إسلام ويب

السنة بين المحبة والاتباعللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من لوازم محبة النبي صلى الله عليه وسلم اتباع سنته، وواقع المسلمين اليوم يظهر زيف دعوى المحبة للرسول صلى الله عليه وسلم بخلاف ما كان عليه فالصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا يعظمون كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ولقد أدرك الصحابة الكرام أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع سنته، وتعظيم كلامه أمر واجب على الأعيان، وأنه لا يتم الإيمان إلا به؛ فلذلك بذلوا الغالي والنفيس من أجله صلى الله عليه وسلم، بينما تجد في المقابل في زمننا من يحكّم عقله وهواه ويرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا دليل على عدم تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، فعدم تقديم النص أمر خطير جداً يجب الحذر منه.

    1.   

    اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته من الإيمان

    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    فإن محبة النبي صلى الله عليه وسلم وموالاته، ونصب الحرب على أعدائه لأمر واجب على الأعيان، ولا يتم إيمان العبد إلا بهذا.

    قال بعض العلماء: إن العبد إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن معنى وتفسير هذه الكلمة المباركة هو أن الله عز وجل هو المعبود بحق، ولا معبود بحق سواه، وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام لا شريك له في الاتباع.

    وهنا نكتة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيما يتعلق بخطبة الحاجة، قال: لما بدأ الكلام بدأ بصيغة الجمع: (إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره) إلا في الشهادة لم يقل: ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لأنه لا يقوم أحد نيابة عن أحد بهذا الأمر، بل لا بد أن يشهد كل عبد بذاته: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فلا يستقيم إيمانه إلا إذا شهد هو بنفسه: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    1.   

    تعظيم الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم

    إن الناظر في جيل الصحابة الأوائل يرى أن أعظم ما يميزهم المحبة العظيمة التي غرست فيهم الاتباع، اتباع أولئك الصحابة وتعظيمهم لكلام النبي عليه الصلاة والسلام.

    جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام لما هاجر إلى المدينة ونزل في دار أبي أيوب الأنصاري ، وكان دار أبي أيوب على طابقين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي أيوب : (السفل أرفق بنا -أي اجعلنا في أسفل الدار- إنه يغشاني أصحابي فالسفل أرفق بنا) وكان أبو أيوب في الطابق العلوي، وذات ليلة وهو يمشي في الليل فزع، فقال: أنا أمشي على سقف يعلو النبي صلى الله عليه وسلم!! وانكمش هو وأهل داره في زاوية حتى الصباح، استعظم أن يمشي على السطح؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام تحته، قال: (وانكسر حب لنا)، هذه الزيادة ليست في صحيح مسلم، إنما في نفس الحديث عند البيهقي في باب النبوة وغيره.

    قال: (وانكسر حبٌّ لنا -الحب: هو الجرة العظيمة- قال: فجففت الماء بلحافي، اللحاف الذي يتغطى به هو وامرأته والله ما لنا غيره، خشية أن تسقط قطرة ماء على النبي عليه الصلاة والسلام، فلما أصبح الصباح قال: يا رسول الله! لا أعلو سقيفة أنت تحتها. فصعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعلى).

    حتى إنه لما كان يرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالطعام فيأكل منه، فيرجع إليهم ما تبقى منه فيأكلون، فيسأل أبو أيوب : أين مواضع يده؟ وإذا شرب يقول: أين موضع فمه من الإناء؟ فيتحرى مواضع فمه ويده صلى الله عليه وسلم فيأكل من الموضع الذي أكل، وكذلك يتحرى في الشرب موضع فمه صلى الله عليه وسلم في الإناء فيشرب هو وامرأته منه، فأرسل له يوماً بصلاً، فلم يأكل منه النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً، فلما صعد الرجل بالطعام إلى أبي أيوب ورأى البصل كما هو فزع ونزل وقال: (يا رسول الله! أحرام هو؟ قال: لا، ولكني أُناجَى فأكره ذلك) -يعني يكره أن يؤذي الملك، فماذا قال أبو أيوب ؟ رغم أن البصل حلال، والنبي عليه الصلاة والسلام لم ينهه عن ذلك، قال: لا جرم يا رسول الله! أكره الذي تكره، وامتنع من أكل البصل.

    كذلك في الصحيح أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال لأبنائه يوماً، وأبناؤه هم: عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، وسالم ، وحمزة ، وبلال ، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) ، وفي لفظ: (إذا استأذنت أمة أحدكم أن تخرج إلى المسجد فلا يمنعها). فقال أحد أبنائه -وهو بلال : والله لنمنعهن يتخذنه دغلاً! الدغل: جمعه أدغال، وهو المكان كثير الشجر، كأنه يقول: إن بعض النساء قد يتخذن من الخروج إلى المسجد ذريعة فيقضين مآربهن، فيقول: لنمنعهن حتى لا يتخذنه دغلاً وحجة، يعني: -كما لو دخل رجل في الأدغال وراء شجرة أو نحو ذلك- فحصبه عبد الله بن عمر بحصيات، وقال له: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وتعارضه! والله لا رأيتك أبداً، فيذكرون أنه ما دخل عليه حتى مات.

    هذا لأن ابن عبد الله بن عمر اعترض على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في اعتراضه سوء أدب من وجهة نظر والده، بغض النظر عن أنه متأول، ولا يقصد أن يرد برأيه الحديث، وإنما كان عنده علة جعلته يتلفظ بهذا القول، لكنه كان قولاً فجاً في نظر عبد الله بن عمر ، فلم يتحمل منه هذا.

    1.   

    اعتراض الغزالي على حديث: الكلب الأسود شيطان

    الآن يعترضون ليس على حديث نبوي بل على آيات القرآن الكريم، وبطبيعة الحال هم لا يعترضون على ذات الآية إنما على معناها ومؤداها.

    وهذا محمد الغزالي المصري في كتابه الأخير -وهو من أشأم الكتب التي صدرت في هذا العصر- لمّا أتى على حديث أبي ذر ، الذي رواه عنه عبد الله بن الصامت ، وأخرجه مسلم وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقطع الصلاة المرأة والكلب الأسود والحمار، قال أبو ذر : يا رسول الله! فما بال الكلب الأسود من الأحمر من الأصفر؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: الكلب الأسود شيطان) . فهذا بيان واضح للتفرقة، وأبو ذر استشكل الكلب الأسود، لماذا الكلب الأسود؟ فقال له: (الكلب الأسود شيطان) .

    فيأتي الغزالي فيقول: بل الكلاب كلها سواء، يعني: لا فرق بين الكلب الأسود والأحمر والأصفر. كيف هذا وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ما استشكله أبو ذر وقال له: إنه شيطان؟! فيأتي هذا فيقول: لا، ليس شيطاناً، بل الكلاب كلها سواء، لا فرق بين أصفر وأحمر وأبيض، فهذا رد صريح للأحاديث النبوية، وهناك العشرات الذين يردون الأحاديث، بل أكثر!

    1.   

    اعتراض الغزالي على حديث الحبة السوداء

    ومن الأمثلة أيضاً: لما ذكر الغزالي حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام)، تدرون ماذا قال؟ لقد قال: لا يعقل أن الحبة السوداء تستخدم في (الأنفلونزا)، أو تستخدم في (المغص)، أو تستخدم في مثل هذه الأشياء، فلا بد أن الحديث ليس على ظاهره، فيقول وهذا كقوله تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف:25]، يقول: فهل دمرت كل شيء؟ مع أن لفظ (كل) من ألفاظ العموم، إذاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحبة السوداء شفاء من كل داء) فنحن نعتقد أن الحبة السوداء شفاء من كل داء، ولسنا نعتقد أن الحبة السوداء هي التي تدفع الداء، إنما هي سبب، قد يرفع الله عز وجل الداء بشربة ماء، وقد لا يرتفع المرض بأخذ جميع أنواع العلاجات التي صنعت لرفع هذا المرض، فالمسألة مسألة أسباب فقط، والله تبارك وتعالى هو الشافي.

    هناك امرأة مغربية ذهبت إلى أطباء الدنيا، وقرروا أن عندها سرطان، وأن الحالة ميئوس منها، وقالوا: لم يبق من عمرها إلا ثلاثة أشهر فقط، وقالوا لأهلها: متعوها وأكلوها وشربوها كل ما تريد؛ لأنه لم يبق من عمرها إلا ثلاثة أشهر فقط، فقال الأهل للمرأة: أي شيء في نفسك وتريدينه من أكل أو شرب أو غيرهما سنوفره لكِ، قالت: أريد أن أذهب إلى الحرم، وأقضي بقية عمري هناك، وذهبوا بها إلى الحرم، ولم تكن تأكل ولا تشرب، وإنما كانت تشرب من ماء زمزم فقط، وكانت تأكل بعض حبات الفاكهة ونحو ذلك، مرت ثلاثة أشهر والمرأة لا شيء عندها.. أربعة أشهر.. خمسة أشهر.. ستة أشهر.. أين ذهب المرض؟ لا تدري، شعرت أنها في صحة جيدة، عرضت نفسها على أطباء المملكة، قالوا: إنك لا تشتكين من أي علة، قالت: هؤلاء لا يعرفون شيئاً، الأطباء الكبار قرروا أن بها سرطاناً، وأطباء المملكة يقولون: ليس بها شيء، أبناؤها لم يصدقوا ما قرره أطباء المملكة، فأخذوها وطاروا بها إلى الأطباء هناك، فبحثوا فلم يجدوا العلة، أين ذهب المرض؟

    لا يعرفون، قالوا لها: عند أي طبيب تعالجت، وأي دواء أخذت؟! قالت: ما أخذت شيئاً سوى أنني كنت في الحرم، وكل طعامي وشرابي كان من ماء زمزم. فهذا يدل على أن الله تبارك وتعالى رفع هذا الداء بماء زمزم.

    كما قلنا: قد يرتفع العلاج بشربة ماء، وهذا ما حدث لـأبي ذر في قصة إسلامه، أنه اختفى من المشركين في المسجد الحرام، ونزل إلى ماء زمزم، ولم يكن له شرب ولا أكل إلا من ماء زمزم، حتى قال أبو ذر : (حتى تكسرت عكن بطني). يعني: صار اللحم طبقات بعضها فوق بعض من شرب ماء زمزم، (حتى تكسرت عكن بطني ولم أجد على كبدي سخفة جوع).

    ماء زمزم هو الماء الوحيد الذي إن شربته قام مقام الطعام، بخلاف الماء العادي إذا كنت جائعاً فلا تستطيع أن تستسيغ الماء، بخلاف ماء زمزم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه طعام طعم، وشفاء سقم) أي: ماء زمزم.

    فمن الذي يقول بقول الغزالي؟ مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (الحبة السوداء شفاء من كل داء) فنحن نعتقد أنها شفاء من كل داء إلا السام، -وهو الموت- واحتجاجه بالآية في غاية العجب؛ لأن الآية تقول: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف:25] فيقول: فهل دمرت كل شيء؟ تمام الآية: فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:25] فدل على أن المساكن استثنيت من هذا التدمير.

    انظروا إلى الجرأة على حديث النبي عليه الصلاة والسلام! فاتباع وتوقير كلام النبي عليه الصلاة والسلام فرع -بلا شك- عن المحبة، لو كان هؤلاء يحبون النبي عليه الصلاة والسلام كما كان يحبه السلف الأوائل لوقفوا عند قوله، ولم يتقدموا بين يديه بقول، فضلاً عن أن يخالفوا قوله، فإن مخالفة قوله عليه الصلاة والسلام جريمة عظيمة.

    1.   

    الفرق بين تعظيم الصحابة للكتاب والسنة وبين المتأخرين بعدهم

    إن الفرق بيننا وبين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يظهر في قوله تبارك وتعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ [الأعراف:169] ورثوا الكتاب!

    هناك فرق بين الذي قاتل من أجل آيات الكتاب وبين الذي ورثه، أنت ترى أن الرجل قد يخلِّف ثروة طائلة لأولاده، فترى كثيراً من أولئك الورثة ينفق هذا المال كله الذي جمعه والده في عشرات السنين، ويأتي الولد ويضيعه في عشية أوضحاها دون أن يذرف عليه دمعة، إنما الذي جمعه بكده وعرقه لا ينفق منه درهماً واحداً ولا ديناراً إلا إن علم أن هذا هو موضعه فيه؛ لأنه تعب عليه.

    كذلك الصحابة.. ما كانوا ليخالفوا الكتاب أبداً، ولم يكونوا ليخالفوا قول النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم تحملوا الأذى من أجله، وما وصلنا الكتاب ولا السنة إلا على أشلاء أولئك الصحابة، والحروب التي خاضوها واستعذبوا الموت في سبيل الله عز وجل، من أجل أن يوصلوا إلينا هذا البيان نقلاً أميناً صحيحاً غير محرف، بخلاف أولئك الذين ورثوا الكتاب ترى أحدهم يحتج بالآية في غير موضعها، بل وبضد موضعها أحياناً، وتهون عليه، ويجاهر ويكابر.

    هناك بعض أصحاب محلات الحلاقة يكتبون على جدران محلاتهم قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ [الغاشية:8] وهذه الظاهرة موجودة عندنا في بعض محلات الحلاقة، ماذا يقصدون بكتابة هذه الآية؟ إنهم يقصدون بذلك أنه عندما يحلق اللحية مرتين يصير الوجه ناعماً والخد أملساً، فهذه الآية ساقها الله تبارك وتعالى مساق المدح لأهل الجنة، وهؤلاء يضعون الآية في غير موضعها بل ضد موضعها، لماذا هانت عليهم آيات القرآن الكريم إلى هذا الحد؟! لأنهم ورثوا الكتاب، لم يحسوا بقيمة هذا القرآن.

    كذلك ترى مكتوباً في محل عصير أو شراب: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان:21] ، هل هذا هو الشراب الطهور الذي أراده الله تبارك وتعالى من الآية؟!

    بل وترى بعض الذين يحملون القرآن الكريم -أي: يحفظونه عن ظهر قلب- مخالفات عجيبة.

    حدثت عندنا قصة وهي: أن أحد الأثرياء ماتت والدته، فأراد أن يأتي بأشهر قارئ ليقرأ لها، فأتى بقارئ كبير ومشهور جداً، وإنما يسمع الناس صوته في الإذاعة، ولم تكتحل أعينهم برؤياه، فلما علموا أن القارئ الإمام سيقرأ في العزاء أتوا من كل حدب وصوب، ومن كل فج بعيد؛ حتى يرون هذا القارئ.

    هذه القصة حدثت قبل عشر سنوات، يعني من نحو خمسة عشر عاماً، فلما ذهبوا ليتعاقدوا معه، قالوا له: بكم تقرأ ثلاثة أرباع؟

    قال: أقرؤها بأربعمائة جنيه، الأربعمائة جنيه في ذلك الوقت كانت قيمة عالية، قالوا له: خذ المال، قال: أرسلوها إلى البنك الفلاني، انظروا! وكأن هذا القارئ لم يقرأ قط قوله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276]! وكأنه لم يقرأ قط قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:278]، كأنه لم يقرأ هذه الآيات! بل قال: أرسلوها إلى البنك الفلاني، وجاء الرجل وقرأ، والناس ينصتون ليس لآيات القرآن، إنما ينصتون للصوت، هم منسجمون مع الصوت، حتى أن قارئاً كان يقرأ: ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:32] قام رجل وقال: الله يزيدك.. يزيده ماذا؟! أكثر من سبعين ذراعاً!!

    وأحياناً تقرأ هذه الآية: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر:71] يقول بعض الحاضرين: اللهم اجعلنا منهم، هو لا يدري زمر الجنة من زمر النار، إنما يسمع للتطريب فقط، فانسجم الناس، المهم طلبوا ربعاً رابعاً، قال: أنا مرتبط بأعمال، حسن! خذ ما شئت من المال، الذي طلب منه مواصلة القراءة هو ذلك الرجل الثري؛ لأن الحاضرين في عزاء والدته عدد ضخم جداً، وهم يتفاخرون بذلك، أبى، فقال له بعض الناس: لماذا تغالي في أجرك؟! أربعمائة جنيه في ثلاثة أرباع! لماذا تغالي في أجرك؟! فقال -ما أدري مازحاً أم جاداً، مع أن المزاح في هذا لا يجوز- قال: ألم يقل الله تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة:41] أنا أعتقد أن هذا الرجل لو قصد واعتقد هذا المعنى لكفر، فإن الدنيا كلها التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة، لو وضعت الدنيا في كفة ووضع شطر آية في كفة، لا يشك أحد أن هذه الآية بل وشطر الآية أفضل من الدنيا كلها، وهل يظن أن هذا الرجل لو غالى حتى أخذ أموال الدنيا كلها أنه وفى هذا القرآن حقه؟! فإذا كان هذا حال الذين يقرءون القرآن كله، ويحفظونه عن ظهر قلب.. فكيف بغيرهم؟!

    ولقد نعلم علماً ضرورياً أن جل الصحابة كانوا يحفظون القرآن كاملاً، لكن الفرق بيننا وبينهم كبير.

    السر في كون الصحابة فاقوا من بعدهم

    أثُر عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن، وإنه يأتي أقوام يتعلمون القرآن ثم يتعلمون الإيمان)، هذا هو الفرق: تعلم الإيمان أولاً، فإذا جاءته آية أو جاءه حديث لا يفقه معناه لا يعترض، لأنه آمن أولاً فيسلِّم، بخلاف الذي يقرأ القرآن بغير إيمان كامل فإنه يمكن أن يعترض على آيات، أو يمكن أن يرد أحاديث كثيرة.

    فلذلك عبد الله بن مسعود كأنه بهذا القول يشير إلى خطورة تعلم المرء القرآن قبل تعلم الإيمان، أو تعلم العلم قبل تعلم الإيمان، لقد وصلت استهانة الناس بالقرآن إلى حد أنهم حرفوا النص، لا أقول حرفوا التأويل، إنما حرفوا النص.

    بعض أقطاب الصوفية وأظنه ابن عربي أو رجل يشابهه لما جاء يفسر قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] -الصوفية يفسرون القرآن بالإشارة- قال: تفسير الآية ليس كما يتبادر إلى أذهانكم، وإنما معنى الآية هكذا: (من ذل ذي يشف ع)، أتى بلفظ آخر للآية:

    (من ذل): من الذل.

    (ذي): اسم إشارة، أي: من ذل نفسه.

    (يشف) أي: من الكبر والبطر والرياء والعجب.

    (ع): فعل أمر: من وعى، أي: ع هذا الكلام، هل الآية هكذا لفظاً ومعنى..؟! سبحان الله..! هانت عليهم آيات القرآن الكريم؛ لأن الأمر كما قال تعالى: وَرِثُوا الْكِتَابَ [الأعراف:169] ، وهذا رجل وارث، ما قاتل على آيات الكتاب حتى يعز عليه أن يحرف المعنى، لأن مسألة تحريف اللفظ هذه مسألة خطيرة جداً.

    صحيح أن ألفاظ القرآن الكريم يحمل وجوهاً كثيرة، والآية الواحدة قد تحتمل أكثر من معنى، لكن ليس إلى هذا الحد الذي يعود على معنى الفقه بالإبطال، إذا كان التأويل سائغاً معتبراً لا يخرج عن حد اللفظ اللغوي، وكان معنىً سائغاً لائقاًً كهذا التفسير اللائق لقوله تبارك وتعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18] هذه الآية معناها: أن المساجد لله تبارك وتعالى، فلا تخلط فيها شيئاً من الدنيا، ولذلك يمنع فيها البيع والشراء، وهيشات الأسواق، والنزاع والخصومة، وإنشاد الضالة، وهذه المعاني في المسجد... إلى آخره.

    فالمعنى السائغ اللائق هو كما قال بعض العلماء: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ المساجد هنا: جمع مسجَد، أي: أن أعضاءك السبعة التي تسجد بها لله، فلا تسجد بها لأحد غير الله، لا تأت وتخرَّ على الأرض ساجداً أمام أي إنسان مهما كان عظيماً، كما يفعل بعض الجهلاء، كما حدث مع شاه إيران لما خرج من المطار أتى رجل وقبل نعله وسجد له.

    وهذا المعنى الذي قاله هؤلاء العلماء في هذه الآية معنى لاائق؛ لأن اللغة تدل عليه، لا يجوز لأحد أن يسجد لأحد من البشر على هذه الأعضاء السبعة، بل هذه الأعضاء إنما يسجد بها المرء لربه تبارك وتعالى.

    فإذا كان اللفظ محتملاً للمعنى ولا يخرج عن دلالته اللغوية فإنه جائز، لكن ليس إلى هذا الحد الذي يصل إلى إبطال الآية ذاتها، مثل لفظ: (من ذل ذي يشف ع) مع أن الآية خلاف هذا تماماً، إنما تجرءوا على فعل هذا الفعل المنكر، وهانت عليهم آيات القرآن الكريم؛ لأنهم ورثوا الكتاب.

    الفرق بيننا وبين الصحابة في الاختلاف

    الصحابة الأوائل كانوا يختلفون عن هؤلاء اختلافاً كبيراً، لذلك فنحن نشبه بُعْدَ المسلمين عن تطبيق الإسلام بمثلث حاد الزاوية، النقطة لا أبعاد فيها، مثل إذا وضعت نقطاً برأس القلم فليس فيها طول ولا عرض، وإن كان فيها أبعاد فهي أبعاد قصيرة جداً لا تكاد تذكر، فلو قلنا: هذه النقطة هي العهد النبوي، كانوا كلهم شيئاً واحداً، حتى لو حدث خلاف فهذا الخلاف ينتهي بسرعة؛ لأن الصحابة ما كانوا يقصدون الخلاف ولا يتعبدون به، إنما الخلاف شيء طارئ رغماً عنهم، حدث بسبب اختلاف وجهات النظر، ولكنهم كانوا يرجعون بسرعة إذا ظهر الحق.

    كما في الصحيحين (أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما اختلفا في شيء، وكان في أبي بكر رضي الله عنه حدة، فكأنما احتد على عمر ، فرجع أبو بكر فقال لـعمر : اغفر لي. فقال: لا أغفر لك. فانصرف أبو بكر وندم عمر أن أبا بكر قال: اغفر لي، قال: لا أغفر لك، فذهب إلى بيت أبي بكر فلم يجده، فأبو بكر كان قد توجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقد رفع شيئاً من ثوبه، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما صاحبكم هذا فقد غامر -يشير إلى أن هيئة أبي بكر هيئة غير عادية- فجاء وقال: يا رسول الله! اختلفت مع عمر في شيء من الحديث، فقلت له: اغفر لي. قال: لا أغفر لك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثاً، فقعد، -فلما سأل عنه عمر فلم يجده توجه إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام- فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام تغير وجهه، وقال له ولهم جميعاً: جئتكم فقلتم لي: كذبت، وقال أبو بكر : صدقت! وواساني بماله ومنعتموني! فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟)، قال: فما أوذي بعدها.

    الآن يختلف بعض الإخوة مع أخيه في مسألة فرعية، فتراه يترك المسجد الذي يصلي فيه مع أخيه، وإذا رآه قادماً من طريق أخذ في طريق آخر، وإذا ذُكِرَ أخوه ذمه، وقد ينهشه.. لماذا؟ لأنه مختلف معه، تراه يراقبه في صلاته: هل يحرك الإصبع أم يشير بها؟ هل يشير أم يرفع عند النفي والإثبات؟! هل يقبض بعد القيام من الركوع الثاني أم يرسل، قضايا فرعية يتعاملون فيها كالقضايا الأصولية، وهذه مصيبة عظيمة!

    إن الدافع هو جهل أولئك بالخلاف وأدب الخلاف وأدبه، كان الصحابة رضوان الله عليهم يختلفون في المسائل العظيمة، وأظن خلافهم في اختيار الخليفة بعد النبي عليه الصلاة والسلام في سقيفة بني ساعدة مشهوراً، وكان كفيلاً بتدمير الدعوة، لأنه كان من الأنصار من هو مصر على -بلغة العصر- أن يرشح نفسه بمقابل أبي بكر الصديق ، أو في مقابل المهاجرين، حتى قال قائلهم: (منا أمير ومنكم أمير)، وأصروا على ذلك في بداية الأمر، ولكن لأن الله تبارك وتعالى يعلم أنهم أخلصوا دينهم لله، وأنهم لا يتعبدون بالخلاف ولا يختارونه، فأصلح ذات بينهم، وزال الخلاف، فلما قضي الأمر لم تجدهم يعترضون على اختيار أبي بكر خليفة، ويقول: لا، أنا معترض، وهذه وجهة نظري.

    الآن لو حدث كمثل الأمثلة التي ضربتها لا يتحمل الناس بعضهم بعضاً فيها، هؤلاء لم يتحمل بعضهم بعضاً في القضايا الفرعية فكيف بالقضايا الأصولية؟!

    وفي حديث عبد الله بن مسعود لما أتم عثمان في منى أربعاً، وهو في الصحيحين، لكن الجملة التي أريدها في سنن أبي داود، وفي مسند الإمام أحمد: (لما بلغ ذلك عبد الله بن مسعود أن عثمان يتم استرجع). وفي مسند الإمام أحمد بسند فيه ضعف: (أن أبا ذر لما بلغه ذلك حوقل واسترجع أن يتم أربعاً) ولكن لما أقيمت الصلاة قاموا يصلون خلفه أربعاً، قيل لـعبد الله بن مسعود في ذلك قال: (الخلاف شر).

    لأن الخلاف الذي ينتج عنه خروج عبد الله بن مسعود على عثمان بن عفان ، مع أن عثمان اجتهد في هذه المسألة، فأداه اجتهاده إلى ذلك ووافقته عائشة عليه، فإنه أعظم ألف مرة من المصلحة الحادثة التي يحصلها من لا يصلي خلف عثمان أربعاً، أيختلفون بين يدي الله في مناسك الحج؟ أهذا هو الفقه؟!

    فعندنا مثلاً المفتي لما يرى أن هلال رمضان لم يره، بينما في بلد مجاور لنا رأوا الهلال، فيقول هذا المفتي: إن لكل بلد رؤية خاصة، وهذان قولان معروفان عند أهل العلم: اختلاف المطالع واتحادها، وإن كان الراجح اتحاد المطالع، لكن الرأي الآخر قال به علماء، واختاره هذا المفتي، فلا نخالفه في هذا الأمر لعموم البلوى بالمخالفة، حدث عندنا في حلوان منذ أربع سنوات: أن السعودية رأت الهلال قبلنا بيوم، وصادف -ولعلكم تذكرون- العيد يوم الجمعة، فبعض الذين لا يتبعون المفتي بعد صلاة الجمعة وقف على المنبر وأخذ ماءً وشرب، بينما هذا اليوم كان هو المتمم لرمضان عندنا، الناس جميعاً صُوَّم، وهذا وقف على المنبر وشرب، وقال: اليوم يوم العيد ولا يحل صيام يوم العيد!

    لقد حدث خلاف كادت أن تطير فيه رقاب، ما هي المصلحة؟

    وهل هناك مصلحة أن يذهب أناس يصلون العيد وإخوانهم في نفس البلد يتمون صيام رمضان؟!

    إذا كان من المسائل التي رجح بها القائلون باتحاد المطالع، قالوا: إذا اجتمعت الأمة المسلمة على يوم عيد واحد وعلى يوم صوم واحد، فهذا أدعى أن يحس بعضهم ببعض، فلا شك أن أهل البلد الواحد أكثر إحساساً بهذا الأمر من أهل البلدان المتفرقة، يعني: إذا كان العيد في تلك البلاد، ونحن لا زلنا صائمين، فإننا لا نحس أن هناك مخالفاً؛ لأننا جميعاً صُوَّم، إنما إذا كنا في البلد الواحد وأقوام يصلون العيد، وأقوام يتمون صوم رمضان! هذا بلا شك من الجهل، كما قال بعض العلماء: لو سكت من لا يعلم لقل الخلاف.

    فالصحابة الأوائل كان عندهم من فقه النفس وفقه الأحكام الشرعية ما يعقلهم من مثل هذا الزلل الذي يقع فيه كثير من الشباب اليوم، أضف إلى ذلك الإخلاص، يوجد الآن أقوام يتعبدون بالخلاف، وهذه مصيبة كبيرة، بل بدعة قبيحة جداً، أن يتعبد عبد بالخلاف.

    الفرق بيننا وبين الصحابة في حفظ القرآن

    كان الصحابة كتلة واحدة؛ لأنهم تعلموا الإيمان والقرآن جميعاً، وما كانوا يتجاوزون آية من آيات القرآن إلا ويعملون بها، ويقول بعض العلماء: لعل هذا هو السبب الذي جعلهم لا يحفظون القرآن كله، الذين يحفظون القرآن الآن ليسوا أذكى منهم ولا أحفظ، والعرب الأوائل اشتهروا بالحفظ، كانوا يحفظون المعلقات، ويحفظون الأمثال، هكذا كان الحفظ! أيعجزون أن يحفظوا آي الذكر، ويحفظوا أقوالاً مركبة معقدة كالصخر؟! أفلا يحفظون آيات الذكر الحكيم التي يحفظها الطفل الصغير؟! وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17].

    أنا أعرف رجالاً عاشوا وهم يحفظون القرآن، وماتوا وهم لا يعرفون تفسير المعوذتين! وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ [الفلق:3] الواحد منهم لا يعرف ما هو الغاسق، ولا يعرف ما معنى وقب، وكذلك الطفل الصغير لا يعرف لكنه يحفظ، فهذه بركة في القرآن الكريم أن يحفظه الكل، أفيعجز أولئك الصحابة الذين كانوا يحفظون الأقوال الجامدة من أن يحفظوا القرآن الكريم؟!

    لا يعجزون، إذاً لماذا مات أغلبهم ولم يحفظوا القرآن الكريم كله؟ لأنهم لم يكونوا يتجاوزون الآية ولا الآيتين ولا الثلاث إلا بعد أن يعملوا بها. وهذا -كما قلت:- أحد الفروق التي تميز أولئك الصحابة العظام وبين جيلنا الآن.

    1.   

    من أدب الخلاف عند الصحابة

    جاء في سنن الإمام الترمذي بسند صحيح أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (توضئوا مما مست النار) ، فحدث بينه وبين ابن عباس جدال طويل حول هذا الحديث، صحيح أن هذا الحديث نُسخ، لكن لم يصل النسخ إلى أبي هريرة ، فلا يزال يفتي بالذي سمعه، قال له ابن عباس : يا أبا هريرة ! أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالاً؟! -أي: سآكل اللحم بغير أن أطبخه؟!- يا أبا هريرة ! أفلا نتوضأ من الحميم؟ -يعني: ألا يجوز لي أن أتوضأ من الماء الساخن؟- هبني في شتاء قارس وأريد أن أتوضأ بماء ساخن، لا بد أن تمسه النار، يعني: أنت تلزمني إذاً بعد أن أتوضأ بالماء الساخن أن أحدث وضوءاً بماء بارد لم تمسه النار، إذاً لا فائدة في تسخين الماء.

    هل ابن عباس أتى بنص أم بشبه عقلية؟

    شبه عقلية، ما أتى بنص، لذلك ثبت أبو هريرة ، ولم يرجع عن قوله، ثم قال له: يا ابن أخي! إذا حدثتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فلا تضرب له الأمثال، لا تأت بهذه الشبه العقلية على النص، النص هو المقدم.

    صحيح أن ابن عباس روى حديثاً -وهو صحيح- (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان عند ميمونة ، خالة ابن عباس وكان يحتز من كتف شاة، فدعي إلى الصلاة فصلى ولم يحدث وضوءاً)، فهذا من جملة الأحاديث التي يحتج بها العلماء على نسخ الحديث الأول.

    لو أن ابن عباس روى هذا لـأبي هريرة لرجع أبو هريرة عن قوله، لكن الذي جعل أبو هريرة يثبت على هذا القول: هو أن معه نصاً وابن عباس ليس معه نص ، بل جدل عقلي.

    انظر! هذا خلاف بين ابن عباس وبين أبي هريرة ، هل هجر أحدهما الآخر؟ لا.

    كما قلنا: الصحابة انتفعوا بالآيات، وانتفعوا بالأحاديث التي تحث على الترابط والتماسك، ولقد قال بعض العلماء: من عجز أن يقوم الليل، وأن يتصدق، وأن يأمر بمعروف وينهى عن منكر، فليحب أخاه في الله، فإن هذا يحقق به خيراً عظيماً.

    وحسبنا حديث أبي هريرة : (أن رجلاً زار أخاً له في قرية مجاورة، فكان هناك ملك على قارعة الطريق، قال له: إلى أين؟ قال: إلى قرية كذا أزور فلاناً. قال: هل ترى عليك له نعمة؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله. قال: فأنا رسول الله إليك إن الله أحبك كما أحببته).

    فإذا وصل العبد إلى مثل هذه المرتبة فاز والله، لكن تجد أن روح المحبة طاشت وزالت بخلاف تافه جداً!!

    ربما جزئية واحدة نختلف فيها تفرقنا، ومائة ألف جزئية متفقون عليها بيني وبينك لا تجمعنا! قد أكون متفقاً معك في عشرات المسائل، متفقاً معك في العقيدة، متفقاً معك في غالب الفروع، لكن خالفتك في جزئية واحدة، تتجنبني، ولا تصلي في المسجد الذي أصلي فيه، وإذا ذكرتني ذميتني.

    أدب الإمام الشافعي مع مخالفيه

    ما أكمل عقل الشافعي رحمه الله! اختلف هو ويونس بن عبد الأعلى أحد تلامذته في مسألة وتفرقا، فما كان من الشافعي إلا أن ذهب إلى دار يونس ، ودخل عليه، وقال: يا أبا محمد ! ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟!

    الذي أبعد هؤلاء الشباب عن جادة الصواب: أنهم لم يتتبعوا خُطا أسلافهم بحق، بل لم يتتبعوا أوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكثيرة بمحبة المسلم لأخيه وعذره، وأن يلتمس له العذر؛ لذلك الفرق بيننا وبين أولئك كثير.

    ضعف الاتباع عند المتأخرين لبعدهم عن زمن النبوة

    فلو افترضنا أن النقطة هذه هي زمان النبوة، فالخلاف الحادث فيها كان خلافاً يزول بسرعة؛ -كما قلنا- لأنهم ما كانوا يختارون الخلاف، إذا أخذت ضلعاً أو خطاً مستقيماً من هذه النقطة، واعتبرت أن هذه هي الأوامر والنواهي، وأن هذا هو الإسلام، وأخذت خطاً مستقيماً آخر ينبع من ذات النقطة، ومثلنا الصورة هكذا.. هذا رأس المثلث وهذان الضلعان، كلما انحدرت إلى أسفل كلما ازدادت المسافة بين الضلعين أي: أنك كلما انحدرت وبعدت عن مصدر الضوء -وهو النبي عليه الصلاة والسلام- فكلما أوغلت في الظلام بعدت، وكلما ابتعدت المسافة بين الضلعين بعد الإنسان عن زمان النبوة، وكلما بعد عن تحقيق الإسلام يكون بينه وبين الأوامر والنواهي خط طويل طويل.

    فلا شك أن الاتباع -اتباع النبي عليه الصلاة والسلام- فرع عن المحبة التي تكون في قلب العبد للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الذي يحب النبي عليه الصلاة والسلام يستحيل أن يخالفه، أعجز كثير من المسلمين أن يكونوا كهذا الرجل الذي طاف بديار محبوبته يوماً، فقال:

    أمر على الديار ديار ليلـى أقبل ذا الجدار وذا الجـدار

    وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار

    مجرد أنها كانت في هذا المكان فهو يرى أن لهذا الجدار منة عليه وحقاً، أنا لا أقصد إقراره على هذا المعنى، لكن لعل المعنى الذي أريده وصل إليكم.

    وكهذا الرجل الذي أراد أن يهدي محبوبه يوماً هدية، ولكنه كان عاجزاً فبكى ثم قال:

    أرسلت دمعي للحبيب هدية ونصيب قلبي من هواه ولوعه

    قال اجتهد فيما يليق بقدرنا قلت اتئد جهد المقل دموعه

    ما أملك إلا هذا فأنا أرسله إعلاماً بالمحبة.

    اقتداء الأئمة بالصحابة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم

    علماؤنا المتبوعون رحمة الله عليهم، كـأبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وسفيان ، والأوزاعي وهؤلاء السادة كانوا مثل أسلافهم من التابعين وشيوخهم حتى الصحابة رضوان الله عليهم، فساروا على نهجهم سيراً حثيثاً، ليت الذين يتبنون هذه المذاهب يتأدبون بالأدب الذي تحلى به إمام المذهب، اتباعهم للنبي عليه الصلاة والسلام الذي هو فرع عن المحبة الأصيلة في قلب ذلك الإمام العظيم، أظن قولهم: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) هو قول مشتهر مستفيض عنهم جميعاً، فلا يقدمون قول أحد على قوله عليه الصلاة والسلام.

    هذا المعنى نظمه بعض المتأخرين، وهو الشيخ محمد سعيد حفظ المدني ، وكان حنفياً ويسكن في المدينة المنورة، وغالبنا لا يعرفه، له منظومة الهدى، نظم فيها قواعد الإسلام وآدابه، منظومة رائقة جداً، يقول بخصوص هذه الجزئية -جزئية الاتباع-:

    وقول أعلام الهدى لا يعمل بقولنا بدون نص يقبل

    فيه دليل الأصل بالحديـث وذاك في القديم والحديث

    قال أبو حنيفة الإمام لا ينبغي لمن له إسلام

    أخذاً بأقوالي حتى تعرض على الكتاب والحديث المرتضى

    ومالك إمام دار الهجرة قال وقد أشار نحو الحجرة

    كل كلام منه ذو قبول ومنه مردود سوى الرسول

    والشافعي قال إن رأيتموا قولي مخالفاً لما رويتموا

    من الحديث فاضربوا الجدار بقولي المخالف الأخبار

    وأحمد قال لهم لا تكتبوا ما قلته بل أصل ذاك فاطلبوا

    فانظر ما قالت الهداة الأربعة واعمل بها فإن فيها منفعة

    لقمعها لكل ذي تعصب والمنصفون يكتفون بالنبي (صلى الله عليه وسلم)

    وذكر في هذه المنظومة أيضاً قول بعض المتأخرين من الأحناف: إن عيسى عليه السلام عندما ينزل في آخر الزمان يفصل بالمذهب الحنفي، فقال:

    واعجب لما قالوا من التعصب أن المسيح حنفي المذهب

    فهذا القول من علمائنا السادة الأكابر يدل على محبتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا مستفيض بل متواتر من أقوالهم التي نقلت عنهم في كتب المذاهب وفي كتب غيرهم، حتى إن الإمام الشافعي رحمه الله لما تناظر هو وإسحاق بن راهويه في مسألة شراء البيوت، فاحتج الشافعي عليه بالحديث، فقال له إسحاق : إن الحسن وعطاء يقولان كذا وكذا. فقال له الشافعي : أنت فقيه أهل خراسان؟ قال: هكذا يقولون. قال: كنتُ أحوجَ أن يكون غيرك في موضعك فآمر بقرص أذنه، وهل لأحد قول مع قول النبي صلى الله عليه وسلم؟!

    ولما سأله سائل: إذا جاءك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أتأخذ به؟ قال: سبحان الله! أتراني ألبس لباس الرهبان؟ أترى على وسطي زناراً؟ أتراني أخرج من كنيسة؟! أشهدكم أنه إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم قولاً فلم أقل به أنه قد زال عقلي.

    وكذا قاله بعض العلماء المتبوعين كـأحمد وغيره- قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، قلت به أو لم أقل. فلله درهم برءوا أنفسهم أحياءً وأمواتاً!

    وكان الإمام الشافعي يقول لـأحمد : يا أحمد ! أنتم أعلم بالحديث منا، فإذا صح عندك الحديث أعلمني به حتى أفتي عليه، -أو قال: أعلمني به حتى أقول به- كوفياً كان أو حجازياً أو بصرياً. قال الإمام الذهبي : ولم يقل: أو مصرياً؛ لأن الشافعي كان أدرى بحديث أهل مصر من أحمد ، إنما قال: بصرياً كان أو كوفياً أو حجازياً ولم يقل مصرياً؛ لأنه كان أبصر بحديث أهل مصر من الإمام أحمد .

    فالحاصل أن الاتباع فرع على محبة النبي عليه الصلاة والسلام، فنحن نعلم ضرورةً أن الذي لا يتبع النبي صلى الله عليه وسلم ما نزعم أنه لا يحبه؛ لأن عدم محبة النبي عليه الصلاة والسلام كفر، لكن نقول: إن المحبة في قلبه خفيفة، ليست هي المحبة التي ينبغي على المسلم أن يتحلى بها، وأن يوقر النبي صلى الله عليه وسلم فلا يتقدم بين يديه بقول ولا فعل، ولله در الإمام السبكي ! حيث قال في رسالته النافعة: بيان قول الإمام المطلبي. إذا صح الحديث فهو مذهبي.

    وليتصور أحدكم إذا بلغه الحديث أنه واقف بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أمره بهذا الحديث وبهذا الأمر، أكان يسعه أن يرده؟

    ليتصور أحدنا أنه الآن يسمع هذا الحديث من النبي عليه الصلاة والسلام، أكان يسعه أن يرده ويبدي التأويلات، فضلاً عن التمحلات الباردة التي يبديها بعض الناس ليفتن غيره، وذلك بتغيير دلالة الأحاديث النبوية، أكان يسعه أن يقول هذا أمام النبي صلى الله عليه وسلم؟

    فإن كان الجواب بالنفي، فكذلك لا يجوز للمسلم أن يبلغه عن النبي عليه الصلاة والسلام حديث فيخالفه إلى غيره، إذ أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    حقيقة المدرسة العقلانية ونقد أحد ممثليها

    السؤال: السائل يقول: الغزالي يمثل المدرسة العقلانية، ما أصل هذا النهج المنحرف؟ وكيف انحدروا ووقعوا فيه؟ كما لاحظنا أن كثيراً من الشباب السذج لا يعرفون خطر هذا الانحراف.

    الجواب: الشيخ محمد الغزالي خطه من قديم تقريباً واحد، فالذي يتابع كتابات الشيخ الغزالي من أوائل ما بدأ يصنف، يرى أن كتابه الأخير ليس مفاجأة، إنما المفاجأة فيه أنه جمع كل الأوابد والطامات في هذا الكتاب، أما هذه فمتفرقة في كتبه كلها، فتقديم عقله على حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وعدم اكتراثه بعقول غيره.. هذه هي مصيبة هذا الرجل، كأنما هو الوحيد الذي يفكر ويتدبر ويفهم، تعجبت جداً!

    عندما أورد حديث موسى وملك الموت الذي رواه البخاري ومسلم ، واعترض عليه اعتراضاً متهافتاً للغاية!

    فيقول: إن بعض الطلبة من الجزائر قال لي: هذا الحديث هل هو صحيح؟ فقلت له متبرماً: وما يعنيك؟ قال: أردت أن أسأل عن صحته. قال: فأجبته وأنا ضائق الصدر: الحديث مروي عن أبي هريرة .

    ما علاقة روايته عن أبي هريرة بالصحة؟ هو لم يقل لك: من الصحابي الذي رواه؟ إنما يقول لك: ما صحته؟ مع كون هذا الرجل يعلم أن هذا الحديث في الصحيحين، لكنه لم يصرح بأن الحديث في الصحيحين؛ لأن تصحيحه أو اعتراضه على حديث في الصحيحين دعوى فجة من مثله، لذلك هو يتبرم ويحوم ويدور ويتحاشى أن يقول: إن الحديث في الصحيحين.

    يقول: فلما رجعت إلى هذا الحديث في بعض مصادره -ونقل من شرح الإمام النووي كلاماً للمازري والخطابي وغيرهما- قال: ودافعوا عن هذا الحديث، ودفاعهم كله دفاع تافه خفيف الوزن لا يساغ، قال: ثم رجعت أتأمل وأتدبر فوجدت أن الحديث فيه نكارة، إذ كيف يكره الصالحون الموت؟! بل كيف يكره نبي بل رسول بل من أولي العزم من الرسل الموت؟! وهل الملائكة تصاب بالأعراض وأنه فقأ عينه؟! قال: ورفضت الحديث.

    رفض الحديث بهذا التفكير الذي لا يعجز عنه أسخف الناس تفكيراً من الذين لا يتمتعون بعقل راجح يقولون مثل هذا القول، كيف وهذا الرجل داعية من عشرات السنين؟! ويقول: فرجعت أفكر وأتدبر، معنى ذلك أنه فكر ملياً في الأمر، لكن (تمخض الجبل فولد فأراً)، بعد كل هذا التدبر والتفكر ما وصل إلا إلى هذه النتيجة السقيمة، ما وسعه شروح العلماء السابقين، هلا عندما يردها يردها بعلم وحلم بدلاً من أن يصف أولئك العلماء كـابن خزيمة والحافظ والنووي والمازري والخطابي وابن القيم وابن تيمية ، وكل هؤلاء الذين مروا على هذا الحديث وغيره وفسروه تفسيراً مستقيماً، هل هؤلاء جميعاً دفاعهم تافه خفيف الوزن لا يساق؟! فهذا عجيب! لو قرأ مثلاً في فتح الباري وكلف خاطره لعلم أن في مسند الإمام أحمد رواية لهذا الحديث بسند صحيح أن ملك الموت كان يأتي الأنبياء على صورة رجل، فحينئذ سؤاله: وهل الملائكة تصاب بالأعراض؟ سؤال لا قيمة له؛ لأن الذي أصيب هو الجسم العارض، يقول: وهل الصالحون يكرهون الموت؟ يعني يقول له: أجب ربك، فيفقأ عينه ويفر من لقاء الله! هذا منكر.

    نقول: رجل دخل على موسى عليه السلام، ما يعرف من أين دخل؟ والباب غير مفتوح والنافذة غير مفتوحة، وهو جالس في داره إذا به يجد رجلاً يقول له: أجب ربك. وكان ملك الموت قد نزل -كما يظهر من الحديث- في هذه المرة بصورة تختلف عن الصورة التي كان ينزل بها على موسى، وكان هذا من باب الامتحان له.

    إذاً الخلاصة أن موسى عليه السلام رأى رجلاً غريباً في الدار، من أين دخل؟ لا يدري، فعاقبه المعاقبة الشرعية -كما يقول ابن خزيمة - وفقأ عينه، لأن الناظر في دارٍ بغير إذن صاحبها تفقأ عينه، لقوله عليه الصلاة والسلام عندما رأى رجلاً ينظر قال: (لو أدركتك لفقأت بها عينك ولا دية لك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، فإذا دخل البصر فلا إذن ).

    فلو جاءك رجل لا تعرفه وأنت في الدار وقال لك: أجب أمير المؤمنين. هل تجيب أمير المؤمنين، أو كما عهدت من أمير المؤمنين أنه إذا أرادك أرسل لك حاجباً من عنده، وعلمت أنه لا يرسل آحاد الناس، إذ لا سبيل لآحاد الناس أن يصل إلى أمير المؤمنين؟ فقال لك: أجب أمير المؤمنين حالاً، أتستجيب له؟ فهذا رجل قال لموسى عليه السلام -ولا يعرفه-: أجب ربك؛ ففقأ عينه.

    ولذلك لما صعد ملك الموت وقال لله تبارك وتعالى: (إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد عليه عينه وقال له: انزل لعبدي فقل له: ضع يدك على متن ثور فلك بكل شعرة مستها يداك سنة) .

    فلما نزل ملك الموت نزل هذه المرة بصورته المعروفة، لذلك موسى لم يفقأ عينه، ولو كان الرجل غريباً أيضاً لا يعرفه موسى لفقأ عينه في المرة الثانية، أما أنه لم يفقأ عينه هذه المرة؛ لأنه نزل بصورته التي يعرفها موسى عليه السلام، حينئذ فطن موسى أن هذا كان امتحاناً له، فقال: (إن ربك يقول لك: ضع يدك على متن ثور، فلك بكل شعرة مستها يداك سنة) فعلم أن الأولى كانت اختباراً له، لذلك قال: (أي رب: ثم ماذا؟ قال: الموت. قال: فالآن)، فواضح جداً أن موسى عليه السلام له مبرر أن يفعل ذلك.

    لكن في عجز الحديث أن موسى لم يكره الموت بل رحب به، قال:( فالآن) فهل في هذا الحديث أن موسى كره الموت؟

    ثم هل الصالحون فعلاً يكرهون الموت أم لا؟

    هذا الرجل يقول: إن الصالحين لا يكرهون الموت؛ لأنهم يرحبون بلقاء الله، وكذلك كل الذين لا يعتمدون على الحديث يزلون، يعتمد على عقله فقط، ولله در سفيان الثوري رحمه الله حيث قال: الحديث درج والرأي مرج، فإذا كنت على الدرج فاحذر أن تزل قدمك فتندق عنقك، وإذا كنت في المرج فسر حيث شئت .

    يقول: إذا كنت تتبع عقلك ورأيك وهواك فالمسافة كبيرة جداً أمامك، تنتقل من رأي إلى رأي لأنه لا ضابط لك، فالرأي والذي يتبع الرأي مرج من المروج الواسعة والفسيحة، أما الحديث فهو درج.. سلم، فإذا كنت على السلم احذر أن تزل قدمك فتندق فتقع على أم رأسك.

    يريد أن يقول: إن من يحتج بالأحاديث النبوية يجب عليه أن يحذر؛ لأنه مقيد بالنص، بخلاف الذي يعتمد على عقله إن سار يمنة ويسرة ما يضره، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا سجن المؤمن)، سجن المؤمن؛ لأنه مقيد بأوامر ونواه: افعل.. لا تفعل.. كأنه مسجون، ليست هناك رغبة مطلقة لأي إنسان، كل رغباته محدودة ومقيدة، إنما الأشياء المطلقة لا يجدها المسلم إلا في الجنة، فالدنيا سجن المؤمن؛ لأنه مقيد بالأوامر والنواهي؛ لأنه يمشي على درج.

    فهذا الرجل لأنه لا يعني بالأحاديث النبوية ولا ينظر فيها، ويعتمد على عقله وفهمه، بغض النظر عن أفهام الناس وعقولهم، وفيهم ألوف مؤلفة عقل أقل واحد منهم يزن عقل عشرات مثله؛ فكان هذا سبباً في زلَله، لكنه لو نظر في الأحاديث النبوية لما أقدم على هذه الدعوى، وأن الصالحين يحبون الموت.

    ونرد هذه الدعوى بحديثين:

    الحديث الأول: ما رواه البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تبارك وتعالى: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) ، وفي آخر الحديث (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي بقبض روح عبدي المؤمن يكره إساءته وأكره مساءته) فهذا نص في أن العبد المؤمن يكره الموت، فمن أين له أن يقول: إن الصالحين يحبون الموت؟

    الحديث الآخر: حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. قالت عائشة : يا رسول الله! كلنا يكره الموت) هنا الشاهد، ولو كان الصالحون يحبون الموت لقال لها: لا يا عائشة ، هناك من يحب الموت. أما وأنه أقرها على هذا القول -ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة- دل على أن إقراره عليه الصلاة والسلام لهذه الجملة في أن الصالحين يكرهون الموت.

    ومن مثل عائشة رضي الله عنها في الصلاح؟! (قالت: كلنا يكره الموت. قال: ليس كذلك، إن العبد المؤمن إذا كان في إدبار من الدنيا وإقبال على الآخرة رأى مقعده من الجنة؛ فتعجل أن يخرج من هذا الضيق إلى هذه الجنة؛ فأحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن العبد الفاجر إذا كان في إدبار من الدنيا وإقبال على الآخرة، ورأى العذاب الذي ينتظره، والنعيم الذي كان فيه قبل ذلك -بالقياس إلى هذا العذاب- كره أن تخرج روحه؛ كره لقاء الله فكره الله لقاءه) ..

    واللقاء هنا معناه الموت، للحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (واعلموا أنكم لن تلاقوا ربكم حتى تموتوا) فدل أن اللقاء هنا ليس هو وقوف العبد بينه وبين ربه ليس بينهما ترجمان.. لا، اللقاء في هذا الحديث معناه: الموت، كما هو مفسر في هذا الحديث.

    فهل في هذا الحديث ما يذكر أن يستنكر؟! وهل الرجل الذي تدبر وأمعن ونظر، ثم عبس وبسر، هل في نظره هذا أي فكرة عميقة أو أي أطروحة تستحق الاحترام..؟!

    الجواب: لا، اعترض -كما قلنا- اعتراضاً لا يعجز عنه أقل الناس تفكيراً.

    المدرسة العقلية معروفة، وهي المدرسة التي لا تكترث بعلم الأثر، ثم هم يحابون كتّاب العصر وأولئك العلمانيين، حتى إن الشيخ الغزالي نفسه مشترك مع بعض النصارى في إصدار مجلة اسمها: (كل الناس) عندنا في مصر، وفيها صور خليعة لنساء، وفيها لاعبي الكرة، وفيها كل شيء، فهذا يشترك مع أولئك؛ حتى لا يقال: متزمت.

    فهذا الرجل من خلال كتاباته -وإن كان يقول: أنا أعتز بالإسلام، لكن يبدو أنه لا يعتز به، بل إنه يشعر بعقدة نقص إذا نسب نفسه للإسلام عند أهل الغرب، لذلك يتحاشى تماماً أن يخالف الحديثُ فكرَ أهل الغرب، ويظهر ذلك جداً في الأصل السقيم الذي يعتمده، وهو الترخص، وأخذ شواذ الفتيا من المذاهب ليفتي به الناس.

    يقول الغزالي في كتابه الأخير -ويا سخف ما قال!-: ليس هناك معنى لاشتراط الولي في إتمام الزواج، المرأة في أوروبا تعقد عقد الزواج بنفسها، فلو فرضنا امرأة من أوروبا أسلمت وأرادت أن تتزوج، هل أقول لها: لا يجوز حتى يأتي الولي، إذا كان لـأبي حنيفة رأي في المسألة بجواز النكاح بغير الولي؟! يقول: إن في اشتراط الولي لإتمام الزواج صد عن سبيل الله!

    فهذا الرجل يرى أن المرأة في أوروبا أو الأوروبيين إذا كانوا يرون شيئاً ما وعندنا بعض علماء أفتوا بهذا الشيء، وإن كان هذا القول تافهاً -كما يقول- لا يساغ ولا دليل عليه، بل هو مناقض للدليل، يقول: إذاً لا حرج أننا نفتي هؤلاء برأي هذا العالم وننتهي، لا نريد أن نصد أولئك الأوروبيين عن الإسلام، إنه لا يجعل الإسلام هو القاضي على أولئك، بل يلتمس في شواذ أقوال الناس، أي قول فهو حتى يخرجه ليسند ويقوي واقع أولئك الغربيين.

    لذلك نرى بوضوح شديد أن بعض الذين يسلمون من الغرب لا يكون إسلامهم صحيحاً، فهذا روجيه جارودي الذي أسلم، لعلك إن قلت له: صلِّ أمامي، لا يعرف كيف يصلي، أتدرون ماذا يصنع؟ إنه يرد على الجهميين، ويرد على الفلاسفة، لكن هل وصل إلى جوهر الإسلام؟ هل أسلم حقاً؟ صحيح هو بنطقه الشهادتين أفضل من ذي قبل، هذا بلا شك، لكن هل نحن استفدنا في ديننا من هذا الرجل استفادة واقعية عملية؟

    الجواب: لا، تجد غالبهم بعيدين عن حقيقة الإسلام الصافي، لذلك لا يكاد يوجد رجل من الذين أسلموا الآن يتعرف على حقيقة الإسلام كما كان في القرون الأولى.

    ثم هؤلاء عندما يأتون فيطلبون الرخص، فآتي له وأحتال على الشرع لإرضائه، وأخرج له ما يشبع رغباته؛ فإنه لا يشعر بهيمنة الإسلام عليه، إن الداخل في حظيرة الإسلام لا بد أن يشعر أنه عبد لله، وأن الإسلام هو الذي يحكم تصرفاته، شاء أم أبى، إن أراد أن يخرج من الإسلام لا يضر أن يدخل النار واحد، كما لا يضر أن لا يدخل الجنة واحد، لكن لا نفسد واقع أولئك الناس بالأقوال الشاذة الموجودة.

    وقال الإمام أحمد وغيره: إذا اتبعت رخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله.

    وأذكر -وأنا ذكرت هذه القصة في طريقة حفظ اللآلي في الرد على الغزالي - أنه كان يخطب الجمعة يوماً -وهذا لقاء مسجل- وكان يتكلم على دعوى الإخوان: نريد الطبيب المسلم.. والمهندس المسلم.. والصيدلي المسلم.. فربما يتوسعون -وقد توسع بعضهم لكن ليس من الرءوس، إنما هو من الصغار- حتى يقولوا: ونريد الممثل المسلم، والمنشد المسلم، ويتوسعون: والطبال المسلم، والزمار المسلم، والراقص المسلم..! هؤلاء يقولون: نريد المسلمين في جميع نواحي الحياة، بحيث أن الإسلام إذا أتي يكون لنا جنود في كل مكان.

    وأنا أسأل سؤالاً: وهل إذا تركت هذا الرجل في هذا المكان الذي يخالف الإسلام فيه، تضمن إذا جاء الإسلام أن يكون هو على إسلامه، أم يكون خرج بالكلية من الإسلام وتعاليمه؟؟

    من هذا الباب الذي يدعو إليه أولئك قال: لا جناح أن يدخل المسلم كلية الحقوق، أو يدخل كلية السياحة والفنادق، أو يدخل كلية الفنون الجميلة.. كلية الفنون الجميلة عندنا ما زالوا حتى الآن يأتون بالمرأة عارية كما ولدتها أمها، ويقولون: ارسموها. فيرسمونها واقفة ومضطجعة ومنبطحة! يرسمها هؤلاء الشباب، وهذا موجود حتى الآن! هل هناك مسلم يعلم هذه المسألة ثم يقول: نريد أن يدخل المسلم هناك؟!!

    كلية السياحة والفنادق يعلمون الطالب كيف يميز بين الخمر الفاسد وبين الخمر المعتق وغيره، كيف يفرقون بين أنواع الخمور المختلفة، ويتعلمون كيف يقدم الخمر للزبون السائح، وأن يقدمه بانحناءة معينة ويرفع رأسه بطريقة معينة، وعندما يدير ظهره لهذا الوغد الذي يشرب الخمر يدير ظهره بطريقة معينة... كل هذا يعلَّم! هل هناك مسلم شم ريح الإسلام يرى مثل هذه المخالفات، ويقول: نريد مسلمين في جميع نواحي الحياة؟!

    ولأنني كنت في كلية اللغات بجامعة عين شمس، قسم اللغة الإسلامية والفرنسية، وأنا طالب كنت أذهب مع بعض المرشدين حتى آخذ خبرة ونجاني الله تبارك وتعالى منها، فترى العجب! فبخبرتي هذه كتبت بحثاً بهذا الشيء لأعلمه -أي الغزالي - بخطورة هذا القول، وظننت أنه لا يدري، ولأنني أعلم أنه يحتقر الشباب ولا يقيم لهم وزناً، وأنني لو جابهته لسفهني ولربما شتمني، فكتبت رسالة وقدمتها بمقدمة يفهم منها أنني رجل كبير مثله في السن، كل هذا أسعى أن يتقبل لفظي، كتبت من أبي إسحاق الحويني إلى أخيه في الله تبارك وتعالى الشيخ محمد الغزالي .

    وقمت في وسط الناس فدفعت بهذا البحث، وتعمدت أن يكون بحثاً مختصراً حتى يجد وقتاً ليقرأه ويرد في ذات الوقت، فوصل إليه البحث فكان بجانب المنبر، وكان يريد أن يتم كلمة، فقبل أن يتم الكلمة قرأ هذا البحث وكان في ورقتين، وأظنه قرأه قراءة متعجلة، لكن وقف فيه؛ لأن البحث كله يدندن على هذه المخالفات، فقال: وصلني كلام من أخ فاضل طيب بخصوص فتوى كذا وكذا، ولكن أنا ما زلت عند رأيي، وقد أفتى مشايخي بذلك، وأنا تبع لهم في ذلك.

    بعد هذا السرد يقول: أنا تبع لمشايخي في ذلك! فهذه مصيبة عظيمة جداً، كما قلنا: لا نريد أن نحكم على ما في القلوب، لكن الظاهر أن هؤلاء لا يقدرون النبي صلى الله عليه وآله وسلم حق قدره، والعلماء لهم أبحاث كثيرة جداً في رد الفتاوى الشاذة، وأنه لا يجوز أن يفتي المرء إلا بالدليل.

    إذا وصل الشيخ الغزالي إلى هذه المرحلة إذاً هو لا يستطيع أن يستقل بفتيا، ولا أن يعرف عوار فتوى فلان من علان، إذاً هو في صفوف العوام، فحسبه أن يأخذ رأياً يقلده، ولكن لا يجوز له أن يتبنى الدعوة إلى هذه الفتيا؛ لأن هذا إنما يكون لمن درس الأصول دراسة وافية، وقد علمنا من كتب الشيخ محمد الغزالي أنه مسكين، بل فقير في جانب الأحكام الشرعية والفتوى، إنما هذا الرجل دأبه الرد على العلمانيين والنصارى، كتابه للكتب الإسلامية على طريقة الأدباء، ونحن لا نهون من حقه في هذه الجوانب، لكن نقول: ليته اقتصر على تلك الكتابات التي يحسنها.

    إنه في دخوله في المجالات الأخرى التي لا يحسنها كمثل الرجل الذي دخل الحمام يوماً وكان ولده يتوضأ، فدخل أحدهم -ذهب اسمه الآن عني- وكان هذا الرجل الداخل فصيحاً لغوياً ماهراً، فهذا الرجل أراد أن يظهر ما عنده من الفصاحة والبيان، فقال: يا بني! ابدأ بيداك ورجلاك -يريد أن يتفاصح فأخطأ، والصحيح: بيديك، لكن هذا لما أراد أن يتفاصح أخطأ ووقع في هذه الورطة- ثم قال: يا أبا فلان! -التفت إليه متباهياً أنه تكلم بالفصحى- هذا كلام قد ذهب أهله -يعني الذين يتكلمون بالفصحى الآن قلة- فقال له: هذا كلام لم يخلق الله له أهلاً قط..

    ويذكرني هذا برجل أيضاً كان يتفاصح، فظن أنه إذا أخذ كلمة من القرآن وتكلم بها كما هي -بغض النظر عن موقعها في الجملة- فهذه فصاحة ما بعدها فصاحة! ففي القرآن الكريم: شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا [الفتح:11]، فسأله رجل آخر: من أين أتيت؟ قال: أتيت من عند أهلونا -لم يقل: من عند أهلينا، لا يراعي موقعها من الجملة، إنما أخذها من القرآن، والقرآن كله فصاحة ما بعدها فصاحة، فظن أنه بوضعها كما هي في القرآن الكريم أنه أصاب- وكان الآخر أجهل منه، فقال له: قاتلك الله.. ما أفصحك! أنا أعلم من أين أخذتها: (شغلتنا أموالنا وأهلونا)، والجاهل عدو نفسه.

    وأيضاً كان رجل يتفاصح أيضاً، وكان هناك آخر يلوموه ويعزروه، كلما تكلم بالفصحى وأخطأ، فذات مرة كان هذا الرجل الذي يتفاصح في داره، فطرق الباب طارق، فإذا هو الذي يتعقبه، فقال له: أخوك هنا؟ فيخشى أن ينصب الفاعل أو يرفع الحال، فأراد أن يجمع قال له: لا لي لو. يعني: لا غير موجود، فخذ أي واحدة من تلك على حسب الفصاحة، إن كان مقتضاها الرفع خذ (لو)، وإن كان مقتضاها النصب خذ (لا)، وإن كان مقتضاها الجر، خذ (لي).

    فهذا الرجل دخوله في غير ما يحسن كمثل أولئك، وقديماً قال الحافظ ابن حجر وهو يناقش كرمان، وهو إمام عظيم، لكن ليس له باع في الحديث، فدخل في بعض دقائق علم الحديث فأخطأ فقال الحافظ ابن حجر: ومن تكلم في غير فنه أتى بمثل هذه العجائب.