إسلام ويب

أيها العاصي أقبلللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ليس من العيب أن يذنب العبد ، ثم يعترف بذنبه ويتوب إلى الله؛ ولكن العيب أن يتمادى الإنسان في معصيته ويصر على مقارفتها، ثم بعد ذلك يسوف في التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، ولعل الموت يباغته وهو على هذه الحال؛ فهذه دعوة لكل عاصٍ أن يقبل إلى ربه، ودعوة لكل مخطئ أن يقصد خالقه .. فهلم إلى رب يفرح بتوبتك .. هلم إلى رب وسعت رحمته كل شيء .. هلم إلى رب قبل توبة عبد قتل مائة نفس!! فلا إله إلا الله ما أرحمه بعباده!

    1.   

    حديث الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً وفوائده

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    درسنا هذا المساء هو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كان رجل فيمن كان قبلكم قتل تسعاً وتسعين نفساً، فقال: دلوني على أعلم أهل الأرض. فدلوه على راهب، فقال له: إني قتلت تسعة وتسعين نفساً.. ألي توبة؟ فقال له: لا، فقتله. ثم أذن الله تبارك وتعالى له بتوبة، فقال: دلوني على أعلم أهل الأرض، فدلوه على راهب عالم، فقال: إني قتلت مائة نفس.. ألي توبة؟ قال: نعم، ومن يحجب عنك باب التوبة، اخرج إلى أرض كذا وكذا فإن فيها قوماً صالحين يعبدون الله فاعبد الله معهم، فناء الرجل بصدره إلى الأرض التي أمر بها، فما إن خرج غير بعيد حتى قبض، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأرسل الله تبارك وتعالى إليهم حكماً: أن قيسوا المسافة بين الأرضين، فإلى أيتها كان أقرب فهو من أهلها.

    ثم أمر الله تبارك وتعالى الأرض فأوحى لهذه: أن تقاربي، ولهذه: أن تباعدي، فقاسوا المسافة بين الأرضين، فوجدوه أقرب إلى أرض المغفرة بشبرٍ واحد؛ فغفر له فدخل الجنة).

    الحديث من الإسرائيليات الصحيحة

    هذا الحديث من الإسرائيليات الصحيحة التي حفظت لنا بالسند الصحيح، ويظن بعض الناس إذا أطلقت كلمة (الإسرائيليات) فإنها ترادف المكذوبات، والحقيقة أن الإسرائيليات على ثلاثة أقسام كما هو عند أهل العلم:

    القسم الأول: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يحتج به في ديننا.

    القسم الثاني: ما صح عن بني إسرائيل أنفسهم، وهذا القسم قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حدثكم بنوا إسرائيل فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) فهذا القسم نستأنس به في توضيح بعض النصوص الشرعية عندنا، ولكن لا يحتج به، وإنما يتخذ كعاضد فقط.

    فمثلاً: القصة التي رواها أبو الشيخ في كتاب العظمة: أن داود عليه السلام اصطفى رجلاً من أهل مملكته، فكان الناس يغبطونه على مكانته من داود عليه السلام، فلما مات داود عليه السلام قال سليمان: من أصطفي؟ فقال: لا أجد مثل جليس أبي فقربه؛ فزادت غبطة الناس عليه، وكان ملك الموت عليه السلام يجالس الناس عياناً، فدخل على سليمان عليه السلام فلحظ الرجل -(لحظه) أي: نظر إليه بطرف عينه- فارتعد -أي: الجليس- فلما خرج ملك الموت قال الجليس لسليمان : من هذا الذي لحظني؟ قال: إنه ملك الموت. قال: وأنا أكون في بلدٍ فيها ملك الموت! قال: ماذا تريد؟ قال: مر الريح فلتقذف بي في أرض الهند.

    ثم جاء ملك الموت عليه السلام فقال له سليمان : لماذا لحظت الرجل؟

    قال: إن الله أمرني أن أقبض روحه في أرض الهند، فلما وجدته -أي: عندك- تعجبت! فلما ذهبت إليه في الموعد المعلوم وجدته هناك، فانتزعت روحه.

    فيمكن أن تذكر هذه القصة عند قوله تبارك وتعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78].

    القسم الثالث: ما لم يصح عن بني إسرائيل أنفسهم، فهذا القسم لا يحتج به.

    فحديثنا من القسم الأول -القسم الصحيح- وهو: ما حفظ لنا بالسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    الحديث يقول: (إن رجلاً ممن كان قبلنا) وهذه القصة حدثت بعد زمن عيسى عليه السلام؛ لأن الرهبنة ما ظهرت إلا في أتباعه، كما قال تبارك وتعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد:27].

    هل لقاتل المؤمن توبة؟

    هذا الرجل قتل تسعاً وتسعين نفساً، ارتكب أعظم الجرائم بعد الشرك وهو: قتل النفس، ولعظم هذه الجريمة يكون (أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء) كما في حديث ابن مسعود في الصحيحين، ولعظم هذه الجريمة تنازع فيها الفقهاء: هل لقاتل المؤمن توبة أم لا؟

    والقاعدة المعروفة تقول: (إن لحوق الوعيد مشروط بعدم التوبة) أي ذنب له توبة بدءاً من الشرك إلى أقل ذنب، ومع ثبوت هذا الأصل عند العلماء تنازعوا هل لقاتل المؤمن توبة أم لا؟

    هذا يشعرك بعظم هذه الجريمة الكبيرة، فكان ابن عباس رضي الله عنهما وزيد بن ثابت وإحدى الروايات عن أبي هريرة يقولون: (ليس لقاتل المؤمن توبة) كما جاء في البخاري قال سعيد بن جبير : تنازع أهل الكوفة هل لقاتل المؤمن توبة أم لا؟ فرحلت إلى ابن عباس فقال لي: لا. ثم قال: إن آية النساء نزلت بعد آية الفرقان ولم ينسخها شيء.

    ولكن صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أفتى بأن قاتل المؤمن له توبة، كما في الأدب المفرد للإمام البخاري بسند صحيح عن عطاء بن يسار قال: ( كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني، ثم خطبت غيري فغرت عليها فقتلتها، ألي توبة؟

    قال له: أمك حية؟

    قال: لا.

    قال: اذهب وتب إلى الله وتقرب إليه ما استطعت. قال: فلما مضى الرجل قلت لـابن عباس: لماذا سألته عن حياة أمه؟

    قال: ما أعلم شيئاً يقرب إلى الله مثل بر الوالدة ) .

    فهذه الرواية صحيحة عن ابن عباس أنه يرى أن قاتل المؤمن له توبة، ويبدو لي أن ابن عباس رضي الله عنهما كانت فتواه تتغير على حسب الحالة، فقد صح بسند قوي أن رجلاً جاء إلى ابن عباس فقال له: ( ألقاتل المؤمن توبة؟

    قال له: لا. فلما مضى الرجل قال له أصحابه: أولم تفتنا أن قاتل المؤمن له توبة؟ قال: نعم، ولكني رأيت في عينيه الشر )، فهو يريد أن يعلم أن له توبة، فيقتل، ثم يتوب، فلاحظ ابن عباس هذا فيه، ولذلك كان من الأصول التي ذكرها أهل العلم في الكتب وصنفوها في أدب الفتوى والمفتي والمستفتي: ( أنه يجوز للمفتي أن يفتي بالأشد إن كان له وجه في الدليل مراعاة لحال المستفتي ): وليس هذا من التلاعب كما يظن بعض الناس، لأنه لابد أن يكون للفتوى وجه في الدليل.

    والمفتي العاقل هو الذي ينزل الفتوى على حال المستفتي، مثال هذا في العصر الحاضر: ما أفتى به فضيلة الشيخ محمد صالح العثيمين فيما يتعلق بالنقاب، فتوى الشيخ خرجت مجملة هكذا: ( إن النقاب لا يجوز ) النقاب: هو البرقع، وابن عثيمين يرى السدل من شعر الرأس إلى أخمص القدم، يقول: ( وقد كان هذا البرقع موجوداً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكني اليوم لا أرى جوازه ) فبعض الناس طار بها وقال: إن الشيخ يحرم النقاب.

    الحقيقة: أن الفتوى إنما تنزل على ما يفعله بعض النساء في المملكة، كانت تنزل من البرقع قليلاً وترفع الرأس قليلاً وإذا بنصف وجهها يظهر.

    فالمفتي إذا كانت الفتوى عنده مقيدة بشروط فعلم أنه إذا أطلق الجواز بالشروط أخذ الناس الفتوى بغير شروط جاز له أن يغلق الباب، وتكلم العلماء في أدب الفتوى والمفتي والمستفتي على هذا بكلام طويل جداً ونفيس، لعلنا نتعرض له بشيء يسير عند مناسبته في هذا الحديث إن شاء الله تعالى.

    فالحاصل: أن أهل العلم لما اختلفوا في مسألة توبة القاتل فهذا يدل على عظمها، كيف لا وقد قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] فجمع عليه خمس عقوبات.

    والصحيح عند أهل العلم أنه لا يوجد ناسخ ومنسوخ بين آية النساء وبين آية الفرقان: وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * a= 6002924>إِلَّا مَنْ تَابَ[الفرقان:68-70] فقال العلماء: يحمل المطلق على المقيد هنا.

    إذاً الجمع بين الآيتين: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، إِلَّا مَنْ تَابَ [الفرقان:70] إذاً تفهم الآيتان بهذا، وهذا هو الذي اختاره جماعة من أهل العلم منهم القرطبي وغيره.

    فهذا الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً أذن الله تبارك وتعالى له بتوبة، كيف لا وذنبك مهما عظم شيء ورحمة الله وسعت كل شيء؟! ولذلك لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون حقاً، وجاء في الحديث الصحيح: (خلق الله الرحمة مائة جزء، فأنزل على الأرض جزءاً واحداً يتراحم منه الخلائق، حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) بجزء واحد من الرحمة، فإذا يئس العبد من مائة جزء من الرحمة لا يكون مؤمناً أبداً.

    فاسألوا أهل الذكر

    فأذن الله تبارك وتعالى له بتوبة فقال: (دلوني على أعلم أهل الأرض).

    قالوا قديماً: حسن السؤال نصف العلم؛ لأن العلم عبارة عن سؤال وجواب، فإذا ما أحسن الإنسان السؤال خرج الجواب حسناً على مقتضى السؤال، لأن الجواب كالصدى بالنسبة للصوت.

    فهذا الرجل قال: (دلوني على أعلم أهل الأرض) الإنسان إذا مرض لا يرضى بممرض عام أو طبيب لا زال متعلماً، يقول: أنا أريد رئيس القسم، لماذا رئيس القسم؟

    يقول: لأنه أصبح ضليعاً، ولديه خبرة، فسبحان الله! الإنسان يعامل دينه معاملة بدنه، فعندما يريد أن يستفتي في مسائل الدين لا يرضى بأي إنسان يقابله، حتى وإن تزيا بزي أهل العلم، إنما يسأل عن أعلم الناس، وهذا هو الواجب على العامي أن يسأل عن أعلم الناس، يقول: أريد أعلم الناس، حتى لو دلوه على رجل لم يكن كذلك فقد فعل ما أمر به، كما قال تبارك وتعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] (أهل الذكر): هم العلماء الراسخون.

    العابد الجاهل ضحية لجهله

    (فدلوه على راهب، فقال: إني قتلت تسعاً وتسعين نفساً.. ألي توبة؟ قال له: لا؛ فقتله).

    هذا الراهب صار ضحية لسانه لجهله، فإنه أخطأ مرتين:

    الخطأ الأول: أنه أفتى فيما ليس من حقه أن يفتي، (ألي توبة؟ قال: لا)، وما يدريك؟ التوبة هذه ما لأحد أبداً حق في أن يقحم نفسه فيها ولا أن يقول: تيب على فلان أو لم يتب، هذا ليس من اختصاص أحد، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول -كما في حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه في البخاري وغيره-: (قال رجل لأخيه: والله لا يغفر الله لك. فقال تبارك وتعالى: من ذا الذي يتألى عليَّ، قد غفرت له وأحبطت عملك) وما أدراه أيغفر له أم لا؟ أتخذ عند الله عهداً؟ وفي رواية الطبراني لهذا الحديث قال الله تبارك وتعالى لذلك النبي: (مره فليستأنف العمل) كل عمله الماضي أحبط فليبدأ من جديد؛ بسبب كلمة قالها.

    وفي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كان رجلان متواخيان في بني إسرائيل أحدهما مجد والآخر مقصر، فلا يزال المجد يقرع المقصر ويقول: تب إلى الله فإنه لا يحل لك ذلك، فقابله يوماً فوعظه فأكثر عليه، فقال له المقصر: خلني وربي، أبعثك الله عليَّ رقيباً أم جعلك عليَّ حسيباً؟ فقال له: والله لا يغفر الله لك! فقبضهما الله تبارك وتعالى ثم قال للمجد: أكنت على ما في يدي قادراً أم كنت بي عالماً؟ خذوه إلى النار، ثم قال للمقصر: خذوه إلى الجنة برحمتي) .

    هذا الباب لا يمكن أن يفتي فيه عالم، إنما الجاهل هو الذي يتجرأ، كيف لا والإنسان نفسه لا يدري أيقبل عمله أم لا؟! فإن كان عاجزاً عن معرفة مصيره فلأن يكون أعجز عن معرفة مصير غيره أولى، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لـعائشة رضي الله عنها لما تلت قوله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60] أي: يفعلون الفعل وهم خائفون مغبة الحساب أمام الله تبارك وتعالى، قالت: (يا رسول الله! أهذا الذي يزني ويسرق؟ قال: لا يا ابنة الصديق هؤلاء أقوام جاءوا بصلاة وصدقة وصيام، ثم يخشون ألا يتقبل منهم) يخشى ألا يتقبل منه رغم أنه يقف بين يدي الله تبارك وتعالى يفعل الصالحات ولا يفعل المنكرات، ولكنه لا يدري أيقبل الله تبارك وتعالى منه عمله بفضله أم يرده عليه بعدله.

    فهذا الباب مغلق ولا يكون إلا لنبي الله تبارك وتعالى يطلعه على الغيب فيما يتعلق بفلان أو مصير فلان، أما بقية البشر فلا يجوز لأحد قط أن يلج هذا الباب؛ لذلك عرفنا أن الراهب هذا جاهل بسبب فتواه، فإن أهل الورع يستعظمون الإكثار من المباحات فكيف إذا جهر بالمحرمات؟! ولذلك الشيطان يسهل عليه أن يدخل على أهل الورع الذين ليس عندهم علم ويلبس عليهم بخلاف العلماء.

    أهل الورع هم الذين يكرهون الإكثار من المباحات فمثلاً: قرأت لبعضهم -وينسبونه لبعض الزهاد المتبوعين، ولا أدري بصحة ذلك-: أن رجلاً جاء إلى هذا العابد فقال: إن شاتي سرقت. فذهب هذا العابد إلى قصاص، وقال له: كم تعيش الشاة؟ قال مثلاً: خمس سنوات، فحرم على نفسه أكل لحوم الشياه لمدة خمس سنوات.. لماذا؟ خشية أن يأكل من الشاة المسروقة.

    فالإنسان إذا عمل بهذا في خاصة نفسه -لا بأس به، والورع هذا ليس له حد، تنقطع فيه أعناق الإبل كما يقال، ولكن لا يأتي الإنسان فيفرضه على أخيه، ولا يفتي به، فهناك فرق بين أن يتبنى الإنسان الشيء في نفسه وبين أن يفتي الناس به.

    فمن جهة الفتوى لا يحل لأحد أن يقول: لا تأكل، لكنه قد يعمل به في خاصة نفسه، فتصور رجلاً قد يصل به الورع إلى هذه الدرجة وجاءه رجل فقال: إني قتلت مائة نفس، فالحمد لله أن روحه لم تخرج من بشاعة الذنب! لذلك أول ما قال: قتلت مائة نفس.. ألي توبة؟ قال له: لا. بادر وأغلق باب التوبة في وجهه.

    الخطأ الثاني الذي أخطأ فيه هذا الراهب: أنه ما كان عنده فقه النفس الذي هو: مراعاة مقتضى حال المخاطب، أو حالة الفتوى على حال المستفتي، أو وضع الأمور في مواضعها.. هذا هو معنى فقه النفس، والعلماء يشترطون في المفتي أن يكون فقيه النفس.

    فهذا العابد لم يكن عنده من فقه النفس شيء، بدليل أنه لم يراع حال المستفتي، فهو أمام رجل قتل تسعاً وتسعين نفساً فما هو المانع أن يضيف على التسعة والتسعين واحداً آخر؟ إذا علم أنه إن أغلق في وجهه باب الأمل، فكان المفروض أن يداريه ولا يجيب، يقول: دعني أراجع .. اسأل فلاناً .. مر عليَّ بعد يوم أو بعد يومين.. إلخ، والمداراة هذه مسألة مطلوبة لاسيما إذا واجه الإنسان فتوى معينة ليس عنده عنها جواب أو هي مما عمت بها البلوى ولم يكن عنده فيها جواب حاسم، فله أن يخرج منها بطريقة ما.

    فهذا الرجل لم يكن عنده من فقه النفس شيء، فدلنا ذلك على أنه لم يكن عالماً حقاً، ولذلك راح ضحية جهله.

    جواز تكرار العامي السؤال على أكثر من عالم إذا حاك في صدره شيء

    ( ثم أذن الله تبارك وتعالى لهذا الرجل العاصي بتوبة فقال: دلوني على أعلم أهل الأرض).

    وفي هذا دليل على استحباب أن يسأل العامي عالماً آخر إذا حاك في صدره شيء من فتوى الأول؛ لأن العلماء الذين صنفوا في أدب الفتوى والمفتي والمستفتي يقولون: ( لا يجوز للعامي أن يعدد السؤال على أكثر من عالم ) وهذا -في الحقيقة- آفة موجودة عند بعض الناس، كلما أتى إلى عالم يسأله سؤالاً معيناً، ثم يقارن بين أجوبة العلماء أو طلاب العلم.. أولاً: ما هو المقصود بالسؤال؟ أليس هو رفع الإشكال؟ إنما شرع السؤال لرفع الإشكال.

    فإذا كان هذا الإنسان من العوام لا يستطيع أن يرجح الحق بدليله، فسأل رجلاً سؤالاً فقال له: حرام، ثم سأل آخر نفس السؤال فقال له: حلال، فماذا يفعل وليس عنده الآلة التي يميز بها بين القولين؟ أيهما أحق أن يتبع المحرم أم المحلل؟

    إما أنه سيسيء الظن بهؤلاء العلماء ويقول: لو كانوا علماء حقاً لاتفقت فتواهم، وإما أنه سيخرج من الأقوال كلها ويكون هو شيخ نفسه ويتبع هواه.

    إذاً: ليس هناك ثمرة على الإطلاق أن يعدد السؤال على أكثر من عالم، لاسيما إذا لم يكن له حاجة إلى مثل ذلك.

    إنما العلماء استحبوا للعامي أن يكرر السؤال على عالم آخر إذا حاك في صدره شيء من فتوى الأول، فهذا الرجل لما قال له: ( ألي توبة؟ قال له: لا) لجأ إلى عالم آخر يسأله عن هذه المسألة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (فدل على راهب عالم) .

    تجريد الأول من وصف العلم دلنا على أنه جاهل (راهب)أي: متعبد، ومن أعظم أبواب الخلل اختلاط الأزياء والسمت، دخول من لهم سمت العالم ووصف العلماء مصيبة عظيمة جداً؛ لأن كثيراً من الناس لا يميز بين العالم والمتشبه به، فإذا قيل: أين العالم الفلاني الذي في البلد؟ يشار إلى فلان، مع أنه ليس من أهل العلم، إنما تدين بزي أهل العلم فظنه الناس كذلك.

    أذكر قصة ذكرها أبو الفرج ابن الجوزي : أن رجلاً كان يتزيا بزي العلماء ركب سفينة مع أناس، فهبت عليهم ريح عاصف، فجاءوا إليه فقالوا له: ماذا نفعل؟ قال: كل إنسان ينذر نذراً إن نجاه الله تبارك وتعالى من هذا ليوفين بنذره، فكل شخص نذر إن نجاه الله -مع أن هذا النذر المشروط متكلم فيه- ليوفين بنذره، فلما أنجاهم الله تبارك وتعالى كل منهم وفى بنذره، فلما جاء الدور على هذا الذي استفتوه، قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس عندي شيء أنذره، ولكن امرأتي طالق: من وجهك ثلاثاً!!

    هذا عجيب جداً! لذلك إذا كان هذا الرجل يرتدي جبة أو شيئاً من هذه الملابس وليس كهؤلاء -كما يقول الشوكاني - يعد في جملة المتعاقلين. أي: ليس بعاقل ولكنه متعاقل، فإذا قيل: عدوا لنا العقلاء دخل هذا معهم؛ لأن له سمت العقلاء فقط، ولكنه ليس كذلك.

    جواب الحكيم وحاجة العالم إليه

    فلما لطف الله تبارك وتعالى بهذا الرجل، قال: ( دلوني على أعلم أهل الأرض ) فدل هذه المرة على راهب عالم، فقال له: (ألي توبة؟ قال له: نعم، ومن يحجب عنك باب التوبة؟! اخرج إلى أرض كذا وكذا).

    وهذه الإجابة يسميها العلماء بجواب الحكيم، جواب الحكيم: هو الزيادة في الجواب على سؤال السائل؛ لأن حاجة السائل لا تتم غالباً إلا بها. ولذلك يسمونه جواب الحكيم.. لماذا؟ لأن المفتي فقيه النفس، فلما سأله إنسان هذا السؤال راعى أنه قد يستشكل شيئاً ما، فزاده جواباً ليعالج هذا الاستشكال، لاحتمال أن يقابله بعد ذلك.

    ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم سيد الحكماء ضرب المثل الأعظم في هذا الجانب، ومنه أخذوا هذا التعريف، ففي السنن بسند قوي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجال من بني عبد الدار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! إنا نركب البحر ويكون معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ قال: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) مع أنهم لم يسألوا عن ميتة البحر، وإنما سألوا عن طهورية ماء البحر، فقال عليه الصلاة والسلام: (هو الطهور ماؤه) وكان يكفي هذا القدر بالنسبة للجواب عن سؤالهم، لكن قال عليه الصلاة والسلام: (الحل ميتته) فلم أعطاهم هذه الزيادة؟ الذي يستشكل طهورية ماء البحر لأن يستشكل ميتته أولى، لاسيما إذا لم يكن عنده دليل بحل ميتة البحر، فهو حينئذٍ يأخذ بعموم الآية المحرمة للميتة في القرآن: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة:3] (الميتة) أي: كل أنواع الميتة.

    وكيف لا يستشكل أمر الميتة على أمثال هؤلاء وقد استشكل على من هو أعظم منهم أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو: أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، كما رواه الشيخان من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما في غزوة سيف البحر، فقد قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (أرسلنا النبي صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة في غزوة من الغزوات، وأعطانا جراب تمر، فكان يعطينا حفنة حفنة، ثم يعطينا تمرتين تمرتين، ثم يعطينا تمرة تمرة، فكنا نمصها ونشرب عليها الماء، فلما نفد التمر كنا نضرب ورق الشجر بقسينا فنأكله، حتى رفع لنا البحر بدابة عظيمة يقال لها: العنبر) حوت كبير جداً، يقول جابر بن عبد الله : (نزلنا ثلاثة عشر رجلاً في وقب عينه) وكانوا يأخذون الدهن بالقلال من عينه، قال: (وجاء أبو عبيدة فنصب عظماً من عظامه، فأتى بأعلى بعير وركبه أطول رجل فمر من تحته) يعني: دابة عظيمة جداً.

    حسناً: ما كان موقف أبي عبيدة وهو الأمير؟ أول ما رآه قال: ميتة لا تأكلوه. ليس عنده الحديث الذي يدل على حل ميتة البحر، وعنده النص القرآني فأعمله، وقد استدل العلماء بهذا فقالوا: إن الإنسان إذا وجد دليلاً عاماً لا يجوز له أن يتوقف في العمل به بحثاً عن الخاص) لا يقول: لعله مخصوص، أو يقول: لعله منسوخ، أو يقول: لعله مقيد؛ فيتوقف عن العمل به، بل يجب عليه أن يعمل بالعموم حتى يجد الخاص؛ ولا يتوقف عن العمل بالعموم بحثاً عن الخاص لأنه قد لا يوجد مخصص لمثل هذا العام.

    فـأبو عبيدة بن الجراح ما توقف، وإنما عمل بالعام الذي عنده، وكما قال ابن عباس في صحيح مسلم: (أفلح من انتهى إلى ما سمعه). قال أبو عبيدة : ( ميتة لا تأكلوه، ثم رجع إلى نفسه فقال: جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله، ونحن مضطرون فكلوا ) فخرج هذا التأويل على الآية أيضاً: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:3].

    فإذا كان مثل أبي عبيدة بن الجراح يستشكل هذا فلأن يستشكله بعض الأعراب الذين لم يخالطوا النبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى، إنما كان الواحد منهم يأتي لماماً إلى مجلسه عليه الصلاة والسلام يسأله ثم ينصرف.

    أضف إلى ذلك أنهم في قولهم: ( إنا نركب البحر ) فهذا يدل على ديمومة ركوب البحر بالنسبة لهم، فقد ينفد زادهم، فإما أن يأكلوا من ميتة البحر وإما أن يموتوا، فالنبي عليه الصلاة والسلام راعى هذا بالنسبة لهم لما رأى استشكالهم للشيء اليسير علم أن استشكالهم للأعظم أولى فدلهم على ذلك.

    إذاً: تتمة الجواب والنصح لا تكون إلا بذكر مثل هذه الزيادة.

    وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين لما جاءته المرأة بصبي صغير فقالت: (يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال لها: نعم، ولك أجر) مع أنها ما سألت عن الأجر، وكان الجواب يتم (بنعم) إنما قال لها: (ولك أجر) تحفيزاً؛ لأن البشر دائماً لا يعملون إلا لهدف ومقصد، ولو أن محض العمل بدون أجر ما وجدت أحداً يتكلف، ولذلك جعل الله الجنة والنار جزاءً، وهذا مع أنه يدرك بشيء من التأمل في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها).

    الإنسان إذا غرس الفسيلة -وهي النخلة- إنما يغرسها لما يؤمل من أنه سيأكل من ثمرها أو أولاده أو أي إنسان آخر، فإذا علم أنه لن يأكل منها إنسان ضعفت همته وراح وازعه، فقال عليه الصلاة والسلام: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة -لا يقول: لمن أغرسها؟ ومن الذي سيأكل منها وقد قامت الساعة؟ لا- فليغرسها) يعني: خالف نظرتك: أنك لا تفعل الشيء إلا لهدف.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام لما قال:(ولك أجر) فهو يحفز أي شخص معه صبي أن يأخذه بغية الأجر.

    ومثل قوله عليه الصلاة والسلام عندما قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. فقال رجل: يا رسول الله! إن الرجل منا يحب أن يكون نعله حسناً وثوبه حسناً.. قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ) فانظر.. زيادة الجواب عرفتنا بصفة من صفات الله تبارك وتعالى، ثم عرفتنا بتعريف الكبر.

    فجواب الحكيم هو: أن يزيد المفتي السائل شيئاً في الجواب لا تتم حاجة السائل من الجواب غالباً إلا به، فعندما تقرأ في الكتب التي صنفت في الآداب -آداب الفتوى والمفتي والمستفتي- تراهم يقولون: (لا يجوز للمفتي أن يزيد عن حاجة السائل في الجواب)، فبعض الناس قد يستشكل مثل هذه القاعدة مع ما ذكرناه من الأحاديث. نقول: لا إشكال؛ لأنهم قالوا: ( لا يزيد عن حاجة السائل في الجواب )؛ لأن الزيادة عن حاجة السائل قد تشوش عليه أصل الجواب، كأن يقول لك إنسان: ما حكم القراءة خلف الإمام؟ فتقوم تسرد له مذاهب العلماء وأدلتهم وتناقشها، فتشوش على الرجل من جهة الفتوى، ولا يعرف ما الذي يخرج به، هذا هو المنهي عنه.

    لذا قلنا قبل ذلك: إن مشروعية السؤال إنما هي لرفع الإشكال، وليس أن يدخل السائل في هذه الدوامات.

    إذاً كلام العلماء في منع الزيادة في الجواب أي عن حاجة السائل، أما إذا كانت حاجة السائل لا تتم إلا بالزيادة على الجواب فمن فقه النفس -أي: للمفتي- أن يزيده ذلك.

    من الأمور المعينة على التوبة هجر أرض السوء وأهلها

    هذا الراهب العالم زاد هذا الرجل زيادة لابد منها حتى تتم توبته (قال: نعم) وبهذا تم الجواب، ثم قال له: (ومن يحجب عنك باب التوبة؟! اخرج إلى أرض كذا وكذا) إذاً لابد لهذا القاتل من الخروج من أرض السوء وإلا سيعود إلى الإجرام مرة أخرى؛ لأن الإيمان يزيد وينقص، وإذا علم أن رجلاً يقتل مائة نفس في أرض لا يوجد فيها من يأخذ على يديه ويقول له: اتق الله! دل على أنه لا خير في هذه الأرض أبداً، بل لما تجبر هذا الرجل قطعاً وجد جماعة ممن يخافون منه يزينون له معصية القتل، وربما أنه يخشى منهم، فلابد أن يسيغ لنفسه القتل حتى يأمن من شرهم، وربما إذا رجع وتاب عيروه بالجبن والخور والخوف، فيمكن أن يعود مع وجود هذه البطانة السيئة، فلابد أن يخرج من هذه الأرض، حتى وإن حن إليها، لاسيما الأرض التي شهدت ملاعب صباه وعاش فيها، فإنه يحن دائماً.

    ولذلك كان جواب العلماء عن دواء العشق -وهو الرجل الذي ابتلي بعشق المرأة- فقالوا: ( أن يفارق الأرض التي بها المرأة ) لماذا؟ لأنه كلما رأى شيئاً ذكره بها، وما أبيات مجنون ليلى عنا ببعيد الذي قال:

    أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدار

    وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار

    وهو ماش كان يقبل جدران المدينة كلها.. لماذا؟ لأن ليلى كانت ساكنة في هذه القرية، فمثل هذا يجب أن يخرج.

    وأذكر قصة وقعت: أن رجلاً تزوج على امرأته امرأة أخرى وأدخلها بيتاً بجانب بيت المرأة الأولى، وكان لكل امرأة منهن جارية، فخرجت جارية المرأة الجديدة في الصباح فوجدت جارية المرأة الأولى جالسة على الباب فقالت لها:

    وما تستوي الرجلان رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت

    فأجابتها جارية المرأة الأولى إجابة مفحمة جداً وممتازة، قالت لها:

    نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول

    كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل

    وهذا حق، الإنسان يذهب إلى جميع بلاد العالم ويعيش في كل بلد عشرين سنة أو عشر سنين أو خمس سنين، ولا يشعر بحنينٍ إلا إلى المكان الأول الذي شهد ملاعب صباه، وقضى فيه أفضل فترات عمره الأولى، فالإنسان كثير الحنين إلى الأماكن التي قضى فيها معظم عمره.

    فهذا الرجل إن ظل في هذه الأرض فقد يجره هؤلاء القوم إلى الإجرام مرة أخرى؛ فكان من الأفضل له أن يفارق هذه الأرض، ولذلك قال له ذلك الراهب العالم: (اخرج من أرضك أرض السوء) ، إذ ليس فيها رجل يأخذ على يده؛ فهي أرض سوء حقاً ( اخرج من أرضك فإنها أرض سوء واذهب إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قوماً صالحين فاعبد الله معهم ) وهذه هي بركة معاشرة الصالحين ومخالطتهم أن الإنسان لا يستطيع أن يتظاهر بالمنكر بينهم أبداً حتى ولو كان سيئاً لماذا؟ لحرمة الدين وكثرة الصالحين،

    وفي بعض طرق الحديث: أن القرية التي كان فيها هذا الرجل القاتل اسمها: ( كفرة )، والقرية التي أمره العالم أن يخرج إليها كان اسمها ( نصرة )، والحقيقة أن العلاقة بين الاسم والمسمى علاقة قوية جداً، وما من رجل يراعي مثل هذه المسألة إلا ويجد تناسقاً عجيباً بين الاسم والمسمى، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان حريصاً أن يدل أمته على اختيار أفضل الأسماء؛ لوجود علاقة بين الاسم والمسمى، لذلك يقول: (لا تسمين غلامك رباحاً ولا نجاحاً ولا يساراً ولا فلاحاً - لماذا؟- قال: حتى إذا قيل: أثمَّ هو؟ قالوا: لا) فيحصل نوع من النفرة في القلوب يأتي يسأل: يسار هنا؟ فيجيب: لا يوجد يسار، وكأنه نفى اليسار عن البيت، وكذلك الفلاح والنجاح، ويجري هذا المجرى تسمية (إسلام) فيقال: إسلام هنا؟ فيجيب لا يوجد إسلام، فهذه أيضاً تقرع القلب

    لذلك النبي عليه الصلاة والسلام عندما هاجر وبينما هو يمشي مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه قابل بريدة بن الحصيب فقال له: (ما اسمك؟ قال: بريدة ؟ فالتفت إلى أبي بكر وقال: برد أمرنا وصلح) فهناك تناسق بين الاسم والمسمى، فانظر هذه: ( كفرة ) فعلاً ظلمة كلها، رجل يقتل فيها مائة نفس ولا يجد من يأخذ على يديه، والثانية اسمها ( نصرة ) فالأرض قد توصف بأنها سيئة ثم توصف بأنها طيبة، كما حدث في مكة كانت دار كفر ثم آمن أهلها فصارت دار إسلام.

    ولذلك وصفها فقال: (أرض سوء) على اعتبار أنه لا يوجد فيها رجل واحد صالح، فهذه الأرض إن تبدلت وصار كل الذين فيها من أهل الصلاح إذاً الاسم يتبدل، الأرض لا تقدس نفسها إنما يقدس الأرض أهلها الصالحون.

    وجوب التوبة الفورية وعدم التسويف

    قال: (فناء الرجل بصدره إلى الأرض التي أمُره أن يخرج إليها) فيه دلالة على أن الرجل بادر مباشرة إلى الخروج، وهذا يدل على وجوب التوبة الفورية، لا يحل لمسلم أن يسوف في التوبة، إن العبد يجب أن يتوب من الذنب على الفور لا على التراخي.

    ونحن نعلم أن من أخطر ما يصيب المسلم فيما يتعلق بهذا الباب تسويف التوبة يقول: سوف.. سوف .. لعله لا يدرك أمنيته، وذلك من أعظم الأبواب التي يدخل الشيطان إلى بني آدم منها -مسألة الأماني- كما قال إبليس عليه لعنة الله: وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ [النساء:119] وذكر ابن الجوزي في كتاب: أخبار الحمقى والمغفلين، قال: هبت ريح عاصف على قوم؛ فجأروا إلى الله، فقال رجل: يا قوم! لا تعجلوا بالتوبة إنما هي زوبعة وتسكن.. فهذا رجل فعلاً يمنيهم كما وصفه ابن الجوزي .

    فيجب على الإنسان أن يتوب فوراً، ولا يطيل الأمل، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رسم على الأرض مربعاً، ثم رسم خطاً طويلاً وسط المربع حتى خرج منه ثم قال: (هذا أجل ابن آدم -الذي هو المربع- محيط به وأشار إلى الخط الطويل وقال: هذا أمله) أمله يتجاوز أجله كثيراً جداً، وهو الرجل الذي يقول لك: إن شاء الله بعد عشر سنين أحقق أرباح كذا .. وهو سيموت الليلة، فقضي أمره وهو مازال يخطط لأعوام طويلة، ولذلك يجب على الإنسان أن يبيت وهو تائب من المعاصي، ولا يجوز له أن يبيت وهو مسوف.

    فهذا الرجل كان من الأشياء الحسنة التي بادر إليها أنه ناء بصدره مجرد ما سمع الفتوى: (فناء بصدره إلى الأرض التي أمر بها).

    هذا الرجل ما فعل شيئاً من الصالحات بعد!

    نقول: ( إن مجرد عقد القلب عمل ) انعقد القلب على التوبة، ثم بادرت الجوارح بتنفيذ هذا العقد، فلذلك تاب الله تبارك وتعالى على هذا الرجل لانعقاد قلبه وفعل جوارحه.

    وليس من اللازم أنه يدرك ويفعل الصالحات، فقد ذكر أبو هريرة رضي الله عنه قال: ( إني لأعلم رجلاً دخل الجنة ولم يسجد لله سجدة)، وهذا الرجل تركوه كافراً في المدينة، ثم أدركته عناية الله تبارك وتعالى فأسلم، فمضى على أثر الجيش، فذهب فقاتل حتى قتل، فهذا الرجل ما تسنى له أن يرجع حتى يصلي أو يزكي أو يفعل شيئاً من الخيرات، قال: ( إني لأعلم رجلاً دخل الجنة ولم يسجد لله سجدة )!!.

    فهذا الرجل بادر وناء بصدره إلى الأرض التي أمره العالم أن يخرج إليها.

    رحمة الله وسعت كل شيء

    (فما إن خرج غير بعيد حتى قبض، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ملائكة الرحمة يقولون: خرج إلى ربه تائباً، وملائكة العذاب يقولون: قتل مائة نفس، فأرسل الله إليهم حكماً: أن قيسوا المسافة بين الأرضين، فإلى أيتها كان أقرب فهو من أهلها) ولما كان الرجل أقرب يقيناً إلى أرض العذاب: (أمر الله الأرض -أن تطوى من تحته- (فأوحى لهذه: أن تقاربي، ولهذه: أن تباعدي. فلما قاسوا المسافة بين الأرضين وجدوه أقرب إلى أرض المغفرة بشبر واحد، فغفر له فدخل الجنة).

    إذاً: أي إنسان عاص مهما بلغت ذنوبه، إذا علم أن رحمة الله تبارك وتعالى شملت مثل هذا العاصي فهو أقرب منه، لا تستعظم ذنبك أبداً، واعلم أن من صفات الله تبارك وتعالى (الغفور الودود) وتأمل في هذه الصفة (ودود) أي: كثير الود، مع أنه غني عن العبد؛ ولكنه يتودد إليه ويفرح بتوبته، كما قال صلى الله عليه وسلم -والحديث في الصحيحين والسياق لمسلم-: (لله أفرح بتوبة عبده العاصي من أحدكم بأرض فلاة معه راحلته وعليها طعامه وشرابه) يضرب الرسول عليه الصلاة والسلام المثل بفرحة الله تبارك وتعالى إذا تاب العبد ورجع إلى ربه كيف تكون فرحة الله بتوبة العبد، مع غنائه التام عن العبيد جميعاً فقال: مثل فرحة الله تبارك وتعالى بالعبد العاصي كمثل رجل معه راحلته، وعليها طعامه وشرابه (فوجد شجرة فاستظل بها فنام، فلما استيقظ لم يجد راحلته، ولم يجد طعامه وشرابه -ومعروف أن الإنسان إذا تاه في الصحراء مات إذا لم يكن عالماً بدروبها- بحث عن راحلته فلما يئس منها وعلم أنه هالك قال: أرجع إلى مكاني وأموت فيه، فلما رجع إلى مكانه إذا به يجد راحلته وعليها طعامه وشرابه، فقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك! قال عليه الصلاة والسلام: أخطأ من شدة الفرح)

    فانظر هذا الرجل الذي أخطأ من شدة الفرح لما وجد راحلته -فلله المثل الأعلى- فالله تبارك وتعالى يفرح بعودة العاصي إليه كفرح هذا الرجل براحلته لما وجدها.

    فكيف وربك تبارك وتعالى يتودد إليك بمثل هذه النعم، وبمثل هذه الرحمة وهو غني! أفلا تبادر وأنت أحوج إليه؟!

    كما قال تبارك وتعالى في الحديث القدسي الجليل: (يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).

    فإذا كنا نعلم أن معصية العبد إنما تضره ولا تضر ربه تبارك وتعالى، ومع ذلك فالله تبارك وتعالى يفتح له الباب بمثل هذا الفتح فكيف لا يسارع إلى ربه تبارك وتعالى؟!

    فهذه فرصة يا إخواننا! أيها العاصي أقبل! مهما أسرفت فإن الله تبارك وتعالى قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] حتى الشرك يغفره تبارك وتعالى إذا رجع العبد إلى توحيد الله عز وجل وتاب منه.

    إذاً: الوعيد لا يتحقق إلا بترك التوبة، كل وعيد في القرآن يسقط بالتوبة، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل ما قلناه وما سمعناه باباً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

    1.   

    الأسئلة

    النزول إلى السجود في الصلاة يكون باليدين

    السؤال: أشكلت علينا أمور في الصلاة فأجبنا يرحمكم الله.

    الأمر الأول: ما هيئة النزول إلى الأرض للسجود؟

    الجواب: بالنسبة لمسألة النزول إلى الأرض أهي باليدين أم على الركبتين؟

    الصحيح في هذا الباب بما لا يدع مجالاً للشك: أن النزول إنما يكون على اليد وليس على الركبة؛ يدل على ذلك الأثر والعقل:

    أما بالنسبة للأثر: فحديث أبي هريرة رضي الله عنه -وهو صحيح لا علة فيه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) هذا لفظ قاطع في المسألة وفي غاية الوضوح، وأعظم ما أعل به هذا الحديث بقول الإمام البخاري رحمه الله في محمد بن عبد الله بن الحسن - أحد رواة الحديث؛ لأن هذا الحديث رواه الترمذي وغيره من طريق محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه- فقال الإمام البخاري : ( ومحمد بن عبد الله بن الحسن ما أدري أسمع من أبي الزناد أم لا ) هذا ما أعل به.

    فالإمام البخاري رحمه الله نفى معرفته ولم ينف معرفة غيره، وهناك فرق بين أن يقول: لم يسمع، وبين أن يقول: لا أدري أسمع أم لا.

    ولو جئنا فنظرنا في ترجمة محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بـالنفس الزكية ، لوجدنا أنه مدني كان يعيش في المدينة، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان عالم المدينة الأشهر في زمانه، وكان له حلقة مشهورة جداً في المسجد النبوي، فعاصر محمد بن عبد الله بن الحسن أبا الزناد خمسة وأربعين سنة في المدينة.. أفما التقيا ولو مرة، وهذا مدني وهذا مدني؟! محمد بن عبد الله بن الحسن يعاصره خمسة وأربعين سنة ولا يحضر مجالس أبي الزناد! فالمعاصرة محققة يقيناً.

    ثم إنه لم يتهمه أحد قط بالتدليس، فإذا أمنا من تدليسه فعنعنته محمولة على الاتصال، ثم المعاصرة يقيناً موجودة -كما قلت- فيقيناً لا هناك سبيل إلى القول: لا أدري أسمع أم لا. وهو على شرط مسلم صحيح، وفهذا غاية ما علل به.

    أما حديث شريك بن عبد الله النخعي فقد جاء -وهو من حديث وائل بن حجر وأبي هريرة وغيرهم- من طريق يزيد بن هارون عن شريك بن عبد الله النخعي ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا هوى إلى السجود انحط، فكان أول ما وصل إلى الأرض منه ركبتاه) قال الدارقطني رحمه الله بعد ما روى هذا الحديث: ( تفرد به شريك ، وليس بالقوي فيما يتفرد به ) وهذا كلام من الدارقطني له وزنه: أنه لم يتابع أحد شريك بن عبد الله النخعي وهو سيء الحفظ، فمعلوم أن سيء الحفظ إذا تفرد لا يقبل منه فكيف إذا خالف؟ فهو أولى وأحرى أن يرد إليه.

    وقال بعض الناس: إن رواية شريك بن عبد الله النخعي نعم ترد، لكن إذا روى عنه يزيد بن هارون فروايته صحيحة؛ لأن شريكاً ما ساء حفظه إلا بعد ما ولي القضاء في الكوفة، ويزيد بن هارون سمع منه قبل ذلك، وقد نص أهل العلم كـابن حبان وغيره أن رواية يزيد بن هارون عن شريك النخعي سالمة من الخلل.

    ولكن يجاب عن هذا بما رواه الخطيب البغدادي عن يزيد بن هارون في الكفاية قال: ( دخلت الكوفة فما رأيت بها أحداً إلا يدلس غير شريك وهشيم بن بشير ) فدل على أن يزيد بن هارون دخل الكوفة وأخذ عن شريك بن عبد الله في الكوفة أيضاً.

    إذاً: فله روايتان: رواية قبل الاختلاط ورواية بعده، فمذهب أهل العلم فيمن حاله هكذا أن يتوقف عن قبول خبره جملة حتى يميز أكانت روايته عنه قبل الاختلاط أم بعده.

    أضف إلى ذلك أنه صح عن ابن عمر -وقد علقه البخاري بصيغة الجزم في صحيحه- : (أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه).

    وقد روى الحاكم في مستدركه هذا عن ابن عمر ونسبه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال الحاكم : (وقد قال به جماعة من الصحابة والتابعين، والقلب إليه أميل).

    فهذه هي الآثار، وكل حديث فيه الابتداء بالركبتين فهو إما منكر وإما ضعيف جداً، وأحسنها حديث شريك ، وقد قلنا: إنه ضعيف ومعارض لحديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    وأما من جهة العقل:

    فالبعير أول شيء يصل إلى الأرض منه ركبتاه؛ إذ أن يداه موضوعتان يمشي عليهما، وذكر أهل المعاجم -معاجم اللغة- أن المقدمان من ذوات الأربع يدان، والمؤخران الرجلان.

    فلما علم بعض الذين يتولون القول بتقديم الركبة ذلك قالوا: إن ركبة البعير ليست في يده! وهذا كلام لا يعرفه أهل اللغة، وقد ذكر أهل المعاجم جميعاً في مادة (ركب) قالوا: ( وركبة كل ذي أربعٍ في يديه، وعرقوباه في رجليه )، واستدلوا على ذلك بثلاثة أحاديث:

    الحديث الأول: وهو صريح جداً في الدلالة على المطلوب -وهو في البخاري وأحمد- عندما طارد سراقة بن مالك النبي عليه الصلاة والسلام، قال سراقة بن مالك : ( فدعا عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين ) فدل على أن الركبة في اليد.

    الحديث الثاني: حديث أنس في الصحيحين عندما صلى النبي عليه الصلاة والسلام الظهر ثم قال: (سلوني.. سلوني! حتى قال عبد الله بن حذافة : من أبي؟ قال: أبوك حذافة . ورجل قال: أين أبي؟ قال: أبي وأبوك في النار، فضج الناس حتى أكثروا، قال: فجثا عمر على ركبتيه) وفي الرواية الأخرى: (فبرك عمر على ركبتيه) وبوب عليه الإمام البخاري بقوله: ( باب البروك على الركب)، فدل هذا على أن البروك لا يكون إلا على الركبة.

    الحديث الثالث: رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت خواتيم البقرة: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:284] قال: (جاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فبركوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله! جاءت التي لا نستطيع ..) إلى آخر الحديث، فدل على أن البروك إنما يكون على الركبة، والركبة في كلام أهل اللغة لذوات الآربع إنما هي في اليد.

    إذاً: ما هو أول شيء يصل من البعير إلى الأرض؟ أول شيء ركبتاه وهما في يديه، فإذا كان أول شيء يصل إلى الأرض من البعير ركبتاه فلا يكون أول شيء يصل من المصلي إلى الأرض ركبتاه، وهذا بدهي جداً، والمسألة طويلة، وأرجو أن يكون النزاع قد فصل.

    القيام من السجود على اليدين لا الركبتين

    السؤال: القيام من السجود على اليدين أم على الركبتين؟

    الجواب: هذا مبني على المسألة السالفة، فإذا قلنا في النزول إنما يكون باليدين يكون آخر شيء يمس الأرض منك في حالة القيام اليدان، أي: النزول يكون باليدين والقيام يكون أيضاً على اليد.

    حكم وضع اليدين على الصدر بعد القيام من الركوع

    السؤال: ما حكم وضع اليدين على الصدر بعد القيام من الركوع؟

    الجواب: لا نريد أن نخوض في هذه المسألة، ولكن كما قال الإمام أحمد رحمه الله: ( إن شاء فعل وإن شاء ترك ) وعلماؤنا في الحجاز -جزاهم الله خيراً- الذين يفتون في هذه المسألة قالوا: إنه لا يلزم التشديد فيها ولا ينبغي الإنكار فيها، وإن كان الأقوى من جهة الدليل عدم وضع اليدين على الصدر، ولكن إذا وضعهما إنسان فلا ينكر عليه هذا الإنكار الشديد، والله أعلم.

    حكم البيع بالتقسيط

    السؤال: ما حكم بيع السلعة مؤجلاً بالتقسيط؟

    الجواب: الذي عليه أكثر أهل العلم: جواز البيع المقسط، وهناك خلاف بين العلماء المانعين من جهة التخصيص والذين يرونه رباً، وبين الذين يجيزونه، والخلاف بينهم في فهم معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة.

    القسم الأول: الذي يرى أنه ربا، وكان منهم سماك بن حرب راوي الحديث، ومنهم الإمام النسائي صاحب السنن فقد بوب على نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة، قال: وهو أن يقول: أبيعك هذه نقداً بكذا .. ونسيئة بكذا. فقالوا: إنه مجرد عرض سعرين للسلعة الواحدة يعتبر بيعتان في بيعة، لكن نحن لو نظرنا إلى لفظ البيع وهل تم بيعه بمجرد عرض السعر أم لابد من قبول وإيجاب ولابد من الخيار والافتراق وهذه الأشياء المعروفة، ولأنه في النهاية لا تتم إلا بيعة واحدة: إما بالنقد وإما بالتقسيط.

    والعلماء حملوا النهي عن بيعتين في بيعة كأن يبيع البائع السلعة بعشرة جنيهات، ويتم البيع على أساس أنه يعطيه كل شهر مبلغاً من المال، فيأتي صاحب السلعة (البائع) فيقول للمشتري: تبيعني السلعة بثمانية جنيهات نقداً فيقول له: خذ. فباعها له مرة أخرى (بثمانية) لكن نقداً، فهذا يسمي بيعتان للسلعة الواحدة، وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء، ولذلك يجيزون بيع التقسيط، والله أعلم.

    المحدثون هم الفقهاء لا العكس

    السؤال: كثيراً ما يقول الإخوة أن الشيخ الألباني -رحمه الله- محدث وليس بفقيه؟

    الجواب: الذي قال هذه الكلمة إذا كان بمستوى الشيخ يستطيع أن يحكم عليه فله ذلك، ولكن لا أظن أن يكون قائل هذه الكلمة عادة في مستوى الشيخ، بل لا أبالغ إذا قلت: إنه لا يساوي قلامة ظفر الشيخ. هذه دعوة قديمة التصقت بأهل الحديث من قوم يبغضونهم، فكيف يتصور في الذي يحمل الأدلة أنه لا يفقهها؟ أيفقهها الذي ليس عنده من الدليل شيء؟

    ولذلك كانوا يشنعون على أهل الحديث، يقول بعض العلماء: دخلت الكوفة فإذا قاض لهم -أي: لأهل الرأي- يقول في حلقة: مساكين أهل الحديث لا يدرون الفقه. قال: وكانت بي علة فحبوت إليه، وقلت له: اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الجراحات: فأي شيء قال علي ؟ وأي شيء قال ابن مسعود ؟ وأي شيء قال زيد بن ثابت ؟ فسكت، فقلت: اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كذا وكذا .. فأي شيء قال أبو بكر ؟ وأي شيء قال عمر ؟ وأي شيء قال أبو عبيدة ؟ فسكت، فقلت له: أنا أخف أصحاب الحديث، سألتك عن مسألة لم تحسنها، فكيف ترميني بما لا تحسنه؟

    وكانوا دائماً يصفون أهل الحديث بذلك، ولذلك لما جاء الإمام الشافعي رحمه الله وقد جمع بين الفقه والحديث ناظر أهل العراق وأوقفهم، حتى سماه أهل مكة: ناصر الحديث، وهو شامة في جبين المحدثين، ولذلك إذا عد فقهاء المحدثين يذكر الشافعي رحمه الله في مقدمتهم.. لماذا؟

    لأنه أوقف دعوى أهل الرأي أن أصحاب الحديث لا يفقهون، حتى إن الشافعي كان لا يعجبه كثير مما يقول أهل العراق، لكن أدبه حمله على ألا يناظر شيخه محمد بن حسن الشيباني، مع جزم العلماء بأن الشافعي أعلم من محمد بن حسن الشيباني، كيف لا وهو معدود من المجتهدين على الإطلاق، ومحمد بن حسن الشيباني معلوم أنه من شيوخ الناس ومن مجتهدي المذهب فكان مع رسوخه في العلم وتواضعه يترك هؤلاء حتى يقوم الشيخ ويبتدئ يناظر كل أهل المجلس، فلا يستطيعون معه جواباً.. لماذا؟ لأن عنده أحاديث، وعنده: قال .. حدثنا .. أخبرنا.

    فلما ضجوا منه ولا يجدون له جواباً، وكان حظهم من علم الحديث قليلاً شكوا ذلك إلى محمد بن الحسن وقالوا: إنك إذا قمت من المجلس ناظرنا الشافعي فما نستطيع معه جواباً، فقال له محمد بن الحسن : ( إنه بلغني أنك تناظر أصحابي.. تناظرني؟ فقال له: إني أجلك عن المناظرة. قال: لابد. فتناظر معه في مسألة المياه، فلما تناظر معه طويلاً في مسألة المياه -وهذه المناظرة ملحقة بكتاب الأم- قال: إنكم لتقولون في الماء قولاً لعله لو قيل لعاقل: (تخاطأ) فقال بقولكم في الماء لكان قد أحسن التخاطؤ.

    ولما جاء إسحاق بن راهويه رحمه الله فكأنه استقل الشافعي ، فرسم لمحدثه بالفارسية أن هذا الشافعي ليس بقوي، وكان الشافعي يعرف الفارسية، فعلم أنه يحط عليه، فكان الشافعي متكئاً فجلس وقال له: تناظر؟ فقال له إسحاق : ما جئت إلا لذلك، فتناظروا في المسألة المعروفة في (بيع وشراء بيوت مكة) فظهر عليه الشافعي ظهوراً بليغاً.

    فمسألة رمي المحدثين بقلة الفقه هذه مسألة قديمة، ما من سوء أن يكون هناك من المحدثين من لم يهتم إلا بفقه الرواية، وهذا كثير، فمن الناس من ينتسبون إلى أهل الطرائق وليسوا منهم، يعني: كثير من الناس يقول: أنا محدث. وتجده لا يعرف شيئاً عن علم الحديث، فهل يجرح أهل الحديث به؟ لا، الشيخ ناصر الدين رحمه الله رجل أحيا الله تبارك وتعالى به السنة، وأحيا به فقه الحديث، وهو يخالف في مسائل كما يُخالف العلماء، له مسائل تفرد بها كما تفرد غيره، فلا يعني ذلك أنهم يطعنون عليه في هذه المسائل التي خالف فيها أنه ليس بفقيه، فما من إنسان إلا وقد خولف.

    الشيخ حفظه الله لا يعرف قدره إلا من جالسه ورآه، هذا الرجل لو رأيته لقلت: سقط من القرون الثلاثة الأولى، على محياه نضرة السنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي فأداها كما سمعها) وأشهد والله العظيم كأن نضرة الحديث على وجهه، رجل إذا اعتقد شيئاً لا يحابي فيه، حتى وإن أدى ذلك إلى ضرره، فحسبه أنه رجل طريد ليست هناك دولة في الدنيا تتبناه، مع الفضل الذي أجراه الله تبارك وتعالى على يديه، وما من رجل ينسب إلى الحديث والسنة في هذا العصر -لا أقول: هذا مبالغة في مدح الشيخ حفظه الله تعالى، وإلا فهو مستغن عن مدح أمثالي- إلا وللشيخ عليه منة وفضل، وكتبه يشهد بها القاصي والداني.

    وقد سئل سماحة الشيخ العلامة شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله تبارك وتعالى، قيل له: ( أقلت ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من الشيخ الألباني ؟ قال: ما قلت ذلك، لكني أوافق عليه ) وكان الشيخ رحمه الله في مجلس عند رجل ممن يعادون الشيخ الألباني ، فسأل هذا الرجل الشيخ ابن باز رحمه الله، قال له: ما تقول في حديث كذا وكذا أصحيح؟ قال: عندك كتاب إرواء الغليل؟ الشيخ كان يعلم أن هذا الرجل ممن يعاند الألباني ، قال له: عندك إرواء الغليل؟ فقال له: نعم. قال: هات الجزء الفلاني، فصعد الرجل إلى مكتبته وأتى بالجزء وفتحه وقال: اقرأ علينا ما كتب الشيخ. المهم قرأ الرجل وفي الأخير قال: يا شيخ! ما تفعل بهذا الألباني ؟ فقال: إن مصنفات الألباني لا يستغني عنها عالم ولا طالب علم. وهذه حقيقة، قد رأينا الذين يكرهونه عيالاً عليه، ويسرقون عمله؛ ولكنهم كاللص الماكر.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يرحمه رحمة الأبرار، وأن يهدي هؤلاء إلى معرفة قدر العلماء.

    حكم التمذهب وطلب العلم على مذهب معين

    السؤال: هل يجوز لطالب العلم المبتدئ أن يتمذهب بمذهب معين من المذاهب الأربعة حيث تعرض له كثير من مسائل الخلاف، ولا يدري ما هو القول الراجح؟ نرجو الإفادة.

    الجواب: أما بالنسبة للتمذهب كوسيلة لتنظيم الدراسة فهذا جائز، وأنا سألت الشيخ الألباني رحمه الله؛ لأنهم نقلوا عنه أنه يهدم المذاهب الأربعة، والشيخ مظلوم وبريء من هذا القول، فسألته هذا السؤال بعينه: هل يجوز لطالب العلم أن يتمذهب من باب تنظيم الدراسة؟ لأنه لو درس الفقه على الراجح لن يصل إلى شيء، ويربى الطالب على صغار العلم وليس على كباره؛ لأنه إذا دخل في وسط العلماء الذين يرجحون ويرد بعضهم على بعض وليس عنده إدراك ولا تمييز فلن يحصل طائلاً من هذا الخلاف، لذلك هو يبدأ بالمتفق عليه، كأن يدرس -مثلاً- المتون من كتب أحد المذاهب كتنظيم للدراسة.

    وهناك شرط: ألا يجعل المذهب ديناً لا يتجاوزه، حتى وإن ظهر الدليل على خلاف المذهب؛ لأن أهل العلم جميعاً ينهون عن ذلك.

    فقلت للشيخ حفظه الله: بأي المذاهب تنصح؟ قال: بالمذهب الشافعي ثم المذهب الحنبلي. قال: هذان أفضل المذاهب الأربعة من حيث تفضيل إلى السنة، المذهب الشافعي لثرائه ولكثرة الكتب والعلماء، والمذهب الحنبلي لضبطه على الدليل.

    وبكل أسف هناك بعض المدارس الموجودة ترد المذاهب الأربعة جملة، وتحرم التقليد حتى على العامي الذي لا يدري شيئاً، وهذا غلوا جداً، ويقولون: لأن التقليد لا يجوز في دين الله. ولا يجوز للعالم أن يقلد. ولا يتصور أن عالماً يفتي في كل مسألة ببحث واستقراء واستفاضة.. فالأمر لا يتسع إلى مثل هذا، وقد وجدنا أكابر العلماء يذكرون فتاوى غيرهم، كالإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد وإسحاق والثوري والأوزاعي وهؤلاء كان أحدهم، يسأل عن فتوى فيقول: كان سعيد بن المسيب يقول كذا، وكان الزهري يقول كذا.

    فمسألة أنه لابد للإنسان أن يتحرى الحق، ويبحث المسألة، وينظر إلى أدلة المخالفين، ثم يمشي في مسألة التعارض والترجيح، وفي الآخر يرجح قولاً من الأقوال ..! ما أظن أن أحداً من العلماء يوجبه على كل إنسان، إنما كل إنسان بحسبه، وقد أسقط الله تبارك وتعالى الحرج عن هذه الأمة: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286] لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] فهل يتصور أن آتي على رجل فلاح وأقول له: تعال نناقش التعارض والترجيح بين الأدلة، فإذا تعارض دليلان نترك كذا وندع كذا.. إلخ! هذا نوع من التعجيز، فالذي يقول: إن التقليد لا يجوز حتى على مثل هذا الرجل غال جداً، والذي يقول: لا يجوز تجاوز المذهب حتى وإن ظهر الدليل أيضاً هذا غلو شديد، نسأل الله تبارك وتعالى أن يهدي الأمة إلى الصراط المستقيم.

    السنة في رفع اليدين في الصلاة

    السؤال: نجد من الإخوة في الصلاة من يرفع يديه في كل ركعة، ومنهم من يرفعها في التكبيرة الأولى والثالثة فقط، فأيهما أرجح؟ وهل من يفعل هذا وهذا يكون قد أخطأ؟

    الجواب: هذه من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف، مثل رفع اليدين في تكبيرات الجنازة، وتكبيرات العيدين، كل هذا مما يسوغ الخلاف فيه، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لكن المسألة كشيء أرجح وأفضل أن يرفع في تكبيرة الإحرام، ثم يرفع إذا أراد أن يركع، ثم يرفع إذا قام من الركوع، ثم يرفع عند القيام من التشهد الأوسط.

    أفضل كتب الزهد

    السؤال: ما هو أفضل كتاب في الزهد؟

    الجواب: كتب الزهد المسندة عموماً من أفضل الكتب، فكلام السلف كله بركة ونور، هناك كتاب الزهد لـهناد ، والزهد لـوكيع ، والزهد للإمام أحمد رحمه الله، والزهد لـابن المبارك ، خذ هذه الكتب وتجاوز السند إن لم تكن لك همة في الأسانيد، واقرأ فستقف على أقوال هؤلاء العلماء في الزهد تنفعك إن شاء الله، ومن أفضل الكتب وأمتعها كتاب سير أعلام النبلاء للحافظ شمس الدين الذهبي رحمه الله، فهذا الكتاب من أنفس الكتب فقد جمع فيه سير العلماء، وفرق فيه يما هو موجود في كتب الزهد في تراجم العلماء كل بما يخصه.

    حكم تحريك الإصبع في التشهد للصلاة

    السؤال: هذا سائل يسأل عن تحريك الإصبع في التشهد، هل هو شاذ أو ليس بشاذ؟ لأن هناك كتاباً جديداً اسمه (البشارة بنفي التحريك وثبوت الإشارة) قال فيه: ( إن الصواب أن المصلي إذا تشهد أنه يشير بإصبعه إلى القبلة ولا يحركها ) ذكر أحاديث وآثاراً في ذلك.

    والشيخ الألباني رحمه الله ذكر في كتابه (الصلاة) وفي غيره من الكتب -تمام المنة فيما أظن- أن تحريك الإصبع هو الراجح، فيقول: إن الذين صرحوا بالإشارة يقولون: إن التحريك شاذ، فهل دعوى الشذوذ صحيحة؟

    الجواب: اعتقاد الشيء فرع عن تصوره، نعرف أولاً الشاذ كقاعدة، ثم نفرع على هذه القاعدة.

    التعريف المختار للحديث الشاذ هو ما عرفه الإمام الشافعي رحمه الله قال: ( ليس الشاذ من الروايات أن يروي الراوي ما لم يروه غيره، بل الشاذ: أن يخالف الراوي غيره ) إذاً لابد في الشذوذ من ثبوت المخالفة.

    أي أنواع المخالفة التي يعنيها الإمام الشافعي ؟ هي المخالفة التي يتعذر معها الجمع، فإذا أمكن الجمع بين الأدلة زال الخلاف وقلنا: لا يكون ذلك من الشاذ.

    إذاً: لا يكفي الفصل في الحديث الشاذ الاقتصار على أصول الحديث فقط، بل لابد من دراسة مبحث التعارض والترجيح على الأقل في أصول الفقه، ولا يتم التوفيق بين الروايات إلا إذا أتقنا مبحث التعارض والترجيح.

    نأتي على تحريك الإصبع أهو شاذ أم لا؟

    الإمام الشافعي قال: ( ليس الشاذ من الروايات أن يروي الراوي ما لم يروه غيره ) قد تروي شيئاً لا يرويه غيرك ولا يكون شاذاً، تكون تلك زيادة ثقة، زيادة حفظ منك، فنأتي لنرى هذه المسألة..

    الحديث الذي ورد في هذه المسألة في السنن حديث وائل بن حجر يرويه زائدة بن قدامة ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه عن وائل بن حجر : فذكر صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: (وكان ينصب يده يحركها). قالوا: إن جمعاً من أصحاب عاصم بن كليب ذكروا هذا الحديث ولم يذكروا ما ذكره زائدة ، وهم اثنا عشر راوياً -تقريباً- من الثقات اجتمعوا في الرواية عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر فقالوا: (يشير بإصبعه) وزائدة بن قدامة وحده قال: (يحرك) فقالوا: هذا شذوذ.

    نقول: لا، لابد من ثبوت المخالفة حتى نسمي الحديث شاذاً، فهل هناك مخالفة بين الحديثين أم لا؟

    الجواب: لا مخالفة؛ لأن الإشارة تجامع التحريك غالباً، كأن يقال لك مثلاً: أين محمد؟ فتقول: هو ذاك، فأنت لم تحرك ولم تقل له: هو ذاك فقط، وإنما قلت: هو ذاك وأشرت، ولكن الإشارة تجامع التحريك غالباً، إذ لا تفهم الإشارة غالباً إلا بتحريك وإلا كانت الإشارة عارية، لا تستطيع أن تفهم ماذا يريد هذا الإنسان، فإذا كانت الإشارة تجامع التحريك غالباً فما هو المانع أن يحفظ زائدة بن قدامة صفة.. فهم حفظوا الإشارة وهو زاد التحريك.

    إذاً: زائدة بن قدامة -لاسيما وهو ثقة ثبت صاحب سنة، ليس عليه مظنة أبداً، قال ابن حبان : ( كان من الثقات المتقنين، كان يعيد السماع ثلاث مرات ) فإذا سمع حديثاً لا يسمعه مرة واحدة إنما يسمعه ثلاث مرات- إذا جاز أن تقول: هذه زيادة شاذة فأرني من الذي تقبل زيادته إن ردت زيادة زائدة؟!!

    ومثال هذا ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث حماد بن زيد عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (دعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء رحراح -أرجو أن ينتبه الإخوة لكلمة (رحراح)- فوضع يده على فم الإناء، وقال: توضئوا باسم الله) إلى آخر الحديث المشهور.

    روى هذا الحديث جماعة من الثقات نحو ستة: عن حماد بن زيد ، عن ثابت بن أسلم البناني ، عن أنس بن مالك فقالوا: (بإناء رحراح)، وخالفهم أحمد بن عبدة الضبي في هذه الكلمة، فروى هذا الحديث عن حماد بن زيد ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك قال: (دعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء زجاج) إذاً الجماعة قالوا: ( بإناء رحراح ) وأحمد بن عبدة قال: (بإناء زجاج).

    ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح قال: ( حكم جماعة من الحذاق بأن أحمد بن عبدة صحفها ) انقلب عليه: (رحراح) قلبها (زجاج).

    ابن خزيمة الذي روى رواية أحمد بن عبدة ما تبنى هذا، بل بنى فقه الباب على هذا الحرف، فقال رحمه الله: ( باب إباحة الوضوء بآنية الزجاج، والرد على المتصوفة الذين يزعمون أن هذا إسراف، إذ الخزف أبقى وأصلب). أي: افرض أن هذا الإناء وقع منك وانكسر، ستشتري غيره، بينما لو كان حديداً سواء وقع أو لم يقع لا ينكسر، إنما هذا إسراف لأنه معرض للكسر، فالإمام ابن خزيمة رد عليهم بهذا الحرف، ثم روى الحديث .. ثم قال بعد ذكر الحديث: ورواه جماعة عن حماد بن زيد فقالوا: (رحراح) مكان (زجاج) ثم قال -وهذا هو الفقه، وابن خزيمة رحمه الله كان من الأئمة القلائل الجامعين بين الفقه والحديث؛ ولذلك كانوا يسمونه بإمام الأئمة-: و(الرحراح) هو الواسع من آنية الزجاج لا العميق منه. فوفق بين الروايتين، فهو إناء رحراح من زجاج، فـأحمد بن عبدة ذكر جنسه وهم ذكروا صفته، فأين التعارض بين الروايتين؟!

    ومعلوم من أصول العلماء: أن حمل قول العالم أو روايته على ما لا يخالف الدليل أولى من رده، فإذا كان الجمع لائقاً فهو الواجب، ولا يلجأ إلى الترجيح إلا إذا تعذر الجمع فيه.

    كذلك مسألة الإشارة والتحريك، هو ذكر صفة الإشارة وهي التحريك، وهذه زيادة منه فلابد أن تقبل.

    فالذين يقولون: إن رواية زائدة بن قدامة شاذة لم يصيبوا؛ لأنه لم تتحقق المخالفة، بل الجمع ممكن، والحقيقة هناك مدرسة موجودة تتبنى مثل هذا، وأحدثت شراً مستطيراً في الكتب، فلا يرون رجلاً خالف رجلين إلا حكموا على الرجل بالشذوذ مباشرةً! وهذا ليس من تصرف العلماء الجهابذة.

    ومبحث (الشاذ) من أدق المباحث في علم الحديث وأعرقها، لذلك قلما تعرض عالم بتصنيف للتفريق ما بين الشذوذ ومابين زيادة الثقة.. لماذا؟ لأنه ليس له قاعدة، إنما تعتمد على إتقان العالم للأصول، ثم كثرة ممارسته التي سماها علماء الحديث بالذوق.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا وإياكم ما ينفعنا، ونسأل الله عز وجل أن يتجاوز بها عنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.