إسلام ويب

حق النبي على أمته[1]للشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن للنبي صلى الله عليه وسلم حقوقاً كثيرة على أمته، وهي عظيمة لعظم صاحبها، فمن هذه الحقوق محبته، وتعظيمه، والاقتداء بسنته، والدفاع عنه وعن سنته، وعدم الاعتراض على ما جاء به، وليعلم أن السنة وحي أنزل على نبينا لبيان ما أجمله القرآن، فالواجب علينا المحافظة على هذا الدين بتعلمه وتفهمه وفق مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، ومواجهة أهل البدع والأهواء الذين يشككون في دين الله، وينكرون سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    سنة الدفع وتعلقها بحق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته

    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

    إن الله تبارك وتعالى ذكر سنة الدفع في آيتين من القرآن العزيز، كلاهما في معرض القتال، قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:251]، وجاءت هذه الآية بعد القتال الذي دار بين جالوت وبين داود .

    وفي الموضع الثاني من سورة الحج قال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:39-40].

    سنة الدفع من أهم السنن الكونية التي ترتهن الأمم بها، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ [البقرة:251]، أي: لابد أن يتدافعوا ولابد أن يقتتلوا، لكن هناك فارق؛ فإن الله عز وجل جعل قوة الحق ذاتية فيه، قال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ [الأنبياء:18]، فالحق قذيفة، يحمل أسباب القوة في ذاته، لكنه يحتاج إلى مسدد، ومن قوة الحق أنه يتوجه إلى كبد الباطل وإلى دماغه، لا يتوجه إلى العضلة ولا إلى الكتف، وإنما إلى الدماغ، ولذلك قال تعالى: (فَيَدْمَغُهُ) يدمغه نستفيد منها فائدتين:

    الفائدة الأولى: أنها تصيب دماغه، والمرء إذا أصيب دماغه لا يعيش.

    ثانياً: فيه معنى الدمغ، الختم، أي أن الذي يصيبه الحق يصاب بدمغٍ وعلامةٍ ظاهرةٍ يظهر منها أنه مبطل، والباطل زاهق، لا روح له ولا نفس.

    فمن الفوائد التي يستفيدها الناس من سنة الدفع أن نرجع فنغير بعض الأبجديات، التي يظن كثيرٌ من الناس أنه على علم بها، وإذا به بسبب سنة الدفع يعلم أنه لم يكن عالماً بما كان يقدر في نفسه أنه يعلمه.

    الشهادة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.. ما معناها؟ كثيرٌ من الناس يظن في نفسه أنه يفهم معنى الشهادة، وهو لا يفهمها؛ لأنه ورثها، ولا نشترط ولا نقول: إن الإيمان لا يكون إلا على سبيل التفصيل.. لا، بل يقبل إيمان العامي جملةً، والتفصيل بحسب الأنفس وحسب الأشخاص، لا نشترط أن يقف كل مسلمٍ على حقائق الدين ويعلم الأدلة، ويعلم النواقض ويعلم الردود، إنما يكفي الإيمان المجمل.

    1.   

    معنى شهادة أن محمداً رسول الله

    ينبغي أن يعلم المسلم الذي يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أن الشطر الثاني من الشهادة، وهو قولنا: محمد رسول الله، معناه: أن لا متبوع بحقٍ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا شريك له في الاتباع، وأي عالمٍ يأتي بعده إنما نطيعه لطاعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الأصل، وقد أجمع أهل العلم على أن الرد إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حياته إليه، وبعد مماته إلى سنته؛ حتى تقوم الحجة على كل الخلائق الذين يأتون من بعده عليه الصلاة والسلام، وهذا شيءٌ لا نعلم أحداً خالف فيه: أن الرد إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعد مماته يكون إلى سنته.

    فترى كيف نقلت هذه السنة؟ وهل يمكن لأحدٍ أن يطعن عليها؟

    1.   

    كيفية نقل السنة النبوية واهتمام الصحابة ومن بعدهم بذلك

    نقول بملء الفم: إنه لم يحظ نبيٌ قط من أنبياء الله بعشر معشار ما حظي به نبينا عليه الصلاة والسلام، ولا نعلم نبياً رزق بأصحابٍ أوفياء نقلوا كل شيءٍ عنه؛ لتتم الأسوة به غير نبينا عليه الصلاة والسلام، فما من بابٍ من أبواب العلم إلا وفيه أثر، مهما دق، حتى فيما يفعله الناس فطرة، ولا يحتاجون فيه إلى تعليم، كقضاء الحاجة مثلاً، قال اليهود لـسلمان رضي الله عنه: (إن نبيكم علمكم كل شيءٍ حتى الخراءة؟ قال: نعم، علمنا: أنه إذا دخل أحدٌ الخلاء ألا يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بثلاثة أحجار)، حتى في مثل هذا الأمر، حتى في إتيان الرجل شهوته، حتى في الأكل والشرب ما ترك شيئاً، وكانت أعينهم (كالكاميرا المسجلة) يقولون: (كنا نعرف قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر باضطراب لحيته) وحتى لما قرأ في سورة المؤمنون فجاء ذكر موسى وهارون سعل سعلةً فركع، أنه سعل سعلةً فركع.

    ويخرج جابر بن سمرة خصيصاً من بيته في ليلةٍ قمراء ليعقد مقارنةً بين القمر وبين وجه النبي عليه الصلاة والسلام، وخرج من بيته لأجل هذا، يقول: (خرجت في ليلةٍ قمراء إضحيان -كان القمر تاماً- فجعلت أنظر إلى القمر تارة، وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة، فكان في عيني أجمل من القمر)، ويسجل مثل هذا الحب.

    ولهم في ذلك أعاجيب في مسألة النقل، بحيث أن الأمر كما قال أبو ذر رضي الله عنه: ما من طائرٍ يقلب جناحيه في السماء إلا وعندنا منه علم عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ونقلوا السنة على أوثق راءٍ من الإحكام والاتصال في السند، والدقة في الضبط والحفظ.

    فالنصارى لا يصلون إلى عيسى عليه السلام بإسنادٍ متصلٍ أبداً، ولا يصلون إلى أصحاب نبيٍ أصلاً، والانقطاع في الأسانيد عندهم قد يصل إلى مائة عام، انقطاع بين الرجل وبين شيخه، بين الذي تلقى عنه الكلام، قد يصل الانقطاع إلى مائة عام، إنما نحن معاشر المسلمين نقلنا سنة نبينا عليه الصلاة والسلام على أوثق القواعد العلمية، وتعب العلماء في تقريب هذه القواعد كعادة الأصول، الأصول مثلها كمثل هذا الجدار في الترابط والتماسك والقوة، فكل عالم يضع لبنة ويمضي، فهذا الجدار ليس نتاج فكر عالم واحد، إنما هو نتاج فكر مئات؛ بل ألوف العلماء الأذكياء، النابهين، فنقلوا السنة، ووضعوا لنا الشروط والضوابط لقبول الأفراد.

    1.   

    معارضة السنة بالعقل ومعارضته لها

    مما يدعو للأسف أن الخلائف عندما جاءوا لم يكلفوا أنفسهم النظر فيما حققه الأسلاف! يا ليتهم نظروا، لكنهم طرحوا هذه الجهود وراء ظهورهم، وطفقوا يعترضون على السنة، كلما نقل إليهم كلام لا يستسيغونه، جعلوا عقولهم حاكمةً على كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وابتكروا أشياء هم لا ينفذونها في واقع حياتهم.

    يقولون مثلاً: أخبار الآحاد لا تقبل في العقيدة، مع أنهم يقبلون أخبار الآحاد من الكافرين، هذا الذي ينكر الشفاعة الآن، كونها جاءت عن طريق الآحاد، وهذا ليس من مذهب أهل السنة والجماعة، إنما هو مذهب المعتزلة، الذين يخلدون المذنبين أهل الكبائر في العذاب، ويحتجون بحجج واهية قد رد عليها أهل السنة، وما تركوا قولاً لقائل، وأتوا على بنيانهم من القواعد، فيأتي هذا الآن في الوقت الحاضر فيعرض أدلة المعتزلة يحسب أن أهل السنة لم يردوا عليها.

    لو أن هذا الإنسان أو غيره من المعترضين على السنة بعقولهم، أصيب بمرض وسافر إلى بلاد الغرب، فقال له الطبيب: أنت مريض بالمرض الفلاني، وأنت ستخضع لعلاج مكثف، وتأخذ الأدوية الفلانية، ترى: هل يقول له: أنت طبيب واحد -يعني: أنت فرد- ومن الممكن أن تخطئ في التشخيص، فلو سمحت ائتني بثلة من العلماء الأطباء -عشرين طبيباً، أو ثلاثين طبيباً- ممن يقع بهم التواتر، ويقولون: إنني مريض بالعلة الفلانية؛ حتى أسلِّم لك..!

    هل سمعتم بهذا في العالمين: أن رجلاً ذهب إلى طبيب، فقال له: أنا لا أقبل كلامك، حتى تأتيني بأطباء يبلغ عددهم حدَّ التواتر، ولا يجوز عليهم الخطأ؛ حتى أقتنع بكلامك، وآخذ العلاج..؟ ما علمنا أن أحداً قال هذا الكلام..!

    فلماذا يقولونه في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام؟!

    وهذا الذي قال له: أنت مريض بالمرض الفلاني رجلٌ كافر، يعني لا ينعقد به خبر، فضلاً عن أن ينعقد به اليقين، ومع ذلك يسلِّمون له، فإذا اعترضنا عليهم بهذا القول اتهمونا بالجهل، وأنه لم يقل أحدٌ بقولنا.

    ثم يجوزون الأشياء العقلية التي لم يجر عمل الناس عليها، يجوزونها في كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، ويأبونها في كلام الناس وفي أخبار الناس، فمثلاً: هل هناك امرأة معصومة بالنص من الزنا أي امرأة كانت؟! غير النساء اللاتي برأهن الله تعالى وعصمهن من الزنا، نحن نقول: إن العفيفات كثيرات، لكن قد تكون عفيفة وتزل مرة -وهي عفيفة-، وهذا الخطأ قد يرتكب بسبب ضعف الإيمان، ومع ذلك لا يزيل الخطأ اسم الإيمان عنها، فأي امرأةٍ في الدنيا ممكن عقلاً أن تزني، وليس هناك دليل على عصمة هذه المرأة ويستحيل منها الزنا.. السؤال: أليس من الجائز أن يكون الولد الذي تعتقد في نفسك أنه ولدك، يكون ولد رجل آخر أتت به المرأة؟ نحن الآن نتكلم بالعقل مثلما يتكلمون في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا الذي يتكلم في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام بهذا العقل المجرد، لو أني قلت له: إن هذا الولد الذي ينسب إليك في الهوية -في البطاقة وفي الأوراق الرسمية- ليس ولدك عقلاً، احتمال أن تكون امرأتك زنت، وهي ليست معصومة من الزنا؛ لأنكر ذلك أشد الإنكار، ولجزم أن امرأته عفيفة، ونحن لا ننكر ذلك، لكن نقول: عقلاً يجوز للمرأة أن تزني، وعقلاً يجوز لأي رجل أن يشك في نسب ولده، لكن هل جرى هذا الكلام بين الناس؟ لم يجر.

    المرأة تلد الولد ابن سبعة أشهر، ابن ثمانية أشهر، يقول الأطباء: إنه يلزمه أن يدخل الحضانة لمدة شهر، حضانة فيها عشرات الأطفال، فأول ما يولد الولد قبل أن تتحقق من شكله، وقبل أن تعرف أن هذا ولدك تضعه في الحضانة، ويكون له رقم، أليس من الجائز أن تخطئ الممرضة فتأتيك بولدٍ ليس هو ولدك، أو هذا مستحيل؟ جائز عقلاً أم لا؟ جائز عقلاً، فكيف ساغ لك أن تسلم لهذه الممرضة مثل هذا الأمر الخطير، وتأخذ الولد مسلِّماً ومطمئناً مائة بالمائة أنه ولدك، مع أنه جائز عقلاً أن تخطئ الممرضة فتأتيك بغير ولدك.

    لماذا لا يعمل بهذا؟

    مع وجود الفساد العريض المترتب عليه، فلماذا يأخذون هذا الجواز العقلي ويجعلونه في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، يا ليتهم استضاءوا بكلام أهل العلم الأوائل، لكن يأتون بأدلة المعتزلة في إنكار الشفاعة مع أن أهل السنة والجماعة قد ردوا على المعتزلة، أراد أن يعيدها جذعة مرةً أخرى في زمن انتشر فيه الجهل، بحيث قد أصبح الناس لا يعرفون من الدين إلا قليلاً، فتراه يأتي بالآيات المطلقة التي خصصت بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، ويقول: أن لا شفاعة لأحد، إنما هي لله، ويستدل بهذه الآيات يقول تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ [البقرة:48]، فهذا نصٌ في عدم قبول الشفاعة على الإطلاق، وقال تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18]، وقال عز وجل: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48]، وقال سبحانه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ [السجدة:4]، وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام:70]، ويأتي بهذه الآيات، ويقول: هذه الآيات فيها دليلٌ على أن الشفاعة لا تكون لأحد.

    فنقول من القرآن: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] أين ذهبت هذه الآية، وهذا دليلٌ واضح على أن الله يأذن لبعض الناس أن يشفعوا وقال عز وجل: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26]، إذاً سيأذن لبعض عباده، ويرضى عن شفاعتهم، وقال تعالى: وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:23]، إذاً هناك استثناء، وهناك إذن بالشفاعة لمن شاء سبحانه.

    لماذا طويت هذه الآيات؟ ولماذا لم تبين وتوضع بجانب الآيات الأخرى..؟

    هذا هو المكر، ينقلون شيئاً ويتركون أشياء، وقد أجمع أهل العلم من أهل السنة والجماعة على قبول الأحاديث المتكاثرة، التي بلغت درجة التواتر العلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع، وأن المؤمنين يشفعون، وأن الشهداء يشفعون، ووردت في ذلك أحاديث صحيحة، فما هي المصلحة أن يأتي رجل على طائفة من الأخبار ويأخذها ويترك ما عداها؟

    هذه فتنةٌ قديمة أطلت برأسها الآن وقد دحرها أهل العلم قديماً، وانتهت، ثم بدأت تعود جذعةً مرةً أخرى، والسبب في ذلك: غياب حرس الحدود، العلماء الرسميون ليس لهم رد فعل حتى الآن، مع أن هذا العفن يطفح يومياً على صفحات الجرائد والمجلات، وليس هناك رد فعل، وينبغي أن تصان عقائد الناس، ولا يسمح لهؤلاء أن يتكلموا إلا بشهادة تخصص، لماذا يتكلم الكل في دين الله عز وجل، ولا يحترمون أهل التخصص؟

    العلماء هم الذين يقولون: هذا مستحب.. هذا واجب.. هذا مباح.. هذا مكروه.. هذا حرام.. هذا حقهم وملكهم، ومع ذلك يريدون أن ينتزع هذا الحق منهم، ويقولون: الحق هذا يذهب للأطباء، مع العلم أن الطبيب لا يجوز له أن يقول: هذا حرامٌ شرعاً أو هذا حلالٌ شرعاً، لا يجوز له ذلك.

    الختان فيه أحاديث، وطالب الأزهر من يوم أن أنشئ وهو يقرأ في كتاب الطهارة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) ختان الرجل وختان المرأة.

    وفي صحيح البخاري : (اختتن إبراهيم بالقدوم لما بلغ ثمانين عاماً) ونحن مطالبون بملة إبراهيم ، ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:123]، فملة إبراهيم تلزم المؤمنين جميعاً رجالاً ونساءً، فإذا كان إبراهيم عليه السلام اختتن بالقدوم، فهذا فيه مشروعية الختان للرجال والنساء معاً، إذ الأدلة تعم الرجال والنساء، ولا يقال: هذا للرجال دون النساء إلا بدليل، كأن يقال: ثبت الدليل أن النساء لا يشرع في حقهن الختان.

    فلما نقلوا هذا إلى غير أهل التخصص أغرى ذلك الجهلة بخطوة أخرى مما جعل امرأة قد بلغت من العمر سبعين سنة، تقول في مقال لها: وبعد أن كسبنا الجولة الأولى في استصدار قانون بتحريم ختان النساء، فأنا الآن أطالب بمنع ختان الرجال. ليس عندها حياء، حتى لو كان لها وجه، ليس عندها حياء حيث تقول: أطالب بمنع ختان الرجال، ومن ثم تتكلم أن هذا أصلاً يؤثر على المسألة الجنسية..!

    امرأة بلغت من العمر سبعين سنة، ما هذا الهوان الذي بلغناه؟! هذا معناه أنها ترتفع على كل رجل يحمل العلم الشرعي في هذا البلد، ومع ذلك لم تعاقب المرأة، ولا قيل لها: لقد تعديت الحدود، كيف تطالبين بمنع ختان الرجال، ولم يرد عليها المهتمون بالشريعة، بل أول من رد عليها الأطباء، لأنهم يعتقدون أن هذا من تخصصهم، مع أنه من خصائص أهل الشريعة بالدرجة الأولى.

    إن عمل وفعل هؤلاء الملبسة أغرى كثيراً من الجهلة في أن يطعنوا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وبدءوا يأتون بالأحاديث التي لا يفهمونها، ولا يعرفون وجهها، ويعترضون عليها، وأسهل شيء عندهم هو أن يقول لك: هذا مكذوب على النبي عليه الصلاة والسلام.

    ولو أتيتهم بكل آية لم يؤمنوا؛ لأنه ليس لديهم منهج علمي يتحاكمون إليه، اعلم أن الأخبار تقوم على الصدق والكذب، فالصادق يقبل خبره، والكاذب يرد خبره، والمتوهم نتوقف في خبره حتى نتأكد أنه محق، هنا الضابط العام لقبول الأخبار، فهؤلاء إذا جاء حديث بسندٍ واحد، هذا الحديث كأن يكن في سنده مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر، وهذا إسناد كالشمس، مالك بن أنس الإمام العلم، ونافع مولى ابن عمر ، وابن عمر صاحب النبي عليه الصلاة والسلام، ينقلون خبراً ما، وليكن مثلاًً -أي خبر نفترضه-: (صلوا كما رأيتموني أصلي): (خذوا عني مناسككم)، تجد الواحد منهم يقول: إننا نقبل هذا الخبر، لماذا؟ لأنه أتى في الفقه لا في العقائد.

    1.   

    الاعتراض على أحاديث في الصحيحين والرد عليه

    هذه القصة التي رواها الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد في الصحيحين ، من أصح الأسانيد، قال صلى الله عليه وسلم: (جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال: أجب ربك، ففقأ موسى عينه، فصعد ملك الموت إلى الله، وقال: إنك أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت، فرد الله عليه بصره، وقال: اذهب لعبدي فقل له: ضع يدك على متن ثورٍ، فلك بكل شعرةٍ مستها يداك سنة. فلما نزل ملك الموت إلى موسى عليه السلام وأخبره بذلك، قال: أي ربِّ! ثم ماذا -بعد هذا العمر الطويل-؟ قال: الموت. قال: فالآن) فيقولون: هذا حديث مكذوب على النبي عليه الصلاة والسلام، والدليل على كذبه أمور.. اسمع لتعلم حجم الهجمة الشرسة، وكيف يلعبون بكلام النبي عليه الصلاة والسلام، قالوا:

    أولاً: يستبعد هذا من نبيٍ من أولي العزم أن يفقأ عين ملك الموت.

    ثانياً: أنه صعد إلى الله عز وجل وقال: إنك أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت، فكأن الله لا يعلم ذلك.

    انظر إلى طريقة الاعتراض! بهذه الطريقة يعترض على كلام الله في الوحي المنزل، قال تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، وقال تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت:13]، إذن: هو يعترض على الآية بنفس الطريقة التي اعترض بها على الحديث، يقول: كيف يحملون أثقالاً مع أثقالهم، والله يقول: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]؟

    كلام الله المنزل يعترض عليه بمثل هذه الطريقة أيضاً، فهلاّ قرءوا كلام أهل العلم في توجيه هذه الأحاديث، وأنه ليس فيها أي معنى منكر؟

    فموسى عليه السلام كان جالساً في بيته، فإذا به يرى رجلاً داخل البيت.. من أين دخل؟ لم يطرق باباً، والنوافذ مغلقة، وإذا بهذا الرجل يقول: أجب ربك. يعني: سلم روحك، هذا معنى الكلام، يعني يريد أن يقتله، يريد أن ينتزع روحه، فدفع الصائل مشروع، أي رجل يدخل عليك ويريد أن يقتلك فقاومه حتى لو أدى ذلك إلى قتله.

    وموسى عليه السلام فعل بهذا الرجل هذا الفعل لكونه دخل البيت بدون إذن، كما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام من أمره بفقء عين الناظر في بيت غير بيته بغير إذن، وهذا حد شرعي، صعد ملك الموت إلى الله عز وجل وقال: (إنك أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت)، رد الله عينه ثم أرسله مرة ثانية، فقال له: أجب ربك، لماذا لم يفقأ عينه في هذه المرة، وفقأ عينه في المرة الأولى؟ لأن ملك الموت عليه السلام كان يأتي الأنبياء عياناً كما رواه الإمام أحمد في مسنده بسندٍ صحيح في هذه القصة أيضاً.

    فلما أراد الله أن يبتلي موسى عليه السلام، نزل ملك الموت هذه المرة بغير صورته التي يعرفها موسى ، فلذلك فقأ عينه، فلما رد الله عز وجل عليه عينه ونزل بصورته التي يعرفها موسى لم يفقأ عينه؛ علم أن الأولى كانت اختباراً وامتحاناً،؛ لذلك لم يفقأ عينه.. هذا جواب.

    الجواب الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لم يقبض نبيٌ حتى يخير) ، يخيره الله عز وجل بين الدنيا وبين الآخرة، كما رواه أبو سعيد الخدري في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر يوماً فقال: (إن عبداً خيره الله بين زهرة الحياة الدنيا، وبين ما عنده، فاختار ما عنده. فبكى أبو بكر وقال: نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله. قال: فتعجبنا لهذا الشيخ لِمَ يبكي؟ وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير) خيره الله بين ما عنده وبين زهرة الحياة الدنيا، فاختار ما عنده.

    فكل نبيٍ يخير بين أن يلقى الله وبين أن يعيش فهم يختارون لقاء الله، ولذلك في آخر الحديث لما قال: (أي ربِّ! ثم ماذا؟ قال: الموت. قال: فالآن) حينئذٍ خُير أنه يعيش بعدد سنوات شعر العجل، أو أنه يلقى الله، فلما خُير وعلم أن ذلك من عند الله اختار ما عند الله، فلما نزل عليه ملك الموت بغير صورته المعهودة وقال: أجب ربك -يعني: سلم روحك- ولم يسبق أن نزلت علامة، أو علم موسى أن هناك علامة، فظن أنه مفترٍ فعاقبه بفقء عينه، ولذلك لم يفقأ عينه في المرة الثانية.

    ثم يقول: إن الصالحين لا يكرهون الموت، وهذا خطأ، بل الصالحون يكرهون الموت، وفي هذا يروي الشيخان حديثاً عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. فقالت: يا رسول الله! كلنا يكره الموت) ومعروف أن لفظة (كل) من ألفاظ العموم، بل من أقوى ألفاظ العموم.

    فهاهي عائشة رضي الله عنها تتحدث عن الكل: (كلنا يكره الموت) فلم يقل لها: لا يا عائشة ، ليس كل الناس يكرهون الموت، بل الصالحون يحبون الموت، فلما ترك النبي صلى الله عليه وسلم التعقيب عليها في هذا، وترك البيان؛ دل على أنه إقرار منه لها. وأن كل الناس يكرهون الموت، ولكن قال عليه الصلاة والسلام: (ليس الأمر كما تذهبين إليه -أي: من الفهم- إن العبد الصالح إذا كان في إدبارٍ من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة رأى ما أعد الله له من الكرامة؛ فأحب لقاء الله؛ فأحب الله لقاءه. وإن العبد الفاجر إذا كان في إدبارٍ من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة رأى ما أعد الله له؛ فكره لقاء الله؛ فكره الله لقاءه).

    فأي معنى منكر -يا عباد الله- في هذا الحديث حتى يقال: هذا كذبٌ على النبي عليه الصلاة والسلام، ويتجرأ على الدعوى أن صحيح البخاري فيه أربعمائة حديث مكذوب على النبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الطعن في أبي هريرة رضي الله عنه والرد عليه

    لقد صنف رجل كتاباً وسماه: الأضواء القرآنية لاكتساح ما في البخاري من الإسرائيليات ، ويطبع في المطابع، ويباع على الأرصفة، وكأن هذه البلاد لا يوجد فيها عالم، ويطبع الكتاب أكثر من طبعة، بل إن كتاب: أضواء على السنة المحمدية، لرجلٍ أزهريٍ فاسد، فصله علماء الأزهر آنذاك من الجماعة الأزهرية، ألف كتاب: أضواء على السنة المحمدية، يتهم أبا هريرة بالكذب على النبي عليه الصلاة والسلام، ويطبع هذا الكتاب في أكبر دار طبع رسمية في البلد، وهي دار المعارف، ويمر هذا ويباع، ويطبع حتى إلى الآن..!

    فلم يكذب أبو هريرة حافظ الصحابة؟! وهو الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (اللهم حبب أبا هريرة وأمه إلى عبادك، قال أبو هريرة : فلا يسمع بي يهودي ولا نصراني إلا أحبني) عملاً بهذه البشارة، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو هريرة حافظ الصحابة، ما طعن واحدٌ قط في صدقه يوماً ما.

    فلم يتكلم عن الصحابة بهذا الهراء؟! وتطبع الكتب في الطعن فيهم، وعدم رد العلماء الرسميين عليهم جناية كبيرة، من الذي يحفظ على الناس عقائدهم؟ لقد بدأ الشك يتسلل إلى الذين لا يعلمون شيئاً.

    جلست مع بعض الناس وتكلمت معه في هذه المسألة، فقال لي: يا أخي لا يضر السحاب نبح الكلاب. ومثل هذا كثير.

    كنت أتخيل كل شيء إلا شيئاً واحداً، لم أتخيله قط، وهو أن يخرج من بين أظهرنا رجل يدعي النبوة فيجد له أتباعاً، ممكن أن نصدق أي شيء إلا هذه، يخرج رجل من بين أظهرنا يقول: أنا رسول الله، والرسالة لم تختم، ويجد له أتباعاً..!

    إذاً فكثير من الناس مستعد لقبول الباطل الظاهر، وحماية عقائد الناس أمر واجب، ولابد أن يقف العلماء للذود عن دينهم، ولا يغترون بقول القائل: (لا يضر السحاب نبح الكلاب)، وقول الآخر: يا أخي! صحيح البخاري في السماء، فلا يضر أن يأتي جاهل يتكلم على صحيح البخاري دعه يفضفض.. هذا هو تعبيره.

    فلم يتكلم عن صحيح البخاري، ويشكك فيه، ويدعي أن البخاري يروي المكذوبات، فكلما سمع حديثاً قال: وما يدريني لعله مكذوب؟ حتى يأتي ذلك على جميع السنة، فيصبح الناس وليس في أيديهم من البيان الذي امتن الله عز وجل به على المسلمين، حيث يقول سبحانه: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، فإذا جاز أن يلعب بالسنة، وما جاء فيها من البيان والتوضيح؛ فإن الإجمال لا يكفي أحداً، إنكار السنة من حيث التفصيل، وإثباتها من حيث الجملة؛ بدعة قديمة بدأت تطل برأسها الآن.

    1.   

    الاهتمام بطلاب العلم واجب شرعي

    إن مما على عموم الأمة أن تفرغ طلاب العلم، فلا ينفقون أوقاتهم في طلب المعاش، بل يتفرغون لإتقان العلم وأصوله؛ من أجل الذود عن هذا الدين، هذا واجب على العوام.

    أنت أيها التاجر الغني! لا تعرف شيئاً عن الأصول، ولا تستطيع أن ترد عن دينك، اكفل طالب علم، كان طلاب العلم قديماً تكفلهم الدولة، ولهم أعطيات، لذلك كثر العلماء وطلاب العلم في ديار المسلمين، فمع كثرة العلماء لا يستطيع المبتدعة أن يطلوا برءوسهم على السنة ولا يتكلموا فيها.

    الآن كثير ممن يشار إليهم بالبنان يصعدون المنابر، فيكذبون على النبي صلى الله عليه وسلم من حيث لا يشعرون، نصف الأحاديث التي يحفظونها لم يقلها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا رجل محب لله ولرسوله إن شاء الله، ونحسبه محباً لله ورسوله، ومع ذلك يكذب على النبي عليه الصلاة والسلام، فيرحم الله زماناً سمع فيه شعبة بن الحجاج رجلاً يروي حديثاً منكراً، فقال له: لتنتهين عنه أو لاستعدين عليك السلطان، وكأنه لم ينته فذهب إلى أمير المؤمنين ويقول: إن رجلاً يروي حديثاً منكراً، فيعاقب بالحبس، أو يعاقب بالمنع من التحديث، فيرحم الله ذلك الزمان.

    إن إيجاد العلماء مهمة الأمة جمعاء، فرِّغ نفسك لطلب العلم، فإن لم تستطع أنت فتعاون مع آخرين في كفالة طالب علم.

    إننا مقبلون على خطبٍ عظيم، كل يوم يطل برأسه، ونحن نخاف على العوام مما يكتب في الجرائد والمجلات من طعن في الدين، وتشكيك في الثوابت. فإن هذا دين يجب المحافظة عليه، والدفاع عنه، فإذا كانت الحكومات تخصص إذا كانوا حرس حدود لمنع دخول (الهروين) و(الكوكايين) فإن الاعتداء على صحيح البخاري أعظم من دخول هذه الأشياء.

    لما رسم النبي صلى الله عليه وسلم على صورة الخنزير، ولم يتحرك الناس، لأنه في تلك الفترة كان هناك مفاوضات على الأرض، إن عرض النبي صلى الله عليه وسلم أثمن من الأرض، فلو أخذت أرض المسلمين جميعاً من تحت أرجلهم لكان أخف ألف مرة من أن يسب النبي صلى الله عليه وسلم وفينا عينٌ تطرف.

    ينبغي أن يظهر هذا المعنى عند الناس، وأن يوالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يدفعوا هؤلاء الذين يكذِّبون بسنته بلا مستند ولا برهان.

    بإيجاد خط الدفاع الأول الذين هم في طبقة الفرسان، ونحن نعلم أن الضحايا سيكثرون في هذه الطبقة، الضحايا والقتلى يكثرون في الصف الأول، لكن نمهد للذين يأتون بعد ذلك، وقد هددنا الله تبارك وتعالى، فقال: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38] في مثل هذا الجحود والنكران تضيع الأمانة: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    الرد على الآراء الشاذة سبب في إشاعتها

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    إن الأصول التي ما اختلف عليها أحدٌ قط من أهل العلم، ولا من العوام، كثرت اليوم الآراء التافهة التي تتناولها، فكثر الكلام في الدين، والطعن فيه، أَوَ كلما قال رجلٌ رأياً تافهاً رددنا عليه؟

    كان ينبغي أن لا يرد عليه حتى يموت قوله، لكن المشكلة أنه كلما قال رجل قولاً تافهاً قامت الصحافة والجرائد وأشاعوا هذا القول، وبعد ذلك يقولون: نريد من أن أهل العلم أن يردوا عليها، نريد من أهل العلم أن يقولوا قولهم في الموضوع، مع أنه قول تافه، ليس له قيمة، وما ينبغي أن يلتفت إليه، مثل ذلك الرجل الذي يقول: إن القرآن لم يحدد أن يوم عرفة هو يوم تسعة من ذي الحجة، وأن الله عز وجل قال: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197] أشهر الحج: شوال، وذو العقدة، وعشرُ ذي الحجة، أي: سبعون يوماً، أو أقل بيومين تقريباً، على حسب الرؤية.

    إذن بدل من أن يتزاحم خمسة أو أربعة ملايين يقتل بعضهم بعضاً عند الجمرات، أو في طواف الإفاضة، أو طواف الوداع، أو في النفرة من عرفات، فبالإمكان أن نقول: في شهر شوال يحج أهل البلاد الفلانية، وفي شهر ذي القعدة يحج أهل البلاد الفلانية، وفي شهر ذي الحجة يحج أصحاب البلاد الفلانية، وبهذا نتغلب على مسألة الزحام، فبالتالي الذين سيحجون من واحد شوال إلى عشرة شوال يكون يوم عرفة بالنسبة لهم تسعة شوال، ويوم العيد عشرة شوال، وبهذا يكون هناك أكثر من يوم عرفة، وهناك أكثر من يوم نحر..!

    كل هذا لنتغلب على مشكلة الزحام في الحج، مثلما حصل في تونس سنة (1964م) حيث صدر قرار -لكن لم يعمل به- بنقل صلاة الجمعة إلى يوم الأحد، هي اسمها: صلاة الجمعة، من أجل يوم الجمعة.. فهذا قال لك: لا، إن يوم الأحد هو يوم العطلة الرسمية، فنجعل الصلاة فيه؛ لأن يوم الجمعة يذهب الناس لصلاة الجمعة فيتعطلون عن الإنتاج ساعة!

    فلم يقول هذا الكلام؟ يقول: إن القرآن لم يقل لنا: إن يوم عرفة يوم تسعة ذي الحجة، وأن يوم العيد كان يوم عشرة، لم يرد هذا في القرآن، وإنما جاء في السنة وفيها أحاديث مكذوبة كثيرة؛ فهذا لعله من المكذوب، فنحن نعرض -بدل ما نختلف هل هو صحيح أو ضعيف؟!- عن الكلام هذا، وننظر إلى مصلحتنا!

    هناك شخص اقترح اقتراحاً وهو: أن بدل الزحام الذي يكون حول الكعبة نقوم بإيجاد آلة سريعة يركب الناس عليها بذلك يكونون قد طافوا الأشواط السبعة في دقيقة واحدة، ويكون الجماعة الذين يركبون آلة السير قد طافوا طواف الإفاضة، وطافوا طواف الوداع، أو طواف القدوم، أو طواف العمرة في لحظات، وينزلون ويأتي غيرهم.. وانتهى الأمر!

    الآن هذا الكلام نحن نستخف به، لكن قد يصدر فيه قرار فيما بعد، مثلما نسمع بأن هناك دعوى بتدويل الحرمين، يعني: لا تكون الدولة السعودية هي التي تتحكم فيه، وإنما كل دولة تتحكم في الحرمين سنة، وهكذا.

    وكل كلام قد يقال هزلاً في يومٍ من الأيام، ربما يصير حقيقة مع انتشار الجهل وغياب العلماء الربانيين، قبل عشرين سنة قرأت عن الدولة البترولية الجديدة، وصار هذا الآن مشروعاً يريدون تحقيقه، وإن لم يستيقظ المسلمون ربما تحقق. ما هي الدولة البترولية الجديدة؟

    قال لك: هي عبارة عن دائرة تشمل المنطقة الشرقية السعودية، وجزء من العراق، وجزء من الإمارات، وجزء من الكويت وهي عبارة عن الدائرة التي يوجد فيها البترول، فليس معنى أن (البترول) في أرضك أنك تتحكم في الناس.. لا، وإنما النظام العالمي الجديد سيهيمن على هذه البقعة ويجعلها دولة حيادية، يقول لك: الدولة البترولية هذه ليست خاضعة لأحد، هذه حق للعالم، وأنا أبوكم (أي أمريكا) فأنا الذي أوزع عليكم التركات، إذا كنت محتاجاً لبرميل نعطيك برميلاً، تحتاج برميلين نعطيك برميلين، وانتهى الأمر، لكن ليس معنى أن (البترول) في أرضك يكون ملكك!

    الكلام هذا منذ عشرين سنة وهو مكتوب، وبعد حرب الخليج بدأ يطرح نفسه بقوة، أنه لابد من التحكم في مصادر الطاقة في العالم؛ لأنها ليست ملكاً لمن هي في أرضه.

    هذا كان رأياً ربما قرأه قارئون في ذلك الزمان، فتمططوا ومطوا شفاههم استهزاءً، فأي رأي خطير ربما -مع غلبة الجهل واستدارة الزمان- يكون حقيقة.

    الآن يقول: يوم عرفة لم يرد في القرآن أنه يوم تسعة، إذاً نقول له: فأين السنة العملية التي أجمع أهل العلم عليها، بل وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم)، وبدأ الحج في يوم ثمانية، وختمه في يوم ثلاثة عشر؟! فلا يحل لأحدٍ أن يقول: إن الحج يبدأ يوم سبعة، ولا يوم ستة، ولا يوم تسعة، بل هو كما وقَّته رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل كان يخطر ببال أحدٍ أن يقول رجل مثل هذا الكلام..؟!

    حسن رجل قال هذا الرأي الخطير، وصار يطرح كقضية للمناقشة، ثم يقال لعلماء الدين: ردوا عليه، فيشغلون العلماء بأمور مقطوع بها ومستقرة، متى يصل الإنسان إلى الغاية، إذا كان كلما نادى عليه منادٍ في الطريق وقف له ورد عليه.. فمتى يصل؟!

    يا إخوان! لقد بدأت الأصول ينظر إليها ويشكك فيها، الذي لم يكن يخطر على بال أحد في يوم من الأيام أن يناقش فيها، بدأنا نتناقش فيها، وفي هذا حيدة ولفت لأهل العلم عن القضايا الخطيرة التي ينبغي أن يعلموها الجماهير، وإشغالهم بهذه المناقشات التي لا طائل تحتها، كونها معروفة عند الجميع.

    إن حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته كثيرة، وهذه الخطبة مقدمة لسلسلةٍ هي: (حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته) ما هو هذا الحق، وما الذي ينبغي أن يفعله المسلم تجاه النبي صلى الله عليه وسلم.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا وإياكم على تحقيق الشهادة، وأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو مصدر التلقي بالنسبة لنا نحن المسلمين.

    قال ابن مسعود : كنا ضلالاً فجاءنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعلمنا أننا لا نستقل بمعرفة مراد الله تبارك وتعالى إلا عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم، كان الصحابة أزكى الناس، وكانوا أفهم الناس للمعاني والألفاظ، ومع ذلك (لما نزل قوله تبارك وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] شق ذلك عليهم، وقالوا: يا رسول الله! أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: ليس كما تفهمون، ألم يقل العبد الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]؟ فهذا هو الظلم).

    قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، العرب فهموا الآية على مقتضى أساليب العرب، إن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، فالنكرة كلمة: (ظلم) -(نكرة) يعني: غير محلاة بالألف واللام- وأيضاً هذه النكرة منفية: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ (لم) هذه نافية، هذه النكرة منفية تفيد العموم، يعني: أي ظلم مهما دق ومهما كان صغيراً، يؤاخذ المرء به.. فهذا الذي فهمه الصحابة.

    لذلك جاءوا وقالوا: (أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟...) فصحح لهم النبي صلى الله عليه وسلم مراد الله عز وجل، حين قال: (ألم يقل العبد الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13])؟ فهذا هو الظلم المقصود من الآية، فنحن لا نعرف مراد الله عز وجل، ولا ما يحبه الله، ولا ما يبغضه، إلا عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.

    اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.

    رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

    اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.