إسلام ويب

كيف نتعامل مع أخطاء الناس؟للشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى خلق البشر وجعل من طبيعتهم الخطأ، وجعل من مهمتنا نحن المسلمين أن نعلم الناس ونبين لهم الخطأ من الصواب، وقد رغبنا الله عز وجل في أكثر من موضع في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في تعليم الناس الخير، وفي هذا الدرس يتعرض الشيخ لبعض الأساليب في تصحيح الخطأ والتعامل مع المخطئين.

    1.   

    الخطأ من طبيعة البشر

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعــد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثةٍ بدعة؛ وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

    إخواني: سوف نتحدث عن موضوعٍ لا بد منه للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وهو موضوعٌ نافعٌ للدعاة إلى الله تعالى، ومهمٌ لكل من تحت يديه رعية من أبٍ، أو مدرسٍ، أو مديرٍ.. وما شابه ذلك.

    إن الله سبحانه وتعالى خلقنا خطائين، فمن طبيعة البشر أنهم يخطئون (وخير الخطائين التوابون) وإن الله عز وجل جعل من مهماتنا نحن المسلمين أن نُعلِّم الناس، ورغبنا في ذلك، وقال نبيه صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير) والناس يخطئون، وتعليم المخطئين من وظيفة الأنبياء، والقرآن كان يتنزل بتصحيح الأخطاء، حتى مما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم في مثل قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى [عبس:1]، ومما وقع من الصحابة في مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ [الممتحنة:1]، ولما خاض بعض الناس في الإفك متجرئين على أعراض إخوانهم المسلمين، قال الله عز وجل: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [النور:14-17].

    والنبي صلى الله عليه وسلم سار على نورٍ من ربه، ينكر المنكر ويصحح الخطأ، وقد سبق الحديث عن جزءٍ من هذا الموضوع، سوف نتكلم عن شيء منه -إن شاء الله- في هذه الخطبة؛ لنتعرف على المزيد مما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله مع المخطئ، ليكون في ذلك درساً وعبرةً لنا في التعامل مع المخطئين، إذ لا بد من وجودهم في المجتمع.

    1.   

    كيفية التعامل مع المخطئين

    .

    أولاً: إظهار الرحمة

    إن من الأمور المهمة أيها الإخوة: إظهار الرحمة للمخطئ، كما جاء عن ابن عباس : (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم قد ظاهر من امرأته فوقع عليها، فقال: يا رسول الله! إني قد ظاهرت من زوجتي، فوقعت عليها قبل أن أكفر) والله سبحانه وتعالى أمر بالكفارة قبل الوطء للمظاهر الذي يقول لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، أو مثل أمي.. ونحو ذلك، فلا بد إذا أراد العودة إلى الزوجة لإتيانها أن يُكفِّر قبل إتيانها، والظهار خلقٌ ذميمٌ من أخلاق أهل الجاهلية، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (وما حملك على ذلك يرحمك الله؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به) رواه الترمذي، وهو حديث حسن صحيح.

    وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله! هلكت، قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبةً تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينا نحن على ذلك أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرقٍ -أي: زنبيل- فيه تمرٌ، قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذ هذا فتصدق به -هذا من رحمته وإعانته- فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟! فوالله ما بين لابتيها أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك) إن هذا المستفتي لم يكن هازلاً، ولا مستخفاً بالأمر، بل إن تأنيبه وشعوره بخطئه واضحٌ من قوله: (هلكت) ولذلك استحق الرحمة.

    وجاء في رواية أحمد مزيد توضيحٍ لحاله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن أعرابياً جاء يلطم وجهه وينتف شعره، ويقول: ما أراني إلا قد هلكت، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: وما أهلكك؟ قال: أصبت أهلي في رمضان ...) وفي الحديث أنه ذكر الكفارة له، وأعطاه إياها في آخر الحديث.

    ثانياً: المطالبة بالكف عن الخطأ

    كذلك فإن من الأمور التي نتعامل بها مع المخطئ: أن نطالبه بالكف عن الخطأ فوراً وعدم الاستمرار فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع أو رأى خطأً طلب من المخطئ الكف عن الخطأ فوراً، فعن عمر رضي الله عنه أنه قال مرةً والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع: (لا وأبي -حلف بأبيه وكان ذلك من حلف أهل الجاهلية- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه -أي: اكفف.. اسكت عن هذه الكلمة- إنه من حلف بشيء دون الله فقد أشرك) رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح.

    وعن عبد الله بن بشر ، قال: (جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة )، وما أكثر ما يفعلونه في المساجد في خطب الجمعة! يأتي متأخراً ويريد أن يشق الصفوف (جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اجلس، فقد آذيت) آذيت الناس.. آذيت عباد الله.. آذيت المصلين.. آذيت المبكرين إلى الصلاة.

    ولما تجشأ رجلٌ عند النبي صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (كف عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعاً في الدنيا، أطولهم جوعاً يوم القيامة) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه.

    إذاً عندما أساء الأدب بحضرة الناس، أمره عليه الصلاة والسلام أن يكف عن هذا الفعل المشين.

    ثالثاً: الإرشاد إلى تصحيح الخطأ

    كذلك لا بد أن نرشد المخطئ إلى تصحيح خطئه، كمحاولة لفت نظره إلى خطئه ليقوم بتصحيحه؛ كما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى رجلاً جالساً وسط المسجد، مشبكاً بين أصابعه يحدث نفسه، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم -أي: لينزع أصابعه- فلم يفطن، قال: فالتفت إلى أبي سعيد ، فقال: إذا صلى أحدكم، فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان، فإن أحدكم لا يزال في صلاةٍ ما دام في المسجد حتى يخرج منه) رواه أحمد ، وقال الهيثمي : إسناده حسن، فإذا خرجت من بيتك عامداً إلى المسجد،وجلست في المسجد تنتظر الصلاة، فلا تشبكن في هذه الفترة.

    وكذلك طالب النبي صلى الله عليه وسلم المسيء صلاته أن يعيد الصلاة؛ لأنه لم يأت بها على الوجه الشرعي.

    إذاً من الحكمة في التعليم: طلب إعادة الفعل من المخطئ؛ لعله ينتبه إلى خطئه، فيصححه بنفسه، وإذا لم ينتبه وجب البيان والتفصيل، ووجب التوضيح عند ذلك.

    وكذلك فإنه عليه الصلاة والسلام (لما رأى رجلاً توضأ، فترك موضع ظفرٍ على قدمه لم يمسه الماء، قال له عليه الصلاة والسلام: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلى).

    ولما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل عليه مقتحماً ولم يسلم ولم يستأذن، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ارجع فقل: السلام عليكم، أأدخل؟) يعلمه الإتيان بالفعل على وجهه الشرعي، ثم إنه إذا كان في الإمكان استدراك الخطأ، فلا بد من ذلك؛ فعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجلٌ؛ فقال: يا رسول الله! امرأتي خرجت حاجةً وأنا اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: ارجع فحج مع امرأتك) هذا الحديث رواه البخاري، وهو ردٌ على من قال: إنه يجوز للمرأة أن تسافر مع جماعة؛ لأن امرأة هذا الرجل لما خرجت حاجة، وبالتأكيد أنها لم تخرج لوحدها، بل خرجت مع جماعة الحجاج، والنبي عليه الصلاة والسلام نبه إلى أنه لا بد من وجود المحرم، ولذلك الرجل كان مسجلاً اسمه في المجاهدين، فقام ليستوضح الحكم، قال: أرسلتها للحج وأنا ذاهبٌ للجهاد، قال: (ارجع فحج مع امرأتك).

    رابعاً: مطالبة المخطئ إدراك ما أفسده

    كذلك فإننا نطالب المخطئ بإصلاح ما أفسده لتدارك آثار خطئه، كما: (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني جئت أبايعك على الهجرة، ولقد تركت أبوي يبكيان -يبكيان من ألم فراق الولد- فقال عليه الصلاة والسلام: ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما) ارجع وأصلح الخطأ، رواه النسائي وهو حديث صحيح، وكل الكفارات التي جاءت في الشريعة إنما هي لإصلاح آثار أخطاء يقع فيها هذا المخطئ المستوجب للكفارة.

    خامساً: العدل والإنصاف في الحكم على الخطأ

    ثم إنه ينبغي على الداعية إلى الله، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا أصلح خطئاً في قولٍ أو فعلٍ في بقيته صحة، ألَّا يسارع إلى تخطئة كل القول وكل الفعل من باب العدل والإنصاف، وإنما ينكر موضع الخطأ فقط، ليكون موضوعياً عادلاً في إنكاره، ولذلك عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل بيتاً وفيه جويريات -أي: بنات صغيراتٌ- ينشدن ويقلن أبياتاً في رثاء من قتل من المسلمين يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبيٌ يعلم ما في غدِ، فقال: (دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين) رواه البخاري ( دعي هذه ) لا يعلم الغيب إلا الله، لا النبي ولا غيره ( وقولي بالذي كنت تقولين ) فأقرها على ما كانت تقول، وأنكر عيها موضع الخطأ فقط.

    إن هذا الفعل يجعل المدعو يتقبل من الداعية؛ لأنه يراه منصفاً، لم يخطئه في كل شيء، وإنما يخطئه في موضع الخطأ فقط.

    سادساً: تقديم البديل

    ثم إنه لا بد للدعاة إلى الله الآمرين الناهين أن يقدموا البديل الصحيح للناس ما دام ذلك ممكناً، فإن مجرد أن تقول: هذا حرام.. هذا خطأ، دون أن تبين البديل نقصٌ في الدعوة، ونقصٌ في الإنكار، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فلما سمع بعض الناس يقولون في التشهد في الصلاة: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، وفي رواية: السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم، أصاب كل عبدٍ صالح في السماء والأرض) فلا حاجة لئن تخص جبريل وميكائيل، فبمجرد أن تقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، تصيب بسلامك ذلك جبريل وميكائيل، وسائر الملائكة، وكل عبد صالح في السماء والأرض.

    ولما جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمرٍ برني -تمر جيدٍ- قال: (من أين هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمرٌ رديٌ، فبعت منه صاعين بصاعٍ) هذا ربا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يباع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح ..إلخ، مثلاً بمثلٍ، فمن زاد او استزاد فقد أربا، فلما أخبره بلال أنه باع صاعين بصاع، قال: لنطعم النبي صلى الله عليه وسلم، ما قصدت إلا الخير، بعت صاعين من تمرٍ رديٍ بصاعٍ من تمرٍ جيدٍ، فقال عليه الصلاة والسلام: (أوه.. عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري -هذا البديل- فبع التمر ببيعٍ آخر، ثم اشتره).

    وكذلك إذا أراد إنسانٌ أن يستبدل ذهب زوجته، بعض الناس يعطي الذهب القديم، ويأخذ الذهب الجديد، ويدفع الفارق، (أوه) كلمة توجع (عين الربا لا تفعل) ولكن بع الذهب القديم واقبض النقود، ثم اشتر ذهباً جديداً من عنده، أو من عند غيره بنفس المال الذي معك، أو بأكثر، أو بأقل.. وهكذا يكون البيع الشرعي، وهناك فرق.

    بعض الناس يقولون: هذا إجراء لا معنى له؟! لا. بل له معاني، ولذلك إذا أردت أن تفعله، واختلف السعر عليك، فجربه وسترى ماذا سيقول البائع؟ أما إذا كان المبيع من غير الأصناف الربوية، كسيارة بسيارة مع دفع الفارق، وأرض بأرض مع دفع الفارق، فلا بأس بذلك، لأن الأراضي والسيارات ليست من الأصناف التي يجري فيها الربا، ولا يشترط فيها المماثلة ولا التقابض في مجلس العقد.

    إن الإنكار دون تعليم البديل وتقديمه عيبٌ لا بد من تلافيه ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

    سابعاً: تجنيب المخطئ معونة الشيطان

    كذلك فإننا لا بد أن نجنب المخطئ معونة الشيطان، فلا نعين الشيطان عليه، ولذلك لا ندعو عليه، وإنما ندعو له: (فلما جيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب الخمر، أمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه -وفي رواية قال له رجل: أخزاه الله- فقال عليه الصلاة والسلام: لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم) إذا لعنته ودعوت عليه بالخزي، ماذا فعلت؟ أعنت الشيطان عليه، وفي رواية: قال: (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان) وإنما ندعو له بالهداية، نقول: اللهم اهده مثلاً، وهكذا يكون الأمر عندما نجد مخطئاً مذنباً، فإننا ندعو له، اللهم إلا إذا كان مخطئاً معانداً مجافياً للحق، مصراً بعد البيان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على هذا المخطئ المعاند، كما جاء في صحيح مسلم في رجل أكل عند النبي صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال: (كل بيمينك. قال: لا أستطيع -يستطيع لكن تكبراً- فقال: لا استطعت -دعا عليه بأن لا يستطيع- قال: فما رفعها إلى فيه)، وفي رواية: (فما وصلت يمينه إلى فمه بعد) أي: أصيبت يمينه بالشلل، فما استطاع أن يرفعها مطلقاً بعد ذلك، هذا المخطئ المعاند يدعى عليه بما يكف شره، ويعلمه درساً، ولعل تلك الآية التي رآها تكون سبباً في عودته إلى الحق وتوبته واستغفاره.

    ثامناً: بيان الخطأ المشترك

    كذلك فإننا نواجه في الحياة أناساً يخطئون على أناس، يظلمونهم فلا بد أن يكون هناك موقفٌ جيدٌ من مثل هذا، وخصوصاً عندما يكون الخطأ مشتركاً، فلا بد أن نبين لهذا ولهذا، ولذلك روى عبد الله بن أبي أوفى ، قال: شكا عبد الرحمن بن عوف خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا خالد! لا تؤذ رجلاً من أهل بدر ، فلو أنفقت مثل أحدٍ ذهباً، لم تدرك عملهم، فقال خالد رضي الله عنه: يقعون عليَّ، فأرد عليهم، فقال: لا تؤذوا خالداً ، فإنه سيف من سيوف الله عز وجل صبه الله على الكفار) رواه الطبراني ، وقال الهيثمي : رجاله ثقات.

    إذاً يبين حق هذا، ثم يبين حق الآخر، وعندما يخطئ إنسان على أخيه المسلم، فإننا نسعى إلى معاتبته وبيان حقوق الأخوة، ونعاتبه على خطئه.

    عن أبي الطفيل عامر بن واثلة : (أن رجلاً مرَّ على قومه، فسلم عليهم، فردوا عليه السلام، فلما جاوزهم، قال رجل منهم: والله إني لأبغض هذا في الله، فقال أهل المجلس: بئس والله ما قلته، أما والله لننبأنه، قم يا فلان -لرجل منهم- فاخبره، فأدركه رسولهم، فأخبرهم بما قال، فانصرف الرجل الذي قيل فيه ما قيل، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! مررت بمجلسٍ من المسلمين فيهم فلان، فسلمت عليهم، فردوا السلام، فلما جاوزتهم، أدركني رجلٌ منهم، فأخبرني أن فلاناً قال: والله إني لأبغض هذا الرجل في الله، فادعه فسله علام يبغضني؟ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عما أخبره الرجل، فاعترف بذلك، وقال: قد قلت ذلك يا رسول الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلم تبغضه؟ قال: أنا جاره وأنا به خابر، والله ما رأيته يصلي صلاةً قط إلا هذه الصلاة المكتوبة التي يصليها البر والفاجر، فقال الرجل: سله يا رسول الله! هل رآني قط أخرتها عن وقتها، أو أسأت الوضوء لها، أو أسأت الركوع والسجود فيها، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: لا. ما رأيته ينقص منها شيء، ثم قال: والله ما رأيته يصوم قط إلا هذا الشهر الذي يصومه البر والفاجر، فقال: يا رسول الله! هل رآني قط أفطرت فيه، أو انتقصت من حقه شيئاً؟ فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا. ثم قال: والله ما رأيته يعطي سائلاً قط، ولا رأيته ينفق من ماله شيء في سبيل الله بخير إلا هذه الصدقة، -أي: الزكاة- التي يؤديها البر والفاجر، قال: فسله يا رسول الله! هل كتمت من الزكاة شيئاً قط، أو ماكست فيها طالبها؟ قال: فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: لا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم إن أدري لعله خيرٌ منك).

    إذاً: إصلاح ذات البين ومعاتبة المخطئ على أخيه، ومناقشة ذلك لمعرفة السبب في البغض، ونحن كثيراً ما نخطئ على إخواننا، ونخطئ على الخدم المسلمين عندنا، ونغتابهم كثيراً وكثيراً، والقضية خطيرة، فإن رجلاً كان يخدم أبا بكر و عمر في السفر، فناما فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعاماً، فقال أحدهما لصاحبه: (إن هذا لنئوم -فقط هذه العبارة، فأيقظاه، فقالا: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: إن أبا بكر و عمر يقرئانك السلام، وهما يستأدمانك -يطلبان الإدام- فقال عليه الصلاة والسلام لهذا الخادم: أقرئهما السلام، وأخبرهما أنهما قد ائتدما، ففزعا، فجاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله! بعثنا إليك نستأدمك، فقلت: قد ائتدما، فبأي شيء ائتدمنا؟ قال: بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين أنيابكما، قالا: فاستغفر لنا: قال: هو فليستغفر لكما) وهذا حديث صحيح.

    كم نغتاب الخدم؟

    كم نغتاب الذين نتعامل معهم؟

    ماذا قال هذان الشيخان الكريمان؟

    قالا: إن هذا لنئوم -كثير النوم- واعتبرها عليه الصلاة والسلام غيبة، وطلب منهما أن يذهبا إليه ليستغفر لهما.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

    تاسعاً: إظهار الضرر من الخطأ

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    إخواني: إن مما ينبغي علينا أن نبين للناس مضرة الخطأ إذا نصحناهم، والنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى تفرق بعض أصحابه لما نزلوا منزلاً، قال: (إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان) فلم ينزلوا بعد ذلك منزلاً إلا انضم بعضهم إلى بعض، حتى يقال: لو بسط عليهم ثوبٌ لعمهم، وذلك حتى لا ينزل بهم خوف من المشركين، أو يستدرج العدو بعضهم، ولا يكون في هذا التفرق إغراءٌ للعدو بهم، وانظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصف في الصلاة غير مستوٍ، قال عليه الصلاة والسلام: (لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم، فتقع بينكم العداوة والبغضاء) فينبغي إذاً أن نحرص على تسوية الصفوف، وأن نتراص كما تتراص الملائكة عند ربها، وأن يكون المنكب بالمنكب ليس هناك فرجات، دون إغلاظٍ على جارك في الصف من اليمين والشمال، فهذه المسألة مما وقع فيها الإفراط والتفريط، فبعض الناس يلتصق بصاحبه التصاقاً مؤذياً له، ويحشر نفسه في فرجةٍ ضيقةٍ في الصف، مؤذياً عباد الله، وهذا لا يجوز له أن يدخل فيها إذا كان ذلك يؤذي المصلين، ولا تتهيأ الفرصة، ولا يتحمل الوضع أن يدخل في هذه الفرجة، وبعض الناس يترك الفراغات، ولا يحب أحداً أن يلتصق به أبداً، ولا بد أن يبين للناس أن هذا لا يرضاه الله، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف) الفراغات التي في الصف.

    وقد يبتلى الإنسان برجلٍ في المسجد بلغ من الكبر عتياً، سيء الخلق جداً، فيأتي بحركات غريبة، قد يدفع هذا، أو يتكلم عليه بعد الصلاة بألفاظ نابية مع أن هذا مصلح يريد سد الفرجة، فيعامل بالحسنى، كبير السن الذي تغير خلقه لا بد أن نتحمله.

    قيل لأحدهم: يا فلان! لماذا تنفر؟ لماذا تريد أن يكون بينك وبين الذي بجانبك شبرٌ؟ إن الشياطين تدخل من خلل الصف، قال: الشياطين أرحم منكم، ثم قال: الشيطان مات في فتح مكة، فإذا وجد هناك مثل هذا المسكين الذي يعتقد أن الشيطان مات في فتح مكة، وأن الشياطين أرحم من المؤمنين، فلا بد أن يكون هناك شيء من الرحمة واللين بمثل هذا الرجل، يعلم على قدر الاستطاعة، وإذا فقدنا الأمل في تعليمه، راعينا المفاسد حتى لا تتطور الأمور إلى الأسوأ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً يظهر على وجهه الغضب إذا رأى خطأً، كما خرج على أصحابه وهم يختصمون في القدر، فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب؛ لأن القدر لا يجوز المماراة فيه.

    وكذلك لما رأى في يد عمر بن الخطاب صحفاً من صحف أهل الكتاب، غضب عليه الصلاة والسلام، وقال: (أمتهوكون فيها يـابن الخطاب ، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل، فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني) حديثٌ صحيحٌ بطرقه، وله طرق كثيرة.

    أيها الإخوة: إن تصحيح الأخطاء مسئولية عظيمة، ووراثة نبوية، وإن في هذه المناسبات المختلفة التي قيلت فيها وفعلت أساليب مختلفة من النبي عليه الصلاة والسلام تدلنا على أنه لا بد أن ننتقي الوسيلة المناسبة في كل مناسبة لإصلاح الخطأ فيها، ومن قاس النظير بالنظير والشبيه بالشبيه ممن عنده فقهٌ ووفقه الله اقتبس من أساليب النبي صلى الله عليه وسلم ما يعينه في دعوته إلى الله.

    نسأل الله تعالى أن يرحمنا برحمته، وأن يتوب علينا أجمعين، اللهم اعف عنا يا عفو، واغفر لنا يا غفور، وتب علينا يا تواب، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأرشد الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور.