إسلام ويب

آداب في زيارة الإخوانللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله سبحانه وتعالى للأخوة في الله منزلة سامية، ومكانة عالية في الشرع؛ وقد حدثت ظاهرة عظيمة في الزيارات: وهي الخلل في مفهوم الزيارة، فهي إما أن تنقطع أو تكثر، أو تجر إلى سلبيات ملفتة للنظر. هذا ما تجده في ثنايا هذه المادة، مع ذكر آداب الزيارة، وأهميتها ومنزلتها وفضلها في الشرع، والتنبيه على أخطاء الزيارة وسلبياتها، وبعض الملاحظات لزيارة النساء بعضهن لبعض.

    1.   

    تحديد مفهوم الزيارة

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، الذي أرسله رحمةً للعالمين، بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدَّى أمانة الله إلى عباده، ففتح الله به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً عن سماع الحق وقبوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه وتمسك بسنته.

    أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أُحييكم في هذه الليلة مع موضوع من الموضوعات المهمة في حياة المسلم، وعنوان هذه المحاضرة: "آداب زيارة الإخوان" وسيشتمل هذا الموضوع في عرضه على:

    تحديد مفهومها.

    فضل الزيارة في الله.

    ما ورد في السفر للزيارة.

    أهمية الزيارة في الله وفوائدها.

    حث الشريعة على إعطاء الزوار حقهم.

    شيءٌ من آداب الزيارة وأحكامها.

    الإقلال من الزيارة خشية الإملال.

    أنواع الزائرين والمزورين.

    حثَّ السلف على الزيارة نموذج.

    الزيارة لها سلبيات وملاحظات.

    العوائق في طريق الزيارة.

    كيف تكون الزيارة ناجحة.

    ملاحظات على زيارات النساء للنساء.

    ونبدأ بعون الله تعالى فنقول في مطلع هذا الدرس: إننا سنتحدث عن زيارة الإخوان بعضهم لبعض.

    فإن الزيارة قد جاءت في الشريعة في مناسبات متعددة، فمنها مثلاً: زيارة القبور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة) وكذلك زيارة بيت الله .. طواف الزيارة .. طواف الإفاضة، كما جاء في الحديث: (زرتُ قبل أن أرمي) وكذلك زيارة مسجد قباء كما ورد في الحديث الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور مسجد قباء كل سبت) وكذلك زيارة المريض، وزيارة الأقارب؛ صلة الرحم، وهذه لا تدخل في موضوعنا لهذه الليلة، وإنما المقصود الحديث عن زيارة الإخوان بعضهم لبعض.

    1.   

    فضل زيارة الإخوان

    أما بالنسبة لفضل الزيارة، فلا شك أن زيارة الإخوان لبعضهم البعض قد أخذت مكاناً لا بأس به من الأحاديث وشروحها وكلام العلماء في كتبهم، وإذا كان الأموات يتزاورون فما بالك بزيارة الأحياء؟

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في الحديث الحسن: (إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه، فإنهم يبعثون في أكفانهم ويتزاورون في أكفانهم).

    وأهل الجنة يزور بعضهم بعضاً، فنريد أن نعرف -الآن- أهل الدنيا المسلمين منهم إذا زار بعضهم بعضاً، فماذا لو عرفوا أن أول ما يُطالعنا في فضل الزيارة في الله، أحاديث قدسية عظيمة:

    أحاديث قدسية في فضل زيارة الإخوان

    فمن ذلك: ما رواه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وغيره عن معاذ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتباذلين فيّ، والمتزاورين فيّ) وجاء أيضاً في حديثٍ آخر: (قال الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، المتحابون فيّ على منابرٍ من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء) حديثٌ صحيح.

    هذه الأحاديث القدسية العظيمة التي تبين وجوب محبة الله لمن زار أخاه في الله.. محبة الله حقت لمن يزور إخوانه في الله، فما أشد تفريط المفرطين، وما أتعس حالهم وقد فاتهم من الأجر ما فاتهم! فإن الذي يزور أخاه في الله يُحبه الله، وقد جاء في حديث حسن -أيضاً- قوله صلى الله عليه وسلم: (من عاد مريضاً، أو زار أخاً له في الله ناداه منادٍ: أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً) رواه الترمذي وغيره.

    ومعنى طبت: هذا دعاءٌ له، بأن يطيب عيشه في الدنيا.

    وطاب ممشاك: بسبب هذا الممشى لزيارة إخوانك في الله.

    تبوأت مكاناً في الجنة: أي: أقمت في هذا المكان، ففيه بيان أن من أسباب دخول الجنة زيارة الإخوان في الله.

    أو زار أخاً له في الله ناداه منادٍ: أن طبت وطاب ممشاك، فهذا حالٌ يغبطه عليه أهل السماء.

    أحاديث نبوية في فضل زيارة الإخوان

    أما سنة النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاءت بإثبات الزيارة ومشروعيتها، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام النسائي عن أنس رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار، ويُسلم على صبيانهم، ويمسح رءوسهم) فكانت زيارته عليه الصلاة والسلام لأصحابه قائمة، وكان له عاطفةٌ بليغةٌ بصبيانهم، من السلام عليهم، والمسح على رءوسهم، فقد كان عليه الصلاة والسلام لا ينسى الصغار من الملاطفة، حتى لو كانت مهماته كبيرة وأعماله كثيرة، فإن وقته صلى الله عليه وسلم قد اتسع لملاطفة الصبيان عند زيارة أهليهم، والمسح على رءوس أولئك الصبيان.

    1.   

    ما ورد في فضل السفر لزيارة الإخوان

    أما السفر لزيارة الإخوان، فإن زيارة الإخوان في الله لها منزلة عظيمة في الشريعة لدرجة الندب للسفر لزيارة الإخوان في الله، وهذا أمرٌ قد ضيعناه ونسيناه مع الأسف! فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن: (ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والصديق في الجنة، والمولود في الجنة -عندما يموت صغيراً- والرجل يزور أخاه في الله في ناحية المِصر في الجنة. ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة؟ الودود الولود العئود التي إذا ظُلِمت -حتى وهي مظلومة- قالت: هذه يدي في يدك لا أذوق غمضاً حتى ترضه).

    ولا أدل على فضل السفر لزيارة الإخوان في الله من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد ومسلم والبخاري في الأدب المفرد وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (زار رجلٌ أخاً له في الله في قرية، فأرصد الله له ملكاً على مدرجته، فقال: أين تريد؟ قال: أخاً لي في هذه القرية، فقال: هل له عليك من نعمةٍ تربها؟ قال: لا، إلا أني أُحبه في الله، قال: فإني رسول الله إليك، أن الله أحبك كما أحببته).

    وفي مسند أحمد بلفظ ()خرج رجلٌ يزور أخاً له في الله عز وجل، في قريةٍ أخرى -سافر من أجل الزيارة- فأرصد الله عز وجل بمدرجته ملكاً، فلما مر به، قال: أين تريد؟ قال: أريد فلاناً، قال: لقرابةٍ؟ قال: لا، قال: فلنعمةٍ له عندك تربها؟ قال: لا، قال: فَلِمَ تأتيه؟ قال: إني أُحبه في الله، قال: فإني رسول الله إليك أنه يحبك بحبك إياه فيه) بحبك لصاحبك في ذات الله.

    ومعنى المدرجة: الطريق، وتربها: يعني تملكها وتستوفيها، تريد أن تحصل منه على شيء، أو تسعى إلى حفظ شيءٍ وتنميته، قال: لا، إلا أني أحبه في الله فقط، عندما سافرت ما حملني على السفر ومكابدة مشاق السفر إلا أني أُحبه في الله، فأنا سافرت وسلكت السبيل لزيارته لأني أحبه في الله، لا لأمرٍ دنيوي، أو لمتاعٍ زائل، وإنما لأني أحبه في الله، أرسل الله ملكاً مخصصاً لأجل أن يبلغه رسالةً من الله عز وجل أن الله يحبه، فلأجل هذا الأجر العظيم سافر لزيارة أخ له في الله.

    واليوم المشاغل كثيرة، والأحوال معقدة، والناس يتملصون من زيارة الإخوان في داخل البلد، فكيف بالسفر لزيارة الإخوان؟!!

    وقد درج السلف -رحمهم الله- من الصحابة وغيرهم على السفر لزيارة إخوانهم والانتفاع بلقياهم؛ لأجر الزيارة وما يسمعونه من العلم، فكان أحدهم يسير الأيام والليالي من أجل زيارة أخٍ له في الله، وسافر سلمان لزيارة آل أبي الدرداء.

    1.   

    أهمية الزيارة في الله

    أما أهمية الزيارة في الله، فلا شك أن الشريعة ما حثت ولا ندبت عليها ولا جعلت الأجر العظيم لمن قام بها إلا لما فيها من مزايا عظيمة، وفوائد متعددة، ولأن خطب هذه العبادة -وهي الزيارة في الله- خطبٌ جسيم.

    كيف لا؟! والزيارة في الله تدل على المحبة في الله، وعلى الرباط الإيماني بين الإخوان، حيث تدل على الحب في الله، والحب في الله من مقومات وأساسيات الإيمان، فهذا عندما يزور أخاه معناه: تعبيرٌ له عن محبته في الله، وتوثيق أواصر الأخوة الإيمانية بين أفراد المجتمع المسلم، ولذلك فالزيارة عبارة عن أمرٍ داخلٍ في العقيدة في صميم الإيمان؛ لأنها مرتبطة بالمحبة في الله، والمحبة في الله من أساسيات الإيمان.

    الزيارة في الله: تقرب المسلمين من بعضهم البعض.

    الزيارة في الله: تجعلهم جسداً واحداً.

    الزيارة في الله: تعرف الواحد بمشكلات الآخر.

    الزيارة في الله: تكسب العلم.

    الزيارة في الله: تُعرف بالأخبار والأحوال، وفيها تفقدٌ لمصالح الإخوان في الله.

    الزيارة في الله: إصلاحٌ للأوضاع وسدٌ للخلل.

    1.   

    فوائد الزيارة في الله

    الزيارة في الله: فوائدها متعددة وكثيرةٌ وجمة، فمن فوائد الزيارة في الله: تفقد حال الإخوان وإصلاحه؛ إصلاح الحال وسد الخلل، فقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه ، قال: حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا جعفر بن عون ، حدثنا أبو العميس ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه قال: (آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء) والحقيقة أن هذين الصحابيين أخوتهما عظيمة، وقد استمرت استمراراً عظيماً (فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلةً فقال لها: ما شأنك؟) جاء في بعض الأحاديث أن الزيارة كانت قبل نزول آية الحجاب، فلا بد له أن يفهم لفهم تلك الأحاديث (فرأى أم الدرداء متبذلةً) ليس عندها زينة ولا تعتني بها (فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليست له حاجةٌ في الدنيا) أي: أنه مقبل على العبادة وتارك للدنيا، ومن ضمن الدنيا شهوة النساء، فهو تارك كأنه لا يريد النساء (فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً فقال: كل؟) المضيف أبو الدرداء يقول لـسلمان: كل؟ (قال: فإني صائم) أبو الدرداء يقول: كل أنت؛ أما أنا فصائم (قال: ما آنا بآكلٍ حتى تأكل) ولأن صيامه نافلة (قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنامَ، ثم ذهب يقوم، فقال: نم - سلمان يقول لـأبي الدرداء: نم- فلما كان من آخر الليل قال سلمان : قم الآن، فصليّا، فقال له سلمان : إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حقٍ حقه، فأتى أبو الدرداء النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان) وفي الرواية قال: (فزار سلمان أبا الدرداء ).

    فهذه الزيارة من سلمان لـأبي الدرداء ، كم عادت بالنفع على أبي الدرداء وبيته؟

    من جهة التوازن وإصلاح ما بينه وبين أهله، وما حصل من المصلحة العظيمة لـأم الدرداء بعودة زوجها للاهتمام بها، وما حصل لجسد أبي الدرداء من المصلحة، وما حصل من منع الإملال في العبادة، حصلت أشياء كثيرة جداً، تغيرات في بيت أبي الدرداء ؛ بسبب زيارة سلمان له، فالزيارة إذاً تتيح للأخ التعرف على حال أخيه .. على بيته .. على أحواله، فقد يكون عنده خلل أو نقص، فيسدده ويصلح من حاله وشأنه، وهذه فائدة عظيمة للزيارة.

    وستأتي أمثلة أخرى فيها تبيان ما في الزيارة من الفوائد من تحصيل العلم ونحو ذلك.

    1.   

    حث الشريعة على إعطاء الزوار حقهم

    ولأجل فائدة الزيارة؛ فإن الشريعة حثت على إعطاء الزوار حقهم، بل ربما تعيين وقت من أجلهم، فقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه قال: حدثنا محمد بن مقاتل ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا الأوزاعي ، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير ، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنها قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله بن عمرو ! ألم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟

    فقلتُ: بلى يا رسول الله! قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإنَّ لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليكَ حقاً، وإن لزورك عليك حقاً) الزور: هم الزوار، يقول: الزوار لهم حق عليك، وأنت لا يصلح أنك تتفرغ للعبادات تفرغاً يمنعك من أداء حق الزوار.

    قال: ألم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ وهذا يعطل أشياء منها: عدم القيام بحق الزوار، قال عليه الصلاة والسلام: (فصم من كل شهرٍ ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنةٍ عشر أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر كله، قال: فشددت فشدد عليّ، قلتُ: يا رسول الله! إني أجد قوة، قال: فصم صيام نبي الله داود عليه السلام ولا تزد عليه، قلت: وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام؟ قال: نصف الدهر، فكان عبد الله يقول بعدما كبر: يا ليتني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم) أي: صوم ثلاثة أيام من كل شهر.

    فالشاهد في قوله: (وإن لزورك عليك حقاً) الزوار لهم عليك حق فينبغي إعطاء الزوار حقهم؛ من إتاحة الفرصة للزيارة، والقيام بواجب حسن الاستقبال، والبشاشة، والنفع، والمجالسة، وحسن الضيافة ... ونحو ذلك.

    1.   

    آداب زيارة الإخوان وأحكامها

    أما عن شيءٍ من آداب الزيارة وأحكامها، فإن الشريعة لما اعتنت بالزيارة وبينت فضلها وأجرها اعتنت ببيان آدابها وأحكامها، وهذا من التفاصيل الحسنة؛ لأن إيضاح المسألة والتفاصيل وبيان الآداب والأحكام، يدل على عظم منزلة هذا الواجب وهذه الفريضة الإسلامية؛ وهي الزيارة في الله.

    عدم الإمامة بأصحاب الدار إلا بإذنهم

    فمن هذه الآداب والأحكام: قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا زار أحدكم قوماً فلا يصلِّ بهم، وليصلِّ بهم رجلٌ منهم) فإذا زرت أحداً في بيته، فالأصل وجوب صلاة الجماعة، لكن قد يكون البيت بعيداً عن المسجد بعداً لا تجب فيه صلاة الجماعة، وما هو هذا البعد؟

    قال العلماء: فرسخ، وقدَّروه بناءً على أنه إذا كان المؤذن يؤذن في مكانٍ مرتفع، مثل سطح المسجد، والريح ساكنة، والمؤذن صيتاً، والسامع حسن السمع، وليس هناك عوازل ولا حائل يحول دون سماع صوت المؤذن، فتكون المسافة التي يسمع فيها الأذان في هذه الحالة عادةً -كما قدرها بعض العلماء- فرسخاً، فإذا حصل هذا البعد فلا يجب حينئذٍ حضور الجماعة لبعد المسجد، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام أحياناً يزور أصحابه في طرف المدينة، فهم بعيدون عن المسجد لا تجب صلاة الجماعة عليهم، لكنهم كانوا يأتون ويحتسبون إذا زارهم.

    فإذا حصل أنه حضر وقت الصلاة، فإن الزائر لا يؤم أصحاب الدار، ولو كان أقرأ وأعلم وأحفظ؛ لأجل حق صاحب البيت، ولأنه صاحب سلطان في بيته، فلا يتقدم عليه الزائر ولو في الإمامة، لأن الشريعة راعت حق صاحب البيت -حق المزور المضيف- مراعاةً شديدة، ومن ذلك: أنه لا يؤم في بيته، إلا إذا أذن وتنازل، وقال: صلِّ أنت يا أيها الزائر! أو يا أيها الضيف أذنت لك! فعندئدٍ يجوز له أن يتقدم فيصلي.

    وقبل هذا هناك بعض الأحكام مثل: الاستئذان، والسلام، والمصافحة؛ وهذه أحكام لها مناسبات خاصة لعرضها، لأن مجال بيان آداب الاستئذان، والسلام ... ونحو ذلك ليس الآن فهذه أمور تحتاج إلى تفصيل، فالزيارة فيها أدب استئذان، فالناس قد يُخلون بأدب الاستئذان -وربما نمر بعد قليل بشيء من ذلك- ولا يراعون ما ورد فيها من الآيات والأحاديث.

    جواز أكل الطعام عند المضيف

    ومن آداب الزيارة كذلك: جواز أكل الطعام عند المضيف، فلو أن شخصاً قال: إذا زرت قوماً فقدموا لي طعاماً ولم تكن الدعوة إلى طعام، فهل لي أن آكل؟

    الجواب: نعم.

    فقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى: من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار أهل بيتٍ من الأنصار، فطعم عندهم طعاماً، فلما أراد أن يخرج أمر بمكانٍ من البيت فنضح له بساطٍ، فصلى عليه ودعا لهم) قال ابن حجر رحمه الله: "من فوائد هذا الحديث: استحباب الزيارة، ودعاء الزائر لمن زاره وطعم عنده".

    فالإنسان لا يقصد زيارة إخوانه في وقت طعامٍ وهم لم يدعوه للطعام، فمن أتى إلى وليمة ولم يُدع إليها فكأنما دخل مغيراً وخرج سارقاً، ولذلك فإنه إذا زارهم فقدم له طعام من عندهم، من غير أن يتعمد أو يكلفهم فإنه يجوز له أن يأكل.

    وقال البخاري رحمه الله: باب الزيارة ومن زار قوماً فطعم عندهم، وزار سلمان أبا الدرداء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأكل عنده، قال الشراح: "الأكل عند المزور مما يثبت المودة ويزيد المحبة" وقال ابن حجر في فوائد هذا الحديث: "من تمام الزيارة أن يقدم للزائر ما حضر" أي طعام ٍيتيسر، وقد نهى النبي عليه لصلاة والسلام عن التكلف للضيف، قدم له إذا زارك ما تيسر من حلوى أو فاكهة .. أو نحوها.

    القيلولة عند المزور

    كذلك القيلولة أو النوم إذا كان الحال مناسباً يجوز ذلك، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الاستئذان، باب: من زار قوماً فقال عندهم، قال: من القيلولة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    الجلوس في المكان الذي خصص لك

    ومن آداب الزيارة وأحكامها أيضاً: قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن الرجل الرجل في أهله، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) أما الإمامة فقد بيناها أن الزائر لا يؤم إلا بإذن المزور، فما معنى: لا يجلس على تكرمته إلا بإذنه؟

    قال ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية : "إن أمره صاحب المنزل بالجلوس في مكانٍ لم يجز أن يتعداه؛ لأنه ملكه وسلطانه وتكرمته، لأن صاحب الدار إذا حدد لك مكاناً ما كأن يقول: تفضل اجلس هنا، فإنه يلزمك أن تجلس في هذا المكان ولا تتعداه.

    ولهذا لو لم يأذن في الدخول لم يجز، فإذا أذن لك وعين المكان لزمك أن تقعد فيه، ولو أمره بالخروج لم يجز له المقام فيه، لو قال: اخرج، أو تحول من هذا المكان إلى هذا المكان لزمه أن يتحول، وإن لم يأمره بالجلوس في مكانٍ من المجلس أو من البيت، فهل يجلس؟ وأين يجلس؟

    أحياناً تزور شخصاً، فتدخل البيت فما يعين لك صاحب البيت مكاناً، فلا يقول لك: اجلس هنا! إنما يدخل بك إلى المجلس ويسكت ولا يقول شيئاً، فهل تجلس قبل أن يأذن؟ وأين تجلس؟

    قال ابن مفلح رحمه الله: ينبغي أن ينظر إلى عرف صاحب المنزل وعادته في ذلك، فلا يجوز له أن يتعداه، هل عرف صاحب المنزل أنه يجلس الضيوف في أي مكان؟

    فإذا كان هناك مكان معين عادة أن صاحب البيت يجلس فيه الضيف جلس فيه الزائر، إذا ما عين ولم يتكلم، فإننا ننظر إلى العرف أين المكان فنجلس فيه، فإن لم يكن له عرفٌ ولا عادة فالعرف والعادة في ذلك الجلوس بلا إذنٍ خاص فيه لحصوله للإذن في الدخول، فما دام أنه أدخلك البيت فمعنى ذلك أن تنتقي مكاناً وتجلس فيه إذا لم يكن لصاحب البيت عُرفاً ولا عادة.

    فمثلاً من الأماكن التي صاحب البيت لا يريد أن يجلس الضيف فيها، ما كان أمام أو بجانب الباب الذي يدخل من المجلس إلى داخل البيت، فالجلوس في هذا المكان غير مناسب، فلا تجلس فيه، وإنما تجلس في مكان لا يكون فيه إطلالٌ على داخل البيت، أو لا يكون بجانب باب الدار الداخلية -مثلاً- فهذا لا بد أن يُراعى.

    ثم إن شاء جلس أدنى المجلس لتحقق جوازه مع سلوك الأدب، ولعل هذا أولى من أن يجلس في صدر المجلس، وهذا من باب التواضع ما لم يعد جلوسه هناك مستهجناً عادةً وعرفاً بالنسبة إلى مرتبته، أو يحصل لصاحب المنزل بذلك خجلٌ واستحياء فإنه يُعجبه خلاف ذلك، وربما ظن شيئاً لا يليق. فلو قلنا: يجلس في طرف المجلس إذا كان صاحب المنزل ليس له عرف فهذا تواضع، لكن إن غلب على ظن الزائر أنه لو جلس في طرف المجلس أن هذا يؤدي إلى حرج في نفس صاحب البيت فعند ذلك يقوم ويجلس في صدر المجلس تطييباً لخاطر صاحب البيت، فلابد من مراعاة خاطر صاحب البيت.

    قال خارجة بن زيد النحوي : دخلت على محمد بن سيرين بيته زائراً فوجدته جالساً بالأرض، فألقى إليّ وسادة، فقلتُ له: إني قد رضيت لنفسي ما رضيت لنفسك -أنت جالس من غير وسادة فأريد أن أجلس من غير وسادة- فقال: إني لا أرضى لك في بيتي ما أرضى به لنفسي، واجلس حيث تؤمر، فلعل الرجل في بيته شيءٌ يكره أن تستقبله، وكذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن رد الوسائد إذا أعطاك وسادة لتستعملها.

    وكذلك قد يكون في المجلس في مكان معين شيءٌ لا يُريدك صاحب المجلس أن تنظر إليه، ولا تستقبله أو تواجهه، فيعين لك مكاناً فتجلس حيث تُؤمر، لأنه قد يكون في هذا المكان شيءٌ أو تطل على شيء من خصوصياته، فينبغي التقيد بالمكان الذي حدده صاحب البيت.

    ألا يقترح طعاماً بعينه

    وأما بالنسبة للطعام، قال ابن الجوزي رحمه الله: ومن آداب الزائر ألاَّ يقترح طعاماً بعينه، وإن خُيِّر بين طعامين اختار الأيسر، إلا أن يعلم أن مضيفه يسر باقتراحه مثلاً، ولا يقصر عن تحصيل ذلك، فإنه يطلب ويعين، وإذا لم يكن عندك شعورٌ بذلك فعرض عليك الخيرة فاختر الأيسر، وإذا لم يخبرك بشيء من الطعام فلا تقل: اصنع لي طعاماً، إلا إذا كان كلامك يسره، ولا يكلف عليه، ويعتبره من الأخوة القوية، فعند ذلك تطلب منه.

    عدم الانصراف حتى يستأذن

    ومن آداب الزيارة أيضاً: قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إذا زار أحدكم أخاه فجلس عنده فلا يقومن حتى يستأذنه) فلا بد من الاستئذان؛ لأن الاستئذان هنا لأجل الانصراف، وهذا حق صاحب البيت، لأنك داخل سلطانه وملكه فينبغي أن تستأذن إذا أردت الانصراف، وهذا أدبٌ مهجور عند الكثيرين، فإنهم يقومون وينصرفون بغير استئذان، وأحياناً يستأذن بعد أن يقوم ويمشي وإذا كان عند الباب، قال: أستأذن، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: ( فلا يقومن حتى يستأذنه ) إذاً الاستئذان قبل القيام من الأدب.

    1.   

    الإقلال من زيارة الإخوان خشية الإملال

    أما بالنسبة لموضوع: الإقلال من الزيارة خشية الإملال، فإنه قد ورد في ذلك حديث: (زر غباً تزدد حباً) وهذا الحديث قد أعله بعض العلماء، قال ابن حجر رحمه الله: طرقه لا تخلو من مقال، وقد اختلف في وصله وإرساله، وبعض العلماء صححه بشواهده وطرقه.

    وقد جاء في الصحيحين قول عائشة لـعبيد بن عمير : [ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: ما قال الأول: زر غباً تزدد حباً] عبيد بن عمير ذكر هذا الكلام على أنه من كلام الأولين، أي: من الأمثال السائرة، وهو معروف عندهم في السابق، زر غباً تزدد حباً. قال الشاعر:

    إذا شئت أن تقلى فزر متواتراً     وإن شئت أن تزدد حباً فزر غباً

    أن تقلى: أي: تهجر وتكره فزر متواتراً: أي: زيارة خلف زيارة خلف زيارة.

    وقال آخر:

    إني رأيتك لي محباً     وإلي حين أغيب صباً

    فهجرت لا لملالةٍ حدثت     ولا استحدثت ذنباً

    إلا لقول نبينا زوروا     على الأيام غباً

    ولقوله من زار غباً     منكم يزداد حباً

    وقال الشاعر أيضاً:

    عليك بإقلال الزيارة إنها     تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكه

    إذا دامت وصارت كثيرة جداً فإنها مملة وتفضي إلى الهجر

    فإني رأيت القطر يسأم دائماً     ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكَ

    لو نزل المطر دائماً فإنه يُسأم.

    وقال بعضهم:

    أقلل زيارتك الصديق     يراك كالثوب استجده

    إن الصديق يمله     ألاَّ يزال يراك عنده

    هذا بالنسبة لتباعد الزيارات وألا تكون متواصلة، لكن ورد في صحيح الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب: (باب: هل يزور صاحبه كل يوم أو بكرةً وعشية؟) واستشهد البخاري رحمه الله على ذلك بحديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (لم أعقل أبواي إلا وهما يدينان الدين) أي: من صغري ما عرفت أبواي إلا وهما على الإسلام: أبو بكر وأم رومان (ولم يمر عليهما يومٌ إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرةً وعشية) كل يوم في الصباح والعشي (فبينما نحن جلوسٌ في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائلٌ: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، قال أبو بكر : ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر مهم، قال: إني قد أذن لي بالخروج) فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام بالهجرة من مكة إلى المدينة.

    فماذا يدل عليه هذا الحديث؟

    الرسول عليه الصلاة والسلام كان يأتي إلى أبي بكر كل يوم مرتين.

    نعم، بعض العلماء قال: لماذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي يزور أبا بكر ولم يكن أبو بكر هو الذي يزور النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن في هذا مشقة على النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون هو الذي يزور باستمرار؟

    وأجابوا عن هذا الاستشكال:

    قال ابن حجر : "يحتمل أن يقال: كان سبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا جاء إلى بيت أبي بكر يأمن من أذى المشركين، بخلاف ما لو جاء أبو بكر إليه".

    أو يقال: إن بيت أبي بكر على الطريق إلى المسجد الحرام ، فكان النبي عليه الصلاة والسلام كلما ذهب إلى المسجد الحرام مر على دار أبي بكر وهو ذاهب ثم يمر وهو راجع".

    هل هناك تعارض بين هذا الفعل من النبي عليه الصلاة والسلام وحديث: (زر غباً تزدد حباً) على فرض صحته؟

    قال ابن حجر رحمه الله في حديث: ( زر غباً ): "يحمل على من ليست له خصوصية ومودة ثابتة، فلا تنقص كثرة زيارته من منزلته" فالناس يتفاوتون، فبعض الناس لو زرتهم يومياً ما أثقلت عليهم ولكان أمرك طبيعياً جداً، وهناك أناس لو زرتهم أسبوعياً لأثقلت عليهم، فالشخص إذا كان بينك وبينه خصوصيات، وأعمال مشتركة، وهذا يحدث كثيراً فهذا لا حرج عليك أن تقابله باستمرار.

    كذلك أحياناًيكون هناك نوع من الصلة والقرابة أو الأخوة الكبيرة، بحيث يكون هناك تقارب في المساكن، وسهولة في الوصول، وعدم إزعاج أو حصول تكلف، فهذا لو زرته يومياً ما اعتبر عيباً ولا خللاً، وفعل النبي عليه الصلاة والسلام مع أبي بكر يدل على ذلك، حيث أن أبا بكر كان وزير النبي عليه الصلاة والسلام، وكان بينهما علاقةٌ كبيرةٌ جداً: في أمور الدعوة، وفي الأمور الداخلية للإسلام، وقضية ما يحدث في مكة من الفتن ... وأشياء كثيرة جداً، فكان النبي عليه الصلاة والسلام بينه وبين أبي بكر مواضيع كثيرة جداً، فلا شك أن الوضع يحتاج إلى زيارة متواصلة ويومية، بل ربما مرتين في اليوم؛ لمتابعة أمور الدعوة، وتبليغ النبي عليه الصلاة والسلام أبا بكر بما استجد من الوحي، فـأبو بكر سابق الأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام، والأخوة بينهما كبيرة جداً، حتى همَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذه خليلاً فقال: (ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)، فلذلك ليس بمستغرب أن يمر على أبي بكر في اليوم مرتين. فالشاهد أن القضية تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.

    قال ابن بطال رحمه الله: "الصديق الملاطف لا تزيده كثرة الزيارة إلا محبة بخلاف غيره".

    بعض الناس زيارتهم مكروهة وفيها ثقل دم، وبعض الناس زيارتهم محبوبة، هذا الشيء يلاحظه الزائر من المزور، إذا رآه مستريحاً ومسروراً زاره، وإذا كانت الزيارة مثمرة أقبل عليها.

    1.   

    أنواع الزائرين والمزورين

    أما أنواع الزائرين والمزورين، فهذا بابٌ طويل، فمن الزائرين من يزورك لمال، أو مصلحة دنيوية، أو يريد أن يأخذ منك أشياء ومزايا.

    ومن الزوار من يزورك لصلة رحم أو لأخوة في الله.

    ومن الزوار من يزورك لتعلم علمٍ منك، أو لتعليمك شيئاً.

    ومن الزوار من يزورك للتعاون على أعمال البر والتقوى، أو للتعاون على الإثم والعدوان.

    فالشاهد أن من الزوار من يحفظ وقتك وينفعك، ومن الزوار من يضيع وقتك ويُمِلِّكُ، فالزوار أنواع:

    من الزوار أهل دين وصلاح، ومن الزوار أهل شر ورفقاء سوء.

    وكذلك فإن المزورين أنواع:

    زيارة أهل الخير والفضل

    فمن هم الناس الذين تقصد زيارتهم؟

    قال النووي رحمه الله تعالى: "باب: زيارة أهل الخير، ومجالستهم، وصحبتهم، ومحبتهم، وطلب زيارتهم، والدعاء منهم" ذكر هذا في بابٍ من أبواب كتاب رياض الصالحين.

    فإذاً المطلوب الآن هو زيارة أهل الخير، أما أهل الشر والسوء فلا يزارون إلا للإنكار عليهم ودعوتهم إلى الله بما لا يترتب عليه مفاسد شرعية، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يشتاق جداً لزيارة جبريل، حتى ورد في صحيح البخاري ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: (ألا تزورنا أكثر مما تزورنا؟ قال: فنزلت وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا .... [مريم:64] الآية) انظر إلى اشتياق النبي عليه الصلاة والسلام إلى زيارة جبريل، حيث يطلب منه زيارة أكثر، لأن جبريل عليه السلام كلما زار النبي صلى الله عليه وسلم وجد النبي عليه الصلاة والسلام منه علماً نافعاً .. وهكذا.

    وكذلك الصحابة -رضوان الله عليهم- كان يزور بعضهم بعضاً، فقد أرسل النبي عليه الصلاة والسلام معاذاً وأبا موسى إلى اليمن كما ورد ذلك في صحيح البخاري فقال لهما: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا) فانطلقا، فقال معاذ لـأبي موسى : [كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائماً وقاعداً وعلى راحلتي وأتفوقه تفوقاً، قال: أما أنا فأنام وأقوم، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، وضرب فسطاطاً] وفي رواية الإمام أحمد : فكان لكل واحد منهما فسطاط: مكان يأتيه فيه الناس ليتعلموا.

    أرسل النبي عليه الصلاة والسلام عالمين إلى أهل اليمن لتعليمهم، وجاء في صحيح البخاري : (فجعلا يتزاوران) مع أنهما رسولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان كل واحد منهما في مكان، فجعلا يتزاوران، فزار معاذ أبا موسى فإذا رجلٌ موثقٌ فقال: ما هذا؟

    قال أبو موسى : يهوديٌ أسلم ثم ارتد، فقال معاذ : لأضربن عنقه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من بدل دينه فاقتلوه) فلو أن واحداً أسلم اليوم ثم ارتد غداً وجب قتله؛ لأنه بدل دينه، وهو دين الإسلام، ولا يدخل في هذا تبديل دين النصرانية واليهودية ، وإنما المقصود تبديل دين الإسلام.

    زيارة الأخوة في الله والأصحاب

    والسلف كانوا يحرصون على إشاعة روح التزاور بين الإخوان في الله والأصدقاء والأصحاب، وقد قال الدارمي في سننه بإسناده إلى ابن مسعود رضي الله عنه: [أنه سأل أقرانه وأصحابه هل تتزاورون؟ قالوا: نعم، حتى إن أحدنا ليزور أخاه في ناحية الكوفة-أي: نشتاق إلى بعضنا البعض فيزور أحدنا صاحبه- فأخبرهم أنهم على خير ما داموا على ذلك].

    أمثلة لزيارة أهل العلم

    أما الزيارة: فأعلى من يزار هم أهل العلم بلا شك، للانتفاع بالزيارة، وهاكم مثالاً على ذلك:

    جاء في صحيح مسلم : عن أبي وائل قال: -وهذا مثال على زيارة أناس لعالم- قال: [غدونا إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يوماً بعدما صلينا الغداة -الصبح- فسلمنا في الباب! فأذن لنا، فمكثنا بالباب هنيةً -كأنهم يريدون التأكد من الأذن- قال: فخرجت الجارية فقالت: ألا تدخلون؟ فدخلنا فإذا هو جالسٌ يُسبح - ابن مسعود - فقال: ما منعكم أن تدخلوا وقد أُذن لكم، فقلنا: لا. إلا أننا ظننا أن بعض أهل البيت نائم قال: ظننتم بآل أم عبد غفلة؟] آل أم عبد هو ابن مسعود ، ابن أم عبد : ابن مسعود ، وآله: هم أهله، زوجته وبناته، قال: تظنوننا غافلين؟ يجتهدون بالعبادة بعد الفجر، ليسوا غافلين نائمين، آل أم عبد لا ينامون بعد الفجر، يجلسون يسبحون ويذكرون الله.

    قال: [ثم أقبل يسبح -أي: أنه لم يقطع العبادة لأجل الزيارة، كان في عبادة حتى أكمل العبادة- حتى ظن أن الشمس قد طلعت، قال: يا جارية! انظري هل طلعت؟ فنظرت فإذا هي قد طلعت، فقال: الحمد لله الذي أقالنا يومنا هذا، قال مهدي بن ميمون: أحسبه قال: ولم يهلكنا بذنوبنا، فقال رجلٌ من القوم: قرأت البارحة المفصل كله، فقال عبد الله : هذاً كهذ الشعر؟ .......] إلى آخر الأثر.

    وهذا الأثر فيه فوائد منها:

    1/ التلبث عن الدخول بعد الإذن لاحتمال عذرٍ للتأكد، وكذلك نفي التهمة والنقص عن الإنسان وأهله، قال: تظنون أهلي غافلين؟ ليسوا غافلين.

    2/ كراهية النوم بعد الفجر، وأن هذا وقت ذكر لله.

    3/ أن من استأذن عليه وهو في عمل طاعة يمكنه تركها فلا يتركها؛ لئلا يكون ذلك وسيلة في ترك الطاعات، ويتخذه الشيطان سبباً يصد به عنه، أما إن جاءه خاطر الرياء والإعجاب تعوذ بالله من الشيطان وحاسب نفسه، وإذا لم يمكنه التغلب على جانب الخوف والإعجاب، ترك العمل واشتغل بمن قدم عليه.

    4/ فيه زيارة العلماء، وانظر كيف انتفعوا بزيارة ابن مسعود ؛ في تعلم أشياء من آداب الاستئذان.

    5/ وفيه تعلم حمل الأهل على الطاعة والعبادة.

    6/ وفيه التعلم على الاستمرارية على العبادة.

    7/ وفيه تعلم فوائد مثل: مسألة الإسراع في تلاوة القرآن والحدر فيه، وما حكم إنهاء القرآن في يومٍ واحد، وهكذا..

    زيارة الضعفاء والمساكين

    وبعض الناس قد يظن أن الزيارة لأهل العلم والفضل، والأصحاب والأصدقاء، فينسون زيارة الضعفاء والمساكين، وزيارة الضعفاء والمساكين عبادة؛ لأن فيها أجراً عظيماً، يجب ألاَّ ينسى الضعفاء والمساكين في المجتمع، والناس قد يزورون الوجهاء والكبراء لما عندهم من الدنيا والجاه والغنى ولا يزورون المساكين والضعفاء، لماذا لا يُزار المساكين والضعفاء؟ روى الإمام مسلم -رحمه الله- في صحيحه عن أنس قال -وهذا حديثٌ مؤثرٌ فعلاً، يبين الاهتمام بهذه الناحية، مؤثر لأنه صدر من أكبر اثنين في الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم-: [قال أبو بكر لـعمر -رضي الله عنهما- أبو بكر خليفة يقول للنائب عمر وزيره وصاحبه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم-: انطلق بنا إلى أم أيمن رضي الله عنها نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها] الذي يتكلم هو أبو بكر قائد الأمة والخليفة والنائب الذي بعده عمر ، يقول: [انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها] زيارة العجائز والكبار في السن، هؤلاء ليسوا على الجانب بحيث أنهم لا يراعون، بل لهم حق ويعطون اهتماماً.

    الغرب الذين تقدموا بالصناعات ماذا فعلوا؟

    وضعوا الملاجئ للعجزة، لا يزارون حتى من أقرب الناس إليهم، وهؤلاء أهل الإسلام وأصحاب الإيمان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وزيراه وصاحباه، يزوران أم أيمن العجوز؛ كانت حاضنة النبي عليه الصلاة والسلام، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يراعيها، حتى إنها المرأة الوحيدة التي تكلمت على النبي صلى الله عليه وسلم لما زارها يوماً وكان صائماً فقدمت له لبناً، فأبى فتكلمت عليه ولامته، ولم يكن أحد يتجرأ أن يلوم النبي عليه الصلاة والسلام؛ لكن أم أيمن حاضنته في صغره، ولها نوعٌ من الحق.

    فزيارة العجائز جائزة وليست زيارة مشبوهة، ما ذهبا لزيارة امرأة شابة أجنبية، إنما زاروا عجوزاً كبيرة في السن، وليس في ذلك فتنة.

    ولا يظنن ظانٌ أن العجائز وكبار السن ليس لهم دورٌ في المجتمع، سبحان الله والله أكبر! على ذلك المجتمع الأول الذي ما كان فيه فرد إلا وله دور، حتى العجائز، فقد جاء في أثر رواه الإمام البخاري رحمه الله، عن سهل بن سعد قال: [إنا كنا نفرح بيوم الجمعة، كانت لنا عجوزٌ تأخذ من أصول سلقٍ -والسلق نبات معروف- لنا كنا نغرسه في أربعائنا -والأربعاء: هو الجدول، أو النهر الصغير، أو الساقية- فتجعله في قدرٍ لها، فتجعل فيه حباتٍ من شعير لا أعلم إلا أنه قال: ليس فيها شحبٌ، ولا ودكٌ -لا لحم ولا دهن ولا شيء، مجرد سلق عليه شيء من الشعير- فإذا صلينا الجمعة زرناها -أي: زرنا العجوز بعد صلاة الجمعة- فقربته إلينا، فكنا نفرح بيوم الجمعة من أجل ذلك].

    وفي رواية للبخاري أيضاً: [كانت فينا امرأةٌ تجعل على أربعاء في مزرعةٍ لها سلقاً، فكانت إذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السلق فتجعله في قدرٍ ثم تجعل عليه قبضةً من شعير تطحنها فتكون أصول السلق عرقة] أصول السلق مثل عرق اللحم بالنسبة للشعير والأكل، هذا بيان ما كانوا عليه من التواضع والزهد، وقلة ذات اليد، والفقر، وضيق العيش، والصبر، رضوان الله عليهم.

    [وكنا ننصرف من صلاة الجمعة فنسلم عليها، فتقرب ذلك الطعام إلينا فنلعقه، وكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك] سبحان الله! هذه عجوز كبيرة في السن، لكنها أبت إلا أن يكون لها دور في المجتمع، تقدم الطعام للخارجين من صلاة الجمعة، على بساطة الطعام وعلى قلته، ولذلك قالوا في فوائد هذا الأثر: عدم احتقار الأجر في الأشياء ولو كانت قليلة.

    هذا بالنسبة لأنواع الزائرين والمزورين، فالمقصود أن الزيارة ينبغي أن تكون لله وفي الله.

    وهناك ملاحظة: وهي أن بعض الناس قد يزورون أشخاصاً من الباب، أو في الطريق، فهل تعتبر هذه زيارة؟

    نقول: أما الزيارة من الباب لأجل شيء، كأن يكون مستعجلاً، فهذا شيءٌ طيب، تأتيه إلى باب داره أحسن من أنك لا تأتيه أصلاً.

    لكن هب أن وقتك ضيق لا تستطيع أن تزوره إلا من باب البيت فماذا تفعل؟!

    تزوره من باب البيت، وتمر عليه مروراً، تقول: أنا -يا أخي- لا أستطيع أن أدخل أزورك، ولكن من هنا فاعذرني.

    ولو أنك تستوقفه في الطريق فتتكلم معه هنيهةً فهذا -أيضاً- طيب، كما قال الشاعر ابن المعتز :

    قف لنا في الطريق إن لم تزرنا     وقفةً في الطريق نصف الزيارة

    لكن بعض الناس قد يأتي إلى باب صاحبه، ويقول: أنا مستعجل ولا أريد أن أدخل، ويقفان عند الباب طويلاً، وتتواصل الأحاديث ويقول له صاحب البيت: ادخل: فيقول: لا أستطيع أنا مستعجل، وتتواصل الأحاديث الطويلة على الباب، فلو دخل لكان أحسن، لكن بعض الناس لا يحسنون تقدير الأشياء، فلو دخل وزاره ربما كان أسرع من وقفة عند الباب، لأن بعض الناس لا يحلو لهم إلا الكلام عند الباب، ولا تهطل عليهم الأفكار إلا عند الأبواب.

    مسألة: إن الانشغالات الموجودة في هذا العصر جعلت مسألة الزيارة في الله شيئاً نادراً مع الأسف! وبعض الانشغالات قد يكون الناس محقين فيها وقد تكون بعض الانشغالات أهم من بعض الزيارات، لكن قطع الزيارات نهائياً هذا أمرٌ لا يقبل، قد أفهم -أنا مثلاً- أنك في حي من الأحياء ولك نشاطٌ في الدعوة إلى الله وعندك كثيرٌ من الانشغالات والمهمات، فقد أُقلل من الزيارة، أو نتزاور على البعد، وما بيني وبينك من الروابط والعلاقات القلبية لا يمكن قطعها أو زوالها، لكن أن تنقطع الزيارات نهائياً فتمر السنة والسنتين ولم أزره فهذا أمرٌ معيب.

    لكن حصول الأعذار ينبغي أن يكون فيها تبادل تقدير من الأطراف المختلفة، وقلة الزيارة لا تعني الجفوة بالضرورة، فهناك أناس من أهل الخير والإحسان والصلاح والعلم زياراتهم لبعضهم قليلة، يسمعون عن بعضهم سماعاً ربما، لكن تجد أن بينهم علاقات قلبية قوية جداً ولو كانت زياراتهم قليلة أو معدومة لبعض الظروف.

    عن أبي الحسن بن قريش قال: حضرت إبراهيم الحربي -وهو من أكابر علماء الحديث- وجاءه يوسف القاضي ومعه ابنه أبو عمر ، فقال له: يا أبا إسحاق لو جئناك على مقدار حقك لكانت أوقاتنا كلها عندك، فقال أبو إسحاق رحمه الله: "ليس كل غيبةٍ جفوة، ولا كل لقاءٍ مودة، وإنما هو تقارب القلوب".

    فقد يلتقي بعض الدعاة إلى الله مع بعضهم من بُعدٍ في الطريق ويكون بينهم السلام والابتسامة وهذه تنبئك عن أمرٍ عظيم، فالانشغالات إذا كانت في الأشياء الشرعية فقد يعذر فيها الإنسان في قلة الزيارة، لكن المشكلة أن الناس الآن أعدمتهم الأمور الدنيوية وأعمتهم عن أن يزوروا إخوانهم في الله، وصارت الزيارات لأجل المصالح، لا يزورهم إلا لمصلحة، فجأةً تفاجأ بشخص، لم يزرك أبداً، والآن يطرق عليك الباب، فقال: والله أحببنا أن نزورك وعندنا قضية نريد منك أن تهتم بها، ولنا خدمة نريد أن تقدمها لنا.

    إذاً الزيارة أصبحت لأجل الخدمة، فزيارات الناس -الآن- تقطع أمرهم بينهم، ما تجمعهم إلا المصالح، لا يجمعهم الحب في الله ولا التزاور في الله، ولذلك فإن الخطوات غير محسوبة ولا حسنات لهم؛ لأن الزيارات والعلاقات مادية.

    1.   

    الزيارات .. ملاحظات وسلبيات ومؤاخذات

    قطع التزاور بين الإخوان

    من السلبيات الكبيرة: عدم التزاور .. إهمال الزيارة .. قطع الزيارة، وهذا قد يكون له انشغالات مادية مذمومة، وقد يكون ذلك سببه التكاسل -أي: استثقال الذهاب- يقول: أذهب لأزوره وقد تكون الشوارع مزدحمة، أو هو في حي بعيد، يجب أن تكون العلاقة في الله أقوى من كل هذه العوائق، وينبغي أن يكون الحب في الله دافعاً للزيارة، ونتذكر دائماً حال الشخص الذي زار أخاً له في الله وسافر سفراً من أجله وتكبد المشاق، فكيف بنا اليوم وعندنا سيارات؟!

    لقد كان السلف الصالح يزورون إخوانهم مع ما في الزيارة من المشقة، والتعب، وكانت وسائل المواصلات على بهيمة الأنعام وغيرها، لكن الآن مع وجود السيارات، ووجود الهواتف التي سهلت الأمور، فمن الممكن أن تتصل وتحدد وقت الزيارة، لكن الزيارات أصبحت أقل، والقطيعة أكبر، كان مجتمعهم نظيفاً متماسكاً، ومجتمعنا فيه كثيرٌ من الأوساخ والقذارات والتقاطع والتدابر، والعلاقات والزيارات أصبحت زيارات مصالح، ولو تقاعد الرجل أو خسر ماله لما زاره أحد، وكانوا من قبل يزورونه دائماً، ويحضرون مجلسه لكن لما استقال، أو نقل من منصبه، أو فقد ماله .. ونحو ذلك، فإنه أصبح لا يزار، فالقضية قضية مصالح دنيوية.

    الإفراط في كثرة الزيارات

    كان ابن الجوزي -رحمه الله- يشتكي من الذين يضيعون الأوقات، وهذا جانب مقابل؛ ونحن بين إفراطٍ وتفريط، ناس لا يزورون، وناس يزورون زيارات مملة مضيعة للوقت، فأما الطرف الأول فعرفنا تفريطهم، أما الطرف الثاني فإن من إفراطهم أنهم يأتون بغير موعد، والإتيان بغير موعد لا بأس به، والسلف لم يكن لديهم تلفونات كان يزور أخاه، فقد يصادفه في مسجد، قد يتواعد معه وقد لا يتواعد معه، لكن الفرق في ذلك: أن الرجل منهم إذا زار أخاً له واستأذن، وقال: السلام عليكم أأدخل مثلاً؟ فقيل له: ارجع، فيرجع بطيب نفس: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [النور:28] والآن الشخص منا لو ذهب ليزور آخر، فاستأذن فلم يؤذن له، لا تجد أحداً يتجرأ ويقول له: ارجع أو يعتذر له، وإنما يستعمل الكذب بدلاً من أن يقول: يا أخي! ارجع: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا [النور:28] فتجده لا يقول: ارجع، ولكن يكذب، فربما يقول: قولوا له: هو غير موجود، أو أنا عندي موعد، أو أنا الآن خارج من البيت، وهو في البيت!

    فإذاً هناك إفراط في كثرة الزيارات وتفريط في عدم الزيارات، وهناك أناسٌ يتضايقون إذا لم يُسمح لهم بالزيارة، قال ابن الجوزي : أعرف أُناساً من البطالين -دائماً- يريدون أن يزوروني وأنا عندي تآليف وأشغال، فكنتُ أدافع اللقاء جهدي، أعتذر ما استطعت لأجل ما أنا فيه من العبادة أفضل من قضاء الوقت معهم، فإذا اضطررت وصرت أمام الأمر الواقع وهو أنهم لابد أن يزوروني كنتُ أعد الأشياء التي لا تحتاج إلى تفكير، من قطع الأوراق، وبري الأقلام... ونحوها، فإذا زاروه ولابد ودخلوا عليه واقتحموه اقتحاماً فإنه ينشغل بهذه الأشياء التي تأخذ وقتاً ولا تحتاج إلى تفكير في مدافعة ومواجهة هؤلاء القوم.

    بعض الزوار لا يراعون الإشارات ولا التلميحات، فقد يريد صاحب البيت أن تنصرف من عنده، فيعطيك إشارة تلميح لكن بعض الزوار عقولهم سميكة، فلا يفهمون التلميح ولا التصريح.

    وبالنسبة للإحراجات التي تحصل بسبب عدم الإذن، فنقول: إن الهاتف وسيلة لتحديد الموعد ومعرفة الظروف والأحوال، أنك تتصل عليه إذا أردت أن تزوره، والمشكلة أن بعض الناس يعتبرون أنفسهم من الخصوصيين، ويظنون أنهم متى جاءوا في أي وقت فالباب مفتوح، والإنسان قد يكون له ظروف وانشغالات لا تسمح له باستقبال أعداد من الناس في أوقاتٍ مختلفة، وكل واحدٍ يظن نفسه أنه صاحب حق ومن المقربين، وفي أي وقت جاء فلا حرج عليه، وهكذا تحصل الإشكالات.

    رفض الزيارة من بعض الناس

    ومن الأمور أيضاً: أن بعض الناس يرفضون الزيارة رفضاً قاطعاً، ويقولون: إن زيارة الناس لم تأتِ لنا إلا بالمشاكل، وإن البيت ما أصبح فيه المشاكل إلا بسبب الزيارات، لا تزور أحداً ولا يزورك، ولا تدخل بيت أحدٍ ولا تُدخله بيتك، قد يضعون لك سحراً، وقد يصيبونك بالعين أو يحسدونك ... أو نحوها.

    ونحن عندما ذكرنا أصناف الزائرين إنما نقصد بذلك: أن الإنسان ينتقي من يزوره بطبيعة الحال ولا يدخل أي أحد إلى بيته، لابد أن ينتقي من أهل الصلاح والعلم والفضل من يدخلهم بيته، ومن يدخل بيتهم هو.

    عدم التوازن في استقبال الزائرين

    وبعض الناس يُبالغون في رد الأشخاص بشكلٍ سيئ من الباب ويطردونهم طرداً، فهذا أسلوب جاف لا يوجد اعتذار ولا كلام حسن، وبعضهم يكتب على باب غرفته كما شاهدناه في غرف بعض الطلاب يقول: خطر ممنوع الاقتراب!

    ونقول: إن التوازن أمر مهم ومطلوب، فالإنسان في أوقاتٍ يستقبل زيارات، وأوقات لا يستقبل زيارات، فالأوقات التي لا يستقبل فيها الزيارات يعتذر من الباب، أو يكتب على الباب.

    كذلك بالنسبة للمزورين منهم: من يكونون من العزاب كالطلاب والعمال والعسكريين فهؤلاء لهم مجمعات خاصة فظروف الزيارات لهم تختلف عن ظروف الزيارات لأصحاب العوائل؛ لأن أصحاب العوائل عندهم بيوت، وصاحب البيت عنده ارتباطات وأهل وزوجة، وذلك أعزب يدخل عليه، وذلك أسهل، هذا تزوره كل يوم، وهذا لا تستطيع أن تزوره يومياً مثلاً، فلابد من التفريق بين العزاب وأصحاب العوائل في الزيارات.

    كذلك بعض المجمعات السكنية مثل: مجمعات الطلاب وغيرهم، ففيه نوع من عدم الكلفة إلى حدٍّ ما، بحيث يمكنك أن تدخل غرفته، أما ذلك فهو في بيت عنده زوجة وأولاد فلا تستطيع أن تقتحم عليهم، فلابد من مراعاة الفوارق في الزيارات، وإذا كُنَّا في بعض الأوضاع لا نشعر بالكلفة للزيارة اليومية، أو أننا ندخل الغرف فإننا في المقابل يجب أن نشعر بتقدير ظروف الناس الذين عندهم عوائل وأولاد، هذا أولاده يذهبون إلى المدارس في الصباح، وزوجته لها حقٌ عليه فقد تكون مريضة وقد تحتاج إلى عناية، وهو يريد أن يشتري أغراضاً للبيت، بخلاف الطالب أو العسكري أو العامل فإنه يُدبر أمره ولو تأخر موعد غدائه أو عشائه، لكن أصحاب العوائل عندهم موعد معين للغداء أو العشاء يحب أنَّ أهله وأولاده ينتظمون، فهذا يُراعى في زيارته ما لا يُراعى الآخر، فلابد من التفريق بين العُزاب كما ذكرنا وأصحاب العوائل.

    كذلك بعض الناس قد يحتجون في عدم الزيارة بأعذارٍ تافهة، كأن يقول مثلاً: والله ما عندي وقت ويتعذر بزوجته وأولاده.

    وبعضهم يقول: الدراسة والامتحانات! الشاهد من هذا أن النهاية أنه لا يزور ولا يُزار، وبعضهم يزور ولا يُزار، يبلغ من لؤمه، ودناءة طبعه، وقلة ضيافته وبخله أنه يزور الناس لكن لا يريدهم يزوروه؛ لكيلا يتكلف لهم أو يقدم لهم شيئاً.

    وكذلك من الأمور الملاحظة في بعض الأوساط: أن منهم من لا يزور مطلقاً، ومنهم من يجعل بيته أو غرفته مثل القهوة، الناس داخلون خارجون، ووقته يذهب سُدى، والمهمات المطلوبة منه غير متحققة ... وهكذا.

    اختصاص بعضٍ بالزيارة دون بعض

    ومن السلبيات في الزيارات: أن يختص بعض الناس بالزيارة دون بعض، مما يُوغر صدور الآخرين، فإنهم كلهم إخوانك في الله، لماذا تقصر الزيارة على فلان ولا تزور الآخر أبداً؟

    نعم! إن علاقاتنا مع الأشخاص ليست متساوية، فهذا له في نفسه معزةً أكبر، وذاك علاقته به أعظم، والآخر الأشياء المشتركة بيني وبينه أكبر، لكني أزور أحدهم ولا أزور الآخر أبداً عندما نكون متقاربين، فهذا مما يُوغر الصدور، فأنت يمكن أن تزور الجميع لكن بأوقاتٍ متفاوتة تتناسب مع العلاقات معهم.

    ترك التزاور بين الدعاة وطلاب العلم

    ومن المؤسف! وهذا كلامٌ أوجهه إلى الدعاة إلى الله عز وجل أن هناك تقصيراً كبيراً في التزاور بين الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، والزيارة في الله عبادة، وليست مقصورة على قومٍ معينين أو فئةٍ معينة، الزيارة في الله عامة للجميع، وهناك كثيرٌ من الدعاة يقصرون في زيارة بعضهم بعضاً، وقد يكون هناك من الاجتهادات في الدعوة إلى الله ما تجعل أقواماً ينغلقون على بعضهم دون آخرين فلا يزورونهم، والزيارة حق إسلامي وحق شرعي، ونحن أمة واحدة.

    نعم! أنا قد أزور فلاناً أكثر لأن بيني وبينه روابط مشتركة كثيرة، لكن أترك إخواني في الله والدعاة الآخرين لا أزورهم، يجب أن تكون الزيارة في الله فوق الاختلافات والاجتهادات إذا كانت داخل دائرة الإطار المقبول الصحيح الشرعي المنهجي.

    يجب أن تكون الزيارة في الله، لا زيارة أهل البدع، والكفار والمنافقين والمشركين، لكن هؤلاء إخوانك في الله، فلا يجوز أن يفرق بينك وبينهم أي نوع من أنواع الاختلاف في الاجتهادات، بل ينبغي أن تزول هذه الحواجز التي تمنع الزيارات.

    صحيح أنك لا تتدخل في خصوصيات الآخرين، ولا تزور زيارة يُسَاءُ الظن بك فيها، لكن تنتقي الأوقات المناسبة لزيارة إخوانك في الله من الدعاة -جميعاً- مهما كانت مقاصدهم ما دام أنهم يسعون لخدمة الإسلام وهم على السنة وليسوا أصحاب بدع ولا ضلالات.

    الزيارة المبنية على التعلق لا على الأخوة في الله

    كذلك من الناس من يزور أشخاصاً معينين تعلقاً بهم، وقد تصل العلاقة إلى درجة العشق والعياذ بالله! فزيارته ليست في الله، ولا ينطبق عليه حديث: (فأخذ يده لله) وإنما يزوره لغير الله، لما يحصل بينهما من التعلق المذموم أو العشق المحرم، فيخسر زيارته، ويكون أمراً معيباً ملاحظاً عليه أمام الآخرين، وقد يجعل حججاً واهية كالدراسة معه، أو تقديم الخدمات، أو أن هناك مشروعاً مشتركاً وهمياً بينهما، والمقصود منه فقط هو زيادة التعلق المذموم.

    ضياع الأوقات في الزيارة

    وكذلك ما يحصل في الزيارات من ضياع الأوقات، والالتقاء لمجرد المؤانسة والمشاكلة .. مشاكلة الطباع، فهذا أمرٌ مذموم قد يندم عليه الإنسان يوم القيامة.

    وبعض الناس قد يزور إخوانه زيارة لا يحسب للوقت قيمة، فيجلس الساعات الطوال وأحياناً إلى ساعة متأخرة من الليل، وكذلك ما يحصل في الزيارات من الغيبة، خاصة فيما يتعلق بعيوب إخوانه غير الموجودين في المجلس، والناس عموماً، وكذلك ما يحصل من ضحك، ومزاح كثير، مما يؤدي إلى وقوع أمرٍ مذموم، وكذلك الزيارات التي يسهرون فيها إلى بعد منتصف الليل، فتضيع صلاة الفجر، وبعضهم له نفسٌ ثقيلة لا يتورع عن المبيت، أو المشاركة في الطعام، أو الحضور في وقت وجبة الغداء أو العشاء بدون موعد أو دعوة.

    الزيارة والتدخل فيما لا يعني

    وكذلك من السلبيات: ما يحصل من العبث في ممتلكاته الخاصة، كأن يُنكر على صاحبه في بيته أشياء من مسائل الاجتهاد، أو يستأثر بالكلام، أو يتدخل فيما لا يعنيه، أو لا يراعي ظروف المزور، كأن يكون عنده امتحاناتٌ أو أولادٌ أو وظيفة، وهذا عمله يبدأ الساعة الثانية ظهراً، يعمل على مراحل، أو على أوقات مختلفة، فهذا عمله الساعة الثانية ظهراً، وهذا عمله الساعة السادسة صباحاً، فيزور صاحبه ويجلس عنده إلى ساعة متأخرة في الليل، وهو عمله في الساعة الثانية ظهراً وليس عنده دوام في الصباح، فكيف تتأخر عنده إلى هذه الساعة المتأخرة من الليل؟

    1.   

    الزيارة الناجحة

    الزيارة الناجحة لابد لها من أمور:

    الزيارة الناجحة تحتاج إلى إعداد مسبق .. تحديد موعد، أو ترك مجال للاعتذار إذا جئت بغير موعد، كأن تقول له: إن كنت منشغلاً فسوف آتيك فيما بعد، بحيث تترك له مجالاً، إذا كان منشغلاً يقول: نعم -يا أخي- أنا منشغل ونحدد وقتاً آخر، أما أن تقول: أنا جئت أزورك وأرجو ألا تعتذر؟ فنقول: هذا لا يعتبر من مكارم الأخلاق.

    ثم إن من أساسيات الزيارة الناجحة: إعداد جدول للزيارة ولو في الذهن، ماذا نريد أن نناقش في الزيارة؟ وما هي المواضيع التي نريد أن نطلقها؟

    بعض الناس يذهبون للزيارة، فيتكلمون عن العمل، فإن كان موظفاً أسهب وأطنب هو وصاحبه في الكلام على الوظيفة ومشكلات الوظيفة والعمل، وصار هم العمل من الشركة والمصنع والمدرسة إلى مجلس التزاور فهذا لا ينبغي؛ لأن هذه زيارة عبادة ينبغي أن تُستغل في أشياء مهمة.

    وكذلك الزيارة لابد أن تتناقل فيها بعض الأخبار، سؤال عن الأحوال، الاطمئنان، ليس المقصود بالعبادة أننا نفتح القرآن ونقرأ، بل نذكر أخبار البلد، والاطمئنان على صحته وأحواله وأحوال أهله، وماذا حصل له من الحوادث والأشياء؟ ثم هناك أخبارٌ من العلاقات الاجتماعية تتداول، وأخبار عامة وسريعة، لكن لابد أن يكون في الزيارة الناجحة أشياء تستثمر ويستفاد منها مثل: فتح مواضيع إسلامية، أشياء من المشكلات التي تواجه كيف يكون حلها، قراءة في الكتب، وأرشح هنا بعض الكتب للقراءة منها إذا حصلت زيارة بأن تكون موجودة في مكتب المجلس وكما قلنا ليس هناك موضوع معين، يؤخذ الكتاب ويفتح ويقرأ منه أشياء، لابد من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الله، فمن الكتب مثلاً: تفسير العلامة ابن سعدي رحمه الله، وحاشية كتاب التوحيد لابن سعدي رياض الصالحين ، غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ، السيرة النبوية الصحيحة لـأكرم العمري ، نزهة الفضلاء في تهذيب سير أعلام النبلاء ، زاد المعاد ، كتب ابن القيم وابن تيمية مباركة، الوابل الصيب ، تهذيب مدارج السالكين الفوائد ، كتب الشيخ: عمر الأشقر في العقيدة، ابن عبد البر ألف كتاباً اسمه بهجة المجالس وأنس المجالس ، فيه آدابٌ وأخلاق، مختصر منهاج القاصدين ، موعظة المؤمنين ، صفة الصلاة وأحكام الجنائز للشيخ الألباني ، فتاوى إسلامية للمشايخ عبد العزيز بن باز ، ومحمد صالح العثيمين ، وعبد الله بن جبرين ، المجلات الإسلامية الهادفة.

    إذاً هناك أشياء ينبغي أن تكون في المجلس تستثمر فيها الزيارة بحيث تكون الزيارة ناجحة، ولا يزاد فيها عن الموعد المحدد، لأن بعض الناس يقول: يا أخي! نجلس فقط نصف ساعة، ثم يجلس ساعتين فيتعدى الموعد بساعة ونصف.

    1.   

    زيارة النساء للنساء

    أما بالنسبة للزيارة بين النساء، فهذه لها شأنٌ خاص، لكن هناك ملاحظات سريعة:

    نقول: زيارة النساء للنساء أمرها مطلوب، وليست مطلوبة مثل الرجل؛ لأن المرأة مطالبة بالقرار في بيتها، لكن لو حصلت مناسبة ما فلا مانع من الزيارة، بشرط ألا تكون متطيبة ولا متزينة بحيث يرى زينتها الرجال، وألا تختلي مع أجنبيٍ كالسائق، وألا تذهب إلى الغيبة والنميمة والكذب وضياع الأوقات، وتهمل أطفالها وأولادها وحقوق زوجها بحجة الزيارة، وألا تترك أولادها يعبثون في بيت صاحبتها.

    والآن نرى إذا كان هناك بعض الأسئلة المهمة.

    1.   

    الأسئلة

    توجيه للاستفادة من الرحلات الترفيهية

    السؤال: نحن مجموعة من الإخوان نشاهد بعضنا كل أسبوع أو أسبوعين في رحلة أو غيرها، لكن لا يتخلل هذا الشيء ذكر الله، وقد تكون منفعتنا معدومة، والرحلات فيها ضحك وكلام مباح ولعب.

    الجواب: يا أخي! اجعلوا في هذه الرحلة أشياء مفيدة، فأنتم عرفتم بأنفسكم الخلل فأصلحوه.

    من أحكام صوم النافلة عند وجود ضيف

    السؤال: إذا كنت صائماً وأتاني صديق وعلاقتي به قوية، فهل أُفضل الصيام أو تقديم الأكل له مع الأكل معه؟

    الجواب: إذا كان لا يستوحش من عدم أكلك معه فابق على صيامك، وإذا كان يستوحش أو أنك تسبب مزيداً من المؤانسة له والمحبة فأفطر من أجله ولا بأس بذلك.

    أهمية الصلاة عند الزيارة

    السؤال: هل أنتظر الاستئذان على حساب الصلاة؟

    الجواب: لا، لابد من الصلاة ثم بعد ذلك الاستئذان.

    تنظيم زيارات جماعية لغرض الدعوة إلى الله

    السؤال: نريد أن نشارك مجموعة من طلبة العلم في زيارات الناس والحي ويكون فيها دعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

    الجواب: هذا مهم جداً، فلو كان في الأحياء مثل هذه اللجنة من الشباب المصلين في المسجد يتولون زيارة الجيران، ومن لا يصلي في المسجد يقومون بدعوته إلى الصلاة في المسجد وغيرها، يكون فيه خيرٌ عظيم، وقضية الزيارة ما نبَّه الشرع عليها وأكد إلا لما فيها من منافع عظيمة وجليلة جداً.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من المتحابين فيه، والمتزاورين فيه، والمتجالسين فيه.

    والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2737890437

    عدد مرات الحفظ

    684526671