إسلام ويب

البحث عن الرجالللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الأمة الإسلامية اليوم تعيش ويلات ومصائب ونكبات، وتمر بأزمة هي أشد وأقسى أزماتها على الإطلاق .. أزمة لا ككل الأزمات، إنها تعاني أزمة حادة في الرجال. نعم! الرجال الذين يحملون هم هذا الدين ويقتدون بالأنبياء والمرسلين، وما قصة إبراهيم عليه السلام وأهل بيته إلا مثالاً يقتدى، وأنموذجاً يحتذى لمن تاقت نفسه لأن يكون رجلاً يؤثر فيما حوله، ويكون عاملاً في صناعة الأحداث، وليس مجرد صفر يضاف إلى الأصفار الكثيرة التي تمتلئ بها المجتمعات المسلمة.

    1.   

    نص حديث المنطق

    إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آله محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد.

    روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث سعيد بن جبيرٍ رحمه الله، قال: قال ابن عباس : (أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة؛ ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحةٍ فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماءٌ؛ فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جراباً فيه تمرٌ وسقاءً فيه ماء، ثم قفا إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه إنسٌ ولا شيء، فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً: لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الكلمات ورفع يديه فقال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم:37]... حتى بلغ: يَشْكُرُونَ [إبراهيم:37]، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء؛ فعطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال: يتلبط- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبلٍ في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات، فقال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فذلك سعي الناس بينهما، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صهٍ -تريد نفسها- ثم تسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال: بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف.

    قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم -أو قال-: لو لم تحوضه لكان زمزم عيناً معيناً.

    قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيتٍ من جرهم مقبلين من طريق كذا.. فنزلوا في أسفل مكة، فرءوا طائراً عائفاً، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماءٌ، فأرسلوا جرياً أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا، قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك، فقالت: نعم. ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم.

    قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم: فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم؛ فنزلوا معهم حتى إذا كانوا بها أهل أبياتٍ منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأَنْفَسَهم وأعجبهم حين شبّ، فلما أدرك زوجوه امرأةً منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يصارع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشرٍ، نحن في ضيقٍ وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له: يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً، فقال: هل جاءكم من أحدٍ؟

    فقالت: نعم. جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته: أنا في جهدٍ وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟

    فقالت: نعم. أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك، فقال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك. الحقي بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعدُ فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، قالت: نحن بخيرٍ وسعةٍ، وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟

    قالت: اللحم.

    قال: فما شاربكم؟

    قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: ولم يكن لهم يومئذٍ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه، قال: فهما لا يخلو عليهما أحدٌ بغير مكة إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومُريه يثبت عتبة بابه؛ فلما جاء إسماعيل، قال: هل أتاكم من أحدٍ؟

    قالت: نعم، أتانا شيخٌ حسن الهيئة وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيءٍ؟ قالت: نعم. هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك.

    قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحةٍ قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنع كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل! إن الله أمرني بأمرٍ، فقال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكمةٍ مرتفعةٍ على ما حولها، قال: فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع هذا البناء جاء بهذا الحجر: فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127]).

    1.   

    قصة إبراهيم عليه السلام مع ولده إسماعيل وزوجته هاجر

    هذه قصة أهل بيت نذروا أنفسهم لله تبارك وتعالى، قصة إبراهيم مع ولده إسماعيل عليهما السلام. ذكر ابن عباس رضي الله عنهما: أن أول من اتخذ المِنْطق أم إسماعيل؛ لتعفي أثرها على سارة، وكانت سارة لشدة غيرتها من هاجر قد أقسمت أن تقطع منها ثلاثة أعضاء، وهاجر وهبها ملك مصر الجبار لـسارة -كما رواه الشيخان في صحيحيهما-: أن إبراهيم عليه السلام لما دخل بلداً -ذكر الشراح أنها مصر-، وكان حاكم البلد طاغيةً جباراً لا يرى امرأة جميلة إلا اصطفاها لنفسه، إلا أن تكون أختاً مع أخٍ لها؛ -إنما زوجة مع زوجها- كان يأخذها عنوة، فأرسل شرطته يبحثون فوجدوا امرأةً وضيئة -أي جميلة- فكان إبراهيم عليه السلام يعرف هذا من خلق هذا الجبار، فقال لسارة: إذا سئلت فأنا أخوك وأنت أختي، والله لا أعلم أحداً يعبد الله غيرنا، فأنت أختي في دين الله تعالى، هذه من الكذبات التي كذبها إبراهيم عليه السلام في ذات الله تبارك وتعالى.

    فلما رأى الملك جمالها خالف شرطه فأخذها، فمد يده نحوها فدعت عليه فيبست يده وشلت، فقال لها: ادعي الله لي إن عافاني لا أقربك بسوء، فدعت فعوفي، فمد يده مرةً أخرى فدعت عليه فيبست يده -يعني شلت-، فقال لها: ادعي مرةً أخرى ولا أَمسّكِ بسوء، فدعت، فمد يده مرةً ثالثة، فدعت عليه فيبست يده، فقال لهم: إنكم ما جئتموني إلا بشيطان، ثم دعت له ففك الله عز وجل شلله، فأخدمها هاجر -أعطاها هاجر كخادمة- فتزوجها إبراهيم عليه السلام، ثم حملت هاجر ، فغارت منها سارة غيرة شديدة، فأقسمت -كما يذكر الشراح- أن تقطع منها ثلاثة أعضاء؛ فخافت هاجر على نفسها، فكانت تشد المنطق على وسطها -وهو: نوع من الإزار كانت تربطه على وسطها وتجره خلفها كي تعفي أثرها؛ كرسم القدم على الرمال ونحو ذلك، كان هذا المنطق يغير رسم القدم فيزيله من على الأرض حتى تضلل سارة وهي تبحث عنها لتقطع منها أعضاءها، فلا تجدها-؛ لذلك اتخذت هاجر المنطق خوفاً من ذلك.

    أهمية صدق الرجل مع أهل بيته

    لما رأى إبراهيم عليه السلام ذلك -بحث سارة عن هاجر- أخذ إسماعيل وأمه هاجر ورحل من الشام إلى مكة، فجاء بها فوضعها في هذا المكان -مكة- في وادٍ غير ذي زرع، فلما وضعها وابنها وترك معها جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ولى راجعاً ولم يكلمها كلمة، فتركها ومضى: فنادت عليه: يا إبراهيم! يا إبراهيم! فلم يجبها، فانطلقت وراءه حتى وصلت إلى ثنية في مكة وهي تنادي: يا إبراهيم! يا إبراهيم! إلى من تتركنا، فوقف ولم يرد عليها، قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً: لا يضيعنا، ثم قفلت راجعة.

    ونستفيد من هذا الجواب: أن صدق الرجل في بيته من أهم أسباب إقناع المرأة بأخطر القرارات التي يتخذها الرجل في حياته وتجد أن الرجل الكذوب الذي يكذب وتكتشف امرأته أنه يكذب فيفعل الفعل ولا يجرؤ على أن يصرح به، تضعف هيبته ويقل رأس ماله عند امرأته بخلاف الصدق كما يبدو واضحاً جلياً في جواب إبراهيم على سؤال هاجر وردة فعلها كما جاء في بعض الروايات: (آلله أمرك بهذا؟ فأومأ برأسه أن نعم، قالت: إذاً: لا يضيعنا) أي: وثقت فيه، فإذا قال: الله أمرني بهذا لا تراجعه، ولا تكذبه، ولا تمتري في صدقه، فرأس مال الرجل: أن يكون صادقاً.

    إن الآباء لهم في حياة أبنائهم عمق وتأثير.. وللرجل في حياة المرأة عمق وتأثير، لاسيما إذا تزوجها بكراً، وكان أول رجل في حياتها؛ فإنه يؤثر جداً في تنشئتها وتربيتها؛ ولهذه العلة حث الرسول عليه الصلاة والسلام على الزواج بالأبكار.

    بيان مدى تأثر المرأة بخلق زوجها

    ومما يدل على ذلك ما ورد في في حديث أم زرع كما تقول أم زرع : (أبو زرع فما أبو زرع ، أناس من حليّ أذنيَّ، وملأَ من شحمٍ عضديَّ، وبَجَّحَنِي فبجحت إليَّ نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق، فجعلني في أهل صهيل، وأطيط، ودائس، ومنق، فعنده أقول: فلا أقبح، وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقمح) .

    وكما هو واضح فهي تصف زوجها وتقول: هي امرأة بكر، وأبو زرع هذا كان قد تزوج قبلها، والرجل لا يقال عنه بكر أو ثيب، فإن هذا الوصف خاص بالنساء، فالرجل يمكن أن يتزوج مائة امرأة، والمرأة مرة واحدة وتصبح ثيباً، فيكون أول رجل قادراً على تشكيلها والتأثير فيها كما يريد.

    تقول: أناس من حلي أذني. أناس: أي: ليس عندها ذهب ولا تلبسه في أذنها، فجعل الذهب في أذنها. وكلمة أَنَاسَ: من النوس وهو الاضطراب. يعني: المرأة إذا هزت رأسها اهتز القرط في أذنها وهو معنى قولها: (أناس من حلي أذني).

    تقول: (وملأ من شحمٍ عضديَّ) أي: كانت هزيلة فلما تزوجها أطعمها وسقاها إلى أن امتلأ عضدها بالشحم واللحم.

    وقولها: (وجدني في أهل غُنَيمة بشق). غنيمة تصغير غنم. أي: كانت حالتهم تعيسة جداً وكانوا فقراء للغاية، وكلمة: بشق. يعني: كانوا يعيشون بشق الأنفس، وكانت الحياة كرباً.

    فنقلها نقلة عظيمة فجعلها في أهل صهيل: -كناية عن الخيل- وأطيط: -كناية عن الإبل- ودائس: -كناية عن الزرع- ومنق: -المنق: هو المنخل- وكان يستخدم المنخل آنذاك أهل الترف.

    قولها: (فعنده أقول فلا أقبح) أي: إذا قلت قولاً مهما قلت لا يجرؤ أحد أن يقول: قبحكِ الله، أو قبح الله وجهكِ، لا. لماذا؟ لأنها كريمة على زوجها، لا يوجد أحد يستطيع أن يسبها ولا يشتمها ولا يقبحها.

    تقول: (وأشرب فأتقمح)، وفي الرواية الأخرى: (فأتقنح)، والفرق بينهما أن يقال: بعيرٌ قامح، إذا ورد الماء فشرب وارتوى ثم رفع رأسه زهداً في الشراب.

    أما أتقنح: فهو يشرب فوق طاقته.

    أي: أنها تأكل وتملأ معدتها وبعد ذلك زوجها يقول لها: خذي هذا وكليه، فلم يبق في بطنها موضع للقمة كرامة لها؛ لأنها كريمة عليه.

    وقولها: (وأرقد فأتصبح)، يعني: تستيقظ في ضحوة النهار، وهذا يدل على أنها امرأة مخدومة عندها خدم؛ لأن المرأة إذا كانت عاملة نفسها فإنها تقوم من بعد صلاة الفجر ولا تنام، تخدم أولادها وتخدم زوجها، وإنما هذه تنام إلى أن ترتفع الشمس في السماء، وهذا يدل على أن عندها خدم يكفونها المؤنة.

    وبعد أن وصفت زوجها أبا زرع ، ومن حبها له وصفت قرابته فقالت: ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع :

    مضجعه كمسل شطبة، يشبعه ذراع الجفرة: المضجع هو السرير. كمسل شطبة: مسل الشطبة جريدة نخل، وهذا يوحي أن الولد مفتول معتدل القوام، بحيث أن السرير الذي ينام عليه مثل مسل الشطبة، وهذا كلام مدحٍ عند العرب، ففي الكر والفر والقتال لا يظفر إلا ولد بمثل هذا العود.

    يشبعه ذراع الجفرة، أي: ولد قنوع يشبعه ذراع الجفرة.

    وتقول: (بنت أبي زرع ، فما بنت أبي زرع ، طوع أبيها وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها). فالمرأة على عكس الرجل، هي تقول: بنت أبي زرع طوع أبيها وطوع أمها، يعني: بنت مؤدبة تسمع كلام أبيها وأمها، وملءُ كسائها، يعني: بدينة، والبدانة مستملحة في النساء، وقد كان العرب يحبون ذلك بخلاف المرأة النحيفة.

    وغيظ جارتها: كان الرجل -زوجها- متزوجاً بامرأة أخرى فهي ضرتها. أي: جارتها، فهي مغيظة لها من جمالها وبدانتها.

    أم أبي زرع، فما أم أبي زرع ، عقومها رداح وبيتها فساح.

    العقوم: هي الجراب التي تتخذ فيه المطعومات، وهذا يدل على السعة والرفاهية.

    ورداح بمعنى: طويل. وبيتها فساح: واسع؛ لأن سعة البيت نعمة من الله عز وجل.

    - جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع ، لا تبث حديثنا تبثيثاً -أي: ليست مثل البث المباشر، أي شيء وقع في البيت نقلته على طول إلى بقية الخلق، لا- فهي كتومة، تحفظ الأسرار، ولا تبث الحديث وتشيعه.

    ولا تنقث ميرتنا تنقيثاً، يعني: لا تتبذل بالمال وتحافظ على المعاش، فهي مُدَبِّرة للبيت.

    ولا تجعل بيتنا تعشيشاً: أي: لا تجعل البيت كعش الطائر يكون كالمزبلة. بل نظيف مرتب.

    قالت: فخرج أبو زرع والأوطاب تمخض الدنيا ربيعاً، والماشية كلها تحلب لبناً، فلقي امرأةً معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فأعجبه المنظر هذا! فطلقني ونكحها، قالوا: يا رجل! أمسك المرأة وتزوج عليها، لكن الرجل أعجبه المنظر الذي رآه فطلق المرأة ونكح المرأة الأخرى.

    قالت: فطلقني ونكحها؛ فنكحت بعده رجلاً سرياً، ركب شرياً، وأخذ خطياً، وأراح علي نعماً ثرياً، وأعطاني من كل رائحة زوجاً، وقال: كلي أم زرع وميري أهلك.

    ومعنى كلامها: فتزوجت بعده رجلاً سرياً، أي: من سراة الناس وأشرافهم. ركب شريا، الشري: أجود أنواع الخيل. وأخذ خطياً، الخط: هو الرمح الذي كان يجلب من الهند، وكان مركز توزيعه في الجزيرة بلد بالبحرين اسمها الخط، كانت الرماح الهندية تأتي إلى البحرين، ومن البحرين كانت توزع على الجزيرة، فنسب الخط إليها مسمى الرمح.

    -فهذا الراكب شريف، ومن سراة الناس ويركب أجود الخيل، وراكب الخيل يشعر بالكبر وهو راكب عليه وقد ألمح الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هذا، فقال: (الكبر والبطر في أهل الخيل، والسكينة والوقار في أهل الغنم)، فالغنم تمشي وهي مدلية رأسها باسطة في الأرض، فالراعي يأخذ من صفاتها، وكذا راكب الخيل فإنه يتقمص بعض صفات الخيل في مشيه وتبختره.

    وهناك من كتب في بحوث الأغذية أن الإنسان الذي يدمن على أكل لحم حيوان ما ينتقل إليه بعض صفات ذلك الحيوان-.

    تقول: وأعطاني من كل رائحة زوجاً: -وفي الرواية الأخرى-: وأعطاني من كل ذابحةٍ زوجاً، أي: من كل ما يصلح أن يذبح، من بقر أو غنم... إلخ.

    وقال: كلي أم زرع وميري أهلك.

    تقول: فلو أني جمعت كل شيء أعطانيه هذا الرجل ما بلغ أصغر آنية أبي زرع . يعني: كل الرفاهية والتوسع التي عند هذا، تساوي أقل إناء عند أبي زرع .

    ما هو الفرق؟

    الفرق: أن أبا زرع كان يخاطب قلب المرأة، ولكنها لم تجد هذا الخطاب ودفء الحنان عند الرجل الآخر، على الرغم من أنه وفر لها جميع سبل الرفاهية والعيش الهنيء.

    فيتبين أن المرأة لا تحتاج إلى مال، ولكنها بحاجة إلى قلب وحنان، وهذا هو الذي فعله أبو زرع ، ثم إن أبا زرع كان هو أول رجل في حياة أم زرع ، لذلك خط في وجدناها خطاً عميقاً جداً، فهو أول رجل في حياتها، وكان رجلاً صدوقاً حنوناً فأثر فيها.

    فالمرأة لا تنسى أول رجل في حياتها.. وهي تحتاج إلى قلب الرجل، وتحتاج إلى دفء الحنان، ولا تحتاج إلى الترف أبداً، فإذا شعرت المرأة معك بالأمان والسلام النفسي، استغنت عن كل شيء في الدنيا.

    واعلم أن رأس مال الرجل مع زوجته أن يكون رجلاً صريحاً، قدوة، لا يكذب عليها، وإلا فالمرأة تعامل الرجل على ما عرفته من سجاياه أول مرة، وهناك مثل يقول: (اذبح بستك -قطتك- ليلة دخلتك)، البس: كناية عن القط، وفي هذا المثل قصة لطيفة وظريفة:

    يقال: أن رجلين تزوجا في يوم واحد، أما أحدهما فكانت حياته مستقرة تمام الاستقرار، بينما الآخر في حياة مضطربة صاخبة، مليئة بالمشاكل الأسرية والضرب والصياح، وفي يوم قال الرجل -صاحب المشاكل- لصاحبه: أنا لا أسمع صوتك ولا صوت امرأتك، وأنا كل يوم في نكد، فقال: إن حياتي هانئة جداً، وممتازة، فقال له: ما الذي صنعته؟ فقال: في أول ليلة الزواج كنا نأكل لحمة مع بعض وهناك قطة قربت مني فأمسكتها وذبحتها بالسكين -فهابته المرأة فاعتدلت- فقال: هذه نصيحتك؟ قال: نعم. فذهب إلى السوق واشترى قطة ووضعها في البيت، وأتى بلحمة وجعل يأكل هو وزوجته، وجاءت القطة، فقام وأمسك القطة وذبحها، فقالت له زوجته: هذه فاتت عليك، (اذبح قطتك ليلة دخلتك)، أي: هذا الفعل جاء متأخراً، فلو أنك فعلت هذه الفعلة ليلة الدخلة كنت أتيت بنتيجة.

    خلاصة الكلام: أن المرأة أول ما رأت خلق الرجل وعرفت أخلاقه عاملته على قدرها.

    إذاً: الرجل هو قطب الدائرة، والمرأة تدور حوله، يبقى الرجل هو الأصل، وأنا من واقع تجربتي، وملامستي للمشاكل التي أتوسط فيها كل يوم على مدار أكثر من خمسة وعشرين عاماً، ما وجدت امرأة ناشزاً قط إلا وجدت الرجل سبباً في نشوزها، فلو قام عليها بحق القوامة ما نشزت عليه، لكن تفريط الرجل في قوامته هو الذي أغرى المرأة في النشوز، وهاهو إبراهيم الخليل عليه السلام يبين لنا كيف أن المرأة لا تعصي زوجها إن قام عليها بحق القوامة، فانظر إليه عليه السلام وقد جاء بزوجته إلى بلد ليس فيها إنسي وتركها بوادٍ غير ذي زرع وجن الليل عليها هي وابنها الرضيع وإذا بها تلحق به وتقول له: يا إبراهيم! يا إبراهيم! وهو لا يرد عليها، وهي ما تزال تجري وراءه حتى وصلت إلى أعالي مكة، ثم بعد ذلك تقول: يا إبراهيم! لمن تتركنا، بواد غير ذي زرع ولا إنسي، فلا يجيبها، فتقول: آلله أمرك بهذا؟ فأشار برأسه أن نعم. فما زادت المرأة المُسَلِّمَة لله عز وجل على أن قالت: إذاً: لا يضيعنا. فرجعت تواجه أقدارها؛ إنما رجعت لأن معها الصدق الذي تعودته من إبراهيم عليه السلام، فهو ما كذبها أبداً عليه السلام.

    1.   

    حفظ الله لأوليائه

    رجعت هاجر إلى ابنها وعاشت وحدها، تشرب من السقاء الذي تركه إبراهيم عليه السلام، وتأكل من جراب التمر حتى نفد الماء، وعطشت وعطش الصبي وجعل يتلمظ من أثر التمر ولا ماء، فكرهت أن تراه وهو يموت، فذهبت فكان أقرب شيء إليها الصفا، فصعدت الصفا فلم تر أحداً وانحدرت تجري حتى صعدت المروة، تبحث في كل هذا عن ماء، فلم تر أحداً، وسعت سبع مرات، وهكذا يسعى الناس بين الصفا والمروة، وكانت تسعى سعي الإنسان المجهود، والمسافة بين الصفا والمروة حوالي أربعمائة وخمسين متراً. وهي تقطع هذه المسافة وتجري تبحث عن ماء.

    وبعد أن سعت كل هذا السعي، فإذا بها تسمع شيئاً، فقالت: صهٍ -لنفسها- تقول لنفسها: قد أسمعت لو كان عندك غواث، أي: لو كان شيء يغيثني.. فضرب جبريل عليه السلام بجناحه الأرض، فخرج الماء من زمزم، فأول ما رأتها تفور، جعلت تحوضها. أي: تعمل حولها حوضاً بقصد أن تحفظ الماء، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (يرحم الله أم إسماعيل لو تركتها، لكانت عيناً معيناً).

    انظر: ماء زمزم من أيام إبراهيم عليه السلام والناس يشربون ويتوضئون ويغتسلون ويرسلون إلى كل مكان وهي لا زالت عيناً، فكيف لو لم تحوضها، إذاً: لملأت الدنيا، فذهبت هاجر إلى رضيعها إسماعيل فإذا بها تجد أنه قد رضع وأكل وشرب وارتوى، وأن الذي غذاه هو جبريل عليه السلام.

    وهذا درس نستفيده: أن الله عز وجل لا يترك أولياءه يتخطفون في الأرض، لكنه يبتليهم وتكون العاقبة لهم. وهذا الكلام موجه لكل رجل مبتلى، لكل رجلٍِ فارٍ في أنحاء الأرض بدينه، لاسيما إذا كان أهله معه أيضاً، فإن الله عز وجل لا يضيع هؤلاء، فكل الأنبياء والصالحين، الذين فروا بدينهم إلى الله عز وجل مكن الله لهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (كذلك نحن معاشر الأنبياء نبتلى ثم تكون العاقبة لنا).

    وقد يقول قائل: لماذا أناط الله البلاء بالأولياء وهم أكرم عليه من أعدائه؟

    أي: الأنبياء يبتلون وكذا الأولياء، وأعداؤهم -أعداء الله- لهم الدولة والقوة، وهم الذين شردوا المؤمنين، والله قادر على أن يمكن لأوليائه الكل، فلم أعطى الله الدولة لأعدائهم وأناط البلاء بهم؟

    فتقول: العبد يوزن عند الله يوم القيامة بقلبه لا بجسمه، فسلامة قلبك عند الله عز وجل مقدمةٌ على سلامة جوارحك، يبتليك في جوارحك، ويحفظ لك قلبك وهذه رحمة منه جل وعلا.

    قال إبراهيم عليه السلام: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:87-89].

    فالقلب يستمد حياته من المحن ومن العواصف، وتجد أن أضعف الناس قلوباً هم أهل الترف، لكن أهل البلاء هم أقوى الناس قلوباً، فلذلك أناط الله البلاء بأوليائه؛ حتى يلقوا الله عز وجل بقلب سليم.

    والجارحة تستمد قوتها من القلب.

    فهذا أيوب عليه السلام مرض ثمانية عشر عاماً حتى رفضه القريب والبعيد، لكن قلبه كان سليماً وما ضره ما فاته من الجارحة.

    قصة أبي قلابة في الصبر على البلاء

    وفي هذا قصة رواها الإمام ابن حبان في كتاب الثقات عن الإمام أبي قلابة الجرمي .

    عن عبد الله بن محمد قال: كنت مرابطاً بعريش مصر فمررت على خيمة فإذا أنا برجل ذهبت يداه ورجلاه، وبصره، وثقل سمعه، فسمعته يقول: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19]، فقلت: سبحان الله! ما هذا الذي يقوله الرجل، أعلمٌ علمه؟ والله لآتين هذا الرجل، فأتيته فقلت: يا عبد الله! سمعتك تقول كذا وكذا، أي شيء تحمد الله عليه، قال: يا عبد الله! لو أرسل الله الجبال فدمرتني، وأرسل إلي البحر فأغرقني ما ازددت لربي إلا شكراً على هذا اللسان الذاكر، وهذا القلب الشاكر.

    ثم قال: إن لي ولداً كان يوضئني، وكان يطعمني ويقوم على أمري وقد افتقدته منذُ ثلاثة أيام فابحث لي عنه، فقلت: والله ما سعى إنسان في حاجة آخر أفضل منك، قال: وذهبت أبحث عن الولد، فما مضيت غير بعيد إلا ووجدت عظامه بين كثبان من الرمل قد افترسه سبع، قال: فركبني الغم، وقلت: ماذا أقول للرجل، وهو في هذا البلاء العظيم؟ قال: فجعلت أفكر ماذا أقول له، فتذكرت أيوب عليه السلام؟ قال: فجئت فسلمت عليه، قال: ألست بصاحبي؟ قلت: بلى. قال: ما فعل ولدي، قلت يا عبد الله! أتعرف أيوب عليه السلام؟ قال: نعم. قلت: ما تعرف عنه؟ قال: ابتلاه الله ثمانية عشر عاماً، قلت: فكيف وجده؟ قال: وجده صابراً، وليس هذا فحسب إنما ابتلاه بأهله وابتلاه بماله، فوجده صابراً، فقل ماذا تريد؟ قلت: احتسب ولدك، فإني وجدت عظامه بين كثبان الرمل، قال: فشهق شهقةً وقال: الحمد لله الذي لم يخلق مني ذريةً إلى النار ومات. قال: فركبني غم، وقلت: ماذا أفعل بالرجل؟ فلا أملك له شيئاً، إن تركته أكلته السباع، فمر قطاع طرق، فوجدوني أبكي بعدما سجيته فقالوا: مالك وما قصتك، ومن هذا الرجل، فكشفوا عنه فإذا هو أبو قلابة الجرمي ، فقالوا: بأبي عينٌ طالما غضت عن محارم الله وبأبي جسمٌ طالما عانا في طاعة الله، قال: فسجيته ودفناه، وذهبت إلى رباطي، فلما نمت رأيته في منامي في أحسن حالة، فقلت له: ألست بصاحبي؟ قال: بلى. قلت: ما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة، وقيل لي: سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.

    وأبو قلابة الجرمي أحد الأئمة الثقات، من الرواة عن أنس بن مالك ، ثقةٌ، حافظ. فهذا البلاء المنوط بالأولياء هو نعمة من الله سبحانه وتعالى عليهم كما هو واضح في قصة أبي قلابة الجرمي ، وقصة هاجر وإسماعيل عليهما السلام.

    وعاشت هاجر وإسماعيل في هذا الوادي، وبينما قبيلة جرهم تمر في طريقها إلى بلدها، إذا رأوا طائراً يطير ويحوم فقالوا: لا يحوم هذا الطير إلا على ماء، فأرسلوا جرياً لهم أو جريين يعني: رسولاً -يبحثون عن ماء فوجدوا أم إسماعيل ووجدوا الماء هناك، فجاءوا واستأذنوا أن يسكنوا حول الماء، فقالت: نعم، اسكنوا ولكن لا حق لكم في الماء فوافقوا، وبنوا لها بيتاً وسكنت، وشب إسماعيل عليه السلام في هذه القبيلة، وتعلم منها العربية وقد جاء في بعض الآثار أن إسماعيل عليه السلام هو أول من تكلم بالعربية، وفي هذا الحديث: أن جرهم هي التي علمته العربية. فجمع العلماء بين الحديثين، وقالوا: أول من تكلم بالعربية الفصيحة المعربة هو إسماعيل، ومطلق التكلم باللغة العربية كان جرهم.

    وسكنت قبيلة جرهم مع هاجر وإسماعيل عليهما السلام، وكبر إسماعيل فيهم وكان ذا خلق رفيع، فكان كل بيت يريدون أن يزوجوه ابنتهم، وتزوج إسماعيل عليه السلام امرأة منهم.

    1.   

    دور المرأة الصالحة الزاهدة في صلاح البيت وسعادة الرجل

    وانقضت الأيام ومرت الشهور والأعوام وجاء إبراهيم عليه السلام من الشام لينظر ماذا فعلت المرأة والولد فوجد هاجر قد ماتت، وسأل عن بيت إسماعيل، فدلوه عليه، فدخل وقال لزوجته: أنت زوجة إسماعيل؟! قالت: نعم. فقال: أين إسماعيل؟ قالت: خرج يبتغي لنا، -أي: يطلب المعاش- فقال: كيف حالكم؟ قالت: في كرب وظنك وشدة، والله المستعان، وقعدت المرأة تشتكي له. فقال لها: إذا أتى فقولي له: إن أباك يسلم عليك، ويقول لك: غير عتبة بابك. فمضى إبراهيم عليه السلام، وجاء إسماعيل عليه السلام وأول ما دخل البيت آنس شيئاً -هذه لغة القلوب يحس أن هناك شيئاً، فهذا يعقوب عليه السلام كما قال الله: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [يوسف:94-96]- فسأل إسماعيل عليه السلام: هل جاء أحد؟ قالت: نعم. جاء رجل، قال: ما صفته؟ قالت: رجلٌ وضيء، صفته كذا وكذا. قال: هذا أبي، فهل أوصاك بشيء، قالت: يقرئك السلام، ويقول لك: غير عتبة دارك، -هي لا تعلم معنى عتبة الدار، فهي تقولها بسلامة نية، وربما لو كانت عرفت أنه يقول له غيِّر عتبة دارك يعني: طلق زوجتك، ربما كتمت هذا الكلام- فقال: هذا أبي وأمرني أن أطلقك فالحقي بأهلكِ.

    ونستفيد من هذا فائدتين:

    الأولى: أن المرأة هي زينة البيت، وعتبته، -والعتبة كناية عن الباب- فهي التي تحفظ البيت، وتدبر المعاش، فإذا كانت المرأة خائنة، ومسرفة، أشقت الرجل غاية الشقاء.

    الثانية: أنه لا ينبغي للمرأة أن تشكو من زوجها ولا تفضحه أمام أحد ولو كان أقرب الأقربين، ولا تشتكي أنها لا تأكل ما تريد، وأن مرتبه ودخله ضعيف، وأنه لا يستطيع أن ينفق عليها، فليس هذا من وفاء المرأة، والرجل دائماً يحب المرأة الوفية التي تستر عليه، ولا تكشف عيبه ولا عجزه، ويحفظ لها الجميل.

    وأنا أعرف رجلاً غنياً من أعيان الجيزة في مصر كان يبكي على امرأته لما ماتت بكاءً شديداً، وأصبره وأقول له اصبر واحتسب، -لأنه كان يبكي بصوت عالٍ- فقال لي: ومن أين لي بمثل هذه المرأة؟ وبدأ يحكي طرفاً من حياته معها، فقال: تزوجتها وليس لي في الأرض شيء، كنت عامل بناء، أعمل مع مقاول، فلما رأى المقاول فيَّ الأمانة والجد، جعلني رئيس العمال، ثم زوجني ابنته هذه، قال: فتزوجتها فكانت نعم الزوجة، كنت فقيراً وكنا نذهب كل خميس وجمعة، لزيارة والد المرأة، وكان بعد صلاة الجمعة يعمل مأدبة ويتوسع فيها، يقول: فكنت آكل، ولكن زوجتي لم تكن تأكل، فيقول لها والدها: كلي، فتقول: يا أبي! فلان هذا كل يوم يأتي لنا بمثل هذا، وهي لم تأكل من ذلك شيئاً، وإنما تظهر هذا التعفف، لكي لا تفضح زوجها ولا يظهر بأنه أقل من أبيها.

    فالمرأة لا ينبغي أن تفضح زوجها وتشوه سمعته، وليس هذا من خلق المرأة الوفية، المرأة عتبة الباب، وعتبة الدار هي محل اعتناء واهتمام، فإذا أغلق الباب بإحكام أمنا على ما في الدار، فكذلك إذا كانت المرأة أمينة أمن الرجل على ماله وعرضه.

    ولذلك إبراهيم عليه السلام، عندما جاء.. وسأل زوجة ولده فتبرمت واشتكت الضيق والشدة.

    إن المرأة غير الوفية لا تستحق الحياة مع هذا الرجل، والرجل يتخذ قراراً حاسماً، إذا كانت المرأة تشقيه ويئس من إصلاحها، بشرط أن يكون قام بحق القوامة عليها، كما هو حال إسماعيل عليه السلام، عندما استمع وصية أبيه وطلق زوجته.

    وفي الصحيح: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لابنه عبد الله بن عمر : طلق امرأتك، قال: لا أطلقها. إني أحبها، فشكاه عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني قلت له: طلق المرأة فأبى وقال: أنا أحبها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله ! أطع أباك، فطلقها عبد الله بن عمر) .

    قال الإمام أحمد رحمه الله: ليس كل الناس عمر ؛ لأن عمر بن الخطاب عندما يقول: طلق المرأة، إنما يقول ذلك لأمرٍ ديني شرعي، كما قال إبراهيم عليه السلام لابنه وعمر بن الخطاب لا يمكن أن تكون المرأة صالحة، تقية، وفية، مطيعة لزوجها ويأمر بطلاقه فلهذا السبب فإن هذا الحديث ليس عاماً، فإذا أمرك أبوك لغير أمرٍ شرعي أن تطلق زوجتك فلا طاعة له.

    وبعد أن طلق إسماعيل عليه السلام زوجته عملاً بوصية والده، تزوج امرأة أخرى من جرهم وعاش معهم، ومضت الأيام والأعوام وجاء إبراهيم عليه السلام يسأل عن ولده، فدخل بيت إسماعيل، فوجد امرأته فسلم وقال: أين إسماعيل؟ قالت: خرج يبتغي لنا. فقال: كيف حالكم؟ فأثنت على الله عز وجل، وحمدته وقالت: بخير حال. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. فقال: ما شرابكم؟ قالت: الماء. فدعا إبراهيم عليه السلام لهم باللحم والماء، ولو كان في مكة حب وزرع آنذاك لدعا لهم إبراهيم بالبركة بالحب والزرع أيضاً، ولذلك تجد اللحم والماء والبركة في مكة، وتجد فيها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، كما قال تبارك وتعالى: يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص:57]، كل الثمرة الموجودة في الدنيا تجبى إلى مكة تحقيقاً لدعاء إبراهيم عليه السلام.

    فلما وجد إبراهيم عليه السلام المرأة تثني على الله تبارك وتعالى بما هو أهله، وتحمده تبارك وتعالى وتثني على زوجها، قال لها: أقرئيه السلام وقولي له: إن أباك يقول لك: ثبت عتبة دارك، فجاء إسماعيل، وكأنما آنس شيئاً فسأل: هل جاءكم من أحدٍ؟ فقالت: نعم. جاء رجل. فقال: ما صفته؟ قالت: كان رجلاً وضيئاً، ومن وصفته كذا وكذا. فقال: بما أوصاك؟ قالت: أن أقرئك السلام، ويقول لك: ثبت عتبة دارك، فقال: إن أبي يأمرني أن أمسكك.

    1.   

    الاهتمام بالأبناء وتربيتهم وتنمية عقولهم

    وبعد سنوات جاء إبراهيم عليه السلام، وقال لابنه إسماعيل: إن الله أمرني أن أبني البيت هنا، أفتعينني؟ قال: نعم. بعد أن قال: افعل ما أوصاك الله به، وإسماعيل عليه السلام له موقف مشرف وغير هذا، كما هو وارد في قصة ذبحه، عندما قال له أبوه: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102].

    وفي هذا درس لنا ينبغي على الآباء أن يهضموه لكي يخرجوا ذرية طيبة من الأولاد وهذا الدرس في قوله: قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات:102]، فهذا حوار، وإشراك الولد في اتخاذ القرار، ما رأيك؟ قل لي رأيك في الموضوع؟ لا تقل: إنما هو ولد صغير، فالولد كبير لكنك أنت الذي تصغره، فيكبر وليس له شخصية.

    لكن إبراهيم عليه السلام يشارك ولده في القرار، فيرد الصغير: قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102].

    والولد ينشأ على ما عوده أبوه وما رباه عليه أهله.

    وهذا محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية وحقق الوعد الأول للرسول عليه الصلاة والسلام كانت أمه تأخذه كل يوم وهو صغير إلى النهر، وتكلمه عن الشاطئ الآخر، وتحدثه أن الشاطئ الآخر أحد الأماني الذي يسعى المسلمون إلى فتحه وكل يوم يتفرج على الماء وهي تمنيه وتقول له: نريد أن نعبر ونصل إلى الشط الآخر، وكان يكبر كل يوم ويكبر فيه هذا المعنى، فكبر محمد الفاتح وعنده هذه العاطفة، عاطفة النهر حتى صار شيئاً أساسياً في حياته، فصدق فيه قول القائل: (وراء كل رجلٍ عظيم أم). وليس كما يقولون: امرأة. بل هناك نساء دمرن رجالاً تدميراً.

    مثل أم محمد الفاتح ، ومثل أم سفيان الثوري ، فقد كانت تقول له: يا بني! اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي، تشتغل بالمغزل وتبيع الغزل لكي تصرف على ابنها الذي يطلب العلم، ووراء الشافعي أم علمته العلم وكانت أيضاً تغزل، وكانت تنفق عليه.

    فنشأ محمد الفاتح على هذا الحلم والأمنية حتى صار حقيقة.

    فالواجب على الآباء والأمهات الاعتناء بتربية أولادهم وتنمية عقولهم، ومشاركتهم في المشاكل والحوادث؛ لكي يتعلموا معنى الرجولة الحقة، عليهم أن يقدموا تنمية عقولهم على الأكل والشرب والملبس.

    فإبراهيم عليه السلام كان يشرك ولده في القرارات والملمات كما قال تعالى حاكياً عنه: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات:102]، أي: أرنا كيف تري الله من نفسك؟ أرِ الله من نفسك خيراً ولا تنكص على عقبيك، فيرد الولد، ويقول: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ [الصافات:102]، كان في كلامه التسليم. تؤمر: فعل لما لم يسم فاعله: أي أن هناك آمر، يعني: هذا ليس بملكك ولو كان بملكك ما ذبحتني، لكن هذا أمرٌ لا دخل لك فيه، فأول شيء تفطن له إسماعيل عليه السلام، في إحالته أن والده مأمور: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ)، قال إن شاء الله، ولم يقل: ستجدني من الصابرين، إنما قال: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ)؛ لأنه لم يركن إلى نفسه، ولم يعتمد عليها، ولم يثق بها، إنما استثنى، وفوض أمره إلى الله.

    وهناك قصة لأحد العباد الزهاد ويسمى سيمنون الزاهد ، كان يقول: يا رب! ابتلني وسوف أريك. -أي: سأصبر على البلاء- فحبس الله فيه البول، فتمرغ بالتراب وقال: يا رب! يا رب! فرّج عني، يا رب! أزل العذاب، لم يتحمل البول محبوساً بداخله، فعافاه الله، فكان هذا العابد يذهب يطوف على الكتاتيب، ويقول للأطفال الذين يحفظون القرآن: استغفروا الله لعمكم الكذاب.

    فلا تثق بعزيمتك؛ فإن العزائم تنفسخ، والإيمان يزيد وينقص. ولكن قل: إن شاء الله. فأنت قد تقرأ قصة لأحد الأبطال كأن تقرأ قصة أحد المجاهدين من الصحابة، فتحس أنك لبست الشخصية وتقمصتها، حتى إنه لو جاءوك وقطعوك إرباً إربا لا تتأوّه؛ لأنك ما زلت متحمساً وتقرأ في القصة، وتعيش هذا الدور، وفي هذه اللحظة إيمانك مرتفع، ولو جاءوا بك وآذوك فلن تستكين لهم، لكنك لا تدري بعد أن تقرأ القصة ويمضي الوقت ما يحدث، فعند أول كربة قد تصرخ: ارحمونا، ارحمونا.

    فإسماعيل عليه السلام، يقول: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ)، يعني: أنا لا أثق بعزمي، وأنا ما عندي من قوة فهي من الله تبارك وتعالى: فخلع الحول والقوة في كلامه، قال: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ).

    وختاماً: لهذه القصة نقول:

    إن قصة إبراهيم عليه السلام، تدور على ثلاثة هم:

    إبراهيم، وابنه إسماعيل، وأمه هاجر.

    فكن قوي العزم وتأس بالرجال؛ إذا أردت الأسوة: إبراهيم عليه السلام، فإن نزل عزمك، فتأس بالصبيان.. تأس بإسماعيل عليه السلام، فإن نزل عزمك، أفلا تتأسى بربع رجل، وهي هاجر عليها السلام، وأنت تعرف أن المرأة الحرة، نصف الرجل، والأمة نصف الحرة، أي: ربع رجل، وتثبت وتعتمد على الله عز وجل بقلبها، وتسكن في بيداء مكة وحدها، وهي موقنة أن الله عز وجل لن يضيعها. فلابد لك من أسوة، والله يقول: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الممتحنة:4]، وهؤلاء هم أسرة إبراهيم عليه السلام.

    ونحن نحتاج في عصرنا هذا إلى أمثال هؤلاء الرجال، أزمتنا أزمة رجال، وليست أزمة موارد أبداً، إن الله عز وجل جعل الخير في بلاد المسلمين، لكننا نحتاج إلى رجال، رجال من معادن الرجال الذين مكن الله عز وجل لهم في عشر سنوات.

    اقرأوا تاريخ البشرية من لدن آدم عليه السلام إلى زماننا هذا، لن تجدوا أقواماً مكن الله عز وجل لهم، وصنعوا دولة في عشر سنوات إلا الصحابة، فقط، دولة عشر سنوات فقط، يعني من ساعة ما هاجروا إلى المدينة، إلى أن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، عشر سنوات صنعوا دولة ودانت لهم فارس والروم، وما مات النبي صلى الله عليه وسلم إلا وكلمة الله هي العليا؛ لأنه كان عنده أمثال هؤلاء الصحابة الكرام الأفذاذ.

    إذاً: أزمتنا أزمة رجال، فهذا الحديث فيه بحث عن الرجال أصحاب القيمة.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.