إسلام ويب

الإخلاص [1]للشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد نسب ربنا عز وجل الصيام إلى نفسه؛ لأن الصيام عبادة خالصة لله تبتعد عنها شبهة الرياء، لذلك لم يعين على الصيام أجراً محدداً، بل جعل الجزاء موكلاً إليه، وفي هذا دلالة على مقام الإخلاص وعظيم منزلته، فإنه في العبادات شرط تحبط بدونه، وهو أمر يعرفه المرء من نفسه، ويمكن تحقيقه خلافاً لما زعمه الصوفية الذين جعلوا مناله عسيراً، وتوهموا الرغبة في الثواب والخوف من العقاب من عقبات وموانع تحقق الإخلاص.

    1.   

    الإخلاص والصوم

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به)

    ولقد علمنا علماً أكيداً أن الصوم أيضاً لابن آدم، كالصلاة والزكاة والحج وسائر أعمال البر، كلها لابن آدم، كما أن الصلاة أعظم من الصيام، ومع ذلك استثنى الله عز وجل هذه الشعيرة، فقال: (الصوم لي وأنا أجزي به).

    فلماذا خص الصوم دون سائر أعمال البر؟

    إن الصيام تحقيق لمقام الإحسان، وهو أيضاً تحقيق لمقام الإخلاص، فإن المرء قد يرائي في كل أعمال البر، لكن لا يستطيع المراءاة في الصوم أبداً.

    ألم تر إلى نفسك وأنت وحدك في بيتك، لا أحد معك، وقد أغلقت عليك باب الغرفة، وفي الغرفة ماء بارد، ويكاد يقتلك العطش، ومع ذلك لا تستطيع أن تفطر أبداً؟

    هذا هو تحقيق لمقام الإحسان!

    إن جبريل عليه السلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فأجابه صلى الله عليه وسلم وقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) هذا هو تحقيق مقام الإحسان، فإن الصائم لا يستطيع أن يرائي أبداً بصيامه، بل يستطيع أن ينال مراده وهو وحده، بخلاف بقية أعمال البر.

    إن طائفة من الناس قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: (ولا يشهدون الفجر والعشاء) وقال: (أثقل صلاتين على المنافقين الفجر والعشاء) مع أن للفجر والعشاء شأناً عظيماً! قال صلى الله عليه وسلم: (من شهد العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل)

    وكان عبد الله بن عمر إذا فاتته صلاة العشاء جماعة قام الليل كله؛ ليعوض الأجر الذي فاته بشهود الجماعة

    وقال صلى الله عليه وسلم: (من صلى الصبح في جماعة فكأنه قام نصف الليل)، وفي رواية أخرى: (فكأنما قام الليل كله) وفي صلاة الصبح قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تشهده ملائكة الليل والنهار) .

    ومع هذا الأجر الجزيل يقول النبي عليه الصلاة والسلام : (أثقل صلاتين على المنافقين الفجر والعشاء، ولو أن أحدهم يعلم أنه يأخذ مرماتين حسنتين لأتاهما حبواً).

    لو تم إلحاق جمعية لتوزيع السكر والأرز وما شابه ذلك بالمسجد، فإن هذا المنافق يحبو على بطنه حتى لا تفوته هذه العطية المجانية، ويضيع ما هو أعظم، فهو بهذا قد راءى في أعظم الأركان العملية وهي الصلاة.

    وكذلك يمكن للمرء أن يرائي في الزكاة أو في الحج، بل إن بعض من يذهب إلى الحج إذا رجع منه ولم تناده بلقب: (يا حاج) يغضب.

    وهكذا تكون المراءاة في سائر أعمال البر إلا في الصيام، لذلك قال الله عز وجل: (هو لي، وأنا أجزي به) ولم يعين على الصيام أجراً؛ لأنه إذا وقع الجزاء على كريم فلا تسأل عن العد، قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء:100]ولم يعين له أجراً؛ لأن هذا الوعد بهذه الكيفية أعظم أثراً من تعيين الأجر.

    ولما أراد إخوة يوسف عليه السلام أن يتخلصوا من الورطة التي وقعوا فيها، وقد اتهموا بسرقة صواع الملك، قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ * a= 6001670>قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ[يوسف:74-75] فأبهموا الجزاء، كأنهم قالوا: كل ما يخطر ببالكم من الجزاء هو حقيق به، فكان إبهام الجزاء أعظم في تقدير الجزاء من تعيينه.

    ولأن هذه الشعيرة فيها تحقيق مقام الإخلاص، قال الله: (هي لي) فلا يستطيع أن يجزي على الإخلاص إلا الله، والإخلاص في العبادات شرط وفرض تحبط العبادات بدونه.

    1.   

    إخلاص المشركين في دعائهم عند الشدائد

    إن الإخلاص لا يستغني عنه كافر ولا مؤمن.

    لا يستغني الكافر عن الإخلاص، قال تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [يونس:22-23].

    قوله: (مخلصين له الدين): أي: أنهم لا يكذبون في إخلاصهم إذا وقعوا في ورطة.

    وقال تبارك وتعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65]، وقال تبارك وتعالى: وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ [لقمان:32].

    هذا حال المشركين، لا يخلصون إلا إذا وقعوا في ورطة.

    وفي سنن الترمذي -وقواه بعض أهل العلم- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـحصين -والد عمران -: (كم تعبد إلهاً؟ قال: أعبد سبعة، ستة في الأرض وواحداً في السماء، قال: فأيهم تعد لرغبك ورهبك؟ قال: الذي في السماء).

    ويوضح ذلك أيضاً ما رواه الإمام النسائي وأبو داود وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة أمن الناس جميعاً غير أربعة رجال وامرأتين، فقال: (اقتلوهم ولو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة: عبد الله بن خطل ، ومقيت بن فضالة ، وعكرمة بن أبي جهل ، وعبد الله بن أبي سرح) أما مقيت بن فضالة فأدركوه في السوق فقتلوه، وأما عبد الله بن خطل فذهب وتعلق بأستار الكعبة فأنزلوه وقتلوه، وأما عكرمة بن أبي جهل ، ففر وركب البحر، وأما عبد الله بن أبي سرح فاختبأ عند أخيه من الرضاعة عثمان بن عفان .

    ولما هرب عكرمة ركب إلى البحر، فبينما السفينة في لجة البحر إذ جاءتها ريح عاصف، وصارت السفينة كالريشة في مهب الريح -وجل الذين يركبون السفينة كانوا كفرة- فلما أزفت السفينة على الغرق قال لهم ربان السفينة: أيها الناس! أخلصوا في الدعاء، واعلموا أن آلهتكم لن تنفعكم هنا، فلما سمع عكرمة ذلك قال: (والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص فلا ينجيني في البر غيره، لله عليَّ إن أنجاني لآتين محمداً، فلأجدنه عفواً كريماً) ونجا الرجل، ووفى، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبسط يده بالإسلام فقبل منه، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة العامة، فجاء كل الناس مسلماً، فجاء عثمان بن عفان رضي الله عنه بأخيه من الرضاعة، وقد أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه، فجاء خلفه يمشي والنبي لا يراه، حتى إذا وقف عثمان أمام النبي عليه الصلاة والسلام وخلفه عبد الله بن أبي سرح ، قال عثمان : يا رسول الله! بايع عبد الله ، فلما رآه سكت، ما بايعه، قال: يا رسول الله! بايع عبد الله . فأبى وسكت، قال: بايع عبد الله ، فبايعه بعد ثلاث مرات، ثم التفت إلى أصحابه يقول: (أليس منكم رجل رشيد إذ رآني كففت يدي عن بيعة هذا أن يقوم إليه فيضرب عنقه؟! فقالوا: يا رسول الله! وما أعلمنا ما في نفسك؟ (أي: وما يدرينا ما في نفسك؟) هلا أومأت بعينيك! فقال عليه الصلاة والسلام: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين).

    الشاهد في الحديث هو قول عكرمة : (لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص فلا ينجيني في البر غيره).

    1.   

    الإخلاص يعظم العمل

    الإخلاص هو سر وضعه الله عز وجل في القلب، لا يعلمه إلا الله، فهو الذي يجزي به دون غيره، فلذا كان الإخلاص بهذه المنزلة العالية.

    ثم هو يختصر لنا العبادات، فقد جاء عن بعض سلفنا -وينسب هذا القول إلى بلال بن رباح رضي الله عنه- قال: (أخلص دينك لله يكفك العمل القليل) إذاً: الإخلاص مختصر طريق الجنة، وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف:8] توضع النعم في كفة والأعمال في كفة.

    وقد علمنا علماً أكيداً أيضاً أن أعبد رجل على وجه الأرض وهو الرسول عليه الصلاة والسلام -قال لنا: (إنه لن يدخل أحدكم منكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا) فايئس، من هذا الباب، مهما فعلت، فلا تظن في يوم من الأيام أنك توفي نعم الله عليك، فهذا أعبد رجل، ما رأت البشرية ماشياً على الأرض بقدميه أعبد منه صلى الله عليه وسلم يقول هذه المقالة.

    بل أخبرك ما هو مثل ذلك أو أعلى من ذلك: ثبت بأسانيد صحيحة أن الملائكة يوم ينفخ في الصور، تقول: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، والملك إنما خلق ليعبد، لا يلهو ولا يلعب، خلق ليعبد، البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يدخلونه إلى يوم القيامة، سبعون ألف ملك كل يوم! الذي يدخل مرة لا يدخل إلى يوم القيامة من كثرة الملائكة، كلهم يعبدون الله، لا يعرفون الأهواء ولا الشهوات، فإذا قامت فإنهم يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ الأنعام:91] فمتى توفي؟!

    إلهامك الشكر على النعم نعمة تحتاج إلى شكر، فشكرك يحتاج إلى شكر، فمتى تؤدي الشكر؟!

    هدايتك نعمة من أجل النعم تستحق الشكر، فمتى تشكر على الشكر؟ ايئس من هذا الباب.

    فإن أهمك أن تنجو غداً فعليك بالإخلاص: (أخلص دينك لله يكفك العمل القليل).

    وهناك حديث رواه الحاكم في المستدرك لا أورده محتجاً به لضعفه؛ إنما أورده لتوضيح المقام فقط، فقد ذكر أن رجلاً كان يعبد الله في جزيرة، فأنبت الله عز وجل له قحط رمان من الصخر، وأخرج له مثل الإصبع ماءً عذباً، فكان يأكل من الرمان، ويشرب من الماء العذب ويصلي، ليس له إلا ذلك، فسأل الله تعالى أن يقبض روحه وهو ساجد، فلبى له رغبته، وقُبض وهو ساجد، وكان عمر هذا الرجل في العبادة ستمائة عام، فلما قبض قال الله عز وجل: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، قال: بل بعملي. فقال الله له: اعلم أيها العبد أنه لا يظلم عندي اليوم أحد، انصبوا له الميزان، فنصبوا الميزان، ووضعوا نعمة البصر في كفة، وضعوا عبادة ستمائة سنة في كفة فطاشت العبادة، ورجحت نعمة البصر.

    أين بقية النعم؟! ما جاء دورها!

    عبادة ستمائة عام ما وفت بنعمة البصر!

    قال: خذوه إلى النار، فلما جروه إلى النار جعل يصرخ ويقول: يا رب! بل برحمتك، أدخل الجنة برحمتك..! قال: أرجِعُوه، فلما أرجَعُوه، قال: عبدي! من خلقك ولم تك شيئاً؟! برحمتي أم بعملك؟! قال: برحمتك يا رب! قال: من أخرج لك قحط رمان من الصخر؟! برحمتي أم بعملك؟! قال: برحمتك يا رب! قال: من أخرج لك الماء العذب من الماء المالح؟! برحمتي أم بعملك؟! قال: برحمتك يا رب! قال: من قواك على عبادة ستمائة عام؟! برحمتي أم بعملك؟! قال: برحمتك يا رب! قال: فادخل الجنة برحمتي يا عبدي، كنت نعم العبد!

    من ذا الذي يوفي..؟ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34].

    وإنما بدأ بنعمة البصر لأنها من أجل النعم على العبد؛ قال الله عز وجل في الحديث الإلهي: (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، لم أجد له جزاءً إلا الجنة) إنما سماها حبيبة؛ لأنه لا يحب الدنيا إلا بها، وعند الأعمى يستوي الثوب الغالي مع الأسمال البالية ويستوي الدر الثمين مع الخرز المهين؛ فالدنيا إنما تحب بالبصر، لذلك قال: (حبيبتيه) وفي اللفظ الآخر فقال الله تبارك وتعالى في الحديث الإلهي: (إذا ابتليت عبدي بكريمتيه) سماها كريمة؛ لأن العبد الذي يحتاج إلى الناس ذليل، ولا يستطيع أن يعبر الشارع إلا إذا نادى، فهي تكرمه، ولا تحوجه إلى أحد، فلعظم البلاء بها قال له ذلك.

    إذاً: الذي ينجينا من هذا المأزق: الإخلاص (أخلص دينك لله يكفك العمل القليل).

    1.   

    تحقيق الإخلاص بين يسر الدين وتنطع الصوفية

    إن تحقيق الإخلاص سهل، لكن علماء السلوك من الصوفية صعبوه، حتى أن من يقرأ كلامهم عن الإخلاص ييئس أن يكون مخلصاً يوماً من الأيام! وديننا هو دين الحنيفية السمحة، فكيف يعجز المرء عن تحقيق الشرط الذي لا يقبل العمل إلا به؟!

    لقد عسر علماء الصوفية الإخلاص.

    نقل السهروردي في عوارف المعارف عن بعض رءوسهم أنه قال: إذا شهدت في إخلاصك الإخلاص فإن إخلاصك يحتاج إلى إخلاص..!

    يعني: إذا عملت لله عز وجل، وكنت بقلبك تشعر أن هذا العمل لله حبط الإخلاص، فإخلاصك هذا إذن يحتاج إلى إخلاص.

    مع أن الإخلاص شيء يشعر به المرء من نفسه، فهو يعلم متى يكون مقبلاً على الله ليس لأحد في عمله شيء، لكن هذا الصوفي يشكك حتى في البدهيات..!

    ونقلوا عن رويم بن أحمد -وهو أحد رءوسهم كما في تاريخ بغداد للخطيب - قال: (إخلاص المريدين رياء الموحدين..) يريد أن يقول: إن أجل عبادة المريدين لعب عيال عند المقربين..! والدين أيسر بكثير من ذلك، وإن أدنى رجل في الأرض لو أخلص قبل منه ذلك، وأعلى رجل في الأرض لو أشرك رد عليه، قال صلى الله عليه وسلم: (رب أشعث أغبر ذي طمرين (أي: له أسمال بالية، إذا رأيته سقط من عينيك وازدريته) مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) سبحان من لا يعرف أقدار خلقه إلا هو! تزدريه عينك، ويسقط من نظرك، ولو أقسم على الله عز وجل أن يقلب بلداً قلبها، لكرامته عليه.

    أدنى رجل لو أخلص لله قبل الله منه، وأعظم رجل لو أشرك رد عليه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65].

    وذكر الله عز وجل في سورة الأنعام ثمانية عشر نبياً وزكاهم وأثنى عليهم، ثم ذيل هذه التزكية بقوله: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]لا محاباة، الرجل الكبير إذا أشرك بالله عز وجل أو لم يخلص رد عليه، فكيف يقول: (إخلاص المريدين رياء الموحدين)؟! مهما كان قصده بالعبارة، أو كما يقول الآخر: (حسنات الأبرار سيئات المقربين) متى تنوب السيئة عن الحسنة؟

    وهكذا عسر أولئك الصوفية سبيل الإخلاص: (إذا شهدت في إخلاصك الإخلاص فإن إخلاصك يحتاج إلى إخلاص).

    تعرفون بم نرد هذه الدعوى؟ نردها بحديث رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (خرج ثلاثة ممن كانوا قبلكم فآواهم المبيت إلى غار، فلما دخلوا باب الغار نزلت صخرة من الجبل فسدت عليهم الباب، فقال بعضهم لبعض: عفا الأثر، ونزل الحجر، ولا حيلة لكم إلا بالله -وأنا أسرد القصة أذكر زيادات أخرى قد رويت خارج الصحيحين- ولا ينجيكم إلا صالح أعمالكم، فادعوا الله بها.

    فقال الأول: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أُرح عليهما، فلما رجعت وجدتهما قد ناما، فكرهت أن أوقظهما، فوقفت بجانبهما والإناء على يدي، وأنا واقف والصبية يتضاغون تحت قدمي، وأنا أكره أن يشرب قبلهما أحد، حتى برق الفجر فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت تعلم أنني فعلت هذا ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه؛ فانفرجت الصخرة قليلاً، غير أنهم لا يستطيعون الخروج.

    وقال الثاني: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم، وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأصابتها سنة -أي: مجاعة وحاجة- فجاءتني تطلب مالاً، فراودتها عن نفسها فأبت، ثم جاءتني تطلب مالاً فراودتها عن نفسها فرضيت، فلما قعدت منها مقعد الرجل من امرأته قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت لها المال، اللهم إن كنت تعلم أنني فعلت هذا ابتغاء مرضاتك، ففرج عنا ما نحن فيه؛ فانفرجت الصخرة قليلاً، غير أنهم لا يستطيعون الخروج.

    وقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجراء استأجرتهم على فرق من أرز، فأبى واحد منهم أن يأخذ أجره وتركه، فثمرته له -يعني: نماه له- فجاءني يطلب أجره، فقلت له: كل الذي ترى هو لك. فقال: يا عبد الله! أعطني حقي ولا تستهزئ بي. فقلت له: لا أستهزئ بك. فساق النعم كلها أمامه ولم يترك منها شيئاً، اللهم إن كنت تعلم أنني فعلت هذا ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه؛ فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون).

    قد علم هؤلاء صالح أعمالهم، فإنهم لن يكذبوا على الله وهم مضطرون، بل لو كانوا كفرة لأخلصوا، والظاهر أنهم كانوا من المؤمنين؛ لذلك ساق النبي صلى الله عليه وسلم لنا خبرهم مساق المدح لفعلهم، فالمؤمن يعرف من نفسه إذا كان قد أخلص أم لا، وقد قال بعض السلف: إني فعلت ذنباً منذ أربعين سنة أنتظر عقوبته.

    كيف لا يعرف المرء صالح عمله من فاسده إلا إذا كان مجنوناً لا يعقل، فتحقيق الإخلاص سهل، والله عز وجل لا يصعب عليك ما جعله شرطاً في قبول العمل، لو كان الإخلاص صعباً كما يقول الصوفية لما استطاع أحد أن يخلص.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يخلص نياتنا، وأن يتقبل منا سائر أعمالنا..

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    عقبات في طريق الإخلاص

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    إذا كان الإخلاص بهذه المثابة، فإن في طريق الإخلاص عقبات، ولا تستطيع أن تصل إلى أمر إلا بشيئين: بالقوة الدافعة وبضعف المانع، فإذا ازدادت القوة وضعف المانع وصلت، أما إذا زاد المانع وضعفت المنة، فعندها لا يكاد المرء يصل.

    في طريق الإخلاص عقبات: عقبات حقيقية، وعقبات موهومة يظنها الناس من العقبات، لكن ليست كذلك، وأخطر النوعين: العقبات الموهومة، أما العقبات الحقيقية فكل الناس يعرفها، لكن لا يعرف كيف يتخلص منها، لذلك سنركز على العقبات الموهومة، التي تنزل منزلة الشبه.

    عقبة الشبهات

    إن جميع الأشياء لا تخلو من أحد ثلاثة أحكام، قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات) فالأمر لا يخرج عن أن يكون حلالاً محضاً، أو حراماً محضاً، أو مشتبهاً:

    أما الحلال البين المحض فكل الناس يعرفه.

    وأما الحرام المحض فكل الناس يعرفه، وإن تذرع أحدهم أنه لا يعرفه، قال الله عز وجل: بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [القيامة:14-15]، يقول: أنا ما كنت أعرف أنه حرام، لكنه في قرارة نفسه يعرف أنه حرام، فهو يدعي كذباً أنه لا يعرف، فلو لقي الله عز وجل لفضحه، لأنه يعلم.

    إذا كان الحرام لا يلتبس على الحيوانات فهل يلتبس على الذي نزل الله عز وجل عليه الكتاب ليعمل به؟! فإن القط لو خطف قطعة اللحم من أمامك لا يمكن أن يأكلها بجانبك، بل يخطفها ويهرب، لكن لو أعطيته أنت القطعة أكلها بجانبك، فهو يعرف الحلال من الحرام.

    إذاً: الإنسان الذي ركب الله عز وجل فيه آلة العقل، وجعلها مناط التكليف لا يمكن أن يكون جاهلاً بالحرام المحض (100%).

    لكن المشكلة في الشبهات؛ فهن (لا يعلمهن كثير من الناس) إذاً: لا يعلم حقيقة الشبهة إلا أقل الناس.

    الشُبهة أو الشَبهة هي شيء يتجاذبه طرفان: من وجه تجدها حلالاً، ومن وجه آخر تجدها حراماً، فتسأل نفسك: هل تلتحق بالحلال أم بالحرام؟ رجل يقول: أنا أضع أموالي في حساب جار في البنك، الحساب الجاري ليس عليه فائدة، إذاً: أنا بهذا نجوت من الربا؛ لكنه وضع أمواله في بنك، وهذا هو الذي عكر عليه الموضوع، وجعله يسأل أي مفتٍ يلقاه، ولو كان يعتقد أنه حلال (100%) ما سأل أحداً، ما سأل إلا لأنه خائف، وعنده شك، ولو أنه أخذ المال وأعطاه لأحد التجار، ليضارب به فلن يذهب إلى مفت ليسأله: قل لي إذا أنا شغلت مالي عند أحد فهل هذا حلال أو حرام؟ ولا أحد يسأل هذا السؤال.

    إنما حين وضع المال في البنك، والعلماء تكلموا عن الربا في البنوك، وبعد أن وضع المال، قال لك: لا آخذ رباً، لكن بقيت مسألة البنك، فيأتي العالم، هل علي جناح؟ نقول: نعم؛ لأن أدنى ما في هذه قول الله عز وجل: وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] أنت تعطي البنك سيولة يصرف نفسه.

    أرأيت إلى رجل مرابٍ في بلد، ورجل عنده مال، فيذهب للمرابي يقول له: خذ عندك المائة ألف هذه إلى أن أرجع.

    فهل سيترك هذا المرابي المائة ألف أو يستغلها؟ ويقرض الناس منها بالربا؟ فهذا تعاون على الإثم والعدوان، وإن لم تأخذ من هذا المال فائدة.

    فهذا السائل يسأل عن هذا الأمر؛ لأن لهذا الأمر وجهين: وجه حلال ووجه حرام.

    فلذلك مفتي الشبهات: هو الورع؛ وهو مفتي من لا مفتي له، فإذا عرض لك عارض في عمل ما، ولم تجد مفتياً، فإن الحل هو في قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) فالورع هو المفتي الجاهز الذي هو ملازم لك، لا يفارقك سفراً ولا حضراً، فإن لم تجد مفتياً، وأنت تريد تسأل عن أمر: أحلال هو أم حرام؟ فإن الورع يفتيك بترك هذا الأمر الذي اشتبه عليك (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن حام حول الحمى كاد أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى).

    أي دولة في الدنيا لها حدود آمنة، لو حاول أي شخص أن يعتدي عليها يبذل أهل الدولة النفس والمال في سبيل الدفاع، ورئيس البلد يقول: هذه سيادة بلد، فكيف تخترقون الحدود؟ وتبقى مشكلة: (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه)، فإذا دخل رجل على محارم الله، فكيف لا ينتقم وهو ملك الملوك؟! كيف لا ينتقم من الذي دخل الحمى؟!

    كيف تؤمن نفسك؟

    هذا الحلال البين: منطقة، والشبهة، وبعدها الحرام، إذا بقيت في الحلال طول عمرك كيف تصل إلى الحرام، وبينك وبينه منطقة الشبهة، إذاً: بينك وبين الحرام منطقة آمنة هي منطقة الشبهة، لكن لو قفزت من المنطقة الحلال ونزلت في الشبهة اقتربت من الحرام، الذي سوغ لك أن تنتقل من الحلال إلى الشبهة سيجرك إلى الحرام، وطالما دخلت هذه الأرض المحايدة المنزوعة السلاح، فإنك لا تأمن أن تتقدم خطوة كل يوم حتى تصل إلى الجدار الفاصل ما بين الشبهة والحرام، ومن ثم تقع في الحرام.

    فإذا أردت أن تبقى دائماً بعيداً عن الحرام فلا تغادر منطقة الحلال أبداً، لا تنزل في منطقة الشبهة، وتورع عن كل شبهة (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه ولعرضه).

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.