إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد المنجد
  3. لغتنا الجميلة هل نعود إليها؟ [2]

لغتنا الجميلة هل نعود إليها؟ [2]للشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شاع لدى الكثير من أهل الإسلام التقليل من قيمة اللغة العربية، وقيمتها، وأهميتها، وسعتها. وأصبح التفاخر بالتحدث باللغات الأجنبية الأخرى. وأنها لغات العلم والتقدم، وأصبح الناس يلوكون بألسنتهم هذه اللغات، وذلك لأنهم لم يدركوا دور اللغة. إن لغتنا الأصيلة هي أم اللغات، وأشرفها، وأوسعها، والمتقدم يسود بكل ما يملك، فهكذا كنا فمتى نعود. هذا هو ما تحدث عنه الشيخ، ذاكراً ميزات اللغة العربية، موضحاً حكم تعلم اللغة الأجنبية.

    1.   

    سيادة اللغة للأقوى

    عباد الله: لما كنا سادة وقادة، كان العالم لنا تبعاً، وكانت لغتنا هي اللغة السائدة، وكانوا يتعلمونها رغماً عنهم، ولا يمكن لهم تقدمٌ إلا بتعلمها، أقبلوا عليها يتعلمونها زرافات ووحدانا، وجاءوا من إيطاليا وغيرها إلى الأندلس ليتعلموا اللغة العربية في الأندلس ، وبعثوا البعثات إليها.

    يقول بعض المستشرقين: إن أرباب الفطنة والتذوق من النصارى سحرهم رنين الأدب العربي، فاحتقروا اللاتينية، وصاروا يكتبون بلغة القوم القاهرين. حتى قال أحد القساوسة من النصارى: وا أسفاه! إن الجيل الناشئ من المسيحيين لا يحسنون أدباً أو لغةً غير الأدب العربي واللغة العربية، وإنهم ليلتهمون كتب العرب ويجمعون منها المكتبات الكبيرة بأغلى الأثمان. وكتب الفارو مقران في عام (854م) إلى أحد أصدقائه رسالة يقول فيها: إننا لا نرى غير شبان مسيحيين هاموا بحب اللغة العربية، يبحثون عن كتبها، ويقتنونها، ويدرسونها في شغف، ويعلقون عليها، ويتحدثون بها في طلاقة، ويكتبون بها في جمال وبلاغة، ويقولون عليها الشعر في رقة وأناقة، يا للحزن! مسيحيون يجهلون من كتابهم وقانونهم ولاتينيتهم، وينسون لغتهم نفسها، ولا يكاد الواحد منهم يستطيع أن يكتب رسالة معقولةً لأخيه مسلِّماً عليه، وتستطيع أن تجد جمعاً لا يحصى يظهر تفوقه وقدرته وتمكنه من اللغة العربية.

    ثم انقلب الزمان وتغير الحال وانعكست القضية، حق لهم أن يتركوا لاتينيتهم لأجل العربية؛ لأنها أقوى وأعلى وأثمن وأبلغ وأقوى، ولكن هل يحق لنا أن نترك عربيتنا لإنجليزيتهم وهي الأضعف والأتفه والأدنى والأضيق؟! ليس عيباً عليهم أن يتعلموا عندنا في الأندلس ، ولكن العيب عندما نستخدم لغتهم وهي الأضعف.

    1.   

    المؤامرة على اللغة

    علم أعداء الإسلام أن اللغة العربية هي الجزء المشترك من كيان الأمة، وهي الوطن المعنوي الواحد لحركة اللسان المعبرة عن حركة الفكر والوجدان، وأن مقياس رقي الأمم وانحطاطها في رقي اللغة وانحطاطها؛ هجموا على اللغة العربية، وأخذوا تراثنا ومخطوطاتنا إلى مكتباتهم وجامعاتهم، عندما أدركوا أن اللغة تربط بين المسلمين وتوحد بينهم، كان المسلم ينتقل من المغرب إلى أقصى المشرق وهو يتكلم باللغة العربية الفصحى، وكل واحد يفهمه، كلهم يفهم بعضهم بعضاً؛ لأن اللغة واحدة، فلما احتل الكفار الدولة الإسلامية، وقسموها شنوا الحرب على اللغة العربية الفصحى، وفرضت لغة الغزاة على الشعوب الإسلامية المغلوبة.

    أولاً: جعلوا لغتهم هي اللغة الإجبارية في المدارس، من المرحلة الابتدائية إلى الجامعية فما فوق، واعتبروها اللغة الأساسية في البلاد مع إهمال اللغة العربية، حتى ينشأ جيلٌ من أبناء المسلمين يتكلم بلغة الغزاة ويهجر لغته الأصلية، وصار طالب العمل والوظيفة لا يستطيع أن يجد وظيفة إلا إذا كان يتقن لغة الغزاة اتقاناً جيداً، حتى صارت الأجيال في بلاد المسلمين لا تحسن النطق بالعربية وتجيد لغات الغزاة، وابتعدت الأجيال عن الدين نتيجة لذلك، حتى صار الواحد يفتح المصحف ولا يحسن تلاوته، ولا قراءة حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فضلاً عن مقطوعة شعرية، أو قصة كتبت بالعربية.

    انظروا إلى حال المسلمين في شمال أفريقيا ، ماذا فعلت بهم فرنسا وأفريقيا ؟ والشعوب الإسلامية في روسيا والصين لقد دمرت اللغة العربية تدميراً تاماً فهم يتكلمون فرضاً باللغة الروسية.

    وهكذا في كثير من البلدان أزيحت اللغة العربية عن مسرح الحياة، ثم قاموا بعد ذلك بشن الهجمات، ومن ذلك محاولة نشر اللهجات العامية الإقليمية، والتشجيع على أن تكون اللهجة العامية هي التي تكتب بها العلوم والآداب والمعاملات، وأن العامية سهلة وتجيدها كل المستويات، والفصحى قواعد صعبة وألفاظ معقدة، هكذا خيَّلوا لنا؛ فصارت اللغة العامية هي الدارجة الباهية، حتى نصير مثل الألمان والإنجليز والفرنسيين، الذين انفصلوا بلغات مختلفة عن اللغة اللاتينية الأم .. هكذا كان المخطط، وأعطيت اللهجة العامية صيغة اللين والسهولة، ووصفت بأنها القادرة على التعبير عن كل أفكار أفراد المجتمع، وفتح المستشرقون الباب للدراسات، ونشروا الأبحاث في المجلات، وقاموا بتلك الحركة الخبيثة لترك الفصحى إلى العامية، فقام وليم جيمس ، وسلدن مور وغيرهما من هؤلاء الأخباث الأنجاس ولويس ماسنيون ، وبعضهم أسماؤهم على شوارع في بلاد المسلمين، قاموا بالدعوة إلى العامية، وتلقفها من المحسوبين على المسلمين من أمثال: لطفي السيد وعبد العزيز فهمي وتوفيق الحكيم وسلامة موسى وزكي نجيب محمود ، وغيرهم فقاموا بإشاعة اللهجة العامية، وهدم اللغة العربية، وتغيير قواعد اللغة العربية، وتغيير الخط العربي، وتغيير قواعد الإملاء، وحذف بعض القواعد، وأيدهم نصارى العرب من أمثال سعيد عقل وأنيس شريحة ولويس عوض ، ولا غرابة أن يتشجع نصارى العرب ويتحمسوا إلى هذه الفكرة، وسُخّرت الأفلام والمسلسلات والمقالات والمجلات لهذه الأغراض الخبيثة، وأثيرت النعرات القومية، فإذا كان المسلمون من أصل هندي أثاروا قضية الحضارة الهندية القديمة، وآدابها ولغتها السنسكريتية، ونبشوا قبور المقبرة السنسكريتية وأخرجوا العظام البالية؛ ليقولوا: هذه لغتكم الأصلية، وأثاروا النعرة البربرية في أبناء المغرب العربي ، والقومية الطورانية في أبناء تركيا المسلمين، والنعرة القبطية في أبناء مصر ، وأحيوا أمجاد الفراعنة وآثارهم لقطع الشعب عن أصالته العربية الإسلامية، وفي بلاد الشام أثاروا الحضارة الفينوقية، والقومية الكردية في الأكراد، وغير ذلك؛ لتقطيع أوصال الأمة، وفرض أتاتورك على المسلمين في تركيا كتابة اللغة بالأحرف اللاتينية، ومنع الأذان بالعربية، والكتابة بالعربية، والتدريس بالعربية، واللباس الذي يميز المسلمين, فصار حالهم كما ترون اليوم لا يقدر المسلم أن يفتح القرآن ويقرأ، ولا يفهم بعضنا بعضاً إذا التقينا في الحج، وإنما يكون الكلام مع المسلم بالإشارات.

    ذهبت اللغة العربية، وقام طه حسين وأذنابه ومن معه بحركة إلغاء الإعراب، وإشاعة قاعدة: سَكِّنْ تسلم، وإلغاء الحركات الإعرابية، كرفع الفاعل، ونصب المفعول به .. كيف سيعرف المسلم معنى قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]؟ الله: لفظ الجلالة مفعول به مقدم منصوب هو الذي يُخشَى، والعلماء: فاعل فهم الذين يَخشَون، وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124] من الذي ابتلى؟ إبراهيمَ: مفعول به مقدم، ربُّهُ: فاعل مؤخر، فإذا ألغينا الحركات الإعرابية كيف سنفهم من الذي ابتَلى؟ ومن الذي ابتُلِي؟ ومن الذي يَخشى؟ ومن الذي يُخشى؟

    وقام سوق السخرية بمدرسي اللغة العربية، وأصبحت رواتبهم من أدنى الرواتب إن لم تكن أدناها، ويظهر مدرس اللغة العربية في الأفلام بمظهر الحزن والسخرية، وتطلق النكت المضحكة اللاذعة للسخرية، وقُلّلت حصص اللغة العربية، وحذفت في بعض المدارس بالكلية، مع أن قواعد اللغة الإنجليزية تدرس في الجامعات، فالتخصص -علمي أو أدبي- تدَّرس فيه قواعد اللغة الإنجليزية، واللغة العربية حذفت بالكلية، بل إنه وصل الحال المزري أن تدرَّس في بعض الجامعات حصص قليلة للغة العربية وتدرِّس قواعد اللغة العربية باللغة الإنجليزية، فلا يقال: هذا فاعل، وإنما يقال: هذا ( object) وهذا ( subject ) وهذا ( adverb ) وهذا ( pronouns ) وهكذا تدرس قواعد اللغة العربية باللغة الأعجمية، ولما قام بعض المخلصين بتعريب المصطلحات والكلمات، قامت السخرية بالترجمة، أو بالتعريب، وقالوا: أتريدون؟ ترجمة الـ( sandwich ) إلى شاطر ومشطور وبينهما طازج؟ سبحان الله! من الذي قال أن هذه ترجمة ( sandwich )؟ ما هو الشاطر؟ أليس السكين؟ والمشطور هو الشطيرة؟ كيف تكون ترجمة ( sandwich ) سكين وشطيرة؟ عندنا كلمة واحدة نقولها شطيرة أو فطيرة، وإذا كان ( sandwich ) هو اسم الشخص الذي اخترع الفكرة، ( bantlwoni ) (وبنطلوني) اسم الذي فصَّل هذا أول ما فصّله، فبأي شيء يتبجحون علينا والقضية قضية أسماء؟!

    وأشيعت المفردات الأجنبية في كتب اللغة العربية والمدارس العربية والجامعات العربية، مع أن لها بدائل واضحة وسهلة، أدخلت كلمة ( biology ) مع أننا بسهولة نقول: علم الأحياء، و( ficology ) مع أننا بسهولة نقول: علم وظائف الأعضاء، و( sociology ) مع أننا نقول بسهولة: علم النفس، وهكذا ... لكنَّ رنين الكلمة الذي يوحي بالتقدم والحضارة عند المنهزمين من أبناء جلدتنا صاروا يرطنون بهذه الألفاظ في كلامهم؛ ليدللوا على أنهم متقدمون وحضاريون ومواكبون للمخترعات والمكتشفات والحضارة الغربية.

    نعم. لو قالوا أسماء الأشخاص، وأسماء البلدان، وأسماء الأدوية التي لا حيلة فيها لقبلنا ذلك، وقلنا: نأخذ الأعلام كما هي.

    1.   

    الحفاظ على اللغة العربية

    أيها الإخوة: يقول الشافعي رحمه الله تعالى في تعليقه على تسمية التُجّار بالسماسرة، والسماسرة ليست لغة عربية، قال: سمى الله الطالبين من فضله في الشراء والبيع تُجّاراً، ثم سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمى الله به من التجارة بلسان العرب، والسماسرة اسم من أسماء العجم، فلا نحب أن يسمي رجلٌ يعرف العربية تاجراً إلا تاجراً، لا نحب أن نسمي التاجر إلا تاجراً، ولا ينطق بالعربية فيسمي شيئاً بالأعجمية.

    وقال شيخ الإسلام رحمه الله: وما زال السلف يكرهون تغيير شعار العرب حتى في المعاملات، وهو التكلم بغير اللغة العربية إلا لحاجة، فمن فقه العالم أن يراعي قضية الحاجة، كما نقل ذلك عن مالك والشافعي وأحمد ، بل قال مالك : من تكلم في مسجدنا بغير العربية أخرج منه.

    يقول محمد بن أحمد الخوارزمي البيروني : والله لئن أُهجى بالعربية أحب إليَّ من أن أُمدح بالفارسية.

    لقد رُميت اللغة العربية بسهام الأعداء والأبناء، فوصفوها بالصعوبة ونعتوها بالغموض والجمود، وحاولوا تهميشها في واقع الحياة، وتباهوا برطانة الأعاجم، وعزف كثير من الطلاب عن دراسة اللغة العربية، وتبرموا من مناهجها الدراسية، وانحدر مستوى مادة القواعد العربية والنحو والصرف، وكثرت الأخطاء في كلام الخطباء والكتاب، حتى أنك لا تكاد ترى رسالة في دائرة أو شركة إذا كتبت بالعربية إلا وهي مملوءة بالأخطاء.

    وادُّعي أن اللغة العربية لا تصلح لمواكبة التطور العلمي والتقني، وقال القائلون: ارحموا أولادنا وأطفالنا كيف لا تصلح؟! هل تعجز اللغة العربية عن اختيار اسم لمخترع من المخترعات؟!

    وسعت كتاب الله لفظاً وغايةً     وما ضقت عن آي به وعظاتِ

    فكيف أضيق اليوم عن وصف آلةٍ     وتنسيق أسماءٍ لمخترعاتِ

    أنا البحر في أحشائه الدرُّ كامنٌ     فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي

    وقام فريق منا يلوون ألسنتهم بالإنجليزية والأعجمية لتحسبوه من الحضارة والتقدم، وما هو من الحضارة والتقدم في شيء، كيف يفلح قومٌ يتكلمون بغير لغتهم، ويفكرون بغير لغتهم، ويدرسون بغير لغتهم، ويكتبون بغير لغتهم؟!

    أثر اللغة العربية على الإنجليزية

    ثم هذه الإنجليزية التي يتفاخرون ويتظاهرون ويتمظهرون بها، دقق في ألفاظها سترى أثر اللغة العربية فيها، وسترى أنهم نقلوا منَّا الكلمات بالنص، وبعضها بتغيير طفيف، فمثلاً: كيس في اللغة العربية وفي الإنجليزية ( cais ) وقط ( cat ) كاف ( kiev ) صك ( sheet ) يقول الناس اليوم: (شيك) وهي كلمة عربية، كفن ( coffin ) قطن ( cotton ) وكَفَرَ باللغة العربية أي: غَطّى وستر، وسمي الكافر كافراً؛ لأنه يُغطّي حقيقة التوحيد بالكفر، وعندهم ( caver )، كذلك كلمة صِفر ( cipher ) والمسلمون هم الذين اخترعوا الصفر وبذلك أسدوا للاتينيين نعمة عظيمة، وكانوا يكتبون الأرقام الطويلة المكتوبة الآن على الساعات بالأرقام اللاتينية، وإذا أراد أن يكتب رقماً طالت كتابته، فلما اخترع الصفر اختصرت لهم الأرقام.

    يقول الواحد منا: سنذهب إلى (السِّيف) وإلى الشاطئ، وهو يظن أنها كلمة إنجليزية مع أن ( seif ) هي شاطئ في اللغة العربية، وقد جاء في حديث أبي هريرة في البخاري : (حتى إذا أتينا سيف البحر) أي: شاطئ البحر وماذا يقول الإنجليزي عن السكر؟ أليس ( sugar ) وماذا يقولون عن التعريفة؟ ( tariff ) وماذا يقولون عن الكوب؟ ( cup ) وعن الكأس ( glass ) وقومنا يقولون: هات القلص، وهم أخذوها منَّا (كأس وكوب) والله قد ذكر الكوب والكأس في القرآن الكريم، فهم أخذوها منا، ويقول الأطباء: ( serb ) وهم قد أخذوها منا أي: شراب.

    ويقولون: اللغة العربية ليست لغة علمية وتقنية. ولكن انظروا إلى الألفاظ المتعلقة بالعلوم في لغتهم، فمثلاً: (algebra) أليست من ألفاظ الرياضيات والألفاظ العلمية؟ من أين أخذوها؟ أخذوها من عندنا نحن. كذلك: (algorithm) أي: العلامة الخوارزمي ، ويقولون: ( alphabetical order ) وليس عندهم ألف، لكنهم يقولون عن نظام ترتيب الحروف: (alphabetical) لأنهم أخذوا الألف منا نحن، كذلك أشعة (ألفا، بيتا) كلمات علمية، من أين أخذوها؟ أليست الألف والباء حروفنا نحن؟ ثم يتباهى المتفرجون الذين يقلدون الغرب منَّا باستعمال كلماتهم، وإذا صدق أن الإنفلونزا هي أنف العنزة، لأنه يسيل دائماً، فواعجباً لما يستعمل الناس اليوم من الكلمات الأجنبية كقولهم (استيشن) أي: يكفي، وكذلك يستعمل الطلاب في الجامعات (كويز سكاشن)، ثم يجمعون جمع تكسير وجمع تشويه، والذين يعملون في المطارات، وهذه رحلة عليها ( over ) ألا تستطيع أن تقول كلمة بالعربية بدلاً من (كنكشن)؟ ألا تستطيع أن تقول بدلاً منها كلمة بالعربية؟ ألا يوجد في اللغة العربية كلمات مرادفة؟

    انتهينا من الأسماء وأسماء المخترعات، وسلمنا بأخذها كما هي، لكن هذه هي الكلمات التي نقولها طلاباً وموظفين وأطباء ومدراء، ويتكلم العربي مع العربي في الشركة باللغة الإنجليزية.

    1.   

    أثر فرض المستعمر لغته على الشعوب المستعمرة

    يقول مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: هل أعجب من أن المجمَّع العلمي الفرنسي يؤذن في قومه بإبطال كلمة إنجليزية كانت في الألسنة من أثر الحرب الكبرى -أي: العالمية- ويوجب إسقاطها من اللغة جملة، وهي كلمة: (نظام الحصر البحري) .. وكانت مما دخل على الفرنسيين من النكبات مع نكبة الحرب العظمى، فلما ذهبت تلك النكبات رأى المجمَّع العلمي الفرنسي أن الكلمة الإنجليزية نكبة على اللغة الفرنسية يجب التخلص منها، ورآها كأنها جندي دولة أجنبية في أرض دولة مستقلة بشارته وسلاحه وعلمه.

    ثم يقول الرافعي رحمه الله وهو من كبار الأدباء الذين أنجبتهم مصر أرض الكنانة: ما ذلت لغة شعب إلا ذلوا، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار، ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضاً على الأمة المستعمَرة، ويركَبَهُم بها، ويشعرهم عظمته فيها، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثةً في عمل واحد:

    أما الأول: فحبس لغتهم في لغته سجناً مؤبداً.

    وأما الثاني: فالحكم على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً.

    وأما الثالث: فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يضعها، فأمرهم من بعدها لأمره تبع.

    إن اللغة هي صورة وجود الأمة بأفكارها ومعانيها، وهي عمقها وعاطفتها وتفكيرها، فهي نسبٌ للعاطفة والفكر، حتى أن أبناء الأب الواحد لو اختلفت ألسنتهم، فنشأ منهم ناشئ على لغة، ونشأ الثاني على أخرى، والثالث على لغة ثالثة؛ لكانوا في العاطفة كأبناء ثلاثة آباء، وإنك ترى الواحد منا اليوم -مع الأسف- الكلمة الأجنبية أسبق إلى لسانه من الكلمة العربية، وإذا أراد أن يلقي تراجعاً، وقف فترة يفكر ويبحث عن الكلمة العربية المرادفة، ويعصر ذهنه، لأن مفردات الثروة اللغوية ضعيفة، فإن اللغة الفرنسية مفرداتها حسب القاموس تقريباً خمسة وعشرون ألف كلمة، واللغة الإنجليزية بالمصطلحات وبالمولدات وبالأشياء الجديدة وما أكثرها! مائة ألف كلمة، وكلمات اللغة العربية: أربعمائة ألف كلمة، فإنك تجد للسيف أسماء عدة، حتى الكلب له في اللغة العربية أسماءً عدة، وعندهم الكلمة الواحدة تحتمل معاني كثيرة لا علاقة ولا رابطة بينها وبينها.

    يذهب أولادنا إلى الخارج لدراسة اللغة الأجنبية في الخارج، وتقول له: يوجد هنا تدريس لغة أجنبية. فيقول: لا، أنا أريد أن أسكن مع عائلة أجنبية في الخارج لأتعلم اللغة وأصبح طليق اللسان بها. وفتح باب الهجرة إلى الغرب مثل كندا وغيرها؛ لامتصاص عقول المسلمين وعصارة المسلمين لصالحهم وتقدمهم، وإذابة المهاجرين المسلمين في مجتمعاتهم، إنها أهداف مزدوجة.

    ذهب رجل مسلم مع زوجته المحجبة وأولاده إلى السفارة الأجنبية، يطلب الهجرة، فقال له الملحق في تلك السفارة بصراحة نحن لا يهمنا لا أنت، ولا زوجتك المحجبة، لا نطمع فيك ولا في زوجتك المحجبة، ولا في أولادك الذين عندهم شيء من الثقافة المشرقية، لكننا نسمح لك، لأن أحفادك لنا، ولأننا نوقن أن أحفادك لنا نحن وهكذا حصل، فماذا سيفعل الذي يترك بلاد المسلمين والعرب إلى الغرب؟ وبعضهم مضطر إلى هذا، فيذهب إلى هناك ويعلم ولده حصة في اللغة العربية في مركز إسلامي، أو معهد إسلامي، ويبقى الولد سنوات وهو يتهجى الكلمات ولسانه طلقٌ بلغة القوم، وإذا طلبت من الواحد من أولاد المبتعثين الذين عاشوا سنين في الخارج أن يتكلم بالعربية، كأنه يكسر أحجاراً، قال أحد الدعاة لبنت صغيرة من بنات هؤلاء: قولي لي حكاية في اللغة العربية. فقالت: كانت هناك بنت، ( بنت هناك كانت، وكان لها ثنتين قطز، الجمع .. ) ثم تخلت عن العربية ولم تستطع أن تكمل الحكاية باللغة العربية، هذا هو حال أولاد المسلمين في الخارج، إنها مأساة.

    جاءني رجل يسأل عن مشكلة اجتماعية، ويعترف بأنه ارتكب جرماً عظيماً عندما تزوج من امرأة أمريكية في الخارج، وقال لي: انظر إلى هذا، وكان بجانبنا رجل من الصالحين يقرئ ولده القرآن، وقال: ولدي الصغير لا يستطيع أن يقرأ مثل هذا، وهو عربي، والآن عرفت الجريمة التي أجرمتها في حق ولدي. ولما تركنا أولادنا أمام التلفزيون مستمعين طيلة الوقت، صار الولد عاجزاً عن تركيب الجمل والتعبير، كان الأولاد في السابق يجتمعون أمام البيوت وفي الحارات، ويؤلفون قصصاً، ويتكلمون، أما الآن فإن أولادنا أمام الشاشات وألعاب الكمبيوتر، والقدرة على الكلام تلاشت، يصاب الولد بالارتباك في تفكيره وحركة أصابعه، ولم يحسن إمساك القلم بعد، ونحن ندرسه بلغتين في الروضة، ويكتب مرة من اليمين إلى الشمال، والحصة التي بعدها من الشمال إلى اليمين، فيبقى في غاية الارتباك.

    يأتي العمال البنغاليون الذين قدموا إلينا، وجلسوا عشر سنين وخمس عشرة سنة، ولم يتعلموا من اللغة إلا شيئاً يسيراً، والواحد منا إذا ذهب إلى الخارج تعلم رغماً عنه، وفي مدة يسيرة (ستة أشهر) يتقن اللغة الإنجليزية والألمانية، والألماني في الشارع في ألمانيا يرفض أن يكلمك باللغة الإنجليزية ولو كان يعرفها، بل يفرض عليك أن تتكلم بالألمانية، ولائحات الشوارع واللافتات كلها بالألمانية، ولا مجال للغة الدخيلة، ولا اللغة الأجنبية عندهم، والفرنسي لا يتكلم معك بالإنجليزية، ويعتبره غزواً ثقافياً وعيباً، ونحن يأتي أخونا المسلم من الهند يعيش بيننا، ولا يتعلم إلا ( أنت فيه روح، أنا فيه روح، خلي يولي) عبارات عجيبة! ويعود إلى بلده وهو لا يحسن العربية، ولا يتكلم بالعربية، ولا يكتب بالعربية، بل الأعجب من ذلك أن يأتي العامل البنغالي إلينا وهو لا يعرف لا الإنجليزية ولا العربية، لا يعرف إلا لغته الأصلية، فيرجع من عندنا وقد تكلم باللغة الإنجليزية، لأننا عودناهم، وانظر إلى أسماء الشركات (دسكو، مسكو، فسكو) وأسماء المحلات، والألفاظ التي حدثت، نعجز عن أن نقول (للتلفون) هاتف! أو للبيجر نداء! أو عن الراديو مذياع! ونحو ذلك، عندنا كلمات لكننا نحن كلمناهم وعودناهم، ورضخنا للأجنبي نتكلم معه، ولو ذهبنا إلى بلده، فلن يعترف بلغتنا .. إنها هزيمة وضعف ومصيبة كبيرة، وأهل العلم كانوا يرون تعزير من يروج الأشعار باللهجة العامية .. لقد صارت عندنا عقدة الأجنبي عقدةً عظيمةً.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى الحق رداً جميلاً، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل العربية وأهل كتابه المبين، ومن أهل سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    ميزات لغتنا الأصلية

    الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين

    عباد الله: إن هذه القضية من القضايا الأساسية المهمة التي ينبني عليها توحد شخصية الأمة، وفهم الكتاب العزيز، والسنة النبوية الشريفة، إنها قضية دين ومبدأ ومصير، وليست قضية هامشية، ولا جانبية، ولا فرعية.

    أيها المسلمون: ما عرفنا ميزات لغتنا، ضيعنا لغتنا، لم نعرف ميزات اللغة في ثراء ألفاظها، لم نعرف ميزة الاشتقاق في هذه اللغة، إنها ميزة عظيمة فالكلمة جذر الكلمة ثم أسرة هذا الجذر، تأخذ الفعل الماضي والمضارع واسم الفاعل واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم الزمان، واسم المكان، واسم الآلة، واسم التفضيل، كله من كلم جذر واحد، لكن هل هذا عندهم في لغاتهم الأجنبية مثل ما عندنا؟ كلا والله! ليس عندهم ذلك. فنحن نقول: دَرَسَ يَدْرسُ مَدْرَسةَ دَارِس مُدَرِّس، وكلها من جذر واحد، وهم يقولون: (school - student wilson ) كلمات مختلفة.

    ولغتنا أسهل في التعلم، وإن قالوا: عندنا اختصارات، فنقول: ونحن عندنا اختصارات، عندنا (باب النحت) في اللغة، فنحن نقول: الحمدلة، الدمعزة، البسملة، الحوقلة، وإن قالوا: إن المصطلحات العلمية تقتضي الاختصار بالأحرف، فنحن نقول: ونحن ماذا يضيرنا لو استعملنا (ص.ب) لصندوق البريد، و( س.ت) للسجل التجاري، و(ن.ق) لنصف القطر في الهندسة، وهكذا استعملنا من سائر المختصرات إذا كان ولا بد أن نختصر.

    وانظروا إلى تكامل حروفنا في مخارجها وتوزعها على المخارج، من أقصى الحلق إلى الشفتين في الأمام، وأطراف اللسان، واللسان ذاتها الحروف موزعةً عليها توزيعاً عجيباً، ولذلك نحن نستطيع أن ننطق سائر الحروف التي لديهم من كمال مخارجنا، ونقول: (تي وبي) لكن هل منهم من يستطيع أن ينطق بسهولة ( ع، ح، غ، ق، ص، ط)؟ لا يستطيعون إلا بصعوبة، فمخارجنا أكمل من مخارجهم، ولقد قلت للعلج الذي درسني اللغة الإنجليزية مرةً: هل تستطيع أن تتنحنح؟ فقال: نعم، وتنحنح، وظهر حرف الحاء في نحنحته، فقلت له: وهل تستطيع أن تقول: محمد؟ فقال: (مهمد) وهو قد أتى قبل قليل بالحاء في نحنحته، وهو عاجز أن يقولها في كلمة.

    وفي لغتنا كمال الحروف، فعندنا المفرد والمثنى والجمع، أما اللغة الإنجليزية فليس فيها المثنى، وعندنا أنتَ وأنتِ للدلالة على المذكر والمؤنث، وهم يقولون: ( you ) ولا تعرف هل يخاطب رجلاً أم امرأة، ويقولون: دكتور و( teacher ) ولا تعرف هل هو رجل أو امرأة، ونحن عندنا تاء التأنيث، والألف المقصورة للتأنيث، وعندنا علامات التأنيث للتفريق بين الذكر والأنثى، فلا تعجب أن يكون أولئك فيهم ظاهرة الخنوثة في لغتهم وفي أخلاقهم!

    1.   

    حكم تعلُّم اللغة الأجنبية

    أيها الإخوة: سيطول الكلام ولم ينفصل بعد في ذكر مزايا اللغة العربية ومقارنتها باللغة الأجنبية، ولا أرى أن الوقت يتسع لذلك، ولكنني سأختم بمسألة: إذا قال قائل: هل تريد أن تقول بتحريم دراسة اللغة الأجنبية؟

    فالجواب: كلا -أيها الإخوة- لأننا نعرف يقيناً أننا في مرحلة استضعاف، ونقدِّر عصرنا حق قدره، ونعرف أن المراجع والجامعات والابتعاث ولغة الخطابات والشركات والكمبيوتر (الحاسب الآلي) كل ذلك باللغة الإنجليزية، ونعرف أننا نحتاج إلى تعلمها، وأننا لن نتمكن من اقتباس العلوم إلا بذلك، وعندنا الدليل على جواز تعلم اللغة غير العربية للحاجة.

    روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده ، قال زيد : (ذُهِبَ بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعجب بي، فقالوا: يا رسول الله! هذا غلامٌ من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة، فأعجب ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا زيد ! تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمن اليهود على كتابي. قال زيد : فتعلمت كتابهم، وما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب -أي: إليهم).

    إذاً: تعلم اللغة الأجنبية للحاجة جائز، ولكن الحاجة تقدر بقدرها، فإذا لم يوجد حاجة لتدريس الأطفال في الروضات فلا ندرسهم، وعلينا أن نقدر المرحلة التي يدرسون فيها، ولا مانع عندنا من أخذ الحكمة من أي مكان، ثم قد ذكرنا أن العلماء قالوا: لا بأس بالكلمة بعد الكلمة، فلو أن أحد الناس قال مرة ( ok ) لا ننكر عليه ونقول جريمة وحرام، لكن أن تصير اللغة عادة لأهل المصر في المكاتب وفي الشوارع وفي البيوت، فتجد العرب يتكلمون مع العرب باللغة الإنجليزية دون داعٍ يصبح ذلك عادةً ومظهراً، فهذا الذي ينبغي إنكاره أيها الإخوة.

    ثم ينبغي نشر اللغة العربية والكتب الشيقة السهلة للطلاب، واستخدام وسائل العرض الحديثة والمكافآت والحوافز، ومجامع اللغة العربية تعمل، وتتخذ القرارات على مستويات عليا في تعميم إنتاج المجامع العربية، وقد وجدت تجارب جيدة، لكنها لم تعمم، وكذلك ينبغي أن تعقد الدورات والدروس في المساجد وغيرها، وحتى الأب يدرب ولده وهو يمشي معه في الشارع، ويقول: اعرب لي كذا، وإذا كان الأب لا يحسن شيئاً فكيف سيربي ولده على اللغة العربية في كل جملة تمر عليه؟ إذا كانت تبدأ بفعل فابحث عن الفاعل وارفعه، وعن المفعول وانصبه، وإذا بدأت باسم فهو المبتدأ فارفعه، وابحث عن الخبر وارفعه كذلك.

    ويجب أن نستخدم اللغة في كل شي، كإشارات الشوارع، ولوحات الدكاكين، والملصقات والمنتجات، ووصفات الأدوية، وغير ذلك، وكلما وجدنا سبيلاً لإشاعة اللغة أشعناها، وإذا وجدت الحاجة لدراسة اللغة الأجنبية درسناها، ولكن أن ننقل العربية إلى لغة كوريا آكلي الكلاب، فإن هناك مشروعاً لنقل اللغة الإنجليزية والمصطلحات العالمية أولاً بأول إلى اللغة الكورية، وهكذا يفعل اليابانيون وغيرهم، ونحن سادة الدنيا، ونحن أفضل أهل الأرض، وديننا أفضل الأديان، ولغتنا أفضل اللغات.

    اليهود أحيوا العبرية وهي ميتة، ونبشوها من القبور عظاماً بالية، ويكتبونها على صدورهم وسيارات الإسعاف، وكل شيء تجده عندهم مكتوباً، لأنهم يريدون قومية مستقلة، ولغة مستقلة، ونحن أولى بذلك منهم.

    اللهم إنا نسألك أن ترينا الحق حقاً وترزقنا اتباعه، وأن ترينا الباطل باطلاً وترزقنا اجتنابه.

    اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، اللهم وفق أبناءنا في اختباراتهم وامتحاناتهم، واجعلها عوناً على طاعتك يا رب العالمين، وجنبهم فيها المحرمات يا أرحم الراحمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.