إسلام ويب

تلبيس إبليسللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إبليس وطرق كيده لابن آدم حتى يوقعه في غضب الله ويدخله جهنم والعياذ بالله، هذا الموضوع هو الذي تحدث عنه الشيخ في هذا الدرس، وقد تكلم عن كثير من طرق الشيطان في إضلال الإنسان ومنها: الوسوسة في الطهارة والصلاة .. محاولة تخويف الشيطان للمؤمنين .. تزيين الذنوب والمعاصي .. التسويف .. إدخال الإنسان في مخادعة الله ... إلخ. وبين الشيخ من خلال ذكر المكائد كيفية مواجهة مكائد هذا اللعين؛ لأن كيده في الحقيقة ضعيف.

    1.   

    وقفة مع إبليس اللعين

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعـد:

    فقد خلق الله سبحانه وتعالى خلقه، وابتدأ خلق البشر بخلق أبيهم آدم عليه السلام، وكان من خلقه عز وجل الجن ومردتهم الشياطين وعلى رأسهم إبليس لعنه الله، واقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن يخلق إبليس ليبلو عباده بهذا الشيطان فينظر كيف يعملون، فمن أطاع إبليس ذهب معه إلى دار العقاب، ومن عصاه نجا بنفسه إلى دار الثواب، ولقد أخذ إبليس العهد على نفسه منذ أن خلق الله أبانا آدم بإضلال البشر وإضلال سلالة آدم عليه السلام، فقال الله سبحانه وتعالى عن هذا العدو الخبيث قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:16-17] وقال الله سبحانه وتعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ [النساء:117-118] أي إبليس وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً [النساء:118-120].

    وفي المقابل فإن الله سبحانه وتعالى تكفل من تاب بأن يتوب عليه، ولمن اعتصم به أن ينجيه من شر إبليس، فلم يتركنا هملاً ونهباً للشياطين، وإنما أعطانا من الأسلحة ما ندافع به عن أنفسنا شر هذا الشيطان الرجيم، وقد جاء في الحديث الحسن الذي رواه الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشيطان قال: وعزتك يا رب! لا أبرح أغوي عبادك مادامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال اغفر لهم ما استغفروني).

    ولقد تنوعت طرق إبليس في إغواء البشر وصار يقعد بكل صراط يصد عن سبيل الله من آمن، ويريده أن يعوج، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له بطريق الإسلام، فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك فعصاه فأسلم، ثم قعد له في طريق الهجرة فقال له: تهاجر وتدع أرضك وسماءك، فعصاه فهاجر، ثم قعد له في طريق الجهاد، فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل وتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال، فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن وقصته دابته كان حقاً على الله أن يدخله الجنة) رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح.

    1.   

    الشيطان وكيده لابن آدم

    وإذا تأملت -أيها الأخ المسلم- في الأحاديث الصحيحة التي جاءت عن أنواع إيذاء إبليس لبني البشر لوجدتها شيئاً كثيراً جداً، وهاك طائفة منها ملخصة من الأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك:

    إن الشيطان يحاول أن يأكل مع الإنسان وأن يشرب معه وأن يدخل بيته، ويبيت على خيشومه، ويدخل مع التثاؤب، ويتلعب بابن آدم في منامه، ويوسوس له في صلاته، ويذكره بما يلهيه عنها، ويدفع المار للمرور بين يدي المصلي، ويؤذي الصبيان عند المساء، ويدل الفأرة على السراج فتحرق على أهل البيت بيتهم، ويتخلل صفوف المصلين في الصلاة، ويتخبط الإنسان عند الموت، ويشكك المرء في ربه فيقول له: من خلق الله؟ ويقعد للإنسان بأطرق الخير المختلفة، ويحرش بين المصلين.

    ويجري من ابن آدم مجرى الدم، ويزين المرأة في أعين الرجال إذا خرجت، ويدعو للتفرق ويكون مع الواحد ويهيج الغضب ويدعو إلى العجلة، ويسير مع الراكب المنفرد والراكبيْن في السفر، وهو مع من فارق الجماعة، ويسترق السمع لإغواء بني آدم، وينخس المولود فيصيح، ويضر الولد إذا لم يسم أبوه عند الجماع، ويكون على ذروة كل بعير، ويشارك ابن آدم في متاعه الزائد في البيت، ويستحوذ على الثلاثة فصاعداً في أي بلد لا يقيمون فيها صلاة الجماعة، ويكون مع المسافر إذا خلا بالشعر المذموم ونحوه.

    ويجلس بين الظل والشمس، ويختلس من صلاة العبد بالالتفات، ويتعاظم إذا سبه ابن آدم، ويحضر البيع، ويعقد على قافية الإنسان ثلاث عقد يخذله عن القيام للصلاة، ويضع عرشه على الماء ويرسل سراياه يفتن الناس، ويدني من فرق بين الرجل وزوجته، وهو السبب في إخراج أبينا آدم من الجنة، لعنه الله وقاتله.

    والأبواب التي ينفذ منها الشيطان على ابن آدم كثيرة وللشيطان فيها مراتب يتدرج فيها بالإغواء، فأول ما يهتم من إغواء ابن آدم بإغوائه بالشرك والكفر، ثم إذا لم يستطع فيحاول إغواءه بالبدعة، فإذا لم يستطع يحاول إغواءه بالكبائر بأنواعها، فإن لم يستطع أغواه بالصغائر، فإن عجز أشغله بالمباحات، فإن لم يتمكن أشغله بالمفضول عمن هو أفضل منه، فإن عجز مع ذلك كله سلط على هذا الإنسان المستقيم الرافض لسبل الشيطان سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى ليشوش عليه ويشغله ويحزنه ويخذله ولكن: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27].

    نعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم من إغوائه وإضلاله وسُبُلَه، ونعوذ بالله من الشيطان الرجيم من كيده وعدائه لنا.

    وفي هذه الليلة -أيها الإخوة- سنتعرض لبعض المكائد من تلبيس إبليس، هذا الكيد الذي يكيد به الشيطان للإنسان له أنواع متعددة وأبواب متفرقة وسنعرض في هذه الليلة -إن شاء الله- لعشر من هذه المكائد، نختصر في بعضها ونتوسع في البعض الآخر، وإن كنا لا نريد الإطالة في هذا الوقت الذي يقصر فيه الليل.

    1.   

    تخويف الشيطان للمؤمن

    أولاً: من مكائده أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه، يجعل المؤمن يخاف من جند الشيطان، الشيطان يجعل المؤمن يخاف من جند الشيطان وأوليائه، فلا يجاهدهم ولا يأمرهم بمعروف ولا ينهاهم عن منكر، كما قال الله عز وجل: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ [آل عمران:175] يعني: يخوف المؤمنين من أوليائه، هو من أولياء الشيطان إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175].

    ولذلك تجد كثيراً من المخلصين لا يقومون بما أمر الله به من الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الجهاد في سبيل الله، ذلك أن الشيطان عظم في أنفسهم شأن هؤلاء الأعداء والفسقة والمجرمين، الذين يريد أولياء الله أن يدعوهم إلى الله، ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر، ويجاهدون في سبيل الله، ولذلك تجد كثيراً من هؤلاء يحجمون في كثير من الأحيان عن سبل الخير مع هؤلاء الناس؛ لأن الشيطان يخوفهم ويقول لهم: ستقتلون؛ ستسجنون؛ ستؤذون، سيفعل بكم كذا وكذا، فلا يزال يهون شأن الأعداء في نفس المسلم حتى يقعد المسلم عن مقاومة الأعداء.

    ويقول له: إن هؤلاء الأعداء كثيرون عدداً أقوياء في العدة لا قبل لكم بمجابهتهم، فيشعر المسلم بالإحباط واليأس فيقعد عن القيام الواجب.

    والحقيقة -أيها الإخوة- أن أذى الشيطان في هذا الباب وفي هذا الزمان قد كثر جداً، ولذلك فقد حل اليأس في قلوب وعقول الكثيرين، فلا يريدون أن يقوموا لله بالواجب ويخافون من سطوة أهل الشر، ويخافون من كيد الأعداء والمنافقين في الداخل والخارج، يخاف الواحد على نفسه أو على أولاده أو على وظيفته أو على أمواله، فيقعد بسبب تخويف الشيطان.

    وهذا التعظيم من الشيطان لأوليائه في نفوس المسلمين إذا عرف المسلم الصادق حقيقة الأعداء وأنهم جبناء فإنه سيمضي وسيثبت له أثناء هذا المضي أنهم جبناء فلا يخاف منهم ولا يخشى سطوتهم ويستعين بالله عليهم.

    1.   

    تزيين الشيطان للذنوب والمعاصي

    ومن كيد الشيطان أنه يزين الفعل الضار للإنسان حتى يخيل إليه أنه أنفع الأشياء، وينفره من الفعل الذي هو أنفع الأمور حتى يخيل إليه إنه يضره، فكم جلى الشيطان من الباطل وأبرزه في صورة الحق، وكم شنع الحق وأخرجه في صورة مستهجنة، لقد زين للمشركين عبادة الأوثان وقطيعة الأرحام ووأد البنات ونكاح الأمهات.

    لقد زين للقاعدين عن الأعمال الصالحة المتواكلين الذين يظنون أن رحمة الله ستدركهم ولا بد، زين لهم المعاصي والكفر والفسوق والعصيان ووعدهم بجنات عرضها السموات والأرض، وزين ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب التودد إلى الناس وحسن الخلق معهم، وزين ذلك بقوله عز وجل: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ [المائدة:105] فهو يقول للمسلم إذا أراد أن يتحرك: عليك نفسك لا تتحرك، هذا هو الدليل، وقد زين العشق في قالب الأخوة في الله، وزين.. وزين من الأمور الكثيرة جداً، فأخرج الباطل بصورة الحق، ويخرج الحق بصورة الباطل، فينصرف كثير من الناس عن الحق بسبب هذا التزيين ويقعون في الباطل بسبب تزيين الباطل.

    1.   

    الشيطان يزين للإنسان التفريط أو الإفراط في أوامر الله

    ومن كيد الشيطان أنه يتحسس نفس الإنسان وهذا من خبثه وكيده ليعلم هذا الشخص إلى أي الأمرين هو أقرب إلى الإقدام أو الإحجام، وإن نفوس الناس طبائع، النفوس بين هذين الأمرين، بعض النفوس مقدمة تحب الإقدام، وبعض النفوس محجمة تتراجع، والشيطان يتحسس طريقه ويتلمسه في نفس ابن آدم لينظر أهو من النوع المقدم أو من النوع المحجم، فإذا رأى الغالب على النفس الإحجام زاد في تثبيطها وتخذيلها وإضعاف همتها، وثقَّل عليها الأوامر، وهون عليها ترك هذه الأشياء من الواجبات التي أوجبها الله والتقصير فيها، وإذا رأى في المقابل أن النفس تريد الإقدام وتحب المضي، وعلو الهمة أخذ يقلل الأمور على صاحبها ويقول: إنما تفعله قليل لا بد أن تزيد، ويوهمه أن ما يفعله لا يكفيه، وأنه يحتاج إلى الزيادة، فماذا يفعل العبد، يقع في البدعة.

    يقول له: إن هذه الأعداد التي جاءت في الصلوات والتسبيحات وغيرها من أنواع العبادات هذه أشياء قليلة عليك، أنت صاحب مطامح صاحب همة عليا، لا بد أن تزيد، لماذا ترمي الجمرة سبعاً؟ ارم تسعاً عشراً، وهكذا، فيدخل عليه عندما يحس أنه يحب الزيادة والإقدام من هذا الباب فيوقعه في البدعة.

    ولذلك يقول بعض السلف: ما أمر الله سبحانه بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان إما إلى تفريط وتقصير وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر؛ لأنه سيحقق هدفه في الحالتين، فهلك الناس بين التفريط وبين الغلو إلا من عصم الله من المؤمنين الذين اعتصموا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هلك الناس في وادي التقصير وفي وادي المجاوزة والغلو، وثبت القليلون على الأمر الوسط، سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإليكم أمثلة:

    فقد دفع بعض الناس إلى التقصير بواجبات الطهارة، فترى أحدهم لا يستتر من بوله مثلاً، ولا يتعاهد المرفقين والكعبين عند الوضوء، وجاوز بقوم الحد فوقعوا في الوسوسة، وقصر بقوم في تناول ما يحتاجونه من الطعام والشراب حتى أضروا بأبدانهم، وتجاوز بقوم حتى أخذوا فوق الحاجة فأضر بقلوبهم وأبدانهم، وقصر بقوم في خلطة الناس، حتى اعتزلوهم في الطاعات كالجمعة والجماعات والجهاد وتعلم العلم، وتجاوز بقوم حتى خالطوهم في الظلم والمعاصي والآثام، وقصر بقوم حتى امتنعوا عن ذبح عصفور أو شاة ليأكلوها، وتجاوز بآخرين حتى جرأهم على الدماء المعصومة.

    وقصر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم الذي ينفعهم، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم وحده هو الغاية دون العمل به، وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب والنباتات البرية زهداً بزعمهم وعبادة دون غذاء بني آدم الآخر، وتجاوز بآخرين حتى أطعمهم الحرام الخالص، وقصر بقوم حتى زين لهم ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم في النكاح فرغبوا عنه بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا أنواع الحرام في هذه المسائل، وقصر بقوم في حق الأنبياء والصالحين حتى قتلوهم، وتجاوز بآخرين في مسألة الأنبياء والصالحين حتى عبدوهم.

    وقصر بقوم حتى منعهم قبول أقوال أهل العلم بالكلية وعدم الالتفات إليها قاطبة، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلال ما أحله هؤلاء الرجال، والحرام ما حرموه فقدموا أقوال متبوعيهم على أدلة القرآن والسنة، وقصر بقوم حتى قالوا: إن إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل وهم المرجئة ، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة الواحدة مثل الخوارج ، وقصر بقوم حتى نفوا حقائق أسماء الرب تعالى وصفاته وعطلوها، وتجاوز بآخرين حتى شبهوه بخلقه ومثلوه بهم، وقصر بقوم حتى نفوا الأسباب والطباع والغرائز وقالوا: لا وجود لذلك البتة، وتجاوز بآخرين حتى جعلوها أمراً لازماً لا يمكن تغييره بل ربما جعلوها مأثرة بنفسها من دون الله.

    فأنت ترى الآن -أيها الأخ المسلم- أن الشيطان إذا رأى الإنسان يريد الإحجام ويميل إلى الدعة والكسل ثبطه وزاد في تكسيله وتثبيطه، فوقع في التقصير وترك الواجبات وفعل المحرمات، وإذا رأى إنساناً يحب الإقدام ويحب العمل دفعه إلى الزيادة ولكن في مجالات بدعية، حتى أوقعه في الغلو ومجاوزة الحد فوقع في محرمات عظيمة من جهة أنه ظن أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يكفيه ولا بد من الزيادة عليه، ووقع في هذا الخطأ كثير من الزهاد، الذين تركوا أموراً من المباحات من أجل العبادة بزعمهم وأن هذه زيادة في العبادة فتركوا النكاح والملذات وصاموا الدهر، وفي الجانب المقابل قعد بكثير من أصحاب الشهوات في مستنقع المآثم والمحرمات فعصوا الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تسمية المحرمات بأسماء أخرى

    رابعاً: من كيد إبليس وتلبيسه أنه يحمل العبيد على اقتراف المحرمات بطريقة تسمية هذه الحرمات بغير أسمائها، إبليس لما خدع آدم وحواء في الجنة ما هي طريقته في خداعهم؟ لقد سلك عدة سبل، حلف بالله أنه ناصح وأنه يريد لهما الخير، ومن ذلك أنه سمى لهم الشجرة التي نهاهم الله عنها سماها شجرة الخلد: قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طه:120] هذه الشجرة نهاه الله عنها لكي يوقع إبليس آدم في المعصية غير له اسم الشجرة، قال: هذه شجرة الخلد، فكان هذا من الدواعي إلى وقوع آدم في المعصية والأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها، ويحدث بالضبط من هذا الباب أمور كثيرة، فيسمي الشيطان الأمور المحرمة بأسباب تحبها النفوس.

    فيسمى الخمر أم الأفراح والمشروبات الروحية، كما يسميها اليوم شياطين الإنس، وأوقع بعض الخلق في تسمية الربا فوائد واستثمارات أو بيع أو معاملة ونحو ذلك، وفوائد كما يسمونها اليوم في كثير من البنوك التي تحارب الله ورسوله، ودفع أقواماً إلى تسمية المكوس -وهي الضرائب المحرمة قطعاً- إلى تسميتها بالحقوق السلطانية وأن من حقوق أو حق السلطان أن يأخذها، وهي حرام لا يجوز أخذها وهي ظلم للعباد، وسمى الناس الآن الغناء والرقص والطرب فناً وسموا الرشاوي أتعاباً، وهكذا.

    فقلب الأسماء التي ذكرها الله بالنص عليها ربا، زنا، خمر، رشوة، هذه أمور قد تتقزز النفوس السليمة من سماعها، لكن الشيطان يوحي إلى أوليائه أن يغيروا أسماء هذه الأشياء، فالبسطاء والسذج من الناس وأصحاب الشهوات وأصحاب الأغراض الدنيئة يعجبهم تغيير الاسم فيقعون في هذا الأمر المحرم، وإذا جئت تناقشهم في الربا يقولون: هذه فوائد استثمار بيع وشراء، والموسيقى والمعازف ونحت الأصنام فنون جميلة هكذا يسمونها.

    ولاشك أننا أهل الإسلام لا نرضى بذلك ولا نقره، بل يجب علينا أن نفضحه وأن نبينه وأن نرد على قائله، وأن نقول له: كذبت، الحلال ما حلله الله، والحرام ما حرمه الله، وأن السكر لا ينقلب ملحاً إذا كتبت على كيس السكر: ملح، فإن الجوهر والحقيقة تبقى هي هي، وإن زخرفوه وقلبوا لك الأمور حتى تظن أن الأمر بخلاف ما هو عليه في الحقيقة.

    1.   

    التسويف

    خامساً: من كيد إبليس التسويف، فكلما جاء طارق الخير إلى نفس المسلم أرسل إبليس بواباً ليصرف هذا الطارق، فمن هو البواب؟ إن اسمه بواب لعل وعسى، في المستقبل، إن شاء الله، سيأتي الوقت، سوف، لعلني في المستقبل، وقد يكون من تلبيس إبليس في هذه المسألة، أنه يجعل الإنسان عائقاً، يقول له: إذا زال العائق افعل هذا الفعل.

    فمثلاً: يأتي إلى الإنسان طارق طلب العلم، فيأتي إبليس يقول لهذا الشخص: أنت الآن منشغل بالدراسة هذه الدارسة وتحصيل الشهادة اجعل طلب العلم الآن على جنب، إذا انتهت الدراسة تطلب العلم إن شاء الله، فإذا انتهت الدراسة أتى له بعائق آخر، قال له: أنت الآن سوف تبحث عن وظيفة انتظر حتى تبحث عن وظيفة ثم تطلب العلم، فإذا وجد الوظيفة وجد له عائقاً آخر فقال له: ثبت نفسك أولاً فأنت الآن جديد في الوظيفة وهم سيجربونك في الوظيفة وبعد ما تثبت جدارتك وتشتغل ليلاً ونهاراً اطلب العلم، وهكذا.

    وإذا جاءه الإنسان مثلاً: طارق الدعوة إلى الله يقول له: قم ادع إلى الله، فيقول له الشيطان: أصلح نفسك أولاص وتخلص من عيوبك ثم تشتغل بالدعوة، فينشغل الإنسان ويظن أنه على خير وأنه الآن يخلص نفسه من العيوب والزلات والآثام والمعاصي ثم يقول له إذا وصل إلى مستوىً يرضى بنفسه منه، يقول له: لا بد أن تطلب العلم أولاً، فإذا طلبت العلم وحفظت أشياء كثيرة من الكتاب والسنة بعد ذلك تدعو، فيقول العبد في نفسه: صحيح، أنشغل بهذا فإذا أتممت قسطاً وافراً من العلم أبدأ في الدعوة.

    وهكذا يتدرج في وضع العوائق في طريقه كلما أتى ليعمل شيئاً وضع له عائقاً، إذا جاء ليتصدق قال: أولاً وفر مهر الزواج، ووفر أثاث البيت .. وهكذا، فيشغله بعائق عن العمل وعن الوصول لهذا الأمر المشروع، ولا شك أن ذلك من كيد إبليس وتلبيسه، والعاقل من عرف أنه لا بد أن يضرب في كل حقل بسهم مما يستطيع من طاعة الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يشغله خير عن خير فهو يعمل في أبواب الخيرات ما استطاع، ويكمل نفسه بمرور الوقت، يكمل نفسه ويعمل للإسلام، يكمل نفسه ويتصدق ويجاهد ويتعلم ويدعو ويعمل ما يستطيع من أبواب الخير.

    سادساً: أنه يأتي أحياناً للإنسان، فيقول له: إن هذا الجانب الذي أنت فيه جانب عظيم من الخير، فعليك به واهتم بهذا الأمر، فينشغل العبد بهذا الجانب عن بقية الأشياء، فمثلاً يقول له: أليست النفقة على المال والأهل عبادة؟ إذاً أنت اعمل الآن في هذه الوظيفة واشتغل هذه تجارة أعطها جهدك وضع فيها تركيزك؛ لأنها عبادة وسوف تستفيد منها أموالاً وسوف تنفق على أهلك وأولادك، وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول، فيضخم له جانب العمل والوظيفة على أنها عبادة، يضخمها له حتى يظن الشخص فعلاً أنه الآن يؤدي خدمة عظيمة للإسلام بهذا الجانب، فينشغل عن بقية الجوانب، فينشغل عن الدعوة وعن طلب العلم، ينشغل عن أمور كثيرة من أمور الخيرات، بل قد ينشغل بها عن العبادة والشعائر التعبدية.

    ونفس الشيء يقال له في الدراسة الدنيوية: أليست الدراسة عبادة؟ ألست تدرس لتكون طبيباً ينفع المسلمين؟ ألست تدرس لتكون مهندساً ينفع المسلمين؟ ألست تدرس لتكون إدارياً يدير مشاريع المسلمين؟ وهكذا .. وهكذا، إذاً: أنت في حقل عظيم عليك بهذا الحقل ركز فيه، اجعل فيه جهدك، فينسى العبد حتى العبادات وينسى أموراً مهمة في الدعوة إلى الله وطلب العلم بهذه الأضحوكة الشيطانية، وهذه اللعبة العفريتية.

    1.   

    سماع المكاء والتصدية والغناء

    سابعاً: ومن مكايد الشيطان ومصايد عدو الله التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى كلاماً مهماً جداً في هذا الموضوع، وأبلغ في العبارة غاية البلاغة، حتى إنني لأقول: لعله أي: ابن القيم من أعدى أعداء الشيطان من علماء المسلمين، فإنه قد بين وفصل في كتبه رحمه الله من وسائل الشيطان في الكيد والإضلال وخداع البشر، وبيَّن طريقة المواجهة وكيفية صد هذه الغارات الشيطانية ما نرجو به عند الله أجراً عظيماً ومثوبة جليلة، على ما بين ونفع، وخصوصاً في كتابه العظيم الذي ننقل منه أطرافاً بالنص إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، وهذا الكتاب العظيم يصد كثير من الناس عن قراءته لطوله، وتفرع ابن القيم رحمه الله في ذكر مباحث يتوسع فيها في هذا الكتاب، بحيث قد يمل القارئ من القراءة فيها، كأبواب الحيل والطلاق بالثلاث وهكذا مسائل الطلاق بالثلاث حتى إن الشخص الذي ليس عنده رسوخ قدمٍ في العلم يمل من القراءة إذا وصل إلى استطراد معين، فتفوته أشياء كثيرة جداً من الأشياء الموجودة في هذا الكتاب.

    ولذلك أنصح من يتعرض للقراءة فيه أنه إذا وصل إلى مبحث طويل فيه أحكام فقهية وتفصيلية كثيرة مثلاً، ليتجاوز ذلك إلى الموضع الذي يرى أن نفسه يسهل عليها القراءة فيه، فيحصل شيئاً كثيراً من الخير في هذا الكتاب العظيم.

    لقد خدع إبليس بعض العباد والزهاد في الماضي من المتصوفة بقضية الغناء، ولا زال خداعه سارياً في أجيال من البشر في هذه القرن ممن وصل إلى قناعة شيطانية بأن الغناء من العبادة، وأن بعض أصحاب الطرق الصوفية كما هم موجودون الآن بكثرة ولكن قد لا نشاهدهم في هذه البلاد، ولكنهم يشاهدون في أقطار إسلامية بكثرة، والذي يكون من تلك الأقطار أو يتجول فيها يعرف ذلك جيداً، يعملون حلق السماع فيها موسيقى وفيها أشعار وطرب، يقولون: إن هذا ذكر، وعند بعض الناس الذين يقيمون الموالد النبوية بزعمهم أشياء من هذا القبيل، طرب وألحان يتقربون بها إلى الله.

    كلام ابن القيم في الغناء

    وذكر ابن القيم كلاماً جميلاً نسوقه بنصه لجماله، يقول رحمه الله عن الغناء: فهو قرآن الشيطان والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة وحسنه لها مكراً منه وغرورا، وأوحى عليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجوراً، فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان؟! ويحق لهم ذلك وقد خالط خماره النفوس ففعل فيها أعظم ما يفعله حمي الكئوس فلغير الله بل للشيطان، قلوب هنالك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال في غير طاعة الله تنفق، حتى إذا عمل السكر فيهم عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته وحيله، وأجلب عليهم برجله وخيله، وخز في صدورهم وخزة وأزهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزاً، فطور يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسط الديار، فيا رحمة للأرض والسقوف من دك تلك الأقدام، ويا سوأتاه من أشباه الحمير والأنعام! ويا شماتة أعداء الإسلام! فأعداء الإسلام إذا رأوا هذه الطرق الصوفية قالوا: هذا الدين؟!

    ولذلك في دعايات أعداء الإسلام عن الإسلام يعرضون أفلاماً فيها لقطات من هذه الطرق الصوفية والمذاهب البدعية التي فيها هذا الطرب والأغاني، ويعرضونها على أنها من الدين ويقولون لشعوبهم: هذا هو الإسلام الذي يريد دعاته أن يدعوكم إليه.

    يزعمون أنهم خواص الإسلام، قضوا حياتهم لذة وطرباً، واتخذوا دينهم لهواً ولعباً، مزامير الشيطان أحب من استماع سور القرآن، ولو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما تحرك له ساكن، ولا أزعج له قاطنا، ولا أثار فيه وجدة، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زندة، حتى إذا تلي عليه قرآن الشيطان وولج مزموره سمعه تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فجرت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زهراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت.

    فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون! هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن، وهذه الأذواق والمواجيد عند سماع قراءة القرآن المجيد، وهذه الأحوال السنيات عند تلاوة السور والآيات، ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والمشاكلة سبب الميل عقلاً وطبعاً، فمن أين هذا الإخاء والنسب، لولا التعلق من الشيطان بأقوى سبب، ومن أين هذه المصلحة التي أوقعت في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللا: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً [الكهف:50].

    أبيات شعرية فيمن لبس عليه سماع الغناء

    ثم قال رحمه الله في شأن هؤلاء المخدوعين بخدعة إبليس، ولقد أحسن القائل:

    تُلِيَ الكتاب فأطرقوا لا خيفـة     لكنه إطراق ساه لاهي

    وأتى الغناء فكالحمير تناهقـوا     والله ما رقصوا لأجل الله

    دف ومزمار ونغمة شادن      فمتى رأيت عبادة بملاهي

    ثقل الكتاب عليهمُ لا رأوا          تقييده بأوامر ونواهي

    سمعوا له برقاً ورعداً إذ حـوى     زجراً وتخويفاً بفعل مناهي

    ورأوه أعظم قاطع للنفس عن     شهواتها يا ذبحها المتناهي

    وأتى السماع موافقاً أغراضها     فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه

    أين المساعد للهوى من قاطـع     أسبابه عند الجهول الساهي

    إن لم يكن خمر الجسوم فإنـه     خمر العقول مماثل ومضاهي

    فانظر إلى النشوان عند شرابـه     وانظر إلى النسوان عند ملاهي

    واحكم فأي الخمرتين أحـق     بالتحريم والتأثيم عند الله

    فخمرة الغناء أعظم من خمرة السكر بأنواع الخمور، وقال آخر:

    برأنا إلى الله من معشر     بهم مرض من سماع الغنا

    وكم قلت يا قوم أنتم     على شفا جرف ما بها من بنى

    شفا جرفٍ تحته هـوة     إلى دركٍ كم به من عنا

    وتكرار ذا النصح منا لهم     لنعذر فيهم إلى ربنا

    فلما استهانوا بتنبيهنا     رجعنا إلى الله في أمرنا

    فعشنا على سنة المصطفى      وماتوا على تنتنا تنتنا

    ولئن كانت هذه الطائفة -ولله الحمد- في انقراض في العالم الإسلامي الآن مع انتشار هذه الصحوة المباركة وطريقة السلف الصالح ، إلا أنه لا يزال فيهم في أنحاء العالم الإسلامي من هؤلاء الذين يعبدون الله بالرقص والأغاني والمواجيد والتمايل والمدائح النبوية وغيرها، التي يلحنونها تلحيناً مطرباً يزعمون أنهم يؤجرون على هذه المجالس، لا زال فيهم من يعيش بين أظهرنا، لا زال فيهم من هؤلاء النفر من يحتاجون إلى مجاهدة ومصابرة.

    1.   

    الحيل والخداع

    ثامناً: ومن مكائد الشيطان التي كاد بها الإسلام وأهله: الحيل والخداع، فإن الشيطان يتسلل إلى بعض نفوس بني آدم بأشياء من الحيل والمخادعات لله، يزينها لهم على أنها حيل شرعية ولا بأس بها وهي تتضمن إحلال الحرام وإسقاط الفرائض، هؤلاء الناس الذين يستجيبون للشيطان قال الله فيهم: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142].. يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:9] هذه من صفات المنافقين.

    ومن الأمثلة على ذلك: نكاح التحليل، فإنه إذا طلق امرأته ثلاثاً منفصلة بانت منه، ويريد الرجوع إليها استأجر تيساً مستعاراً بعشرة دراهم أو أكثر ليتزوجها زواجاً صورياً لا يريدها ثم يطلقها ليرجع إليها الزوج الأول، هذا الذي وصفه عليه الصلاة والسلام بالتيس المستعار: (لعن الله المحلل والمحلل له) هذه حيلة خبيثة شيطانية.

    ومن أمثلة ذلك مثلاً: بيع العينة، بأن يبيع الإنسان شخصاً شيئاً، فيشتري من شخص إلى أجل بعشرة آلاف -مثلاً- إلى سنة، يسددها بعد سنة عشرة آلاف ثم يبيعها على نفس الشخص الذي اشتراها منه فوراً نقداً بثمن أقل بتسعة آلاف أو ثمانية آلاف مثلاً، فهذا هو بيع العينة، لكنه في الحقيقة هو ظاهره بيع وشراء إني أنا اشتريت منه بنقد إلى أجل بعشرة آلاف نسيئة إلى أجل عشرة آلاف ثم بعتها عليه نقداً بثمانية آلاف، ظاهرها أنها بيع وشراء ولكنها في الحقيقة حيلة إلى الربا.

    ولذلك يعمد كثير منهم في خداعهم لله سبحانه وتعالى أن يذهب إلى دكان ويأتي بطرف ثالث عنده البضاعة والشخص الذي يريد أن يقرض ويقترض، فيضع يده على كومة الرز إلى آخر الحيلة المعروفة، يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، ولو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون، لأنه عندما يخادع ويرتكب المحرم يكون عليه إثمان، إثم الحرام وإثم المخادعة، لكن لو فعل الحرام دون خداع لكان عليه إثم الحرام فقط، لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون.

    ومن ضمن الحيل كذلك: حيلة اليهود عندما حرم الله عليهم الصيد يوم السبت، فماذا فعلوا؟ نصبوا الشباك يوم الجمعة ورفعوها يوم الأحد وقالوا: لن نصيد يوم السبت، اتخذوا آيات الله هزوا.

    ومنهم أقوام يشربون النبيذ المحرم، والآن هناك أنواع من الأشربة في السوق مسكرة لو شربت كثيراً لسكرت، وهي كثيرة جداً وتتنوع وهي تسكر، بل قد تكون أشياء جامدة، لكنها تسبب السكر، يسمونها بغير اسمها، وهي مسكرة، وهؤلاء الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: (ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) وقد حصل في هذا الزمان عياناً بياناً، مبيناً في الواقع كما نراه ونسمعه مشاهداً، شربوها وسموها بغير اسمها.

    ومثل ذلك مثلاً: أنهم يستحلون الغناء، وإذا جئت تجادلهم قالوا لك: أليست أصوات الطيور مثل النغمات الموسيقية، فلماذا تبيح أصوات الطيور وتحرم النغمات الموسيقية كلامها سواء، والغناء نص الله على تحريمه في الكتاب والسنة، وأصوات الطيور أمر سكت عنه الشرع فهو مباح، فأين هذا من هذا؟! وهذا القياس الفاسد يستحلون محارم الله بهذه الخدع.

    مثال آخر: استحلال الربا على أساس أن الربا المحرم هو ما بين الغني والفقير، فإذا استغل الغني الفقير هذا هو الحرام، لكن لو كان بين غني وغني فلا بأس بذلك، يقولون: تاجر يستلف من البنك -مثلاً- مليون ريال، يعمل بها مشروعاً تجارياً، يستلفها بفائدة خمسة عشر في المائة، يسمونها فائدة، ويعمل نسبة الأرباح بعد سنة يربح المشروع عشرة في المائة، يسدد جزءاً من الفوائد، بعد سنتين يربح المشروع أكثر ويسدد بقية فوائد الربا الذي عليه ثم هو يمتلك المشروع، إذاً: الغني استفاد، والبنك استفاد وليس هناك أحد خسران، إذاً هذا ليس ربا، هكذا يقولون تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، وهم يعلمون من الواقع أن البنوك سبب من أكبر أسباب نكبة كثير من التجار والمقاولين في هذا الزمان، الذين لم يستطيعوا تسديد المستحقات للبنوك في الأوقات المحددة بسبب أنهم لم يستطيعوا أخذ حقوقهم من الجهات الأخرى ومن الناس، فما استطاعوا تسديد هذه الفوائد التي يسمونها فصاروا رصيدهم بالناقص وبالسلب ثم أفلسوا وباعوا كل شيء، بل إن هذا الربا يفقر دولاً، وما لعبة صندوق النقد الدولي ببعيدة عن الحذقة من المسلمين الذين يعرفون أن هذه الفوائد المركبة تأخذ أموال ونعم ومقدرات شعوب بأكملها.

    ولذلك فهؤلاء الذين يطنطنون اليوم في الجرائد والمجلات يقول قائلهم: إنه حلال وأنا أتحمل عنكم مسئولية هذه الفتوى عند الله يوم القيامة، ويبيحها لهم بأنها سندات استثمار وسندات وما شابه ذلك، وأن الذي يسلف يعطي نقوده إلى البنك ويأخذ سندات إنسان محسن إلى جهة أخرى تستفيد من الأموال التي في البنك، ولا بد أن يحسن إليه بأخذ فوائد، وهكذا يزخرفون القول زخرفة مما يوحي إليهم الشيطان الرجيم.

    ومنهم أناس يظنون أن الربا حرام أكله وشربه، بمعنى: أنه لا يجوز أن تشتري به طعاماً، لكن لو اشتريت به بيتاً فهذا حلال، أو اشتريت به سيارة فهذا جائز، أو دفعت منه ضرائب -الضرائب حرام- ندفع من الربا للضرائب فهذا حلال، يالله! ومعلوم أن الربا لا يجوز الاستفادة منه أبداً، حتى في دفع الظلم عن نفسك.

    لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، فاليهود لما حرم الله عليهم الشحوم، أذابوها، قالوا: الأشياء الجامدة هي الحرام لكن لو جعلناها مائعة وأذبناها، فالحرام دون المذاب، فأذابوها فباعوها وأكلوا ثمنها، فاستحقوا لعنة الله ومسخهم قردة وخنازير.

    وقد ذكر أهل العلم في كتبهم من أنواع الحيل المحرمة أشياء منكرة، ذكر بعضهم: امرأة تريد أن تفارق زوجها فيرفض الطلاق والخلع ويرفض ويرفض، فذهبت إلى بعض هؤلاء المتلاعبين من أصحاب الحيل، فقال لها: لو ارتدت عن الإسلام انفسخ العقد وبانت منه ففعلت، فلما سمع الإمام أحمد هذا القول: ( اكفري بالله تصيرين كافرة ثم ينفسخ العقد لأنه لا تحلي له لأنه مسلم وأنت كافرة ثم تسلمين بعد ذلك ) فلما سمع الإمام أحمد قال: من أفتى بهذا أو عمل أو رضي به فهو كافر.

    فانظر إلى أي درجة يستدرج الشيطان هؤلاء الناس بمسألة الحيل، قال ابن المبارك رحمه الله تعقيباً: ما أرى الشيطان يحسن مثل هذا، حتى جاء هؤلاء فتعلم الشيطان منهم.

    والشريعة تعاقب على الحيل المخالفة لها، فالقاتل إذا قتل يحرم من الميراث في الشريعة، ولو عفا عنه أولياء المقتول وقالوا: لا نريد قصاصاً، لا يرث، والمريض في مرض الموت إذا طلق امرأته ليحرمها من الميراث ترث رغماً عنه، ومن سافر في الصيف إلى البلدان الباردة لا لأجل أنه يريد سفراً فليس عنده تجارة ولا علاج ولا شيء، لكن فقط لكي لا يصوم في الحر في الصيف، قال: أسافر حتى أفطر؛ لأني مسافر فأفطر، ثم أصوم في الشتاء، فهذا آثم بفعله ولا شك.

    وكذلك فقد ضرب الله سبحانه وتعالى أمثلة من الأمور المحرمة، قال الله: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء:19] فلو أن إنساناً لا يريد زوجته، لكن لا يطلقها لكي تطلب هي الفسخ، فيمسكها ويحبسها ولا يعاشرها معاشرة الأزواج لأنه لا يرغب بها، فيمسكها حتى تطلب الطلاق وتطلب الخلع وتدفع من المهر الذي أعطاها أو كل المهر، فيذهب بما آتاها من قبل، فإذا حبسها لكي تفتدي نفسها وهو لا يريدها فهو ظالم وما أخذ فهو حرام.

    ولما قصد أصحاب الجنة حصد محاصيلهم بالليل في سورة القلم لحرمان الفقراء عاقبهم الله عز وجل: قالوا: نصرمها مبكرين أو في الليل حتى لا يكون هناك وجود وحضور للفقراء فلا يأخذون شيئاً، ومثل هذه الحيل المحرمة الشيطانية أن بعض الناس إذا جاء قبل الحول بقليل ملك ماله لزوجته، قال: ملكتك مالي فإذا عدا الحول وانتهى استرد المال منها، قال: ما كان عندي ما ملكته، وبعضهم لكي ينجو من الزكاة كلما قاربت النصاب باع منها وغير أشياء بحيث إنها لا تكتمل نصاباً ويحولها إلى أنواع أخرى من الأموال لينجو من الزكاة، وهذا حرام ولا شك.

    ومثل إخراج المكوس في قالب إعانة المجاهدين وسد الثغور وعمارة الحصون كما ذكر أهل العلم، وبالخلاصة فإن الذي يريد أن يتحايل على الله فإن الشيطان سوف يفتح له أبواباً واسعة جداً جداً، ولكنه يوم القيامة سيكشف أمره ويهتك ستره على رءوس الخلائق يفضحه الله سبحانه وتعالى، نسأل الله السلامة.

    1.   

    الوسواس في النية والطهارة والصلاة وغيرها

    تاسعاً: ومن كيد الشيطان وتلبيس إبليس: ما بلغ به من الوسواس الذي أوقع فيه كثيراً من الخلق، وكادهم به كيداً عظيماً، فمرض الوسواس من الشيطان ولا شك، الوسواس كادهم به في الطهارة، وفي النية، وفي الصلاة، وحتى في قراءة القرآن، وفي الطلاق وغير ذلك، وألقاهم في الآصار والأغلال، وأخرجهم عن اتباع سنة محمد صلى الله عليه وسلم، حتى يخيل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا يكفيه، حتى إن أحد هؤلاء الموسوسين ليرى أنه لو توضأ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اغتسل كاغتساله عليه الصلاة والسلام لم يطهر، ولم يرتفع حدث، وكيف يطاوع الموسوس نفسه أن يغتسل هو وامرأته من إناء واحد يغمسان أيديهما فيه، غسل الجنابة ويفرغان عليهما، فالموسوس يشمئز من ذلك كما يشمئز المشرك إذا ذُكِر الله وحده، مع أن من الذي فعل ذلك هو الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ويزعم له الشيطان أن هذا من الاحتياط في الدين، ومن باب دع ما يريبك إلى مالا يريبك، وإذا مس الصبي أو ولده الصغير فإنه يجب أن يغسل يديه باستمرار وبعض الموسوسات، وهؤلاء يغسل أحدهم يده غسلاً يشاهده ببصره وربما قاله بلسانه، بعض الموسوسين من عذابهم يغسل يديه ويشك حتى يضطر أن يقول بلسانه: الآن أغسل يدي غسلت يدي، ويسمعه بسمعه وربما سمعه جاره ولا يصدق نفسه.

    وربما أضر بجسده كالغوص في الماء البارد وكثرة استعماله وإطالة العرك والفرك وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان، ويستهزئ به من يراه، وذكر ابن الجوزي رحمه الله عن أبي الوفاء بن عقيل : أن رجلاً قال له: أنغمس في الماء مرات كثيرة وأشك هل صح الغسل أم لا، فما ترى في ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة، قال وكيف؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ) ومن ينغمس في الماء مراراً ويشك هل أصابه الماء أم لا فهو مجنون! وربما شغله الوسواس حتى تفوته الجماعة، وربما فاته وقت الصلاة بالكلية.

    الوسوسة في الصلاة

    وقد يشغله الشيطان بوسوسته في النية عند الصلاة في المسجد في الصف، حتى تفوت عليه التكبيرة الأولى، وربما فاته ركن أو أكثر، ومنهم من يحلف بالله ألا يعود إلى هذا ويكذب ويعود.

    وقد كان هناك رجل شديد التنطع في التلفظ بالنية والتقعر في ذلك، فاشتد به التقعر والتنطع إلى أن قال مرة وهو حاضر في الصف، حيث كبر الناس وهو حاضر الآن يجمع النية، ويقول: أصلي أصلي أصلي ويعيدها عدة مرات، صلاة صلاة صلاة الظهر الظهر الظهر، جماعة جماعة جماعة، أداءً -يعني: ما هو قضاء- لا بد هذه العبارة تأتي بالكامل عند هؤلاء المبتدعة الذين يتلفظون بالنية وإذا صار موسوساً بعد فكيف ستكون العبارة، تكون شبراً فتصبح ذراعاً، فقال: أصلي أصلي أصلي، صلاة ، صلاة ، صلاة، الظهر، قال: أداءً بدأ يقول أداءً قال: فأعجم الذال وضع عليها نقطة قال: أذاءً، ولا بد أن يقول أداءً لله، وكان يصلي بجانبه شخص فما تمالك نفسه فقطع الصلاة فقال: إيذاءً لله ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين.

    وقد بلغ الشيطان منهم أن عذبهم في الدنيا وأخرجهم عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فعلى من أراد النجاة من هذه الوسوسة أن يسلك سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدع سبيل الشيطان، قال أحد السلف يوماً لابنه: يا بني! اتخذ لي ثوباً ألبسه عند قضاء الحاجة، فإني رأيت الذباب يسقط على الشيء ثم يقع على الثوب، نخصص ثوباً خاصاً بالمرحاض، إذا جاء الذباب على هذا الثوب وكان قد وقع على العذراء نفسخ الثوب بعد المرحاض ونصلي في ثوب نظيف، ما عليه من آثار الذباب، ثم انتبه فقال: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ما كان لهم إلا ثوب واحد يقضون به حاجتهم ويصلون.

    فتبين أن التفكير في قضية النجاسة التي يأخذها الذباب برجليه عندما يسقط على الثوب، ويضع فاصلة صفر صفر واحد من النجاسة أن هذا لا شك من أنواع الوسوسة الواضحة.

    قال ابن القيم رحمه الله: قال شيخنا ابن تيمية : ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه واحدة منها -عند النية في الصلاة- فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلي صلاة الظهر فريضة الوقت أداءً إماماً -أو مأموماً- أربع ركعات مستقبل القبلة ثم يزعج أعضاءه ويحني جبهته ويقيم عروق عنقه، ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو، ولو مكث أحدهم عمر نوح يفتش هل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه شيئاً من ذلك لما ظفر به، فأهل الوسواس قرة عين خنزب وأعوانه، وخنزب هو شيطان الصلاة.

    وكذلك الوسواس في انتقاض الطهارة، فإن الشيطان يشكك الإنسان خرج منه ريح، خرج، ما خرج، خرج شيء بسيط، خرج لكن فيه ماء، وهكذا قال صلى الله عليه وسلم مبيناً العلاج: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أو لا فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) رواه مسلم .

    والشيطان يتلاعب بالشعيرات في مقعدة ابن آدم ليوهمه أنه خرج منه شيء وليس كذلك، فقد أخبر عليه الصلاة والسلام بهذا التلاعب وأن هذا من كيد الشيطان، ومن علاج الوسواس في الطهارة أن ينضح فرجه وسراويله مما يلي الفرج بالماء إذا بال، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وسوسة في الطهارة

    هذا في الوسوسة في الطهارة، أما ما يفعله الشيطان بالموسوسين بعد البول فحدث ولا حرج، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: يفعلون عشرة أشياء: السلت والنتر والنحنحة والمشي والقفز والحبل والتفقد والوجور والحشو والعصابة والدرجة.

    أما السلت فهو عصر الذكر ليخرج منه البول، يقول لا بد أن نفعل هذا الإجراء حتى نتأكد أنه ليس هناك نجاسة، والنتر وهو نفضه ليخرج ما بداخله بزعمهم بعد الاستنجاء هذا إجراء ثانٍ، والنحنحة: بأن يتنحنح لإخراج الفضلة الباقية بزعمهم، والقفز: أن يرتفع على الأرض ويهبط عليها لكي يفرغ ما كان عالقاً، والحبل يتخذه بعض الموسوسين فيتعلق به حتى يكاد يرتفع ثم يتخرط فيه ويقع على هذا لكي ينـزل ما بقي، والتفقد: هو النظر في المخرج هل بقي فيه شيء أم لا، والوجور: هو فتح الثقب وصب الماء فيه، والحشو: إدخال قطن ونحوه، والعصابة: أن يعصب المخرج بخرقة لئلا يخرج منه شيء، والدرجة: أن يصعد في السلم قليلاً ثم ينزل بسرعة، أو يمشي خطوات ثم يعيد الاستنجاء.

    قال ابن تيمية رحمه الله: وذلك كله وسواس وبدعة، فتبين بذلك أن ما يقضيه البعض من الأوقات الطويلة جداً داخل المراحيض يضيعون بها تكبيرة الإحرام والصلاة، هو من الأمور المحرمة ومن كيد إبليس وتلبيسه، ويكفي الإنسان بعد انتهائه من قضاء حاجته أن يستنجي ويغسل بالماء ويرش ما أمام المخرج من الثوب بالماء حتى يقطع على الشيطان طريق الوسوسة، وإذا كان صاحب سلس ويعرف نفسه صاحب سلس، إذا انتهى من قضاء الحاجة يغسل ويرش بالماء، وإذا وضع أمام المخرج لئلا تنتشر النجاسة في الثوب كمنديل بشكل عادي يشده عليه بلباسه العادي، ثم بعد ذلك يتوضأ ويصلي ولا يبالي بعد ذلك بما خرج منه لا بعد الاستنجاء ولا أثناء الوضوء، ولا بعده ولا قبل الصلاة ولا أثناء الصلاة وصلاته صحيحة، والحمد لله، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    ولا فرض الله على الخلق أن يقضوا ساعات في دورات المياه لكي يتأكدوا أنه ما بقي قطرة، وهذا السلس هو داء منتشر عند كثير من الناس، وهذه عيادات المسالك البولية تشهد بذلك، وإذا لم يكن هناك في الدين مثل هذه الرخصة المباحة الشرعية لهلك الناس: (بعثت بالحنيفية السمحة).

    وهؤلاء الموسوسون لا يرضون بأمور كثيرة مما كان صلى الله عليه وسلم يفعله، فقد كان عليه الصلاة والسلام وأصحابه يخوضون في الطين والوحل وماء المطر وهم يأتون إلى المساجد، ويأتون المسجد ولا يغسلون أرجلهم، وهذه فتاوى الصحابة فيمن وطئ العذرة بقدمه إن كانت يابسة فليست بشيء، وإن كانت رطبة غسل ما أصابه، لا انتقض الوضوء ولا شيء من ذلك، بل يغسل ما أصاب جلده من النجاسة فقط، إذا كانت رطبة، وهذا الخف والحذاء يدلك في الأرض ثم يصلى فيه سنة ثابتة كما قال صلى الله عليه وسلم (إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ثم لينظر فإن رأى خبثاً فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما) والموسوسون أكثرهم لا يرضون بالصلاة في النعال إذا كان الوضع مناسباً وكان المسجد مفروشاً بالحصى والرمل، ونحو ذلك.

    وذيل المرأة، قالت امرأة لـأم سلمة : (إني أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطهره ما بعده) هي تسحب على الأرض، لو سحبت على نجاسة يطهره ما بعده، وقد رخص للمرأة أن تطيل حجابها ذراعاً وراءها حتى إذا هبت الريح لا تنكشف عورتها وأكثر من ذلك يعتبر إسبالاً في حق النساء، وكان صلى الله عليه وسلم يصلي في مرابض الغنم، ونهى عن الصلاة في أعطان الإبل، فأين هذا ممن لا يصلي إلا على سجادة، تفرش فوق البساط أو فوق الحصير، وربما وضع عليها منديلاً ولا يمشي على البساط مكان المصلى إلا نقراً كالعصفور إذا اضطر، ووضع السجادة على السجادة الطاهرة من البدع والوسوسة.

    وبعض الناس هذه عادتهم إذا دخل مكاناً مع أن البساط نظيف طاهر لا يعلم أن عليه نجاسة لا بد أن ياتي بمفرش الصلاة ليصلي، لماذا؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا فأي رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) فإذاً وضع السجاجيد على السجاجيد نص أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية أنها من البدع، إذا كانت السجادة نظيفة وطاهرة، فلا يوضع عليها شيء ويصلي.

    وبعضهم يقول: لا بد أن نضع للإمام سجادة خاصة لماذا؟! إن مثله مثل المسلمين، يصلي على بساط المسجد مثله مثل المسلمين، فلماذا توضع له سجادة منفصلة، وكان صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يحمل أمامة بيده، فإذا ركع وضعها وإذا قام حملها، وإذا قال قائل: كيف يصح هذا وفيها نجاسة قد تكون في هذه الحفاظة نجاسة، نقول: قد فعله من هو خير منك محمد صلى الله عليه وسلم فإذا رفع وضعها وإذا قام حملها، وكان يصلي في الليل وكان بجانبه عائشة وهي حائض، وربما لامس جسده جسدها.

    وكان الصحابة يتوضئون من الحياض والأواني المكشوفة، لا يسألون هل أصابتها نجاسة أم لا، [مر عمر يوماً مع صاحب معه تحت ميزاب فسقط عليهما شيء من الميزاب، فقال صاحب عمر : يا صاحب الميزاب! ماؤك طاهر أو نجس، فقال عمر : يا صاحب الميزاب! لا تخبرنا، ثم مضى].

    وكان صلى الله عليه وسلم يصغي الإناء للهرة حتى تشرب ويشرب هو منه صلى الله عليه وسلم ويتوضأ منه، وقال: ( إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، يقول ابن القيم رحمه الله: والمراضع -المرأة التي ترضع- المراضع لا زلن من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الآن يصلين في ثيابهن والرضعاء يتقيئون ويسيل لعابهم على ثياب المرضعة وبدنها، ولا تغسل شيئاً من ذلك -هذا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم- ما يخرج من الطفل طاهر من القيء لصعوبة وتعذر التحرز من قيء الولد على المرضعة وهي ترضعه وتحمله وتضعه باستمرار.

    ونص الإمام أحمد رحمه الله على أن حبل الغسال إذا نشر عليه ثوب نجس ربما جففته الشمس، أي: جففت حبل الغسال، ثم نشر عليه ثوب طاهر رطب، قال: لا بأس به، وكان صلى الله عليه وسلم يشرب من موضع فيّ عائشة ويتعرق العرقة فيضع فاه على موضع فيها وهي حائض ويأكل وراءها صلى الله عليه وسلم.

    والوسوسة أشكالها كثيرة جداً مثل الوسوسة في مخارج الحروف والتنطع فيها قال ابن الجوزي : ولقد رأيت من يخرج بصاقه عند إخراج الضاد لقوة تشديده، والوسوسة في الطلاق فإنه يقول: طلقت أو ما طلقت، إذا فكر في الطلاق يوسوس ربما حتى في النهاية تلفظ بالطلاق.

    1.   

    عشق الصور المحرمة

    وأخيراً: فإن من مكايد الشيطان ومصايده ما فتن به عشاق الصور، والمقصود بالصور هي أشكال بني آدم، أجسادهم وأشكالهم ومناظرهم، والذين يعشقون الصور -أي: صور البشر وأشكالهم ومناظرهم وأجسادهم- هذا كيد عظيم من كيد إبليس فيه استعباد النفوس لغير الله، وتمليك القلوب لمن يسومها سوء العذاب، العاشق المتيم بمن عشقه، معذب القلب قد سلم قلبه إلى معشوقه يسومه سوء العذاب، ويسعى في رضا المعشوق والمحبوب وإن عارض رضا الله، ويتحرك عند سماع صوت محبوبه ما لا يتحرك عند سماع العلم وشواهد الإيمان ولا عند تلاوة القرآن، حتى إذا ذكر معشوقه اهتز وربا وتحرك باطنه وظاهره شوقاً إليه وطرباً.

    وهؤلاء يقول الله في شأنهم من ضمن الذين يدخلون في قوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [البقرة:166] أين هؤلاء العشاق الذين عشقوا الصور ومالوا بعواطفهم ميلاً شديداً وانغلقوا على هذه الأشكال وأقاموا هذه العلاقات المحرمة؟ أين هم من قوله صلى الله عليه وسلم في دلائل الإيمان: (أن يحب المرء لا يحبه إلا الله

    ومن كيد الشيطان وتلبيس الشيطان أنه يوهم هذا المتعلق بصاحبه أنه يحبه لله، وربما قال له: إنك تشاركه في الطاعات، وربما حمله أن يحضر معه بعض مجالس العلم، ويحفظ بعض آيات القرآن أو الأحاديث وهكذا، حتى يلبس عليه أن العلاقة علاقة شرعية، وحفظ قرآن وحضور مجالس علم ودعوة إلى الله مثلاً.

    وقد ذكر ابن القيم في كتابه العظيم الجواب الكافي ، وكتابه العظيم إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان في علاج العشق والتعلق بالمحبوب أموراً عظيمة ينبغي الرجوع إليها، ونذكر بعضاً منها فإن هذا الدرس ليس موضع استقصاء علاج عشق أو علاج المحبة مع الله، وإن كانت هذه المسألة قد تفشت بحيث صار لا بد أن توضح لها العلاجات حتى لا يقع بعض الناس فيها، قال ابن القيم رحمه الله:

    ووصل الأمر ببعضهم أن يؤاخي امرأة أجنبية في الله، كان مما ذكره أن وصل الأمر السوء بتلبيس إبليس أن يؤاخي امرأة أجنبية في الله لهذا الغرض، وقد حدث وربما يتصل بها ويقول: أنا أناقش معك مسائل فقهية وأنصحك وتنصحيني وهذا موجود ووصل إلينا وسمعنا أطرافاً منه عن أناس يتصلون بنساء أجنبيات يقولون: هذه محبة في الله وإني أحبك في الله، كيف يقول رجل أجنبي لامرأة أجنبية: إني أحبك في الله؟! أم كيف تقول له هي هذا الكلام؟! هو رجل شاب وهي امرأة شابة، أليس هذا من تلبيس إبليس ومن مداخله؟!

    قال ابن القيم رحمه الله: وبعضهم جعل الاتصال بالمردان من عبادة الله، وأنها قربة وطاعة، بل زعموا أيضاً أنها تزكي النفس وتخلصها من الشوائب، وجعل التلذذ بهم عبادة، وقد يقولون: تزوج فلان بفلان يستهزئون بآيات الله ودينه، قال ابن القيم: وقد آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى ترجيح وطء الولدان على نكاح النسوان، وقالوا: هو أسلم من الحبل والولادة ومؤنة النكاح والشكوى إلى القاضي وفرض النفقة.

    سبحان الله العظيم! انظر إلى أي درجة يمكن أن يستجري الشيطان ابن آدم عندما يوهمه فعلاً بهذه القضية، فيوقعه في الفواحش ويظن هذا أنه الآن يتقرب إلى الله، سبحان الله العظيم! لا شك أن من هؤلاء ضلال، إذ كيف تروج هذه البضاعة الشيطانية على هؤلاء، إن في المسألة هوى، وما راجت بضاعة الشيطان إلا وفيها هوى واضح، وماذا تفعل بمن زين له سوء عمله فرآه حسناً، فقد تلاعب الشيطان بأكثر هذا الخلق كتلاعب الصبيان بالكرة، وأخرج الكفر والفسوق والعصيان في كل قالب من قوالب الخير والبر والأعمال الصالحة.

    كلام ابن القيم في خطر العشق

    قال ابن القيم في خطر العشق: فإذا شغف الإنسان بمحبة صورة -يعني: إنسان آدمي ذكر أو أنثى- لغير الله، بحيث يرضيه وصوله إليها وظفره بها ويسخطه فواته ذلك، كان فيه من التعبد لها بقدر ذلك -غصباً عنه ورغماً عنه يعبدها من دون الله- ثم قال: والزنا بالفرج وإن كان أعظم من الإلمام بالصغيرة، كالنظرة والقبلة واللمس، لكن إصرار العاشق على محبة الفعل مع معشوقه وتوابعه ولوازمه وتمنيه له ولو لم يفعل، وتمنيه له وحديث نفسه به ألا يتركه واشتغال قلبه بالمعشوق قد يكون أعظم ضرراً من فعل الفاحشة مرة، بشيء كثير فإن الإصرار على الصغيرة قد يساوي إثم الكبيرة أو يربو عليها.

    وأيضاً: فإن تعبد القلب للمعشوق شرك، وفعل الفاحشة معصية ومفسدة الشرك أعظم من مفسدة المعصية، وأيضاً: فإنه قد يتخلص من الكبيرة بالتوبة والاستغفار، وأما العشق إذا تمكن من القلب فإنه يعز عليه أن يتخلص منه، بل يصير تعبداً لازماً للقلب لا ينفك عنه، ومعلوم أن هذا أعظم ضرراً وفساداً من فاحشة يرتكبها شخص وهو عالم بتحريمها وقلبه غير معبد لمن فعل بها الفاحشة التي ارتكبها معها. أما هذا العاشق فقلبه معبد ولو لم يفعل فاحشة.

    وذكر كلاماً مهماً معبراً عن حال العاشق أو هذا المتعلق قلبه بهذه الصورة، قال: فأصحاب العشق الشيطاني لهم من تولي الشيطان والإشراك به بقدر ذلك، لما فيهم من الإشراك بالله، ولما فاتهم من الإخلاص له، ففيهم نصيب من اتخاذ الأنداد، ولهذا ترى كثيراً منهم عبداً لذلك المعشوق، متيماً فيه يصرخ في حضوره ومغيبه أنه عبده، فهو أعظم ذكراً له من ربه، وحبه في قلبه أعظم من حب الله فيه، وكفى به شاهداً على ذلك بنفسه: بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [القيامة:14] فلو خير بين رضاه ورضا الله لاختار رضا معشوقه على رضا ربه، ولقاء معشوقه أحب إليه من لقاء ربه، وتمنيه بالقرب من معشوقه أعظم من تمنيه للقاء ربه وقربه، وهربه من سخطه عليه أشد من هربه من سخط ربه عليه، يسخط ربه بمرضاة معشوقه، ويقدم مصالح معشوقه وحوائجه على طاعة ربه، فإن فضل من وقته فضلة وكان عنه قليل من الإيمان صرف تلك الفضلة في طاعة ربه، وإن استغرق الزمان حوائج معشوقه ومصالحه صرف زمانه كله فيها وأهمل أمر الله.

    يجود لمعشوقه بكل نفس ونفيسة، ويجعل لربه من ماله إن جعل له كل رذيلة وخسيس، فلمعشوقه لبه وقلبه وهمه ووقته، وخالص ماله وربه على الفضلة، قد اتخذه وراءه ظهريا، وصار لذكره نسياً، إن قام في خدمته في الصلاة فلسانه يناجيه -يعني: يناجي الله- وقلبه يناجي معشوقه، ووجه بدنه إلى القبلة ووجه قلبه إلى المعشوق، ينفر من خدمة ربه حتى كأنه واقف في الصلاة على الجمر من ثقلها عليه وتكلفه لفعلها، فإذا جاءت خدمة المعشوق أقبل عليها بقلبه وبدنه فرحاً بها ناصحاً له فيها، خفيفة على قلبه لا يستثقلها ولا يستطيلها، ولا ريب أن هؤلاء من الذين اتخذوا من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله.

    أما سبب هذه المصيبة العظيمة فهو سبب نقص محبة الله؛ لأن القلب لو امتلأ بمحبة الله ما كان له مجال أن يحب أشخاصاً وأشكالاً بهذه الطريقة المحرمة.

    فروق بين المحبة في الله والمحبة مع الله

    ومحبتنا لإخواننا المسلمين نابعة من محبة الله، لا معارضة لها ولا مزاحمة لها، محبة الإنسان لأخيه في الله ليست مزاحمة لمحبة الله، بل هي نابعة من محبة الله، ولذلك كلما كان الشخص أكثر عبادة كنا أكثر محبة له، وكلما كان أكثر إخلاصاً وعملاً لله زادت محبتنا له، بغض النظر عن شكله ولونه ووسامته ودمامته ونحو ذلك.

    ولذلك فإنه لا بد للإنسان أن يفرق بين العشق وبين المحبة في الله، فأما المحبة لله فهي محبة خالصة قوية، بغض النظر عن شكله ولونه وعاهته، بل ربما أحب أجذع أفطس أعرج أشل أعمى لأنه قريب من الله، ويكره جميلاً وسيماً فاتناً لأنه عدو لله، أما العشق فإنه انتقاء من الأشكال ما يوافق الهوى.

    ثانياً: المحبة في الله تقرب إلى الله، أما العشق والمحبة مع الله فإنها تبعد عن الله سبحانه وتعالى بل تقطع الطريق على محبة الله، فهي محبة مع الله، ومحبة ما يبغض الله، ومحبة من تقطع محبته عن محبة الله.

    ثالثاً: الذي يحب في الله ينفتح على إخوانه المسلمين جميعاً، فيقيم العلاقات معهم جميعاً، ولا يستثني أحداً يستطيع أن يستفيد منه دون أحد، بينما هذا العاشق أو المتعلق قلبه بمن معه ينغلق عليه فينفرد له ويكون خالصاً له ولا يرضى أن يقيم علاقات، أو لا يعطي إخوانه الآخرين إلا النزر اليسير.

    رابعاً: إن هذه المحبة في الله تقود إلى استشعار لعظمة الله، وخشوع لله، أما المحبة مع الله فهي هيام وهموم وآلام عند الفرقة والابتعاد، المحبة في الله إذا خلا الإنسان عن الناس ففكره في طاعة الله، أما المحبة مع الله إذا خلا ففكره في معشوقه ومحبوبه، المحبة في الله تجعل الذي تحبه في الله يعينك على الابتعاد عن المعاصي، أما المحبة مع الله فإن هذا المعشوق والمحبوب يوقع في المعصية وربما في الفواحش.

    خامساً: المحبة في الله ألفاظ شرعية مجردة عن العلاقات الدنيوية، إني أحبك في الله، أما المحبة مع الله أو العشق فهي ألفاظ غرام وكتابات ورسائل وهواتف وربما كتب له أو ناداه أو ناداها بما لا يصلح إلا بين الرجل وزوجته.

    وهذا المجال الكلام فيه طويل وكثير وخصوصاً عند استشراء هذا الداء الذي ألم بكثير من بني البشر في هذا الزمان، حتى بين بعض الذين يظهر عليهم سيما الخير والصلاح، ولذلك كان لا بد من وقفة حازمة في قطع دابر هذا الشر بإخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى والإقبال عليه، والانطراح بين يديه أن يخلص قلبه مما علق به من محبة المحبوبين من البشر أو عشقهم، وكذلك الابتعاد عمن هو سبب للداء، وسبب لهذا العشق، وألا تقع عينه على أثر، ولا يسمع له حس ولا خبر قدر الإمكان، بحيث يتنقى قلبه تدريجياً من هذا الداء العضال.

    ولعل هذا الموضوع يحتاج إلى مزيد من البيان والإيضاح، ولكن لعل فيما ذكر كفاية لأولي الألباب ومكائد الشيطان كثيرة في الحقيقة، والكلام عنها لا ينتهي، والرجوع فيها إلى أهل العلم الذين يبينون المكائد، ويبينون كيفية الصمود والمواجهة في وجه هذا العدو المبين الذي قال الله في شأنه: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً [فاطر:6] فلا زالت العداوة بيننا وبينه قائمة منذ أن آذى أبانا آدم عليه السلام وزوجته حواء.

    نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يخلصنا وإياكم من كيد إبليس، وأن يقينا وساوسه وخطواته، وأن يجعلنا من جند الله وحزبه المفلحين، لا من جند إبليس وحزبه الخاسرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.