا يحزنك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق) ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ، وكان امرأً قد تنصر، وقرأ وكتب الكتاب العبراني، فلما قص عليه النبي عليه الصلاة والسلام ما جرى له في غار حراء قال: هذا هو الناموس الأكبر الذي نزل على موسى عليه السلام، ثم قال: ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك، فقال عليه الصلاة والسلام: أومخرجي هم؟ قال: نعم، ما جاء رجلٌ بمثل ما جئت به إلا عودي)..

    يقول أبو عمرو بن العلاء : ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما جاء بدين الله عز وجل -وهو الإسلام- قال له ورقة هذه الكلمة التي تعد من أصدق ما قاله إنسان، جاء النبي عليه الصلاة والسلام فخالف كثيراً من أعراف العرب وأهواء الجاهلية، ولذلك رموه عن قوس واحدة، وجاء يقول لهم: (يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله؛ تفلحوا). فأبت العرب أن تقول هذه الكلمة، ورضيت أن تدخل في حروب دمرت اقتصادياتها، وقتلت أشراف الناس فيها، وسُبيت النساء، وكان العرب أصحاب غيرة، إذاً هم فهموا معنى: لا إله إلا الله، وما معنى أن يقول الواحد منهم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، لو كانوا لا يفهمونها كسائر جماهير المسلمين اليوم لقالوها، ولوفّروا على أنفسهم هذه الحروب المتطاولة، فقدوا كل شيء في هذه الحروب، فقدوا أنفس أنواع الرجال، فقدوا العقول الذكية الجبارة، وفقدوا أموالاً طائلةً كثيرة، وفقدوا نساءً وأولاداً وأطفالاً أيضاً.. كل هذا وهم يصبرون على منِّ الغلاصم ونهش الأراقم، ومتون الصوارم، والبلاء المتلاطم المتراكم، ولا يقولوا: لا إله إلا الله، لماذا؟ لأن هذه الكلمة معناها نبذ الأنداد التي كان الناس يعبدونها، معناها توحيد الكلمة: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف:67].

    كان العرب كما لا يخفى عليكم إن شاء الله تعالى يقرون بتوحيد الربوبية، ولا يجهلون أن الله هو الذي خلق الكون ودبر ورزق، وهو اللطيف الخبير، لكنهم أنكروا أن يكون إلهاً معبوداً: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5] وما هو العجاب فيه؟ تفرد بالزرق.. تفرد بالخلق.. تفرد بالتدبير.. تفرد بالإحياء.. تفرد بالإماتة؛ فمناسب جداً أن يتفرد بالألوهية، تفرد بكل شيء، وينكرون أن يكون إلهاً، وجاء النبي عليه الصلاة والسلام بتقرير هذه الحقيقة، وكان ما كان مما أشرت إليه آنفاً من الحروب المتطاولة، فليتنا نفهم كلمة التوحيد كما فهمها أبو جهل ! لو أن جماهير المسلمين اليوم فهموا كلمة التوحيد كما فهمها العرب الأوائل، حتى الذين ماتوا على الكفر منهم لتغير واقع المسلمين، أنت تقول وتردد خلف المؤذن يومياً: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

    أشهد: أرى؛ لأن الشهادة ضد الغيب، قال تعالى: عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الزمر:46] فإذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله؛ كأنك تقول: أنا أراه، فإذا تحققت لديك هذه الرؤية فلا يستطيع قلبك أن يقوى على مشهد العصيان أبداً، وفي الحديث: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله! أوصني، قال: أُوصيك أن تستحيي من الله كما تستحيي من الرجل الصالح من قومك) أنت لا تجرؤ على أن تأتي بالفاحشة أمام الناس؛ إنما العاصي يغلق الباب والنافذة، ويحسن الغلق، فإذا شعر أنه في مأمنٍ عصى ربه، أوصيك أن تستحيي من الله كما تستحيي من رجلٍ من صالح قومك، قد يجرؤ المرء على أن يعصي الله أمام فاجرٍ مثله؛ لكن أمام صالحٍ لا.

    فأنت إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، كأنك تقول: أنا أراه، والدين على ثلاثة أنماط: الإسلام والإيمان والإحسان، فالإحسان أخص من جهة أهله، وأعم من جهة نفسه، يعني: تخيل الإسلام والإيمان والإحسان في دوائر ثلاثة متداخلة، أكبر دائرة هي الإسلام، والدائرة التي تليها في الصغر وهي بداخلها الإيمان، والدائرة التي تليها وهي بداخلها: الإحسان، فإذا خرج من دائرة الإحسان وقع في دائرة الإيمان، وإذا خرج من دائرة الإيمان وقع في دائرة الإسلام، وإذا خرج من دائرة الإسلام فلم يبق إلا الفضاء الواسع، وهو الكفر، فكل محسن مؤمن ومسلم، وكل مؤمنٍ مسلم وليس بمحسن، لا يشترط أن يكون محسناً، وكل مسلمٍ لا يُشترط أن يكون لا مؤمناً ولا محسناً، كلما كبرت الدائرة كانت أخص من جهة أهلها، وأعم من جهة نفسها، المحسنون من جهة أهلها أخص؛ لأنهم أقل الخلق، ولكن هو مؤمنٌ ومسلم، فهو أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أهله، كذلك الإيمان.

    في حديث جبريل عليه السلام الذي رواه مسلم في حديث ابن عمر ، ورواه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنهم.. قال: (ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه) هو هذا معنى أشهد: أي أرى، أن تعبد الله كأنك تراه، ولكن ذلك متعسر، فإن لم تكن فإنه يراك. إن عجزت أن تكون محسناً في غاية الإحسان كأنك ترى ربك، وأنا معتقد يقيناً أن المرء إذا كان محسناً لا يجرؤ على العصيان أبداً، لا يقوى قلبه على العصيان، وتأمل في الصيام، يحقق أكثر الناس مرتبة الإحسان.

    قال الله عز وجل في الحديث الإلهي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به) ونحن نعلم علماً ضرورياً أن الصيام للعبد، بدليل أنه إذا لم يكن عُذِّب، فالصيام للعبد أيضاً، فلماذا خصص الله هذه الشعيرة وقال: (إنه لي) ألم يمر بك يومٌ شديد الحرارة كمثل هذا الشهر والذي سبقه، وكادت عنقك أن تنقطع من العطش، وأنت وحدك في البيت، والماء المثلج أمامك وتحمل الماء، ويقترب الماء من فمك، ومع ذلك لا تجرؤ على الشرب، لماذا؟

    مع أن المرء قد يرائي في الصلاة، وقد يرائي في الزكاة، وقد يرائي في الحج!! لكن في الصيام لا يستطيع أن يشرب مع شدة العطش، ووجود المقتضى الدافع على العصيان، وهو الانفراد وأن لا أحد معه، ومع ذلك لا يجرؤ على الشرب، هذا هو تحقيق مرتبة الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذا على سبيل التنزُّل.

    وأشهد أن محمداً رسول الله.

    1.   

    تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله

    معنى كلمة التوحيد.. أنني كما أفرد ربي بالعبادة ولا أشرك به أحداً، سأفرد النبي صلى الله عليه وسلم بالاتباع.. كما أن الله واحدٌ لا شريك له في العبادة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا شريك له في الإتباع، وإذا اتبعنا عالماً بعده، إنما اتبعناه بقوله، فكل شيءٍ راجعٌ إليه في الحقيقة.

    وأشهد أن محمداً رسول الله.. إذا وصلك نصٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم من عالمٍ ثقةٍ عالمٍ بالصحيح والضعيف، فتيقن أن الذي يأمرك الآن هو النبي عليه الصلاة والسلام، إذا أردت أن تحقق معنى (أشهد أن محمداً رسول الله) كأنك تراه، يعني في هذا الجمع الذي أسأل الله تبارك وتعالى أن يكون جمعاً مباركاً، قد يوجد في هذا الجمع من يلبس خاتماً من ذهب أو دبلة من ذهب، ابتُلِي بذلك إما لضعف إيمانه، وإما لجهله، وأرجو أن لا يكون لهواه، المهم أنه يلبس الذهب، فإذا قلت له الآن: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج على الصحابة يوماً ومعه الحرير في يدٍ والذهب في يدٍ وقال: (هذان حرامٌ على ذكور أمتي، حل لإناثها) فأقول له: إن كنت ذكراً فاخلع الذهب؛ لأنه قال: (هذا حرامٌ على ذكور أمتي) فتوهّم وأنت تسمع هذا الحديث الآن أن الذي أمرك به هو النبي صلى الله عليه وسلم، فهل يسعُك أن تتخلف، تخلع الذهب أم لا ؟

    يا من تلبس الذهب الآن، لو أنك واقف أمام النبي عليه الصلاة والسلام الآن، وقال: اخلع عنك هذا، قل لي بأمانة، أتخلع الذهب لو كان النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي أمرك الآن؟

    الذي أعتقده أنه سيقول: نعم.

    فأقول له: ما الذي جعلك تتباطأ حتى الآن ولا تخلع الذهب فور سماعك لهذا الحديث؟ لأنك لم تحقق معنى (أَشهد)، ما حققتها، لو اعتقدت أنه هو الذي أمرك ما أظنك تتخلف.

    وخذ هذا المثل العالي الذي رواه مسلم في صحيحه: (أن رجلاً كان يلبس خاتم ذهب، وجاء مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى الخاتم نزعه نزعاً شديداً وطرحه على الأرض، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرةٍ من نارٍ فيجعلها في يده، فلما همّ الرجل أن ينطلق؛ قال له بعض الجلوس: خذ خاتمك انتفع به ..... قال: (لا والله لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله) لا يأخذه بعدما طرحه أرضاً، رغم أنه يجوز له أن يبيعه وينتفع به، لكن كبُر عليه أن يمد يده ويأخذه وقد طرحه النبي صلى الله عليه وسلم!!.

    فهلا خلعت خاتمك يا لابس الذهب بعد هذا الكلام بلا خجل؟ كنت عاصياً فرجعت، هذه منقبة ومحمدة، وهذه هي الهجرة الواجبة إلى أن تلقى ربك، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه) فأنت مهاجرٌ إلى الله كل يوم... ما من معصيةٍ تدعها إلى طاعة إلا وقد تحقق لك رسم المهاجر وسمته، فأنت مهاجرٌ إلى الله عز وجل، فإذا خلعت هذا الذهب فاحمد الله أن نفسك حيَّة، وإذا لم تجرؤ على خلع الذهب فابك على نفسك.. أشهد أن محمداً رسول الله، يعني: ما من نصٍ يصلني عن هذا النبي الكريم إلا وأعظمه وأُبجِّله كما لو كان هو الآمر به.

    وقد سُئِل تقي الدين السبكي رحمه الله كما في رسالته بيان قول الإمام المطلبي الذي هو الإمام الشافعي : (إذا صح الحديث فهو مذهبي).. سُئل عن إذا كان رجل مثلاً يتمذهب بمذهب من المذاهب المشهورة، شافعياً كان أو حنفياً أو حنبلياً أو مالكياً أو ظاهرياً، وكان المذهب على خلاف الحديث أيترك المذهب للحديث؟ قال: نعم، طيب.. أيكون مخالفاً للمذهب؟ يعني: هو شافعي وجاءه نص بخلاف المذهب الشافعي، فأخذ بالحديث وترك المذهب، أيكون قد خرج عن كونه شافعياً؟

    قال: لا، لأن الشافعي يقول: (إذا صح الحديث فهو مذهبي).. فلو أن الشافعي وقف على ما وقفت لصار إليه، ثم قال: وليتوهم أحدكم نفسه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: افعل كذا وكذا.. أيسعه أن يتخلف؟ ما أظن أنه يجرؤ.

    ضرب الصحابة أروع الأمثلة في هذا الاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان الواحد منهم شديد الحساسية، مرهف الحس.

    ابن عمر رضي الله عنهما سئل مرةً عن أكل لحم الغراب: أحلال أم حرام؟ فاستدل على تحريمه بحجةٍ عجيبة، فقال: من يأكل الغراب وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقاً؟

    من الذي تطيب نفسه أن يأكل الغراب والنبي عليه الصلاة والسلام سماه فاسقاً؟ هذا الحس العالي كان يسير حياة هؤلاء حتى في اختيار اسم ابنه سالم بن عبد الله بن عمر.

    روى الطبراني في المعجم الأوسط بسندٍ فيه لين أن الحجاج بن يوسف الثقفي كان في مجلسٍ فيه عبد الله بن عمر وسالم بن عبد الله ، فقال الحجاج لـسالم : خذ هذا السيف، وخذ هذا الرجل واضرب عنقه على باب القصر، فأخذ سالم السيف وأخذ الرجل ووصل به إلى الباب ثم قال له سالم : هل صليت الصبح؟ قال: نعم، قال: فخذ أي طريق شئت -اهرب بجلدك- ثم رجع سالم إلى الحجاج بسيفه، فسأله الحجاج.. أقتلت الرجل؟ قال له: لا، قال: لم؟ قال: إني سمعت أن أبي هذا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله) ما أستطيع أن أجور على رجلٍ في ذمة الملك، هذا في ضمان الملك، وفي حماه.. ما أستطيع، والحجاج مع أنه كان غاشماً وظلوماً، لكنه أحياناً كان يقف، عنده أشياء تنم عن دين، فمثلاً مرة طلب القبض على رجلٍ فلم يجدوه، فقبضوا على أخيه، أول ما قبضوا على أخيه هدموا داره، ومنعوا عطاءه من بيت المال، وحلَّقوا على اسمه (أي: وضعوه في القائمة السوداء، كلما يقبضوا على الناس يأخذوه) فالرجل قال: أريد أن أكلم الأمير. أوصلوه إلى الحجاج ، قال: أيها الأمير! طلبتم القبض على أخي فلم تجدوه، فقبضتم علي وأنا مظلوم، هدموا داري، ومنعوا عطائي، وحلّقوا على اسمي، فقال له الحجاج : هيهات.. أولم تسمع قول الشاعر:

    جانيك من يجني عليك وربما تعدي الصحاح مبارك الجرب

    ولرب مأخوذ بذنب عشيرةٍ ونجا المقارف صاحب الذنب

    فقال: أصلح الله الأمير، فإني سمعت الله يقول غير ذلك! قال: وما يقول الله؟ قال: قال الله تبارك وتعالى: قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ [يوسف:78-79] فحينئذٍ أطرق الحجاج، ثم صفق بيديه وقال: علي بفلان، وهو قائد الشرطة فقال له: ابن لهذا داره، ومر له بعطاه، وامح اسمه، ومر منادياً ينادي أن صدق الله وكذب الشاعر.

    فيقول سالم : إن أبي هذا حدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله) فعقّب عبد الله بن عمر ، وقال لابنه: (كيس) يعني ذكي.. تفهم، (إنما سميتك سالماً لتسلم)، هذا الشاهد: (سميتك سالماً لتسلم)، كل شيء في حياة هؤلاء الصحابة كان يحركه الاتباع.

    فأنت إذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله، يعني: لا يصلك عنه كلامٌ صحيح على لسان رجلٍ أمينٍ ثقةٍ إلا وتعتقد أن هذا الرجل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمرك، ما أظنُّك حينئذٍ تتخلف، تخلع الذهب فور ما تسمع هذا الكلام، وكذلك تخلع الدبلة، ذهباً كانت أو فضة، أما الدبلة على وجه الخصوص فلأنها من شعائر النصارى وليست من دين الإسلام، الدبلة لها قداسة معروفة عند النصارى؛ ولذلك عندما يكون خاطباً يلبس الدبلة باليد اليمنى، ولما يتزوج ويعقد يضع الدبلة في يده الشمال، لماذا؟

    لأنهم يعتقدون أن هذه الإصبع فيها عرق لطيف جداً تحت الجلد، وهذا العرق هو الوحيد الذي يمتد من اليد إلى القلب مباشرةً، فدرجوا على كتابة اسم المرأة على دبلة الرجل، واسم الرجل على دبلة المرأة، طبعاً من داخل الدبلة، لماذا؟ لأنه حين يلبس دبلته واسمها في الداخل متاخم لهذا العرق، فالنتيجة ماذا؟

    يأخذ حناناً على القلب مباشرةً فالرجل هذا لن يفكر في امرأة إلا هذه المرأة دون غيرها،فمعنى هذا الكلام أن هذا العرق يخرج من اسمها وينبض عليه، ويأخذ الجرعة والشحنة فليس في قلبه إلا هذه المرأة، وكذلك الرجل، فهذا تقليد نصراني لا يحل، لا تلبس دبلة فضة ولا حديد ولا أي شيء، الدبلة بالذات، لكن لا بأس أن تلبس الخاتم، لأن الخاتم زينة للرجال، يعني: لو تلبس الخاتم تزيّن أصابعك، وتلبسه بلا مناسبة.

    فخلاصة الكلام أن معنى أشهد أن محمداً رسول الله.. إذا وصلك كلام فانفعلت له ونفذته فأنت فعلاً تشهد أن محمداً رسول الله، إذا لم تفعل ذلك فشهادتك ناقصة، تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كأي كلمة تقال.

    1.   

    أسباب مخالفة الناس للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يستطيعون فعله

    إذا فهمنا هذه المقدمة سنرجع إلى شيء هام وهو أصل، وكل ما يذكر عليه فرعٌ عنه، السؤال الذي ندخل به إلى تقرير هذا الأصل.. لماذا يخالف الناس النبي صلى الله عليه وسلم فيما يستطيعون فعله؟

    يعني: كثير من الناس الذين يحلقون لحاهم مثلاً -وحلق اللحية حرام بإجماع الأئمة الأربعة وجماهير أصحابهم، لم يخالف في هذا الحكم إلا من لا ينعقد الإجماع بدخوله ولا ينخرم بخروجه، يعني: وجوده مثل عدمه- تقول له: يا فلان! لماذا لا تعفي لحيتك؟ يقول: سأتهم بالإرهاب، وسأفصَل من العمل. فأنت قد تكلف في عملك بما لا تطيق، عمل رهيب.. وإهانات وإرهاق في العمل، ومع ذلك تعمل، لماذا؟ أكل خبز.

    طيب.. إعفاء اللحية لن يكون بمثل هذه المشقة، ألا إن سلعة الله غالية! ألا إن سلعة الله الجنة!. برهن لي أنك تريد الجنة، الحكم الشرعي كله اسمه تكليف، أي: لا يكون إلا بكلفة وبمشقة، وها أنت قد سمعت في أول الكلام: (ما جاء رجلٌ بمثل ما جئت به إلا عُوْدِي) فلا بد أن تتوقع المعاداة والمشاكل، مسألة ضرورية لدعوة الرسل، العداء ظاهرة صحية لدعوة الرسل ودعوة أتباعهم، فأنت لماذا هانت عليك هذه المخالفة؟

    الجواب: الجواب وإن كان مُراً -نسأل الله تبارك وتعالى أن يرد المسلمين إلى دينه رداً جميلاً-: إنك أيها المخالف لا تحب النبي صلى الله عليه وسلم، جواب مُر صحيح، وتهمة مرة؛ لكنها حقيقة، محبته ناقصة، فإذا زالت بالكلية كفر المرء، لكن محبة ناقصة، قد تنقص إلى أدنى درجات النقص، لو كان هذا الرجل محباً ما تجرأ على المخالفة، المحب لا يخالف حبيبه أبداً إذا صدقت محبته، المحب لا يرى في الدنيا أمراً إلا أمر حبيبه، ولا يرى نهياً إلا نهي حبيبه، ولا يرى خصلةً جميلة في الدنيا إلا كتبها إلى حبيبه، ولا منقصة إلا برأ منها حبيب.

    متمم بن نويرة له أخ اسمه مالك بن نويرة ، قتله خالد بن الوليد وتزوج امرأته أيام حروب الردة، وكان متمم شديد الحب لأخيه مالك، فلما قتله خالد ؛ رثاه متمم بأبياتٍ ما قرأت لأحدٍ أبياتاً أو كلاماً تفجّع به على أحد مثلما قرأت لـمتمم ، أبيات تهز القلب وهو يرثي أخاه يقول:

    لَقَدْ لاَمَنِي عِنْدَ الْقُبُورِ عَلى البُكا ... رَفِيقي لِتَذْرَافِ الدُّمُوعِ السَّوَافِكِ

    فَقالَ أتَبْكِي كُلَّ قَبْرٍ رَأيْتَهُ ... لِقَبْرٍ ثَوَى بَيْنَ اللِّوَى فَالدَّكَادِكِ

    فُقُلْتُ لَهُ إنَّ الشَّجَا يَبعَثُ الشَّجا ... فَدَعْني فَهَذَا كُلُّهُ قَبْرُ مالِكِ

    كأن لم يمت في الدنيا إلا أخوه، كل القبور التي على وجه الأرض هي قبر أخيه، لا يرى في الدنيا ميتاً إلا أخاه، حتى قيل: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سمع هذا الرثاء قال: (يا متمم ! لو أن أخي زيد بن الخطاب رُثي بمثل هذا ما وجدت على فقده..) لعلو هذه الأبيات، الذي يخالف النبي صلى الله عليه وسلم ويخشى لوم اللائمين، وتعيير المعيِّرين ليس بمحب، لماذا؟ لأن المحب كلما لاموه مضى، يقول الشاعر:

    يخط الشوق شخصك في ضميري على بعد التزاور خط زور

    ويوهمنيك طول الفكر حتى كأنك عند تفكيري سميري

    فلا تبعد فإنك نور عيني إذا ما غبت لم تظفر بنور

    ثم الشاهد:

    إذا ما كنت مسروراً لهجري فإني من سرورك في سرور

    أي: أنا مسرور لسرورك حتى لو كان سرورك على أشلائي، هذا هو الحب.

    فإذا قال لك رجل: يا سنِّي! فيما مضى كانوا يعيروننا بالمسألة هذه، أي شخص يريدون أن يلمزوه.. قبل عشرين سنة مثلاً.. يقول له: يا سني! فنحن نقول: تلك شكاة ظاهر عنك عارها.

    الحجاج بن يوسف الثقفي لما عير أسماء أيام فتنة عبد الله بن الزبير دخل عليها وقد بلغت مائة عام وقد عميت، فقال لها: يا ذات النطاقين ! أَيعيِّر شخصٌ شخصاً بالكلمة هذه؟ يا ذات النطاقين .. كأن شخصاً يعيِّرك يقول لك: اسكت يا بن الأصول! تلك شكاة ظاهر عنك عارها، فمثل هذا لا يعيَّر المرء به. فأنت إذا قيل لك : (يا سني !) هذا شرفٌ لك، بعض الناس يتركون متابعة النبي عليه الصلاة والسلام خشية المعرة، وما هي بمعرة، هذا الحب هو الأصل، وكل شيء يأتي بعده فرعٌ عليه. إذا أحببت كما يقول المنظرون في المناظرات، عندما يستدل شخص بدليل ضعيف، ويأخذ منه حكماً شرعياً يقولون له: (لا يستقيم الظل والعود أعوج..) الدليل ضعيف؛ لا تأخذ منه حكماً.

    فنحن نقول: إن المحبة هي العود، وكل عملٍ يأتي بعد ذلك هو كالظل للعود وفرعٌ عنه.

    1.   

    صور تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للإهانة دون نكير

    النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم يصور على صورة خنزير!!

    كان من جراء نقص حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رُسِم على صورة الخنزير!! ومع ذلك ولا دولة تدين بدين الإسلام استنكرت استنكاراً رسمياً لهذا الذي جرى، كأن هذا النبي صلى الله عليه وسلم لا يدين بدينه على الأرض أحد، مع أن عدد المسلمين ممن يتسمون بأسماء المسلمين على عُجَرِهم وبُجَرِهِم مليار إنسان.. ألف مليون من بني آدم، يُسَب أعلى رجل فيهم ويُرسَم على صورة خنزير، ومع ذلك لم يعقد مؤتمر صحفي واحد ذراً للرماد في العيون لإرضاء عواطف الجماهير، مع أننا نعرف أن المؤتمرات الصحفية لا قيمة لها في الحقيقة، لكن إرضاءً لعواطف الجماهير، اعمل مؤتمراً صحفياً، قل: أنا أستنكر.. قل أنا أشجب.. إن عرض النبي صلى الله عليه وسلم أثمن من الأرض.. أرض ماذا التي تبحث عنها؟ عرض النبي عليه الصلاة والسلام أثمن وأغلى من الأرض.

    اليهود جبناء، والجبان لا يمكن يستخدم يده أبداً.. ولو كان الاحتمال راجحاً لا يضرب إلا إذا أيقن الدليل الضروري أنك أضعف من أن تمد يدك، قال الله عز وجل: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر:14] اليهود ما وصلوا إلى هذا التشويه بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا لأنهم جبناء، عندما رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يسب في بلاد المسلمين وعلى صفحات الجرائد والمجلات، ورأوا رد الفعل الرسمي لا شيء، لا يوجد استنكار من هيئة كبار العلماء أو من علماء البلد.

    النبي صلى الله عليه وسلم مات بالزائدة الدودية!!

    هذه صحيفة تكتب بالخط العريض: هل النبي صلى الله عليه وسلم مات بالزائدة الدودية؟ أهذا عنوان يكتب في جريدة؟

    تريد ماذا من مسألة الزائدة الدودية؟ مات بها أو بغيرها ما هي المحصلة؟ هل الطب سيستفيد؟ أتقدم بحثاً جديداً؟ ما هو المطلوب من هذا العنوان؟.

    عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع رجلاً يقول: والله ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانية، فجلده الحد، قال: لأن معنى أنك تنفي عنهم الزنا فيه إشعار بالاتهام، لو أنهم برآء مائة بالمائة أبداً لن تقول هذا الكلام، لكن تقول: ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانية، كأن فيه إشعار أنهم زناة، فرأى أن مثل هذا يدخل في حد القذف؛ فجلده حد المفتري.. فيأتي شخص يكتب هذا العنوان: هل النبي صلى الله عليه وسلم مات بالزائدة الدودية؟ في ديار المسلمين، ورد الفعل الرسمي صفر!.

    النعجة (دوللي) أعظم من ميلاد المسيح

    ولما جاءت مسألة استنساخ النعجة (دوللي) والكلام الفارغ الذي تكلموا به.. عنوان بالخط العريض: النعجة دوللي أعظم من ميلاد المسيح!! ماذا يعني هذا الكلام؟ أيضاً هو رب العالمين؟ إنهم يعنون أن العباد استطاعوا أن يفعلوا ما لم يفعله رب العالمين!! استنساخ النعجة دوللي أعظم من ميلاد المسيح؟!!

    الكاريكاتير والاستهزاء بالدين

    أحدهم يرسم (كاريكاتير) مدرساً وتلميذاً.. المدرس: قل لي يا ولد: لماذا أخرج الله آدم من الجنة؟.. يا أستاذ! لأنه ما دفع الإيجار. هل هذا الكلام يجوز يا إخواننا؟!!

    (كاريكاتير) شخص آخر رسم جهنم الحمراء وأناس فيها يرفعون أيديهم يصرخون في جهنم،وشخص في زاوية منها معه مروحة وابتسامة مرسومة على فمه ومكتوب تحت الرسم: بوش . ما هذا الكلام يا جماعة؟!

    يُسب الله ورسوله على صفحات الجرائد!! لماذا لا يغضب لله؟!

    سنوات طويلة يُعتدى باسم حرية الرأي على عرض النبي، نحن نعاني من محنة جسيمة وعظيمة هي السبب في كل ما نراه الآن.

    قرأت في ديوان الحماسة لـأبي تمام مقطوعتين، افتتح أبو تمام الديوان بهما، لو أننا كنا على مستوى هذه الأبيات على الأقل، فأنا ما أظن أن رجلاً على الكرة الأرضية يفكر أن يهين أحداً من المسلمين، المقطوعة الأولى لأحد شعراء بلعنبر، هذا الشاعر كان له إبل وسرقها شخص، فحاول أن يحضر إبله ولم يستطع، فاستنفر قبيلته.. كلهم ضعفاء، فأنشد يقول متوجعاً:

    لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ (يعني من قبيلة مازن) لَمْ تَسْتَبحْ إِبِلِي ... بَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانا

    إذًا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ... عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إِنْ ذُو لُوثَةٍ لاَنا

    قَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ ... طَارُوا إلَيْهِ زَرَافاتٍ وَوُحْدَانا

    لاَ يَسْأَلُونَ أخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ فِي النَّائِبَاتِ عَلى ما قالَ بُرْهانَا

    لَكِنَّ قَوْمِي وَإنْ كانُوا ذَوِي عَدَدٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِ فِي شَيءٍ وَإنْ هانَا

    يَجْزُونَ مِنْ ظُلَمِ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً وَمنْ إسَاءَة أهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا

    كأَنَّ رَبَكَ لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ سِوَاهُمُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِنْسَانا

    فَلَيْتَ لِي بِهِم قَوْمًا إذَا رَكِبُوا شَدُّوا الإِغَارَةَ فُرْسَانًا وَرُكْبانَا

    ورع بارد في غير محله، يُضرب!! فيكون رده: الله يسامحك! ويضرب.. الله يسامحك، ويضرب.. الله يسامحك!! لا، إن النبي صلى الله عليه وسلم لما هجاه عمر بن أبي عزة للمرة الثالثة، وعفا عنه قبل ذلك، أخذه فقتله، وقال: (لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين).

    وتأتي المقطوعة الثانية لتوضح مثل هذا وهي لأحد الشعراء، كان بينه وبين قوم نوع من الخصومة، وعقدوا صلحاً، وانتهت الحرب، وسيفتحون صفحة جديدة، ويتعاملون مع بعض من جديد، فلما فتحوا صفحة جديدة إذا بالقوم لئام، بدءوا يغدرون مرةً أخرى، فأنشد هذا الشاعر هذه الأبيات قال:

    صَفحْنا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ وَقُلْنا الْقَوْمُ إخْوَانُ

    عَسَى الأَيَّامُ أنْ يُرْجعْنَ قَوْمًا كَالَّذِي كَانُوا

    فلَمَّا صَرَّحَ الشَّر فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيانُ

    ظهر أنهم لئام، وصرح الشر أي: صار واضحاً صريحاً، فلما صرح الشر من قبل هؤلاء، وأمسى وهو عريان.

    وَلَمْ يَبَقَ سِوَى العُدْوَانِ ... دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا

    (رددنا لهم الصاع صاعين)

    مَشَيْنا مِشْيَةَ اللَّيْثِ غَدَا واللَّيْثُ غَضْبَانُ

    بِضَرْبٍ فِيهِ تَوْهِينٌ وَتَخْضِيعُ وإقْرَانُ

    وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ غَدَا وَالزِّقُّ مَلآنُ

    تعرف القربة عندما تكون ملآنة على آخرها، ثم تضغط عليها من جانبها، يفيض الماء.. سنفعل ماذا؟ وصلنا إلى هذا الحد!! الذي يعمل لنا هكذا سننفجر مباشرة، فهذا معنى كلامه.

    وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ غَدَا وَالزِّقُّ مَلآنُ

    ثم قال بيتين يكتبان بماء الذهب:

    وَبَعْضُ الْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ لِلذِّلَّةِ إذْعَانُ

    يُضرب.. الله يسامحك، يُضرب.. الله يسامحك، لا، هذا ليس حلماً، هذا إذعان.. هذا ضعف.. فهذا عندما يكون قليل الأدب، ولا يجد مثل هذه القوة، سيظل يضرب باستمرار، فلا تقل: أنا حليم، قل: أنا ضعيف.

    وَفِي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِينَ لاَ يُنْجِيكَ إِحْسَانُ

    قدمت الإحسان مرة ومرتين وعشرة وعشرين وثلاثين ومائة وثلاثمائة.. ومع ذلك ما زال لئيماً، إذاً ما بقي إلا الشر هو الذي ينجيني؛ لأنني لما قدمت الإحسان ما أنجاني، فالذي فعله اليهود لا يجبره إلا الدم.. وهذا وإن كان مراً على صدور المسلمين، لكننا نتباشر به، ونرى أن الفتح قريب، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذكر في كتاب "الصارم المسلول على شاتم الرسول" قال: حدثني بعض الفقهاء ممن حاربوا في الروم، قالوا: كنا نحاصر الحصن شهراً وشهرين وثلاثة.. إلى أن كدنا نيأس من فتح الحصن، فوقع أهل الحصن في سب النبي صلى الله عليه وسلم ففتحناه بعد ثلاثة أيام، قال: فكنا نتباشر بسبه مع امتلاء قلوبنا غيظاً مما نسمع، مجرد ما يسبونه نعرف أننا سنفتح الحصن مباشرة؛ لأن الله عز وجل ينتقم لنبيه، ويرد عن نبيه مع أننا سننفجر من الغيظ من الشتم الذي نسمعه، إلا أننا نرى أن هذه بشارة أن سيُفْتح له.

    1.   

    الشيخ محمد شاكر يدفع عن عرض النبي صلى الله عليه وسلم

    هنالك قصة حكاها آخر أعيان المحدثين في مصر، الإمام العلَم أبو الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، حكى حكاية حدثت أيام الملك فؤاد ، الحكاية تتلخص في إن الملك فؤاد كان يحب أن يصلي خلف أحد الخطباء أصحاب اللسان العالي، كلما يحب أن يصلي في مكان يأتوا بهذا الخطيب كي يخطب، فصادف أن طه حسين رجع من باريس بالدكتوراه، وأرادوا أن يكرموا طه حسين ، فالملك فؤاد وحاشيته استدعوا هذا الخطيب على اعتبار أنهم سيكرمون الدكتور طه حسين ، صعد الخطيب يخطب، فأراد أن يمدح الملك فؤاد فقال: ما عبس ولا تولى لما جاءه الأعمى.

    فيكون الملك فؤاد رجل كريم ورسول الله يكون ماذا؟ لأنه عبس وتولى، لكن الملك فؤاد لا عبس ولا تولى.

    الشيخ محمد شاكر رحمه الله وكيل الجامع الأزهر، كان يصلي: فلما سمع الكلمة، وأنهى الرجل الخطبة.. صلوا الجمعة، قام الشيخ محمد شاكر ، وقال: أيها الناس! أعيدوا الصلاة ظهراً، فإن الخطيب كفر، مع قطع النظر في البحث هل هو كافر أم غير كافر، لكن الشيخ محمد شاكر رحمه الله قال هذه الكلمة وانطلق إلى قصر عابدين، وذهب إلى الملك فؤاد ورفع له مذكرة يقول له: صل الظهر بدلاً عن جمعتك بسبب أن الخطيب كفر.

    الرجل خطيب والملك يأتي به حتى يخطب أمامه، يكون رجلاً معروفاً لكل المحامين في البلد، ومستشاري المحاكم، فجماعة المحامين المستشارين أغروه، قالوا له: كيف يحرجك أمام الجماهير بهذا الكلام؟ ارفع عليه قضية ونحن وراءك. الشيخ محمد شاكر قبل هذا التحدي ورفع قضية هو الآخر وقال: ليس بيني وبين هذا الخطيب شيء؛ لكنني أريد الإجابة عن سؤال واحد، أهذا الذي قاله الخطيب تعريض بالنبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ وأنا لن أحتكم إلى علماء الأزهر، برغم أن البلاغة والبيان والنحو والإعراب والصرف والكلام، هذا كله اختصاصهم، لكن أنا لن أستعين بواحد من هؤلاء حتى لا تقولوا حابوه وجاملوه، أنا أريد مستشرقين يكفرون بالله العظيم، ودرسوا اللغة العربية لأسألهم هذا السؤال: هذا الذي قاله الخطيب تعريض بالجلال النبوي أم لا؟

    الشيخ محمد شاكر رحمه الله واصل رفع القضية، فلما علم هذا الخطيب ومعاونوه أن القضية خاسرة تنازلوا عنها، الشيخ أحمد شاكر رحمه الله يقول: فدخلت بعض المساجد لأصلي فرأيت ذلك الخطيب فراشاً يتلقى نعال المصلين في هذا المسجد. إن الله عز وجل يغار لنبيه، ولا يقع في النبي صلى الله عليه وسلم أحدٌ إلا خُذِل، لكن ما هو رد فعل الجماهير على هذه الإهانات المتلاحقة؟!

    سأذكر لكم مثلاً.. نحن نعامل النبي عليه الصلاة والسلام، ونعامل دين الله عز وجل بالجملة كمعاملة الناس بالشارع والبيوت تصعد العمارة تدخل الشقق.. تجدها آية في الزخرفة والنظافة والرائحة الجيدة، وأنت خارج ترى الرجل يفتح النافذة.. يرمي القمامة ثم يغلق النافذة، لماذا؟ الشارع ليس لي؟ أنا لا أعامل الشارع معاملة منزلي.!! فيرمي القمامة ويغلق النافذة خشية الذباب، كل واحد يظن أن هذا الدين إنما هو دين الدعاة إلى الله عز وجل، الدفاع عن الإسلام هو دفاع الدعاة فقط، ويظن أنه رجل عامي لا يناط به شيء، وهذا أحد أسباب الوهن التي دبت إلى جسد الأمة.

    1.   

    محبة النبي صلى الله عليه وسلم علاج لكل أمراض المجتمع

    صدق محبة النبي عليه الصلاة والسلام هو العلاج الوحيد لكل الأمراض التي نعانيها الآن، إذا صدقت محبتك لا بد أن تنتقم لحبيبك، أولادنا.. حين تدخل بيت كثير من المسلمين زائراً.. صاحب البيت ينادي: تعال يا بني.. (ابنه الصغير) قل لعمك (الزائر) عندما تكبر ماذا تريد أن تكون؟ أريد أن أكون دكتوراً يا عم.. أريد أن أكون مهندساً.. أريد أن أكون صيدلياً.. من الذي علم الولد؟ من الذي لقنه؟ أبوه.. لا يوجد ولد يقول: أنا أريد أن أكون شيخاً أو عالماً.. لماذا؟ ديننا كدولة شاسعة الأطراف عظيمة الساحل، تخيل دولة مثل مصر مثلاً: سواحلها المائية واسعة.. تخيل أنه لا يوجد حرس حدود على هذه السواحل فما المتصوَّر؟ يدخل كل اللصوص.

    ديننا هكذا.. أين حرس الحدود عندنا؟ لو أنني قلت -والقاهرة مثلاً ستة عشر مليوناً- لو أني قلت لكل واحد في هذا المسجد: عُدّ لي من تعتقد أنه عالم في القاهرة، ولن أناقشك في صفات العالم ولا ما هو مذهبه، إذا وصلت إلى عشرة فأنت بطل، ولا أقول لك عشرة فقط، لكن أقول لك أنت: عُدَّ لي من تعتقد في هذا البلد أنه عالم تقول فيه: هو حجةٌ بيني وبين ربي إذا لقيته، أأتمنه على الفتيا وعلى الاستشارة، لن تصل إلى عشرة. ما معنى هذا الكلام؟ كوادرنا ضعيفة جداً وقليلة، لماذا؟

    العلماء هم الجهاز المناعي للأمة المسلمة، مرض الإيدز يعتبرون أنه أفتك الأمراض إلى قبل عدة شهور أو سنة ونصف في مصر مثلاً: دخل مرض جديد آخر الإيدز أصبح أقل خطراً بجانب المرض الجديد، المرض عبارة فيروس إذا أصاب الكبد يتحول إلى ماء اسمه فيروس آكل اللحوم، ظهر في جنوب أفريقيا، حيث أن هناك قوم يستحلون أكل الأطفال، سواء أكانوا يطبخونهم أو يشوونهم، هؤلاء أصيبوا بهذا الفيروس، إذا أصاب اللحم تجد يتوسع في اللحم حتى ينخر في العظم، وإذا أصاب الكبد مثلاً يتحول إلى سائل! وإذا أصاب الطحال يتحول إلى سائل.. وإذا أصاب الكلية يتحول إلى سائل، لكن مرض الإيدز أفتك الأمراض وأخطرها على المستوى العام حتى الآن وقالوا: إنه يصيب الجهاز المناعي.

    إذاً أي مرض يصيب الجهاز المناعي يعتبر من أخطر الأمراض، العلماء والدعاة إلى الله عز وجل هم الجهاز المناعي لهذه الأمة.. هم كرات الدم البيضاء التي تدافع عن جسد الأمة، لماذا قلّت كوادرنا (علماؤنا)؟

    لأننا لا نعامل الإسلام كقضية، سببه أن كل واحد يعتقد أن المسئولية على أكتاف غيره، والسبب في ذلك قلة المحبة، أتعرف لو أنك أحببت النبي صلى الله عليه وسلم بصدق لن تجد الذي تخاف منه الآن مع عدم المحبة، وسأذكر لك حكاية أوضح بها هذا المعنى: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، عندما دخل القلعة في آخر مرة ومات فيها رحمه الله، لما أدخلوه وأغلقوا الباب التفت إلى الباب فقال: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13].

    ما معنى هذا؟ شيخ الإسلام كان مما من يميِّزه أنه سريع انتزاع الأدلة الدالة على ما يريد، لأن القرآن بين عينيه، أي شخص دخل السجن فإن الناس يتصورون أنه سيلقى الأمرَّين وسيذوق العذاب أليم!! ويقولون: يا ترى كيف يعيش؟ رغم أنه قد يكون أصفى نفساً في الباطن منك في الظاهر، أنت الذي تتعب! أنت الذي تذهب إليه للزيارة وتشوي له الدجاج، وتأخذها على أكتافك وتتجرع الشمس المحرقة! وتسافر اليومين والثلاثة الأيام، وهو يأتيه الأكل جاهزاً، ويحفظ القرآن، ويقوم الليل، وليس بينه وبين الناس خصومات بسبب المال والأكل والشرب والمعيشة.

    إذا كنت صادق المحبة ستجد أن قلبك صار برداً وسلاماً، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ [الأنفال:45] فئة: يعني في الحرب.. فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ [الأنفال:45] فبمجرد أن تذكر الله عز وجل يستحيل خوفك إلى أمْن، وهذا المعنى موجود أيضاً عند الناس.. يقول عنترة :

    ولقد ذكرتك والرماح كأنها أشطان بئرٍ في لبان الأدهم

    فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم

    ما هذا؟ حر وكر وفر! ورقاب تطير! والسيف يلمع في الشمس وإذا به يذكره ببسمتها، ولا زال المحبون يستمدون القوة بذكر من يحبون في مواطن الحرب.

    إذاً العلاج هو صدق المحبة!.

    1.   

    مظاهر محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم

    جابر بن عبد الله ومحبته الصادقة لنبيه صلى الله عليه وسلم

    الصحابة رضي الله عنهم حققوا هذا الركن وتمموه، انظر إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه -كما في الصحيحين- يقول وهم يحفرون الخندق: (ظللنا ثلاثة أيام ما ذقنا فيها ذواقا) ما أكلوا شيئاً يقيم أصلابهم، قال: (فاعترضتنا كدية عظيمة) صخرة عظيمة (لا تعمل فيها المعاول) يكسِّرونها ولا تتكسر، قال: (فجئت النبي صلى الله عليه وسلم وقد ربط الحجر على بطنه من الجوع، فقلت له: يا رسول الله! صخرةٌ عظيمة لا تعمل فيها المعاول، قال: فقام أعرف فيه الجوع)، شخص يقوم على الأرض جوعان فبالكاد يقوم، (ثم أمسك المعول وقال: باسم الله. فضربها فصارت كثيباً أهيم) صارت رملاً، (فقلت: يا رسول الله! ائذن لي أن أذهب إلى البيت، فأذن لي فقلت لامرأتي: لقد رأيت الآن شيئاً ما لي عليه صبر، رأيت الجوع في وجه النبي صلى الله عليه وسلم فهل عندك شيء؟)، أنا أرجو أن تستحضر أن جابر بن عبد الله جائع هو كذلك! لكن ذهب جوعه لمّا رأى الجوع في وجه حبيبه قالت: (نعم عندي صاع من شعير وعناق. قال: اعجني، واذبحي العناق، فقالت له: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه) يعني: لا تحضر الصحابة كلهم، لأن الأكل لا يكفي، لا يوجد طعام كثير فلا تفضحني، (ولكن اذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسرَّ إليه) قل له: تعال أنت وبعض أصحابك، (قال: فذهبت إليه فساررته) أنه يوجد كذا وكذا، (قال: فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يصيح (يا أهل الخندق! إن جابراً قد صنع سورا (أي: طعاماً) فحي هلا بكم!) قال: فأدركني من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، قال: (هل خبزتم؟ قلت: لا. هل وضعتم اللحم على النار؟ قلت: لا. قال: لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء -أي: لا تخبزوا حتى أجيء- ولا تضع البرمة على النار حتى أجيء، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أهل الخندق فقال: أين عجينكم؟ جاءوا به فبصق فيه وبارك، أين لحمكم؟ فجاءوا به فبصق فيه وبارك، قال جابر : أقسم بالله لقد أكلوا حتى تحولوا وتركوه وكانوا ألف رجل، وإن اللحم كما هو وإن العجين كما هو) هذه هي المحبة.

    عمرو بن العاص وإجلاله للمصطفى صلى الله عليه وسلم

    جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري رحمه الله قال: (دخلنا على عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فلما رآنا حول وجهه إلى الجدار وبكى طويلاً، فجعل ابنه عبد الله يقول له: يا أبت! أما بشرك النبي صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا؟! فالتفت إلينا عمرو ثم قال: لقد رأيتني على أطباقٍ ثلاث -أي: مررت في حياتي بثلاث مراحل- لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً إلي من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أحب إلي من أن أكون استمكنت منه فقتلته، فلئن مت على هذا الحال لكنت من أهل النار، ثم أسلمتُ فجئت النبي صلى الله عليه وسلم فبسطت يدي، فقلت: يا رسول الله! ابسط يدك فلأبايعك، فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده، فقبضت يدي، قال: مالك يا عمرو ؟ قلت: يا رسول الله أردت أن أشترط، قال: تشترط بماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله ؟ قال: عمرو : فو الله ما كان أحدٌ أحبّ إلي قطٌ منه، ولئن سُئِلتُ أن أصفه لكم لما أطقت ذلك؛ لأنني ما كنت أملأ عيني منه إجلالاً له) ، ما أستطيع أن أملأ عيني منه، ولا أن أسلط بصري عليه، عندما يكون المرء هائماً محباً لا يستطيع أن يسلط بصره على من يحب على الإطلاق.. أبداً، رغم أنه صحابي جليل، وعاش مع النبي صلى الله عليه وسلم طويلاً إلاّ أنك لو قلت له: صفه لي، يقول: لا أستطيع، لماذا؟ ما كنت أستطيع أن أنظر إليه من شدة الحياء (فلئن مت على هذا الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة)، الطبق الأول: قطع فيه أنه يكون من أهل النار، ولما تأدب بأدب الإسلام، قال: لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ولم يقطع ولم يقل: لكنت من أهل الجنة، (ثم ولينا أشياء كان فيها ما كان ... ) إلى آخر الحديث.

    المحبة الصادقة في صلح الحديبية

    جاء في الصحيحين من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه وهو حديث طويل في صلح الحديبية، في هذا الحديث: أن عروة بن مسعود الثقفي وكان إذ ذاك كافراً قال لقريش: (ألستُ منكم بمنزلة الولد؟ قالوا: بلى. قال: ألستم مني بمنزلة الوالد؟ قالوا: بلى، قال: هل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: فدعوني آته وقد عرض عليكم خطة رشد) يعني: يذهب ليفاوض النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه أمين في المفاوضات، فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولما دخل عليه رأى أصحابه وقد عضهم الفقر بنابه.. فقراء مساكين، لا يظهر عليهم ما يظهر على أهل الترف، فاخترقهم ببصره واحتقرهم -فيما بينه وبين نفسه- ثم قال: (يا محمد! والله ما أرى حولك إلا أوباشاً) وفي الرواية الثانية: (أوشاباً) وهي بنفس المعنى، يعني: لا يردون البصر، ولا يملئون العين.. (ما أرى حولك إلا أوباشاً خليقاً أن يفروا ويدعوك)، أي: ستواجه قريشاً بالقليل هؤلاء، والمعنى أن لا تطمع أن تدخل مع قريش في حرب؛ لأنهم بمجرد أن تقوم الحرب سيفرون كلهم فلا تتكل عليهم (ما أرى حولك إلا أوباشاً خليقاً أن يفروا ويدعوك)، فقال أبو بكر : (أنحن نفر وندعه؟ امصص بظر اللات)، فسب آلهتهم وعابها، فقال عروة مغضباً: من هذا المتكلم؟ فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إنه ابن أبي قحافة ) أبو بكر ، فقال له وكان كافراً: (لولا أن لك عليّ يداً لأجبتك)، الوفاء.. لولا أن لك علي يداً؛ لكنت رددت عليك، وقد سب أبو بكر آلهتهم.. يعني لا يوجد شيء معظّم بعد الإله، سَبَّ أحسن شيء عندهم، ومع ذلك رده الإحسان والوفاء أن يرد عليه.

    وفي رواية محمد بن إسحاق عن الزهري عن المسور في هذا الحديث قال: (ولكن هذه بتلك) بمعنى: أنك استوفيت يدك السابقة علي بهذه السبَّة، فلو قلت شيئاً آخر سأرد عليك، (أنحن نفر وندعه؟ امصص بظر اللات).

    بدأ يحصل نوع من المراقبة التي نسميها في العصر الحاضر: الجاسوسية، هو ذهب وعينه (كالكاميرا) المسجلة يرصد كل شيء حتى يخبر قريشاً، وكان من عادة الأقران في العرب أن الشخص إذا كلم أخاه يمس لحيته ويتكلم.. لكنه يُستقبح مع أهل الفضل.. إذا كان الرجل مُسِناً فلا تكرر أن تمسك بلحيته كلما أردت.

    فأخذ عروة بن مسعود الثقفي يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ويمسك بلحيته، فكان هناك رجل واقف خلف النبي صلى الله عليه وسلم ورد في بعض الروايات خارج البخاري أنه كان ملثماً معه سيف، وبمجرد أن يمد عروة يده يضربه بنعل سيفه ينظر إليه، لا يعرف من هو؟ ثم يتكلم وينسى أيضاً ويضع يده على لحيته، فيضربه بنعل سيفه على يده مرة أخرى، فعبد أن ضربه مرتين أو ثلاثاً، قال عروة : (من هذا الذي أزعجني؟) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة )، فقال: عروة بن مسعود : (أي غُدَر) ، يعني: يا أيها الغادر! (لا زلت أسعى في غدرتك) وكان المغيرة بن شعبة قد صحب ثلاثة عشر نفراً في الجاهلية وشربوا الخمر، فقام عليهم وذبحهم جميعهم، وأخذ مالهم وهرب بها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وجاء وقال: أنا أسلمت، وهذا المال.. فقال عليه الصلاة والسلام: (أما الإسلام فأقبله منك، وأما المال فلست منه في شيء) يا سلام على هذا الوفاء وعلى هذا النبي الكريم الجليل!.

    وحذيفة بن اليمان لم يحارب في وقعة بدر لا هو ولا أبوه، وكانوا موجودين.. لماذا؟ لما خرج حذيفة هو وأبوه هاربين أمسكهم المشركون، وقالوا لهما: أين تتجهان؟ فقالا: إلى المدينة. فقالوا: لن ندعكم حتى تعطونا العهد والميثاق ألا تقاتلونا. قالوا: لن نقاتلكم، فتركوهم، فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله! أعطيناهم العهد أن لا نقاتلهم، فقال: (نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم).

    انظر إلى أفضل من مشى على الأرض بقدميه عليه الصلاة والسلام، قال: (هذا ابن أخيك) فلما رجع المغيرة بن شعبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمال قال: (لست منه في شيء).

    وقال -كما في مسند أحمد- : (وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس؟) لما أسلمت.

    ثم جاء المشهد الآتي، دخلت صلاة الظهر والرسول عليه الصلاة والسلام يتوضأ، وبينما هو يتوضأ ويغسل يده وإذا بالصحابة يتسابقون على وضوئه، ما سقطت قطرة ماءٍ على الأرض، يتنخم النخامة والكل يتسابق إليها، وسعيد الحظ من تكون النخامة من نصيبه: (فما وقعت في يد رجل إلا دلك بها وجهه وجلده، ولا يحدون النظر إليه، ولا يرفعون صوتهم عنده، ويبتدرون أمره)، مجرد أن يقول: اعملوا؛ تجدهم يسرعون في المبادرة مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان ينهى عن تعظيمه بأقل من ذلك، وأن يقوموا له.

    فلماذا تركهم يفعلون ذلك؟

    النبي عليه الصلاة والسلام تنخم نخامة يأخذها أحدهم بيده، مع أن النخامة كلنا نتأفف منها، ويقتتلون على وضوئه ؛ لأن هذه رسالة يريد من عروة بن مسعود أن يوصلها لقريش أنهم ليسوا أوباشاً، هؤلاء رجال، فتركهم يفعلون ذلك، لأن هذا عين.. وجاسوس جاء ليراقب، ومن بداية دخوله يستعرض قوته ويقول: (ما أرى حولك إلا أوباشاً).. ثم انظر إلى التقرير الذي رفعه عروة بن مسعود الثقفي لقريش! في البداية دخل على المسلمين منتفخاً ثم رجع وقال لقريش: (يا قوم! والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيت أصحاب ملكٍ يعظمون ملكهم كتعظيم أصحاب محمدٍ محمداً. إنه ما توضأ إلا اقتتلوا على وضوئه، ولا تنخم نخامة فوقعت في يدر رجل إلا دلك بها وجهه وجلده، ولا يُحدون النظر إليه تعظيماً له، ويبتدرون أمره، وقد عرض عليكم خطة رشدٍ فاقبلوها) أي: خذوها فما لكم حيلة ولا طاقة بهؤلاء.

    هذا هو الحب والاتباع!.

    حب أبي أيوب الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم

    وهذا حديث رواه مسلم كلما تأملت فيه شعرت بسخونةٍ في عيني.

    نزل النبي صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب ، فقال له أبو أيوب -وكانت الدار تتألف من طابقين-: (يا رسول الله! اصعد إلى فوق)، قال: (السفل أرفق بنا يغشاني أصحابي) يعني أصحابي كثر، فإذا كنت في الدور الثاني ما من رجل يريد أن يصعد إلي إلا آذى من أسفل البيت، فلا داعي، فصعد أبو أيوب في الدور العلوي، والنبي عليه الصلاة والسلام أسفل الدار.

    في معجم الطبراني .. يقول أبو أيوب في هذا الحديث: (وانكسر لنا حُب)، وهو الجرة العظيمة، (فجففته بلحافي أنا وامرأتي والله ما لنا غيره، خشية أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم شيء، قال: فنزلت، قال: وبينما أنا أمشي بالليل إذ فزعت، وقلت: أأنا أمشي على سقيفةٍ تحتها رسول الله؟)، أرجلي الآن فوق رأسه؟ هذا سوء أدب، (قال: فانجمعت أنا وامرأتي) جلسوا في زاوية إلى الصبح، فلما أصبح (قال: فنزلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: والله يا رسول الله! لا أعلو سقيفة أنت تحتها، اصعد إلى فوق، فصعد، قال: (وكنت أُرسل إليه الطعام، قال: فكان يأكل، فلا آكل آنا وامرأتي حتى يأكل الطعام من عنده، فنتحرى مواضع فمه ويده)، فيتتبعانها ويأكلان منها، (قال: فأرسلت إليه ذات يومٍ ثوماً أو قال: بصلاً، فلم يأكل منه، ففزعت) لاحظ لفظة (فزعت) التي كررها مرتين (ففزعت وصعدت إليه فقلت: (يا رسول الله! لم تأكل من الثوم أو البصل أحرامٌ هو؟ قال: لا، ولكني أناجي من لا تناجي)لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم الجواب صريح وواضح، أحرامٌ هو؟ قال: لا ولكني أناجي من لا تناجي ، فقال أبو أيوب المحب: (لا جرم، أكره الذي تكره)، وإن كان مباحاً، لكن أنت تكره، أنا أكرهه، فهذا هو المحب.

    هذا هو المحب.. قاعدة الولاء والبراء: (حبيب حبيبي حبيبي وعدو حبيبي عدوي).

    إذا رأيت صاحبك يمشي مع عدوك فمحبته كاذبة، إذا اعتقدت النقص في حبيبك فمحبتك ناقصة، لا تتم محبتك إلا إذا اعتقدت الكمال فيمن تحب، ولا تلصق نقيصة به، وكلما عُظُم تصوّرك اكتمل حبُّك.

    1.   

    إبراهيم عليه السلام وشدة محبته لله عز وجل

    جاء في قصة إبراهيم عليها السلام في سورة الأنعام دليلٌ حي على ذلك: قال الله عز وجل: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام:75]* فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام:76] وأنا أريد من إخواني المسلمين أن يتأسوا بقضية إبراهيم عليه السلام، وأنه مشغول في قضية معينة، والمشغول لا ينام، إنه يبحث عن مثال لإلهه الذي يعبده، مستيقظ طوال الليل.. لا يستطيع أن ينام؛ لأن هذه القضية شغلته: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ انظر إلى التعبير هذا.. كأن ليس في الكون غيره، ولم يلف الظلام أحداً في الكون غيره، هو المستيقظ، وكلمة (جنّ) أي: وصل إلى أعمق الليل، (جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا [الأنعام:76] كلمة (جَنّ) تبين لك الصورة، جنّ: يعني كبد الليل، الليل مظلم مائة بالمائة.. فتخيل كوكباً مضيئاً في ظلامٍ دامس، يلتفت يمنةً ويسرة لا يرى في الدنيا إلا هذا الكوكب، فأجمل شيء في الدنيا هو هذا الكوكب؛ لذلك قال: هذا ربي، ربي جميل.. ربي كامل.. ربي لا يعتريه نقص، فأجمل شيء في هذه الدنيا هو هذه النقطة المضيئة فيكون هو إله!! يناسب أن يكون إلهاً: رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي [الأنعام:76] لماذا؟ لأنه أجمل شيء في الكون.

    من عبودية القهر على كل الناس أنهم على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ينسبون الجمال إلى الله، الكل.. إذا رأى شيئاً جميلاً قال: الله، الكل.. كافر، مسلم، يهودي، نصراني، مجوسي، مجرد أن يرى شيئاً وجميلاً يقول: الله، فينسبون الجمال إلى الله رغم أنوفهم.

    فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام:76] لماذا؟ لأن إلهي لا يغيب عني، مبتهجاً به دائماً، فكيف يغيب هذا؟ لا يصلح أن يكون مثلاً لإلهي الذي أعبده وأجده في نفسي، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا وكملة (بازعاً) تدل على شدة الوضوح، فهو أكبر من الكوكب صورةً في مرأى العين، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [الأنعام:77]* فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ هذا هو.. لماذا؟ لأنه مضيء.. أفضل من الكوكب والنجم وأيضاً أكبر منهما، يبحث عن صفات الكمال والجلال: فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام:78]* إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:79].

    إذاً رائد إبراهيم عليه السلام كان الحب، والحب مركبٌ لا يضل راكبه، العبادة بالحب تقبل ولو بالقليل، ولله در الراجز الذي قال: (وإن من البيان لسحرا).

    من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول

    يمشي على مهل، ويصل الأول!! كيف هذا؟

    عبادة المحب بخلاف عبادة الموظف، الموظف الذي يأتي حتى يوقِّع اسمه في الحاضرين أنه حضر فصلى العصر وصلى الظهر!! لا، يقف الرجلان القدم بالقدم، والكتف بالكتف، وما بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، فسبحان من لا يعلم أقدار خلقه إلا هو!

    فمعنى لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله.. أن تعتقد المشاهدة ولا تتم لك هذه المشاهدة إلا بالحب الذي من ثمرته التعلق.

    فمحبة النبي عليه الصلاة والسلام واجبة، والمحبة هي ليست محبة الطبع، إنما هي محبة الاتباع والتقدير والتعظيم وإلاّ فأنت قد تحب ولدك حب طبع أكثر.

    المحبة المقصودة: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران:31] هي مَحبة الإتباع، وأن لا تُقَدِّم قول أحدٍ على قول النبي صلى الله عليه وسلم كائناً من كان.

    1.   

    حاجتنا إلى العلماء العاملين

    الإمام العَلَم الذي ربته امرأة، ولله در النساء:

    ولو كان النساء كمثل هذي لفُضِّلت النسـاء على الرجال

    فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخرٌ للهلال

    ثلاثة أئمة ملئوا الدنيا علماً وشهرة، ربّتهم أمهاتهم، وصدق فيهم قول القائل: وراء كل رجلٍ عظيم أم، ولا تقل: وراء كل رجل عظيم امرأة.. أبداً، ولكن قل: وراء كل رجلٍ عظيم أُم.

    ثلاثة أئمة معروفون لديكم -وهناك أئمة آخرون ربتهم أمهاتهم- الإمام البخاري ، والإمام الشافعي ، والإمام العلم وهو سفيان بن سعيد الثوري ، الإمام الكبير.. نحن نتدين بمحبة سفيان وأمثاله من العلماء الربانيين كـسفيان الذي يقول: (إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل).

    إذا أردت أن تحك رأسك.. حبذا يكون معك دليل، لكن يكون صحيحاً. لاحظ الحض على اتباع السنة: (إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل)، ثم قال: (الحديث دَرَج والرأي مَرَج، فإذا كنت على الدَّرَج ؛ احذر أن تزل قدمك فتندق عنقك، وإذا كنت في المرج فسر حيث شئت).

    كلام من ذهب..! اتباع السنة كالدّرَج، وأنت تمشي على الدرج كن على حذر؛ لأنه لو فلتت رجلُك ستقع على رأسك مباشرةً، فعندما تنزل على الدّرج كن منتبهاً، إنما لو كنت تمشي في الصحراء اغمض عينيك وامش، فأينما تمشي فستجد مكاناً.. ماذا يقصد بهذا الكلام؟

    يقول: إن من اتبع رأيه وهواه كأنما يمشي في مَرَج وفي سهولٍ واسعة، أي: فكأنك في مَرَج فسر حيث شئت، طالما أنك غير محكوم.

    النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الدنيا سجن المؤمن) ما معنى سجن المؤمن؟

    مسجون بالأوامر والنواهي، كالذي يدخل السجن بين الأوامر والنواهي.. الذي سُجن يفهم هذا الحديث جيداً، نريد أكل؟ ..ممنوع، نريد ماء ولنا مال في الأمانات.. ممنوع، أدخلوا لنا حلاوة، ممنوع، نريد أن نشم هواء.. ممنوع، كل شيء في السجن ممنوع!!

    فأنت كل ما تشتهيه تستطيع أن تفعله، ترغب أن تكون غنياً وممنوع من أن تضع مالك في البنوك، ترغب في أن تفرِّغ شهوتك وممنوع من الزنا، ترغب أن تفعل كذا وكذا.. وممنوع أن تفعل كذا وكذا.. فأنت مسجون أم لا؟

    مسجون، الذي ترغب فيه لا تستطيع عمله، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (لم يستوف مؤمنٌ غضبه في الدنيا أبداً)، لا يستطيع أن يستوفيه.. يُظلم فيقول: أنا سوف أؤجل المحاكمة إلى يوم القيامة، فيكون مغتاظاً يريد أن يرد الصاع صاعين ولا يستطيع أن يستوفي غضبه أبداً، لماذا؟ لأجل يوم القيامة، محاكم الأرض فيها ملايين القضايا، وكثير من الناس أجلت مظالمهم إلى يوم القيامة، لو كل واحد ضُرب ضربةً واحدة وذهب إلى المحكمة أو ذهب إلى الشرطة، ما كانوا يرون النوم. فالإيمان بيوم القيامة أسقط ملايين القضايا عن المحاكم، وكثير من الناس أجلوا المظالم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا سجن المؤمن) يعني: ليس كل ما تريده تفعله، مسجون.

    والسجن هذا هو الدرج (فاحذر أن تزل قدمك فتندق عنقك) ولله تبارك وتعالى في كل شيء في الدنيا حكم علمتها أو جهلتها؛ فقبل أن تقدم على أي قضية من القضايا ارفع -يا أخي- سماعة الهاتف واسأل العالم، سؤال العالم مجاناً؟ أتمنى أن يجد هذا الكلام صدى عند التجار الكبار والصغار، أيها التاجر! لك مستشار قانوني يأخذ مقابلاً مالياً وله نسبة، ولك محام يدافع عنك، وتعطيه راتباً مالياً طوال العام، وتعطيه حوافز مالية، فهل عندك مفت مجاناً؟ لن تدفع له راتباً مثل المستشار القانوني أو المحامي، ترفع سماعة الهاتف وتقول له: أنا أريد أن أعقد الصفقة الفلانية، هل هذا مشروعٌ أم لا؟ هل هذا حرام أم لا؟ لا يكلفك شيئاً.

    نحن دولة مستهلكة مثل سائر العرب! أصحاب المصانع هم المتحكمون في البيوع، والأصل في البيوع الحل ؛ لكن هؤلاء الذين يريدون أن يحققوا أعلى نسبة أرباح، ويريدون أن يضمنوا بضائعهم والأموال، قد يضعون شرطاً لا يحل في دينك، وحرامٌ عليك أن تفعله، هو كافر لا يهمه.. يهمه أن يضمن ماله ويكسب، أنت كرجل مستهلك تذهب فتقول: أنا أريد البضاعة الفلانية فيقول لك: أنا شرطي كذا وكذا.. وهذا رجل كافر لا يحكمه دين، وأنت عندما تحتاج البضاعة تعقد معه الصفقة وترتكب الحرام؛ لأن الذي وضع شروط الصفقة هو الرجل المصنِّع.

    فالعالم مهم جداً جداً في هذا الزمن، لا أقول: للتجار فقط، بل للكل، فلو أن شخصاً عنده مرض قلب أو تصلُّب في الشرايين أو ذبحة صدرية أو ضغط دم أو ضيق في الصمام، أو أي مرض، فإنه يذهب إلى أي طبيب من أمراض القلب والدم، ويكون معه في حوار ساخن باستمرار: يا دكتور! أنا أحسست بكذا، هل هذا له علاقة بالشريان التاجي؟ هل له علاقة بالذبحة؟ يقول له: لا، أو يقول له: نعم، أو يقول له: لا تفعل .. وهكذا، مرة أخرى، وفي كل هذا يمتثل!.

    فهل لما قسا قلبك أكان لك مستشار لأمراض القلب وضغط الهم؟ بمجرد أن تشعر بقسوة قلبك تتّصل به وتقول له: أنا أشعر بقسوة.. أقرأ القرآن ولا يهتز قلبي ولا يذرف دمعي، كم نحن مقصرون! الاستشارة مجانية، وأي واحد يرفع سماعة الهاتف ويتصل بعالم من العلماء ويطلب أجرة فليتقدم بشكوى فيه، وتجد العالم يفرغ من صدره ووقته، وأنت رجل تاجر والساعة عندك تساوي المال، وهو أيضاً ساعته أغلى من المال، لكنه كتب على نفسه: وقف للمسلمين. فأوقف عمره وحياته لك، ومع ذلك لا ترفع له رأساً ونبذته نبذ النواة، ولم تستشره، لا في صفقة تجارية، أهذا حلال أم حرام؟ ولم تستشره حتى عند قسوة قلبك!.

    روى أبو سعيد في تاريخ الرقة، عن عمرو بن ميمون قال: انطلقت مع أبي ميمون بن مهران إلى الحسن البصري، قال ميمون : يا بني! خذ بيدي إلى الحسن، فذهبوا إلى الحسن البصري وطرقوا الباب، فخرجت الجارية، فقالت: مَن؟ قال: ميمون بن مهران ، فقالت الجارية: يا شيخ السوء! ما أبقاك إلى هذا الزمان السوء؟ فبكى ميمون -وكان كاتباً لـعمر بن عبد العزيز - بكى حتى علا نحيبه، فخرج الحسن البصري ، فلما رآه اعتنقه، فقال ميمون : (يا أبا سعيد ! آنست من قلبي غلظة، فاستلن لي) أي: قل لي شيئاً يلينه. (أفأصوم له يا أبا سعيد ؟)، يعني: أَيلين قلبي لو صمت؟ فقال الحسن :

    بسم الله الرحمن الرحيم، أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:205-207] .

    هناك خُلُق خلقه الله عز وجل فينا، وهو خُلُق التأسي، إذا أُصِبتَ بمصيبة وترى غيرك أُصِيب بمصيبة تخف المصيبة عليك. من رأى مصيبة غيره هانت مصيبته عليه، كما تقول الخنساء :

    ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي

    فعندما تكون هناك مصيبة عامة.. طاعون مثلاً، وكل بيت فيه فرد ميت، تجد أن المصيبة تخف عليك من كثرة الموت، لكن عندما تكون وحدك المصيبة تكبُر عليك.

    وربنا عز وجل -في هذا الخلق أي: خلق التأسي- قال لنا: لا تظنن إذا دخلت النار فرأيت ملايين الخلق يصرخون من النار أن هذا يخِف عليك؛ لا، هذا فقط كان في الدنيا، قال تعالى: وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف:39].. لا يعني أنكم مشتركون في العذاب أن ذلك يخفف عليك حين تراه يصرُخ بجانبك، لا.

    فانظر إلى الآيات.. سنين متعة، سنين.. قليل، ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ [الشعراء:206] الموت أو العذاب: مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:207].

    كل حيّ سيموت ليس في الدنيا ثبوت

    حركات سوف تفنى ثم يتلوها خبوت

    وكلامٌ ليس يحلو بعده إلا السكوت

    أيها الساكر قل لي أين ذاك الجبروت

    ليت شعري أهمود ما أراه أم قنوت

    أين أملاكٌ لهم في كل أفق ملكوت

    زالت التيجان عنهم وخلت تلك البيوت

    أصبحت أوطانهم من بعدهم وهي خبوت

    لا سميع يفقه القول ولا حيٌ يقوت

    عُمِرت منهم قبورٌ وخلت منهم بيوت

    إنما الدنيا خيال باطل سوف يفوت

    ليس للإنسان فيها غير تقوى الله قوت

    فأنت انظر ما مكان الدين في نفسك، ولا تخطون بقدمك خطوة إلا إذا سألت أهل العلم أيحل لي أن أخطو أم لا؟

    فإذا قالوا لك: لا يحل، فقف.

    الإمام البخاري رحمه الله، ذكر في ترجمة أبيه شيئاً واحداً تعجبون له، لما ذكر والده قال: (رأى حماد بن زيد ) رآه بعينيه.. هذه منقبة كبيرة جداً، لو وجد لأبيه منقبةً أعلى من هذه لذكرها، لكن يا لِحظه!! رأى حماد بن زيد بعينيه!! وليس هذا فقط، قال: وصافح ابن المبارك بكلتا يديه) والدته دعت له، يسلم على ابن المبارك بيديه الاثنتين، هذه هي المنقبة الخاصة بوالد الإمام البخاري .

    وابنه يريد أن يذكر له منقبة محترمة، فيذكر هذه المنقبة: (رأى حماد بن زيد وصافح ابن المبارك بكلتا يديه)، فمن تمام محبتك أن لا تخطو خطوةً إلى الأمام مهما قلت ودقت وكانت صغيرة في نظرك إلا وتسأل أهل العلم: ما حكم الله فيها؟ ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها؟! فإذا فعلت ذلك كان ترجمةً صادقة لمحبتك، فالبدار.. البدار قبل الفوات! والعودة العود إلى حظيرة السنة!.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يقبضنا وإياكم على التوحيد الخالص، اللهم ارزقنا حبك، وحب من أحبك، وحب ما يقربنا إلى حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلينا من الماء البارد. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    نصيحة عامة لطلبة الجامعة والمدارس

    السؤال: نريد من فضيلة الشيخ أن يوجه نصيحة لطلبة الجامعات والمدارس وهم على الأبواب؟

    الجواب: إخواننا في الجامعة على وجه الخصوص.. أقول لهم: كونوا كما قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عندما سمع رجلاً يقول: (والله لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ما تركناه يمشي على الأرض) حذيفة سمع هذه الكلمة.. ما معنى هذا؟ معناه أن الصحابة قصروا في حق النبي عليه الصلاة والسلام وتركوه يمشي على الأرض!!.

    فقال حذيفة له: (يا ابن أخي! أكنت تفعل ذلك؟)، ثم ذكر له موقفاً واحداً، ومن هذا الموقف أدلف إلى نصيحة طلبة وطالبات الجامعة. قص عليه موقفاً واحداً.

    لما كان يوم الأحزاب وكان الجو بارداً شديد البرودة، حتى أن الصحابة كان الواحد منهم يحفر لنفسه حفرة ويدفن نفسه فيها من البرد، وتعرفون الصحابة وجلدهم، وكيف كانوا يتحملون الحرارة في مكة التي تغلي منها الرءوس، وكانت أمورهم وحياتهم على ما يرام ولامشكلة، فتخيل هذا الصبور يحفر لنفسه حفرة لأنه لا يتحمل البرد! وهم في حفرهم في الرمل! فالنبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يرسل عيناً على المشركين فقال: (من يأتيني بخبر القوم وهو معي في الجنة؟) أظن هذا حافزاً يجعلهم كلهم يخرجون من الحفُر!.

    ومع هذا لم يقم أحد من حفرته من شدة البرد، فكرر ثلاث مرات: (من يأتيني بخبر القوم وهو رفيقي في الجنة؟ -فكأن حذيفة أحس أنه سيقول له: قم فأدخل نفسه في الحفرة أكثر، فقال: (فتقاصرت) -أي: أدخل نفسه في الحفرة أكثر- قال: فقال لي: (قم يا حذيفة)، قال: (ولم يكن من طاعة الله ولا طاعة رسوله بد)، قمتُ فقال لي: (ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم علينا) -أي: لا تنفرهم أو تهيِّجهم علينا وإنما بهدوء- (ودعا لي؛ فكأنني أمشي في حمام) -ذهب عنه البرد وما يجد من القُر كأنه يمشي في حمام- قال: (فذهبت إليهم فرأيتُ ناراً عظيمةً) -أحدهم عاري الظهر ويصطلي بالنار، أي: يستدفئ- (فعلمتُ أنه أبو سفيان) -وهذه كانت أول مرة يرى فيها أبا سفيان- قال: (فأخذت السهم ووضعته في كبد القوس، وهممت أن أضربه فتذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تذعرهم علينا). قال: (ورجعتُ فأخبرته خبر القوم فعاد لي القُر -أي: رجع البرد مرة أخرى بعد أن أدى المهمة، وانتهى مفعول دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما عليَّ من القُر أعطاني عباءته فتدثرت بها، فنمت حتى الصباح، قال: فجاءني النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: (قم يا نومان).

    هذا الحديث يدل على صدق الانتماء إلى الله سبحانه لن تنصر دينك إلا بصدق الانتماء إلى ربك، الجامعات فيها شيء في الدراسات العليا والماجستير والدكتوراه اسمه: الحياد العلمي، وهذا المفهوم في مصطلحنا: هو ترك الانتماء إلى السلف، أي: عندما تنظر في أي قضية؛ اعتبر نفسك مقطوعاً من شجرة، لا تنتمي ولا تستحضر دينك؛ لأنك إذا استحضرت دينك ستنحاز له، وإذا انحزت إلى دينك ينعدم عنك الحياد العلمي الذي نريد أن نربيه فيك. الحياد العلمي هذا أتانا من الغرب، قال الدكتور طه حسين : ينبغي أن ننظر إلى القرآن على أنه كتابٌ أدبي، لا أنه من عند الله، ويتعرض للنقض وللقواعد النحوية؛ ولذلك العلماء طردوه، ومن جملة العلماء علماء الأزهر، فلما طردوه ذهب وأخذ الدكتوراه في اللغة العربية من باريس، لا من بلاد العرب أو من الأزهر، طردوه وكفروه بسبب كتاب (الشعر الجاهلي)، وعاد وقال: أنا تبت وأنبت، والأستاذ أنور الجندي نقل في بعض مقالاته أن الدكتور طه حسين سُئل في آخر حياته: أما زلت معتقداً الكلام الذي في كتاب (الشعر الجاهلي)؟ قال: ما تركت منه حرفاً. معتقد تماماً ما في الشعر الجاهلي الذي كفره العلماء بسببه.

    فباسم الحياد العلمي يدخل المرء ناسياً أنه مسلم.. لماذا؟

    يقول لك: لأن الحياد العلمي معناه عدم الانحياز، وإذا انحزت ضاع الحياد. لا يستطيع رجلٌ ولو كان من عباد الحجر أن يترك انتماءه أبداً.. أنترك انتماءنا إلى الله ورسوله؟

    يا إخوة: هناك قصة تناقلتها المجلات العلمية، أنا أقولها للشباب، لأن الشباب هم أمل الأمة، ورقة بن نوفل يقول فيها: (يا ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك)، تمنى أن يرجع شباباً ينصره، فلا ينصر الدين إلا الشباب، القصة هذه تناقلتها المجلات العلمية وأنا لا أحتج بها،إنما أذكرها لأستنفر؛ فإن الأسد إذا قيل له: إن الكلب يفعل كذا وكذا.. يغتاظ أن يُضرب له المثل بالكلب.

    فهذه قصة رجل مهندس، غيّر وجه العالم بعلمه، فشباب الجامعة يقول لك: تريد مننا أن نغير الدنيا؟ نعم تغيرها، لماذا لا تغيرها؟ رجل واحد أقرض بعض البلاد العربية بخمسمائة مليار دولار، في حرب الخليج.. هذه الأموال لو وزعت على المسلمين لكان كل فرد من الأغنياء (مليونيراً)، وما كان هناك فقير على وجه الأرض من المسلمين.. رجل واحد عمل هكذا؟ نعم.. رجل واحد يفسد الدنيا، ورجل واحد يصلح العالم، لماذا تقتل المواهب فيك؟

    هذا الرجل اسمه ........، بعد الحرب العالمية الثانية، بعد القنبلة الذرية التي نزلت في هيروشيما في اليابان، وحصل عليها حظر حتى الآن واليابان لا تستطيع تصنيع طائرة عسكرية ولا دبابة ولا مدفع،حتى الآن، أرأيتم في عمركم طائرة حربية من تصنيع اليابان؟

    هناك تفتيش كل ستة أشهر على كل مصانع اليابان وكذلك ألمانيا حتى يضمنوا أن هذه البلاد لا تنتج السلاح العسكري، ولكن أطلقوا أيديهم في الصناعات السلمية.. الثلاجات والغسالات والسيارات وما شابه ذلك، فأوفدت اليابان طلائع، منهم: هذا المهندس .......، الذي ذهب إلى ألمانيا ليأخذ الدكتوراه في علم المحركات، نزل ألمانيا حتى يعود بلقب دكتور، والقطعة التي يصفوها يعطي لها رقماً، ويرسمها على ورقة من أجل إذا جاء يركِّبها دون أن يرتبِك، فك المحرك وركّبه، قال: وشغلته فاشتغل قال: فكاد قلبي أن يتوقف من الفرح، أخذت المسألة منه ثلاثة أيام، قال: فذهبت إلى أستاذي في البعثة وقلت له: إني فعلت كذا وكذا.. فقال: حسناً، هذا محرك عطلان ابحث عن العطل الذي فيه: أخذ المحرك أيضاً بنفس الطريقة وفكه، اكتشف أن فيه عطلاً.. مثلاً سلك متآكل، أصلح السلك وشغّله فاشتغل، أخذت المسألة هذه منه عشرة أيام، قال: فذهبت إلى أستاذي وقلت له: إنني وجدت سلكاً فيه كذا وكذا.. قال: حسناً ينبغي أن تلتحق بمصانع صهر النحاس والحديد والألمنيوم؛ لأنه لا يستقيم لك أن تأخذ قطعة غيارك من خارج بلادك، لازم تصنع قطع غيار بنفسك، قال: (فذهبت إلى أحد هذه المصانع، ولبست الزي الخاص بالعامل، قال: وكنت عاملاً تحت العامل -مع أنني من أسرة ساموراي- أنا رجل صاحب أصل ومن أسرة عريقة؛ لكنني كنت أعمل عاملاً تحت العامل وأطيعه، ثم قال: (وكل شيء يهون لأجل اليابان)، ينتمي إلى تراب وطنه، (كل شيء يهون لأجل اليابان)، ظل في هذا المصنع ثماني سنين، نسي أنه ذاهب ليحضر الدكتوراه، لماذا؟

    لأن هناك هم أكبر من ذلك، إن الرجل النكرة إذا انتمى إلى أمةٍ عظيمةٍ كان عزه من عز أمته، وإن الرجل العظيم إذا انتمى إلى أمة نكرة، وطئ بالنعال.

    المرأة التي قالت: وامعتصماه! أيعرف أحد اسمها؟! والرجل الذي حمل الصرخة إلى المعتصم .. أيعرفه أحد؟ لا أحد يعرفه، لكن امرأة عرّاها اليهود وكشفوا عن سوأتها رآها رجلٌ كان في أمةٍ عزيزةٍ عز بعزها، فحملته هذه النخوة والعزة أن يذهب إلى المعتصم ليقول له: حدث كذا وكذا..

    اليهود عروا كثيراً من نساء المسلمين في بيوت الموضة والأزياء، وكُشِفت سوأة امرأةٍ واحدة فجرد المعتصم الجيش العرمرم، ودخل وفتح عمورية بسبب امرأةٍ لا نعرف اسمها ولا نسبها، وربما المعتصم لم يسمع بهذه المرأة قط. لماذا؟ لأنها كانت تنتمي إلى أمة عزيزة، أمة قوية.

    الآن الأمريكي قد يجرح سهواً في أي مكان في العالم، فتقوم الدنيا على قدمٍ وساق، ومائة مسلم أو أكثر يُقتلون في المسجد الأقصى وهم سجود ولا عزاء ولا نداء!!. دماء المسلمين أرخص دماء في العالم، لا يستطيع مسلم أن يذبح بقرةً في الهند، وإلا قتلوه وأكلوه.

    رجل يمني في بلد عربي -وكنت حاضراً هذه الواقعة- تجاوز الإشارة، فلحقت به شرطة الدورية وأحضروه، فأخرج الجنسية اليمنية، فقال له: يمني وتكسر الإشارة أيضاً؟! أي أن اليمني أجرب، هذا معنى الكلام، فاليمني قام بخطف وثيقة الجنسية اليمنية هذه، وأخرج له الجنسية الأمريكية، لأنه عاش في أمريكا، فقال له: يمني وأمريكي!! إن هذا لشيء عجاب! قال أنت تستهزئ بي!! وظهر أن هناك هاتفاً في السيارة، طلَب السفير الأمريكي، فيأتيه السفير ويعتذر قائد دورية الشرطة رغم أنه ليس أمريكي صرف، إنما هو عربي متجنِّس.

    إذاً قوة أمتنا بقوة الأفراد، الانتماء إلى هذه الأمة هو المخرج. الجامعات فيها كثير جداً من الشباب، وأنا ركّزت على مثل هذا لأنه يُتوقع أن طالب الجامعة يحضِّر دراسات عليا، يحضِّر دكتوراه وماجستير، فيفاجأ بكلمة الحياد العلمي، فنكشف هذا المصطلح كشفاً صريحاً. الحياد العلمي في الجامعات معناه: ترك الانتماء، فعليك بمذهب السلف، مذهب القرن الأول، مذهب الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وهذا القيد هو الذي يميز المنهج الحق عن المناهج المبتدعة.. والله أعلم.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا، والحمد لله رب العالمين.