إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد المنجد
  3. سلسلة رسائل أهل العلم، الرسالة الأولى، الرسالة التبوكية

سلسلة رسائل أهل العلم، الرسالة الأولى، الرسالة التبوكيةللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن رسالة ابن القيم رحمه الله المسماة: الرسالة التبوكية، هي كما قال، ومن نظر في هذه الكلمات التي تضمنتها هذه الورقات؛ علم أنها من أهم ما يحصل به التعاون على البر والتقوى، وسفر الهجرة إلى الله ورسوله، وهو الذي قصد مسطرها بكتابها، وجعلها هديته المعجلة السابقة إلى أصحابه ورفقائه في طلب العلم. وقد شرحها الشيخ حفظه الله شرحاً موجزاً مفيداً، فجزاه الله خيراً.

    1.   

    الرسالة التبوكية وموضوعها وتاريخها وسببها

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. وبعد:

    ففي هذه السلسلة من رسائل أهل العلم، سنستعرض -بمشيئة الله تعالى- عدداً من رسائلهم، مع ذكر طرف من سيرة المؤلف، وبعض ما احتوته هذه الرسائل من النفائس والعلم، ولاشك أن الاطلاع على رسائل أهل العلم مما يزيد الإنسان فقهاً ونظراً وبصيرة؛ لأن رسائلهم كالمنائر، يستنير بها الإنسان في ظلمات الدجا، الذي يغشى الواقع، ويتبصر على ضوئها بما حوله، ويعرف كيف يعبد ربه، وهذه الرسالة التي سنستعرضها في هذه الليلة -بمشيئة الله تعالى- هي الرسالة التبوكية ، للعالم الرباني، وشيخ الإسلام الثاني، الإمام ابن القيم رحمه الله، وقد سُميت بـالرسالة التبوكية؛ لأنه سيرها من تبوك ثامن المحرم، سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة للهجرة.

    وقد قال في ذكر أهميتها: (ومن نظر في هذه الكلمات التي تضمنتها هذه الورقات؛ علم أنها من أهم ما يحصل به التعاون على البر والتقوى، وسفر الهجرة إلى الله ورسوله، وهو الذي قصد مسطرها بكتابتها، وجعلها هديته المعجلة السابقة إلى أصحابه ورفقائه في طلب العلم...) وقال: ( ... وإنما الهدية النافعة كلمة يهديها الرجل إلى أخيه المسلم ).

    هذا موضوع الرسالة، والمكان الذي أرسلت منه الرسالة والتاريخ، والسبب الباعث على ذلك.

    1.   

    ترجمة الإمام ابن القيم رحمه الله

    أما ترجمة المؤلف رحمه الله، فإنه: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز بن مكي زين الدين الزرعي ، ثم الدمشقي ، الشهير بـابن قيم الجوزية ، ونسبته إلى زَرْع، وهي قرية من قرى حوران ، المكان المعروف في بلاد سوريا الآن، وهي من نواحي دمشق .

    وقد ولد -رحمه الله- في السابع من شهر صفر، سنة ستمائة وإحدى وتسعين للهجرة، وقد اشتهر أبوه بلقب: قيم الجوزية ؛ لأنه كان ناظراً ومشرفاً وقيماً على المدرسة الجوزية بـدمشق مدةً من الزمن، والجوزية اسم المدرسة التي أنشأها وأوقفها أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله، ويقال: ابن القيم على سبيل الاختصار، واشتهر أبوه -رحمه الله- وأخوه وابن أخيه بالعلم والفضل، ونشأ رحمه الله تعالى في بيئة طيبة، وعائلة وأسرة كريمة.

    ابن القيم.. وطلبه للعلم

    وكان قد تلقى علمه منذ بداية أمره على الشهاب النابلسي ، والقاضي تقي الدين بن سليمان ، وأبو بكر بن عبد الدائم ، وعدد من أهل العلم، وقرأ العربية والفقه على المجد الحراني ابن تيمية ، وقرأ الأصول على الصفي الهندي وكذلك شيخ الإسلام رحمه الله، ولازمه ملازمة تامة منذ أن قدم من الديار المصرية في سنة (712هـ) إلى أن مات ابن تيمية -رحمه الله- سنة (728هـ).

    وكان والد ابن القيم -رحمه الله- له علم واسع في الحساب والفرائض، ولذلك أخذه ولده عنه، ولما تم تحصيله، وأصبح لديه ملكة كبيرة، صار بعد ذلك يقرأ بنفسه ويطلع وينهم ويتصدى بعد ذلك للتدريس والإفتاء والتأليف.

    أولاد ابن القيم

    للإمام ابن القيم أولاد، ومنهم: عبد الله ، كانت ولادته سنة (723هـ)، ووفاته سنة (756هـ)، وكان مفرطاً في الذكاء، أنه حتى حفظ سورة الأعراف في يومين، وصلى بالقرآن سنة (731هـ)، أي: أنه كان في التاسعة من عمره تقريباً، وأثنى عليه بأمور، وكذلك ابنه إبراهيم كان علامة نحوياً فقيهاً.

    العلوم التي برع فيها ابن القيم

    وأما العلوم التي برع فيها ابن القيم -رحمه الله- فإنها كثيرة جداً، فهي تكاد تكون علوم الشريعة بأكملها، وعلوم الآلة والتوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصول الفقه واللغة والنحو.. وغير ذلك.

    قال ابن رجب واصفاً شيخه ابن القيم: "تفقه في المذهب، وبرع وأفتى ولازم الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وتفنن في علوم الإسلام، وكان عارفاً بالتفسير، وأصول الدين لا يجارى، وإليه فيها المنتهى، والحديث ومعانيه وفقهه ودقائق الاستنباط لا يُلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله، وبالعربية وله فيها اليد الطولى.. وغير ذلك".

    وقال ابن كثير رحمه الله في وصفه: "سمع الحديث، واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة، ولا سيما علم التفسير والحديث، ولما عاد شيخ الإسلام ابن تيمية من الديار المصرية سنة (721هـ)؛ لازمه إلى أن مات الشيخ، فأخذ عنه علماً جماً مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريداً في بابه في فنون كثيرة".

    وقال الذهبي رحمه الله: "عُني بالحديث ومتونه ورجاله، وكان يشتغل بالفقه ويجيد تقريره".

    وقال ابن حجر: "كان جريء الجنان، واسع العلم، عارفاً بالخلاف ومذاهب السلف ، ومن الأشياء التي حصلت له مناظرة مع أكبر من يشار إليه بالعلم عند اليهود، جرت له مناظرة معه بـمصر".

    مجاورة ابن القيم

    وكذلك فإنه -رحمه الله تعالى- قد حج مرات كثيرة، وجاور بـمكة ، وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة وكثرة الطواف أمراً يُتعجب منه، وألف كتابه: مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة ، مدة إقامته بـمكة ، بما فتح الله عليه .. يقول: "وكان هذا من بعض النُزْول والفتح التي فتح الله بها عليّ حين انقطاعي إليه عند بيته، وإلقائي نفسي ببابه مسكيناً ذليلاً، وتعرضي لنفحاته في بيته وحوله بكرة وأصيلاً، فما خاب من أنزل به حوائجه، وعلق به آماله، وأصبح ببابه مقيماً، وبحماه نزيلاً".

    ومن الأشياء التي حصلت له بـمكة : أنه مرض مرضاً شديداً استعصى على الأطباء، فقال: لقد أصابني أيام مقامي في مكة أسقام مختلفة، ولا طبيب ولا أدوية كما في غيرها من المدن، فكنت أستشفي بالعسل وماء زمزم، ورأيت فيها من الشفاء أمراً عجيباً.

    وقال في هذا المرض الذي انقطعت فيه حركته، وحصل له فيه شيء من الألم كثير: "إنه كان يقرأ على ماء زمزم الفاتحة ويشرب، فحصل له شفاء لم يحصل له على يد الأطباء".

    مؤلفات الإمام ابن القيم

    لقد ألف كتبه في أحوال، منها: أحوال الغربة والسفر، كما ألف كتاب مفتاح دار السعادة ، وكذلك كتاب زاد المعاد ، ألفه في حال السفر لا الإقامة، والخاطر متفرق، والقلب في كل وادٍ منه شعبة، كما وصف رحمه الله.

    وكان شديد المحبة للكتب، وجمع كتباً لم يتهيأ لغيره -كما يقول ابن كثير - عشر معشار ما اجتمع عنده -رحمه الله- من كتب السلف والخلف، كان مغرماً بجمعها، وحصل ما لا يحصى، حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهراً طويلاً، سوى ما اصطفوه لأنفسهم، وكان لا يبخل -رحمه الله- في إعارتها.

    وقد تولى الإمامة بالجوزية، والتدريس في الصدرية -أسماء مدارس- وتصدى للفتوى والتأليف، وقد سجن بسبب بعض الفتاوى، كفتواه في الطلاق الثلاث بلفظ واحد، التي تابع فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وعامة أهل الأرض مطبقون على أن طلاق الثلاث بلفظ واحد يقع ثلاثاً، كما هو قول أهل المذاهب الأربعة.

    وكذلك حصل له أذى بسبب تأليفه رسالة إنكار شد الرحال إلى قبر الخليل، وتابع فيها شيخ الإسلام رحمه الله، المتابع لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، في مسائل التوسل، ومقاومة أنواع الشرك.

    حسن خلق ابن القيم وتواضعه

    كان ابن القيم حسن القراءة، كثير التودد، لا يحسد أحداً ولا يؤذيه، ولا يحقد على أحد، وكان قليل النظير في مجموعه وأموره وأحواله، وكان ذا خلق عظيم رحمه الله تعالى.

    ومن خلقه: تواضعه الذي يظهر في أشياء كثيرة من كتبه، ومن ذلك: قصيدة يظهر فيها تواضعه أنشدها لبعض طلابه، وهو العلامة الصفدي رحمه الله، يقول ابن القيم عن نفسه في هذه القصيدة:

    بُني أبي بكر كثير ذنوبه     فليس على من نال من عرضه إثم

    بُني أبي بكر جهول بنفسه     جهول بأمر الله أنى له العلم

    بُني أبي بكر غدا متصدراً     يعلم علماً وهو ليس له علم

    بُني أبي بكر غدا متمنياً     وصال المعالي والذنوب له هم

    بُني أبي بكر يروم ترقياً     إلى جنة المأوى وليس له عزم

    بُني أبي بكر لقد خاب سعيـه     إذا لم يكن في الصالحات له سهم

    بُني أبي بكر لما قال ربه     هلوع كنود وصفه الجهل والظلم

    فو الله لو أن الصحابة شاهدوا     أفاضلهم هم الصم والبكم

    هذا ما وصف به حاله -رحمه الله- وتواضعه، مع أنه كان ذا عبادة شديدة، وكان ذا تأله وتهجد واستغفار بالأسحار، وافتقار إلى الله عز وجل، وطول قيام، وحج مرات كثيرة، حتى قال ابن كثير رحمه الله: لا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه، وكان له طريقة في الصلاة يُطيلها جداً، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك رحمه الله، وكان إذا صلى الصبح جلس مكانه يذكر الله حتى يتعالى النهار، ويقول: هذه غدوتي لو لم أقعدها سقطت قواي.

    وهذه عبارة مشابهة للعبارة التي جاءت عن شيخه في هذه المسألة، وهي القعود من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، ثم الصلاة ركعتين، حتى يتعالى النهار، ومن عباراته المشهورة: "بالصبر والفقه تنال الإمامة في الدين".

    ملازمة ابن القيم لابن تيمية وتأثره به

    وأما تأثره بـابن تيمية رحمه الله فكان تأثراً شديداً جداً، فإنه التقى به سنة (712هـ)للهجرة، ولازمه إلى سنة (728هـ)، إلى أن توفي رحمه الله تعالى، وهو الذي كانت هدايته على يديه، ويصف توبته على يد شيخه بقوله:

    يا قوم والله العظيم نصيحـتي     من مشفق وأخ لكم معوان

    جربت هذا كله ووقعت فـي     تلك الشباك وكنت ذا طيران

    مثل علم المنطق والكلام والفلسفة وغير ذلك ..

    حتى أتاح لي الإله بفضله     ومن ليس تجزيه يدي ولساني

    فتى أتى من أرض حران فيا     أهلاً بمن قد جاء من حران

    فالله يجزيه الذي هو أهله     من جنة المأوى مع الرضوان

    أخذت يداه يدي وسار فلم     يرم حتى أراني مطلع الإيمان

    ورأيت أعلام المدينة حولها     نزل الهدى وعساكر القرآن

    ورأيت آثاراً عظيماً شأنها     محجوبة عن زمرة العميان

    ووردت كأس الماء أبيض صافياً     حصباؤه كلآلئ التيجان

    ورأيت أكواباً هناك كثيرة     مثل النجوم لوارد الظمآن

    يصف السنة التي قاده إليها شيخه بالحوض الذي فيه أكواب يغرف منها ويشرب ..

    ورأيت حول الكوثر الصافي الذي     لا زال يشخب فيه ميزابان

    مثل الميزابين في الآخرة التي تصب في نهر الكوثر، ميزابان في حوض السنة، أو ميزابان في حوض الحق يصبان فيه ..

    ميزاب سنته وقول إلهه     وهما مدى الأيام لا ينيان

    الكتاب والسنة ..

    والناس لا يردونه إلا مـن الـ     ألف أفراد ذوو إيمان

    وردوا عذاب مناهل أكرم بهـا     ووردتم أنتم على عذاب هوان

    هذه الهداية التي كُتبت لـابن القيم -رحمه الله- على يدي شيخه الذي لازمه، وأخذ عنه العلم والفقه والطريقة السُنْية السَّنية، وكان يشكو إلى شيخه وينصحه شيخه بأشياء، كما قال مرة: جعلت أورد عليه إيراداً بعد إيراد، فقال: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها، فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشرب قلبك كل شبهة تمر عليك، صار مقاماً للشبهات، قال: فانتفعت بوصيته في دفع الشبهات انتفاعاً عظيماً.

    وقال: قال لي شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مرة: "العوارض والمحن والابتلاءات هي كالأمراض والبرد، فإذا علم العبد أنه لا بد منها، لم يغضب لورودها، ولم يغتم ولم يحزن".

    وكان شيخ الإسلام يتابع تلميذه في حفظه للوقت والابتعاد عن الملهيات، فقد قال: "قال لي يوماً شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: المباح ينافي المراتب العليا، وإن لم يكن تركه شرطاً للنجاة -أو نحو هذا الكلام- قال: فالعارف يترك كثيراً من المباح ابقاءً على صيانته، ولا سيما إذا كان المباح برزخاً بين الحلال والحرام". أي: من قسم المشتبهات.

    ابتلاءات ابن القيم

    لقد نصر ابن القيم -رحمه الله- شيخه ووفى له وامتحن بسببه وأوذي مرات، وحبس معه في السجن بالقلعة منفرداً، ولم يُطلق سراحه إلا بعد موت الشيخ، وتعرض للأذى لما اقتنع بالحق ونشره، وأوذي حتى ضرب وطيف به وأهين مضروباً بالدرة مرة من المرات.

    ومن الأشياء التي نقموا عليه: مسألة تحريم شد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك فتاوى الطلاق، وكان مقاوماً للتقليد والتعصب المذهبي، وهذا ما جلب عليه عداوة كثير من أتباع المذاهب.

    وكذلك نقده اللاذع للفلسفة وعلم الكلام، فإنه كذلك قد جلب عليه عداوة الفلاسفة ، وكان يتضح في تأليفه جداً مسألة اتباع الدليل، وهذه من أعظم خصائص المنهج السلفي، تقديم الكتاب والسنة وأقوال الصحابة على قول كل أحد آخر، وكان -رحمه الله- يستطرد في المسائل، ويذكر أوجهاً كثيرة قلما تحصل لغيره، حتى لا تكاد تجد تحليلات بعض المسائل مثلما تجدها في كلام ابن القيم رحمه الله، حيث كان طويل النفس في عرض المسائل.

    تأليف ابن القيم للكتب حضراً وسفراً

    وكذلك فإنه -رحمه الله تعالى- كان يؤلف حضراً وسفراً، والتأليف في السفر ليست قضية يسيرة، خصوصاً عند البعد عن المراجع، كما قال في مقدمة زاد المعاد متواضعاً: "وهذه كلمات يسيرة، لا يستغني عن معرفتها من له أدنى نهمة إلى معرفة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرته وهديه، اقتضاها الخاطر المكدود على عجره وبجره، مع البضاعة المزجاة، مع تعليقها في حال السفر لا الإقامة، والقلب بكل وادٍ منه شعبة، والهمة قد تفرقت شذر مذر".

    ومن لطائف الأمور التي حصلت في تآليفه: ما حصل له في كتابه: تحفة المودود بأحكام المولود .. فإن سبب تصنيف هذا الكتاب أن ولده قد رُزق ولداً، والعادة أن الجد يُهدي للحفيد، أو يُهدي لابنه لأجل الحفيد الذي جاء، ولم يكن عند ابن القيم مالٌ يقدمه لولده، أو هدية من متاع الدنيا، فصنف هذا الكتاب، وهو تحفة المودود بأحكام المولود، وقال في مقدمته: "سبب التأليف هو أن الله عز وجل رزق ابن المصنف مولوداً، ولم يكن عند والده في ذلك الوقت ما يقدمه لولده من متاع الدنيا، فصنف هذا الكتاب وأعطاه إياه، وقال له: أتحفك بهذا الكتاب إذ لم يكن عندي شيء من الدنيا أعطيك".

    والحقيقة أن هذا الكتاب من روائع الكتب الذي لا يكاد يوجد مصنف مثله في أحكام وتربية المولود، وقد ذكر في الجزء الأخير من هذا الكتاب فوائد تربوية وطبية بالغة الأهمية.

    أعداء ابن القيم

    وقد كان له أعداء لعله زاد بسبهم له حسنات كثيرة، من ضمنهم: الكوثري ، الذي وصفه بالزندقة والكفر والضلال والبدعة والزيغ والكذب والبلادة والغباوة.. ونحو ذلك، لكن:

    لا يضر البحر أمسى زاخراً     إن رمى فيه غلام بحجر

    وقد رد على أهل البدع وأعداء الله مثل الجهمية وغيرهم، وتفرغ لأجل مقاومة أهل البدع تفرغاً كبيراً، وعالج عدة أمراض في النفس البشرية، مثل: العشق والهوى، ولأجلها ألف كتاب الجواب الكافي ، وروضة المحبين ، وغير ذلك، وكان له أسلوباً جيداً في العلاج، وكان صاحب استنباطات، حتى قال: إنه استنبط من قصة يوسف ألف فائدة، ثم تمنى على الله عز وجل أن يوفقه لأجل أن يكتب مؤلفاً يجمع هذه الفوائد.

    ومما ابتلي به بعد موته بأناس كانوا يحرقون كتبه، كما ذكر الألباني في مقدمة الكلم الطيب ، لأحد الأمراء الذين استوطنوا دمشق في القرن الماضي، كان ذا سلطان ومال، جعل يجمع مؤلفات ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ويحرقها، ويتقرب إلى الله بها، لأنه يقول: هذه ضلالات وبدع، ويحرقها، ومع ذلك كانت كتبه -رحمه الله- قد سارت في الأمصار، ومع أن المطبوع منها لا يقارب ثلث الأصل من عدد الرسائل والكتب التي ألفها.

    وفاة ابن القيم

    اتفقت التراجم على أن ابن القيم -رحمه الله- توفي ليلة الخميس، الثالث عشر من شهر رجب، وقت أذان العشاء، سنة (751هـ).

    وقد كمُل له من العمر ستون سنة فقط -رحمه الله تعالى- وصُلي عليه، وكان ذلك وسط حُزن الناس، ودُفن في مقبرة الباب الصغير بـدمشق ، في نفس المقبرة التي دفن فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    1.   

    سبب تأليف الرسالة التبوكية وما تضمنته

    وكتبه التي خلفها كثيرة ومعروفه وموجودة بين طلبة العلم وفي المكتبات، وهذه الرسالة -وهي الرسالة التبوكية - اتضح لنا مما سبق أن ابن القيم -رحمه الله- قد ألفها لأجل شرح قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    وبيَّن زاد الإنسان في سيره إلى الله عز وجل، وحشد فيها أشياء مما يتعلق بالتصورات الأصلية الأصيلة الإسلامية، مما يُعين طالب العلم، ويُعين الإنسان عموماً على سيره إلى الله، ورسم منهج التلقي في هذه الرسالة، وبيّن أيضاً منهج العلم ومنهج العمل في هذه الرسالة، فقال: (أحمد الله بمحامده التي هو لها أهل، والصلاة والسلام على خاتم رسله وأنبيائه محمد صلى الله وعليه وسلم، وبعد:

    فإن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] وقد اشتملت هذه الآية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، فيما بينهم بعضهم بعضاً، وفيما بينهم وبين ربهم، فإن كل عبد لا ينفك عن هاتين الحالتين، وهذين الواجبين، واجب بينه وبين الله، وواجب بينه وبين الخلق).

    فأما ما بينه وبين الله فلا بد من القيام بحق الله، بفعل الواجبات التي أمر بها، والانتهاء عن المحرمات التي نهى عنها، وأما ما بين الإنسان وبين الخلق، فلا بد أن يكون هناك معاشرة، ومعاونة، وصحبة، وأن تكون هذه قائمة على مرضاة الله، فإذا حصل ذلك للعبد حصل له الخير كله.

    حقيقة البر والتقوى والفرق بينهما

    قال الله عز وجل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2] ما معنى البر وما معنى التقوى؟

    وما هو الفرق بينهما؟

    البر يدخل في التقوى، والتقوى تدخل في البر في المعنى العام للفظ، كما يكون ذلك في الإيمان والإسلام، والفسوق والعصيان، والفقير، والمسكين، والفحشاء والمنكر، ولكن إذا اجتمعت الكلمتان معاً في سياق واحد فلا بد من تفريق، أما إذا افترقت هذه الكلمات فقد تكون الواحدة بمعنى الأخرى.

    أما البر: فهو الكمال المطلوب من الشيء والمنافع التي فيه، وهو كلمة جامعة لجميع أنواع الخير، وهو عكس الإثم التي هي كلمة جامعة للشرور والعيوب التي يذم العبد عليها، فيدخل في البر: الإيمان وأجزاؤه الظاهرة والباطنة، ولا شك أن التقوى جزء من هذا، وقد جمع الله خصال البر في قوله: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177].

    فماذا جمعت كلمة البر حسب الآية من أركان الإيمان؟

    جمعت: الإيمان بالله والملائكة والكتاب والنبيين واليوم الآخر، وهذه أصول الإيمان الخمسة.

    وماذا جمعت من أركان الإسلام والشرائع الظاهرة؟

    جمعت: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ويتبع ذلك النفقات الواجبة، وهذه الآية احتوت -أيضاً- خصالاً من الأعمال القلبية، مثل: الصبر والوفاء، فتكاد هذه الآية أن تكون قد جمعت جميع أقسام الدين، ثم أخبر الله في هذه الآية أنها هي خصال التقوى، فقال في الذين يقومون بهذه الأعمال من البر: أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177] فهذه هي خصال التقوى بعينها.

    إذا: البر والتقوى يدخلان في بعض، لكن إذا جئت إلى تعريف التقوى، فحقيقتها: العمل بطاعة الله إيماناً واحتساباً، أمراً ونهياً، وقد نبه ابن القيم -رحمه الله- على مسألة مهمة، وهي: كل عمل لا بد له من مبدأ وغاية -هذه مسألة مهمة- مبدأ، أي: باعث على العمل، وغاية، أي: الهدف من العمل .. ما هو باعثك على العمل؟ ولأجل أي شيء عملت هذا العمل؟

    فإذا كان الباعث هو الإيمان المحض، ومن بواعث العمل مثلاً: أن يعمل العمل إيماناً بالله وإرضاءً لله، وقد يعمل عملاً لأجل أي شيء آخر، فالباعث على العمل قد يكون شهرة ورياءً، وقد يكون للدنيا، وقد يكون للهوى، أو عن عادة وتقليد، تسأل بعض الناس: لماذا تعمل؟

    فيقول: هذه تعودنا عليها، ومثل ذلك أن يقول: كل من حولنا يعملون مثل ذلك .. فلا بد أن يكون الباعث على العمل الصالح هو الإيمان، وغايته: ثواب الله وابتغاء مرضاته، وإلا فلا يكون العمل صالحاً، وكثيراً ما يقرن الرسول صلى الله عليه وسلم بين هذين الأصلين، مثل قوله: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً..) فالإيمان هو الدافع للعمل، والاحتساب هو الغاية من العمل، وهو احتساب الأجر والثواب، ومثل قوله: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً)، فالاحتساب هو الغاية التي لأجلها يبدأ الإنسان في العمل.

    وإذا قرن أحدهما بالآخر (البر والتقوى) مثل قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2] فما هو الفرق بينهما؟

    قلنا: إذا افترق كل واحد عن الآخر فقد يدخل الأول في الثاني .. البر كلمة جامعة، والتقوى كلمة جامعة، لكن إذا اجتمعا فما هو الفرق بينهما؟

    الفرق: أن البر هو العمل المطلوب لذاته، والتقوى هي الوسيلة الموصلة إليه.

    ضرر الجهل بحدود الله

    لا شك أن الإنسان لا يمكن أن يعمل عملاً صالحاً دون أن يكون عنده علم يعمل بناء عليه، ومعرفة الأحكام وحدود الله تعالى هي التي تجنب الإنسان من الوقوع في الضلال.

    وقد ذم الله تعالى في كتابه من ليس عنده علم بحدود ما أنزل الله على رسوله، والذي ليس عنده علم سيقع في أحد محذورين:

    الأول: أن يدخل في الشي ء الحرام أمراً ليس منه، أو في الشيء الحلال أمراً ليس منه، ويسوي بينهما، فيجعل الشيء مباحاً وهو ليس بمباح، أو يجعله محرماً وهو ليس بمحرم، وقد يُخرج من شيء أباحه الله أمراً يحرمه بهواه، أو يخرج من شيء حرمه الله شيئاً أباحه الله بهواه، أو العكس.

    فمثلاً: الخمر حرَّمها الله، وهو اسم شامل لكل مسكر، فيأتي رجل ويخرج من المسكر شراباً معيناً، ويقول: هذا حلال، بهواه أو بجهله، فيفرق بين ما سوت الشريعة بينه في الحكم.

    أو يُخرج نوعاً من الربا، ويقول: هذا ليس رباً، والربا إذا كان (5%) فهو حلال، وإذا كان (15%) أو أكثر فهو حرام!!

    ما هذا التفريق؟! إنه تفريق ضلال؛ لأن الشريعة سوَّت بين الربا في كل صوره وأشكاله.

    أو يقول: الربا إذا كان على فقير فهو حرام، أما إذا أخذته من غني فهو حلال، ويفرق بين ما سوت الشريعة بينه من الصور.

    وكذلك لو أنه أدخل في النكاح ما ليس بمسمى النكاح الشرعي، ويقول: هذا نكاح شرعي، فيسوي بين حرام وحلال، والله أباح النكاح، وهذا قد أدخل في النكاح صورة من صور النكاح ليست حلالاً؛ كنكاح الشغار، ونكاح المتعة ... إلى آخره.

    إذاً: العلم هو الذي يميز به الإنسان حدود الله تعالى، والمقصود من اجتماع الناس وتعاشرهم هو التعاون على البر والتقوى، لأن الله يعلم أن الإنسان بمفرده لا يستطيع أن يُقيم الدين كله، ولا أن يتعلم الدين كله، وأن الناس لا يزال يتعلم بعضهم من بعض، ويعاون بعضهم بعضاً على إقامة الدين، ولذلك قال: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2] ومن حكمة الله أن جعل الناس يحتاجون إلى بعض، ويعيشون مع بعض، وأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش لوحده منفرداً؛ فالإنسان مدني بطبعه، واجتماعي بطبعه.

    معنى الإثم والعدوان والفرق بينهما

    ونهانا عن التعاون على الإثم والعدوان، فما هو الفرق بين الإثم والعدوان؟

    مثل: البر والتقوى، الإثم سيدخل في العدوان؛ لأنه نوع من الاعتداء، والعدوان سيدخل في الإثم؛ لأن الذي يقوم بالاعتداء آثم، هذا إذا افترقا فيكونان بهذا المعنى، وإذا اجتمعا كما في قوله تعالى: وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى اْلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] فلا يمكن أن نقول: إنها مجرد تكرار، فما هو الفرق بين الإثم والعدوان؟

    الإثم: ما كان حراماً لجنسه، مثل: الزنا، والخمر، والسرقة .. والعدوان: ما كان حراماً لزيادة في قدره، وتعدٍ لما أباح الله، فلو تزوج رجل خامسة، فإنه يعتبر عدواناً، ولو قطع شخص يد شخص، فجاء الثاني وقطع يديه في استيفاء الحق في القصاص، أو الظالم قطع يديه، فإنه يعتبر عدواناً.

    فالعدوان: هو تعدي حدود الله عز وجل، وقد قال الله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا [البقرة:229].. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا [البقرة:187] فنهى عن أمرين بالنسبة لحدود الله:

    1- تعدي الحدود.

    2- نهى عن قربان الحدود، لا تتعدَّ ولا تقترب .. لماذا؟

    لأن الحدود هي النهايات الفاصلة بين الحلال والحرام، والحد قد يكون من الشيء تارة، وقد يكون منفصلاً عنه تارة، أي: الحد بين الشيئين، أحياناً يكون من أحدهما، وأحياناً يكون برزخاً وحاجزاً بينهما، فإذا كان الحد أحدهما.. إذا كان حد الحرام جزءاً منه، فما هي الآية المناسبة؟

    قوله تعالى: فَلا تَقْرَبُوهَا [البقرة:187].

    وإذا كان الحد هو برزخ منفصل لا من هذا ولا من هذا، فما هي الآية المناسبة؟

    قوله تعالى: فَلا تَعْتَدُوهَا [البقرة:229].

    وهذا كله من فقهه رحمه الله؛ الربط بين الآيات والواقع وبين المعاني، هذه اشياء لا تتأتى إلا لأهل العلم.

    واجب العبد فيما بينه وبين الخلق وبينه وبين الحق

    وهذا كله من فقهه رحمه الله؛ الربط بين الآيات والواقع وبين المعاني، هذه أشياء لا تتأتى إلا لأهل العلم.

    تكلمنا عن قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] وأن الإنسان في طبيعته في الأرض له علاقة بينه وبين الله، وبينه وبين الناس، وقد تكلمنا عن أشياء فيما يتعلق بينه وبين الناس.

    أما العلاقة بينه وبين الله، فلابد أن تكون التقوى هي الضابط في العلاقة بين العبد وربه، قال الله عز وجل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ [المائدة:2] فتقوى الله هي العلاقة بين العبد وربه.

    وكذلك يتقي الله العبد في العلاقة بينه وبين الناس، ولا يمكن للإنسان أن يقوم بعلاقة صحيحة مع الله ومع الخلق إلا بتحقيق التقوى، ولا يمكن أن يقيم علاقة صحيحة مع الخلق إلا إذا كان هناك نصيحة وإحسان من جهة الخلق، وإخلاص ومحبة وعبودية من جهة الخالق.

    1.   

    الهجرة إلى الله ورسوله

    ثم طالعنا ابن القيم -رحمه الله- في هذه الرسالة بعبارة جميلة من عباراته التي ترد عادة في كتبه، قال: "لما فصل عير السفر أي: خرجت من البلد وهي الإبل أو القافلة- واستوطن المسافر دار الغربة، وحيل بينه وبين مألوفاته وعوائده المتعلقة بالوطن ولوازمه .." ماذا يصير عند الواحد إذا خرج من المكان الذي فيه كل ما يعتاده وكل المألوفات والأقارب؟

    يحصل له وحشة وحنين، ويحصل له في ذهنه فراغ، وإذا غادر المكان الذي يعيش فيه باستمرار، تحصل له فكرة لم تحصل له وهو يعيش فيه؛ لأنه ابتعد عن الشيء، والعلاقة قد ضعفت أو انقطعت به.

    قال: "أحدث له ذلك نظراً، فأجال فكره في أهم ما يقطع به منازل السفر إلى الله، وينفق فيه بقية عمره، فأرشده من بيده الرشد -وهو الله عز وجل- إلى أن أهم شيء يقصده إنما هو الهجرة إلى الله ورسوله، فإنها فرض عين على كل أحد في كل وقت".

    أنواع الهجرة

    والهجرة نوعان:

    الهجرة الأولى: هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة.

    الهجرة الثانية: وهي التي لا بد منها لكل أحد، هي الهجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه هي الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها، ولو لم تحصل هذه الهجرة الثانية، فلن تحصل الهجرة الأولى.

    مبدأ الهجرة ومنتهاها

    قال: (وهي هجرة تتضمن (من) و(إلى)؛ فيهاجر المسلم بقلبه من محبة غير الله إلى محبة الله).

    الهجرة بالجسد من دار الكفر إلى دار الإسلام وهذه معروفة، والهجرة الأخرى هي هجرة القلب، التي لا بد لكل أحد منها، وهذا هو المعنى المهم جداً، الذي انطوى عليه هذا الفصل، والذي هو الرسالة التبوكية .. أن يُهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبة الله، ومن عبودية غير الله إلى عبودية الله، ومن خوف غير الله إلى خوف الله، ومن رجاء غير الله إلى رجاء الله، ومن التوكل على غير الله إلى التوكل على الله، وهكذا ... وهذا معنى قوله تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات:50].

    الفرار من الله إليه

    قال ابن القيم رحمه الله: (وتحت (من) و(إلى) في هذا سر عظيم من أسرار التوحيد، فإن الفرار إلى الله سبحانه وتعالى يتضمن إفراده بالطلب والعبودية) كيف تهاجر وتفر من غيره إليه؟

    إذا جردت الإخلاص وجردت العبودية، بحيث تكون العبودية لواحد وهو الله عز وجل، ومن تصور هذا المفهوم سهل عليه أن يفهم معنى حديث: (وأعوذ بك منك) وسهل عليه أن يفهم معنى حديث: (لا ملجأ منك إلا إليك).

    وهذه الكلمات عندما يقرؤها الإمام في دعاء التراويح لا يفهمها إلا قليل من الناس، وبالنسبة لكثير منهم تكون طلاسم .. ما معنى (لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك

    قد يعتبرون هذه ألغازاً، لكن الحقيقة أن كل شيء في الكون تفر منه .. من أذى أو ظلم أو .. إلخ، فهو بتقدير الله ومشيئته، والله هو الذي خلقه.

    وكذلك أنت تفر من عقاب الله، وتفر من أسباب سخط الله... تفر إليه عائذاً به مستجيراً سائلاً أن يحميك من الوقوع في معاصيه، وأن يرزقك الطاعة والأجر والفوز بالجنة، وكل أحد إذا خفت منه هربت منه -سواء أكان حيواناً أو إنساناً- إلا الله عز وجل؛ فإنك إذا خفت منه هربت إليه .. أين ستذهب؟

    أي إنسان مخلوق موجود هنا -مثلاً- وهو ظالم وتخشى منه، فسوف تهرب منه إلى بلدة أخرى، لترتاح منه، وتنفث بريشك، ولكن الله عز وجل إلى أين تهرب منه؟

    أينما هربت فثمَّ وجه الله، وأنت في ملكه، لا يمكن أن تفر ولا تخرج، فلا مفر لك منه إلا إليه، ولا مفر من عقابه إلا إلى نعيمه، ولا مفر من معصيته إلا إلى طاعته، ولا مفر من قدرته إلا إليه سبحانه وتعالى، وكل شيء مخلوق في الوجود من الظلم الذي أنت تفر منه أو الشر؛ فهو خالقه، فأنت تفر من هذا الشيء إلى ما ينجيك، وتأخذ بالأسباب التي قدَّرها وشرعها سبحانه وتعالى.

    فالمقصود أن الهجرة إلى الله تتضمن هجر ما يكرهه الله إلى ما يحبه ويرضاه، وكل واحد يهاجر من شيء إلى شيء، ويترك بلداً إلى بلد، ووظيفة إلى وظيفة، وشخصاً إلى شخص، في العلاقات وإقامة العلاقات، وما يحمله على هذه الهجرة والترك إلى ذلك الطرف الآخر، إلا أن المهاجر إليه أحب إليه من المهاجر منه، وإلا لما هاجر.

    فإذا قال أحد: كيف أهجر ما نهى الله عنه؟

    كيف أهجر المعاصي؟

    كيف أهجر الفسوق؟

    كيف أهجر قرناء السوء؟

    كيف أهجر مكان الحرام؟

    نقول: لا بد أن يكون الطرف الذي ستذهب إليه أحب إليك من الطرف الذي ستخرج منه.

    ولذلك فالهجرة مرتبطة بالمحبة، ولما كانت الهجرة شاقة على النفس، فلا بد أن هناك شيئاً يعوض المشقة حتى تستطيع الفكاك والهرب والهجرة، فإذا لم ترجع محبة الطرف الثاني الذي ستهاجر إليه على محبتك للطرف الأول؛ فلن تحصل الهجرة، ومن هنا كانت تقوية محبة الله تعالى أمراً أساسياً في حدوث الهجرة، سواء هجرة الجسد أو هجرة القلب.

    لقد كان خروج المهاجرين من مكة إلى المدينة أمراً شاقاً، حتى إنهم مرضوا في المدينة ، وأصابتهم الحمى، وصار أبو بكر وبلال يأتيان بالأشعار التي فيها التلهف والحنين إلى الإذخر والجليل، وجبال مكة ، والبلاد التي خرجوا منها، والجو والبيوت، ولكن ما هو الذي عوضهم عن ذلك كله؟

    إنه محبتهم لله ورسوله، وللدار التي تحكم بما أنزل الله ويحكمها رسوله.

    سبب قوة الهجرة وضعفها

    والهجرة -كما يذكر ابن القيم رحمه الله في هذه الرسالة- تقوى وتضعف بحسب داعي المحبة في قلب العبد، فكلما كانت المحبة أقوى كانت الهجرة أقوى .. وبعض الناس يهجرون المعاصي هجراً جزئياً، وبعض الناس يهجرونها نسبة أكثر، وبعض الناس يهجرونها هجرة كلية، فما هو السبب الذي فاوت بين هؤلاء؟

    إنه المحبة.

    وعندما يكون الواحد لا يزال قلبه يحب المنكر، ولو وعظ موعظة أو قصة انتهى عن ذلك، وربما يترك تركاً مؤقتاً، أو يترك تركاً جزئياً، لأنه لا زال فيه تعلق ومحبة للشيء الأول، لكن إذا صارت محبة الله طاغية، انقطعت العلاقة.

    الهجرة العارضة والهجرة الدائمة

    وهناك هجرتان: هجرة عارضة، وهجرة دائمة.

    فالهجرة العارضة هي هجرة الجسد، فـابن القيم -رحمه الله- يتعجب من بعض الفقهاء أو من بعض المؤلفين الذين يركزون على الهجرة العارضة، وهي هجرة الجسد، ويذكرون الفروع والأحكام المتعلقة بها، ويوسعون فيها المسائل، وربما لن تمر على بعض الناس مطلقاً ولا مرة واحدة، وربما أنت في حياتك لا تحتاج إلى هذه الهجرة، في الوقت الذي يفوتون ويغفلون الكلام عن الهجرة الدائمة الواجبة على مدى الأنفاس، وهي هجرة القلب.

    ولذلك يعد ابن القيم بحق من العلماء الذين تكلموا في الفقه والأحكام، وتكلموا -أيضاً- في القلوب.

    أي: هناك توازن كبير بين كلامه في الفقه وكلامه في أحكام القلوب وأحكام الحلال والحرام، وهنا يريد أن يتوصل ابن القيم إلى شيء مهم، لما كان في عهده صنم الفلسفة وعلم الكلام قائماً، وطاغوت التعصب المذهبي موجوداً، وكانت هذه الأوثان تُعبد من دون الله؛ علم الكلام والفلسفة ، والتعصب المذهبي، منكران شائعان في عصره ..

    فكيف يستطيع ابن القيم وهو الداعية أن يحرر الناس من عبادة هذه الأوثان؛ وثن الفلسفة، ووثن التعصب المذهبي؟

    طرح مفهوم الهجرة هنا لأجل أن يقول: أنتم أيها الواقعون في البدعة أو في الأخطاء بسبب تعصبكم المذهبي، متى يمكن أن تتركوا التعصب المذهبي أو البدع إلى السنة واتباع الدليل؟

    يجب عليكم أن تهاجروا من البدعة إلى السنة، وتهاجروا من التعصب إلى اتباع الدليل، وتهاجروا من علم الكلام والفلسفة إلى طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا يمكن أن تهاجروا حتى تكون السنة والدليل الصحيح أحب إليكم من المذاهب، وإذا ما حصل هذا فلن تفعلوا ذلك.

    1.   

    الهجرة إلى رسول الله

    ولذلك طرح هنا مفهوم الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وحتى يوسع القضية ولا يظن الناس أن الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كانت في المدينة وانقطعت الآن؛ فإن الهجرة إلى الرسول صلى عليه وسلم باقية وموجودة، وذلك بالهجرة إلى سنته، وإلى حديثه، وإلى طريقته .. وقد شكا الغربة من قلة هذه الهجرة، فقال: وأما الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلم لم يبق منه سوى اسمه، ومنهج لم تترك بنيات الطريق سوى رسمه.

    فصارت الهجرة النبوية كما يقول: شأنها شديد، وطريقها على غير المعتاد بعيد .. وشكا الأذى الذي يجده من بني قومه ممن حوله من الناس، عندما يتبع السنة والدليل، ويقولون له: أنت تخالف المذهب.. أنت تخالف أئمتنا.. أنت خارج عن كلام فلان وفلان، ونحو ذلك.

    حد الهجرة إلى رسول الله

    ثم شرع يعرف الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: سفر النفس في كل مسألة من مسائل الإيمان، ومنزلٍ من منازل القلوب وحادثة من حوادث الأحكام، إلى معدن الهدى، ومنبع النور المتلقى من فم الصادق المصدوق، الذي وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، فكل مسألة طلعت عليها شمس رسالته وإلا فاقذف بها في بحر الظلمات.

    فلو عندك أي حكم أو أي شيء سمعته أو رأيته أو قرأته أو حفظته، فلابد أن تعرضه على السنة، فإن وافقته السنة فتمسك به، وإن خالفته السنة فاقذف به.

    بعض الناس عندما تأتي وتعلمهم السنة، وافتراض أن بلداً منتشر فيها القنوت في صلاة الفجر، فعندما تأتي وتعلمهم السنة.. فإنهم سيتركون القنوت في الفجر الدائم إلى السنة وهي قنوت النوازل؟

    وإذا خالفتهم كأن صليت بهم ولم تقنت؛ عملت عندهم مصيبة عظيمة، فيعيبونك ويذمونك؛ لأنك أنت مفارق لما عليه الناس، وللطريقة وللجماعة.. ونحو ذلك.

    وبعض الناس يعيش في بيئة -وهذا الكلام مهم جداً، وليس هو فقط في قضية العبادات بل حتى في المحرمات- بعض الناس مثلاً يقولون: عندنا في بيئتنا مصافحة بنت العم وبنت الخال أمر طبيعي، وإذا امتنعت عن مصافحة قريباتي فستكون القطيعة والمشكلات كثيرة جداً، فماذا أفعل؟

    أو تجده يقول: أنا في بيئتي يطوفون بالقبور والأضرحة.. أنا في بيئتي يُقنت في صلاة الفجر باستمرار.. أنا في بيئتي لا تُطبق السنة الفلانية والفلانية، أو تحدث أشياء كثيرة، فما هي الطريقة؟

    الطريقة أن كل شيء في بيئتك تعرضه على السنة، فإن وافقها فخذ، وإن خالفها فارم به، وهكذا ...

    فالعجب للمقيم في مدينة طبائعه وعوائده وما ورثه عن آبائه وأجداده، ولا يريد أن ينتقل إلى مدينة الحق والسنة والدليل وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.

    هذه الهجرة أهم من هجرة الجسد، وهذه الهجرة فرض على كل مسلم، وهي مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله، وعن الهجرة التي تقتضيها شهادة أن لا إله إلا الله سيسأل العبد يوم القيامة، بل قال ابن القيم : وفي البرزخ، وفي كل الدور هو مسئول عنها.

    قال قتادة رحمه الله: "كلمتان يُسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟".

    فالأولى: متعلقة بمبعث العمل وغايته، أشهد أن لا إله إلا الله، إيمان بالله، واحتساب لما عند الله.

    والثانية: متعلقة بكيفية العمل، وهي مرتبطة بشهادة أن محمداً رسول الله، هل تابعت سنته وطريقته في العمل أم لا؟

    تأكيد الله باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال ابن القيم: وهاتان ا لكلمتان هما مضمون الشهادتين، وقد قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].

    انظر إلى المؤكدات التي انطوت عليها هذه الآية.

    أولاً: صدّرها بالنفي فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ [النساء:65] وهذا منهج معروف عند العرب، كما قال الصديق رضي الله عنه: [لاها الله إذاً لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه] هذا كان في قصة أبي قتادة ، لما طالب شخص بسلب من قتله أبو قتادة ، فـأبو بكر نفى ذلك، كيف تُعطى سلب القاتل؟ والقاتل أحق به؟ وكما قال الشاعر:

    فلا والله لا يلقى لما بي     ولا لما بهم أبداً دواء

    هذا النفي المستخدم في الآية أسلوب من الأساليب، فهذه الآية التي قال الله سبحانه وتعالى فيها: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65] في رد الناس إلى السنة، وترك ما هم عليه، فيها مؤكدات كثيرة جداً، مثل النفي الموجود في أوله، كما تجده في أقسام الله تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة:1].. فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [الواقعة:75].. فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ [التكوير:15] وهذا يؤكد الحقيقة المذكورة أكثر.

    ثانياً: القسم نفسه فَلا وَرَبِّكَ [النساء:65] واو القسم.

    ثالثاً: التأكيد بالمقسم به، فإنه أقسم هنا بالرب سبحانه وتعالى، والله يُقسم بالمخلوقات ويُقسم بنفسه سبحانه، فهنا أقسم بنفسه.

    رابعاً: أكده بنفي الحرج: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً [النساء:65] لأن بعض الناس يسمع حكم الله ورسوله لكنه يتحرج منه، بل إنه يود لو أنه ما كان هكذا .. يقول عند صفقة كذا وكذا: ما حكمها؟ فتقول: حرام؛ لأنك أنت بعت ما لا تملك مثلاً، فينصرف عنك، ولو سمع الكلام يسمع وفي نفسه حزازة، بل يتمنى أن الحكم ما كان، لأنه فوت عليه أشياء.

    خامساً: تأكيد الفعل بالمصدر، قال سبحانه وتعالى: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] فكأنه قال: (ويسلموا) مرتين، لأجل ألا يكون هناك أي نوع من أنواع الاعتراض، ويكون هناك كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم.

    1.   

    كيفية حبنا للرسول صلى الله عليه وسلم

    ولذلك طرح هنا مفهوم الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وحتى يوسع القضية ولا يظن الناس أن الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كانت في المدينة وانقطعت الآن؛ فإن الهجرة إلى الرسول صلى عليه وسلم باقية وموجودة، وذلك بالهجرة إلى سنته، وإلى حديثه، وإلى طريقته .. وقد شكا الغربة من قلة هذه الهجرة، فقال: وأما الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلم لم يبق منه سوى اسمه، ومنهج لم تترك بنيات الطريق سوى رسمه.

    فصارت الهجرة النبوية كما يقول: شأنها شديد، وطريقها على غير المعتاد بعيد .. وشكا الأذى الذي يجده من بني قومه ممن حوله من الناس، عندما يتبع السنة والدليل، ويقولون له: أنت تخالف المذهب.. أنت تخالف أئمتنا.. أنت خارج عن كلام فلان وفلان، ونحو ذلك.

    أدعياء المحبة

    لا ينبغي للعبد أن يكون لنفسه حكم أصلاً، بل الحكم على نفسه للرسول صلى الله عليه وسلم يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده، ولا يكون عنده مقررات عقلية ينطلق منها، بل ينطلق من الكتاب والسنة.

    ومن العجب أن بعض الناس يقول: هات فإن وافق عقلي قبلت، وإن خالف عقلي رددت، فيجعل عقله هو الحكم على الكتاب والسنة، والإعراض عما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الإثم العدوان، وقد قال الله تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء:135].

    إن اللي والإعراض هما السببان الموجبان لكتمان الحق وتركه، فأول ما يحاول أصحاب الباطل أن يلووا الأمور، ويحرفونها، فإذا ما استطاعوا أعرضوا عنها، فكانوا كالشيطان الأخرس.

    اللي: هو التحريف، فقد يحرفون الألفاظ، إما بزيادة أو نقصان أو تبديل، يقول لك: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] أي: استولى، فيزيد لاماً، واليهود ماذا كانوا يقولون في السلام عليكم؟ كانوا ينقصون اللام، ويقولون: السام عليكم، هذا ليّ وتحريف، وقد يحرفون المعنى، قد يحرف اللفظ وقد يحرف المعنى، فيقول: المقصود بكذا كذا، غير ما قصده الله وما أراده سبحانه وتعالى، وبعضهم يُعرض إعراضاً تاماً عن الدليل، وينبغي على الإنسان ألا يختار لنفسه، وإنما يكون لله ولرسوله الخيرة، فإذا ثبت لله ورسوله اختيار معين وجبت الطاعة والاتباع، ومن استبانت له سنة لم يكن له أن يدعها لقول أحد، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله، وقد قال الله عز وجل: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [التغابن:12].. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ [النور:54].

    إذا توليتم عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنما عليه ما حمل، وماذا حمل النبي صلى الله عليه وسلم؟

    حمل التبليغ، وعلينا ما حملنا وهو التنفيذ والعمل، فالرسول صلى الله عليه وسلم غير مكلف بتنفيذنا نحن، إنما هو مكلف بالتبليغ فقط، وكل داعية ليس مكلفاً بأن يهتدي الناس ويؤمنوا، هذا شيء لا يملكه، هو مكلف بالتبليغ فقط.

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء:59].

    فأمر بطاعته وطاعة رسوله، وصدّر الخطاب بـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النساء:59] ولم يأتِ بصفة أخرى؛ لأنه نادى بالصفة التي تقتضي الأمر، فالصفة هي صفة الإيمان، كأن تقول: يأيها الحاكم! احكم، يأيها المنعم عليه! أحسن، ويأيها العالم! علِّم، فعندما ناديته بهذا النداء؛ يُفهم منه أن الشيء له علاقة بالموضوع، وأنه يقتضيه الموضوع، فلما قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] عُلِمَ أن هذا من مقتضيات الإيمان، لأنه ناداهم به.

    طاعة الرسول من طاعة الله

    لماذا قال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء:59] فذكر طاعتين؟ حتى لا يتوهم أحد أن الشيء الذي يأمر به الرسول صلى الله عليه وسلم وليس موجوداً في القرآن أنه غير واجب، كما قال عليه الصلاة والسلام: (يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله تعالى، ما وجدنا فيه من شيء اتبعناه، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه) الذي أنزله الله وأوجب اتباعه مثل الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم واجب الاتباع.

    وتأمل كيف أفرد لنفسه طاعة، وللرسول طاعة، وأدخل طاعة أولي الأمر في طاعة الله ورسوله، ولم يفرد الطاعة؛ لأنها تبع، فلو خالفوا ما وجبت لهم طاعة: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] في أي نزاع، وأي قضية، لا بد من الرد إلى الكتاب والسنة .. إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء:59] هذا شرط، إذا كنتم تؤمنون فردوه وإذا ما رددتموه، فمعنى ذلك أنكم غير مؤمنين بالله واليوم الآخر.

    وهذه آية كما قال رحمه الله: عاصمة قاصمة، تعصم المتمسك بها، وتقصم ظهر المخالف لها، فإذا أطعنا الله وأطعنا الرسول وكل شيء تنازعنا فيه رددناه إلى الله والرسول، فإن الذي سيحصل لنا هو الخير: ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:59] وكل خير في العالم يحدث بسبب طاعة الله ورسوله، وكل شر في العالم يحدث بسبب مخالفة الله ورسوله، وهذا أمر معروف.

    فإذا صرت إنساناً تطيع الله والرسول، وترد إلى الله والرسول كل شيء يحصل عندك فيه لبس أو غبش أو جهل أو نزاع؛ فإنك تكون قد كملت نفسك، وبقي عليك أمران:

    الأول: دعوة الخلق إلى هذا الحق.

    الثاني: الصبر على ما تلقاه.

    فصار عندنا علم وعمل ودعوة وصبر، هذه أربعة مراتب إذا عملها الإنسان فقد بلغ كماله.

    ومن الصوارف: العلاقة بالخلق عن الحق، إذا كانت العلاقة سلبية وغير صحيحة، ولذلك اختار العلماء العزلة حينما يكون الأشرار محيطين بالإنسان، وحين ذلك لا بد أن يفارقهم.

    لقاء الناس ليس يفيد شيئاً     سوى الهذيان من قيل وقال

    فأقلل من لقاء الناس إلا     لأخذ العلم أو إصلاح حال

    تعاون على البر والتقوى، اجعل علاقتك بالناس قائمة على: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2] وإذا ما وجد التعاون على البر والتقوى فاقطع العلاقة، هذا هو الصحيح.

    حال المتخالين على غير طاعة رسول الله

    وقال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً [الفرقان:27-28] فيتندم: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] فتتقطع الأسباب، ويلعن بعضهم بعضاً، ويقول الأتباع: رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب:68] فهؤلاء هم الذين ستتقطع بهم الأسباب، إلا أولياء الله سبحانه وتعالى، لأن علاقتهم كانت بالله فاستمرت العلاقات.

    يوم القيامة لا تتقطع علاقة الإخوان في الله ببعضهم، لكن تتقطع كل العلاقات الأخرى؛ لأن العلاقات المبنية على العلاقة بالله قائمة ومستمرة إلى يوم القيامة، وأما المبنية على الدنيا والهوى فإنها تتقطع ويلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، وستكون هناك معركة كبيرة جداً يوم القيامة، بين الأتباع والمتبوعين، وكل من تابع آخر في باطل سيسبه ويشتمه، وكل المودات والعلاقات والموالات التي كانت في الدنيا لغير الله، ستنقطع يوم القيامة، ولا تنفعه لا في دار البرزخ ولا في دار الآخرة، وأما العلاقة بالله فإنها تبقى قائمة:

    إذا انقطع حبل الوصل بينهـم     فللمحبين حبل غير منقطع

    وإن تصدع شمل القوم بينهـم     فللمحبين شمل غير منصدع

    هؤلاء أتباع الأشقاء، بينهم يوم القيامة عداوات ومعارك، ولعن وسب وشتم، ولكلٍّ صعف من العذاب.

    الأتباع السعداء

    أما أتباع السعداء فنوعان:

    النوع الأول: الذين يكونون مستقلين، اتباع استقلالي، الذين قال الله فيهم: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [التوبة:100] هؤلاء السعداء تبعوا النبي صلى الله عليه وسلم وتبعوا أصحابه.. كيف تبعوهم؟ تبعوهم بإحسان، فلا بد أن يكون هناك إحسان في الاتباع، ومن الناس من أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه، ومنهم من لم يدركه ولم يلحقه، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة الجمعة: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [الجمعة:2-4].

    فالذين مع النبي صلى الله عليه وسلم لحقوا به في الزمن والفضل، ومن جاء بعدهم ما لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم في الزمن، فلن يلحق في الفضل، ولأن فضل الصحابة لن يجاريه أحد، لكنه سيكون له أجر وفضل لاتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذا الاتباع الذي يستلزم حسن الأخذ، وحسن التلقي، وحسن التطبيق، مبني على تشرب السنة، وأخذ العلم.

    أنزل الله سبحانه وتعالى الوحي من السماء غيثاً للقلوب، والغيث كما أنه يحيي الأرض، فكذلك يحيي الله القلوب بالوحي، والأراضي أنواع:

    1- أرض تأخذ الماء وتنبت من كل زوج بهيج.

    2- وأرض صلبة تأخذ الماء وتحفظه ولا تنبت شيئاً، لكن الماء لا يضيع.

    3- وأرض لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، إنما هي قيعان، وهذه أمثلة تفاعل النفوس مع العلم، فهناك نفوس إذا سمعت الأدلة وكلام الله وكلام رسوله أنبتت الثمار، ونفع الله بها، وانتفع الخلق، وهناك نفوس تسمع النصوص وتحفظها.. صالحة في نفسها، لكن لا تستطيع أن تستنبط من النصوص ولا تُعلِّم، فما هو كمالها وحسبها؟

    أن تنقل هذا العلم لغيرها حتى يستفيد منه، وهذا معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقيه) ومثل هاتين الدرجتين كالتاجر الخبير بوجوه المكاسب والتجارات، فهذا يشغل المال ويكسب منه ويثمر، وآخر يحفظ المال، لكنه لا يستطيع أن ينميه.

    وهناك الطائفة الأخرى: التي لا تمسك شيئاً ولا تنبت شيئاً، فلا فائدة للغير ولا فائدة لنفسها.

    1.   

    أطفال المؤمنين يلحقون بآبائهم في الجنة

    هناك أتباع مُلحقين، وهم كل من تابع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بإحسان، فسيلحق بهم يوم القيامة، وهناك أتباع ملحقين مثل أطفال المؤمنين، قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21].

    وعندما يلحق الولد المؤمن بأبيه المؤمن في الآخرة وفي الجنة، هل معنى ذلك أن عمل الأب سيوزع على الأب والولد، أي: ينقص عمل الأب لكي يدخل الولد معه الجنة؟

    الجواب: لا، قال تعالى: وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21] وحتى لا يتصور أن الأب إذا كان قد عمل سيئة فسيعاقب عليها الولد -أيضاً- من باب الاتباع والإلحاق، فقد قال الله سبحانه وتعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر:18]، ولذلك الإلحاق هنا في الفضل والثواب وليس في العدل والعقاب، فإن الولد ليس له دخل بسيئة أبيه.

    1.   

    زاد السفر إلى الله وطريقه ومركبه

    السفر إلى الله يحتاج إلى زاد، والزاد هو العلم، ولا بد أن يكون الرفقاء في السفر طيبين؛ حتى يصل الإنسان بسلامة، وهذا معنى قولنا: إنه يجب على الإنسان أن يكون عنده قرناء صالحون وأخيار وأصحاب طيبون، حتى يصل معهم إلى بر السلامة، والذي يتخذ أناساً من قرناء السوء يحملونه على المنكر والمعاصي فإنه سيتضرر بهم في الدنيا ويوم القيامة عندما يكون معهم في العقاب، فلن ينفعهم اشتراك بعضهم مع بعض في العقاب، كما قال الله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف:39] لكن في الدنيا لو صارت مصيبة على الجميع فكل واحد يخف عنه الألم لما يجده من مصاب الآخرين، فهذه الخنساء عندما قتل أخوها صخر ، عزت نفسها بأن كثيراً من النساء قد قتل أزواجهن أو أولادهن، فقالت:

    ولولا كثرة الباكين حولي     على إخوانهم لقتلت نفسي

    وما يبكون مثل أخي ولكـن     أسلي النفس عنهم بالتأسي

    تقول: أخي أفضل وأكرم وأحسن، لكن المصيبة لما اشتركوا فيها خف الألم، لكن يوم القيامة عندما يكون أهل السوء مع بعضهم البعض في النار فلن يخف عنهم الألم، ولا عزاء لبعضهم في اشتراكهم في العذاب.

    والذي يريد أن يسير إلى الله تعالى لا بد أن يكون له مركب يركب عليه .. ذكرنا أن الزاد هو العلم، وانظر إلى التشبيه البليغ من ابن القيم رحمه الله.. المسافر يحتاج إلى زاد، ويحتاج إلى دابة، ويحتاج إلى رفقة، وقد ذكرنا أن الزاد هو العلم، وبينا أمر الرفقة وهم الإخوان الصالحون، فما هو الظهر الذي سيركب عليه؟

    يقول ابن القيم رحمه الله: لا يمكن أن تصل إلا إذا امتطيت مطيتين:

    الأولى: مطية الصبر على لوم اللائمين.

    الثانية: أن تهون نفسك لله، ولا تبالي بمن خالفك، فإذا لم تبالِ بمن خالف الحق، وإذا صبرت على أذى المخالفين للحق فسوف تصل، ومدار هذين الأمرين على الصبر، وأن يكون مركبك اللجوء إلى الله، والاستعانة بالله، والانطراح بين يديه، والتطلع لما عنده، أن يلم شعثك، ويمدك بفضله، ويسترك بستره.

    1.   

    التفكر في آيات الله والتدبر في كتابه الكريم

    قال ابن القيم: ورأس الأمر وعموده التفكر في آلاء الله، والتدبر في آيات الله، وقد تجد شخصاً جالساً فتقول: ماذا يفعل هذا؟! وإن كان ثابتاً ببدنه، لكن عقله جوال في آيات الله المسطورة والمنثورة، يتأمل فيها، وإذا كان الإنسان عنده علم بالتفسير، استطاع أن ينظر ويتفكر في آيات الله عز وجل، وصارت خواطره وفكره مستودع للاستنباطات والفهم من كتاب الله تعالى، وتراه ساكناً وهو يباري الريح وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:88] وتدبر القرآن وتفهمه من أعظم الأمور.

    ثم قال ابن القيم رحمه الله: إن قلت لي: اضرب لي مثلاً على التدبر في القرآن كيف يكون؟

    فسأقول لك: آيات في الكتاب العزيز، إذا قرأها الشخص العادي يفهم شيئاً، وإذا تدبرها صاحب العلم يفهم شيئاً آخر، هذه الآيات هي قول الله تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ [الذاريات:28-29].

    قال: هذه الآيات لو طرحت على الشخص العادي، فسيخرج منها أن الملائكة أتوا إبراهيم في صورة أضياف يأكلون ويشربون، وبشروه بغلام، والمرأة لما سمعت ضربت وجهها .. قال: فاسمع الآن ما فيها من الأسرار:

    أولاً: إن الله سبحانه وتعالى قال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ [الذاريات:24] افتتحها بأداة استفهام، وهذه الأداة تدل على شيء، فإنها تنبه الشخص لما سيأتيه من العلم، وأن هذا العلم من الغيب مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود:49]، وكذلك تستخدم لتضخيم الشيء: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية:1]، وتستخدم لما سيقصه عليه من نبأ الغيب: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [النازعات:15].. وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ [ص:21].. هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات:24] ولما وصفهم بأنهم مكرمون؛ عرفنا أن إبراهيم قد أكرمهم، فإذاً إبراهيم يُكرم الضيوف وهذه من مناقبه، ولو كان المقصود بالمكرمين أن الله كرمهم، فكون إبراهيم يُكرم من كرمه الله، يعتبر من مناقبه أنه كرَّم المكرمين.

    فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ [الذاريات:25] سلاماً جملة فعلية، وسلامٌ جملة اسمية، والشيء الفعلي يقتضي التجدد والحدوث، والشيء الاسمي يقتضي الثبات والاستقرار، فإذاً: سلامٌ أبلغ؛ لأنها تقتضي الثبات والاستقرار، فكانت تحيته لهم من باب قوله تعالى: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86].

    قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات:25] ولم يقل: من أنتم؟ أنتم قوم منكرون، ولم يقل: أنا أنكركم، فدل ذلك على لطافة أسلوبه مع ضيفه، فإنه أخبرهم أنه ما رآهم من قبل، لكن لم يخبرهم بأسلوب فيه فجوة بينه وبينهم، ثم إنه راغ إلى أهله: فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ [الذاريات:26] باختفاء وسرعة، وهذا هو الروغان، حتى لا يخجّلهم، لا كما يفعله بعض الناس مع ضيوفهم، فإنه يبرز بمرأى منه، ويخرج النقود، ويستدعي الولد، ويقول: خذ اشترِ لنا كذا من السوق، وهاتِ لنا كذا، أمام الضيوف، فإنه استقبال بارد، ويتضمن تخجيلاً للضيوف، وتسبباً في سواد وجوههم، لكن إبراهيم بدون أن يستشيرهم، راغ إلى أهله فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26]، فتضمن ذلك أنه خدم ضيوفه بنفسه، ولم يُرسل عبداً ولا ولداً.

    ثانياً: أنه جاءهم بحيوان تام، لينتقوا منه ما يشاءون، بعجل كامل، ثم إنه سمين وليس بهزيل، فهو يضيف الناس من نفائس ماله، فقربه إليهم، ولم يقل: تعالوا واقتربوا، وإنما قرب الطعام، وهذا أبلغ في الإكرام، ثم إنه قال: أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات:91] فعرض عليهم الأكل بصيغة لطيفة، ولم يقل: كلوا، ضعوا أيديكم.. ونحو ذلك، أو سكت، فيتحرج الضيف، هل يمد يده أو ينتظر إشارة المد؟ فقال إبراهيم: ألا تأكلون؟ وهكذا ...

    فإذا قارنت بين المعنى العام الذي يفهمه الشخص وبين هذه الدقائق التي لا يُتوصل إليها إلا بالتدبر في الآيات؛ لوجدت ما معنى التدبر في القرآن الكريم؟!

    1.   

    الرفيق والطريق

    ثم قال ابن القيمرحمه الله: (إذا أردت أن تسير إلى الله سيراً حثيثاً قوياً، فعليك بمرافقة الأموات الذين هم في العالم أحياء، واحذر من مرافقة الأحياء الذين هم في الناس أموات ).

    من هم الأموات الذين هم في العالم أحياء؟

    إنهم الصحابة والعلماء وأهل الفضل والكتب، كتبهم وعلمهم، وإن مات المؤلف فعلمه حي بين الناس، كما قالوا: تصنيف العالم ولده المخلد، ليس ولداً عمره ستون أو سبعون سنة ويموت، فانظر إلى كتبهم رحمهم الله، كتب العلماء النافعة، فإنها مئات السنين مستمرة وباقية، ووصلت إلينا، فرافق الأموات الذين هم في العالم أحياء، وتجنب أن ترافق الأحياء الذين هم في الناس أموات.. أموات بسبب معاصيهم وضلالهم وضياع أوقاتهم، وتضييعهم لأوقات غيرهم.

    يقول: إياك أن ترافق هؤلاء، فإنك لن تستفيد مطلقاً، فإذا حصلت هذه الأمور كان الأصل طيباً، وكان العود طيباً، وكانت النفس قوية، وصار العلم موجوداً، والصحوة الطيبة موجودة، والزاد إلى الله موجود، فإنك ستصل إلى الله بسلام.

    هذا تمام الكلام عن استعراض هذه الرسالة لـابن القيم -رحمه الله- وهي الرسالة التبوكية ، التي أرسلها من تبوك -كما قلنا- ونبه فيها على سير المسلم إلى الله عز وجل .. نسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد.