إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد المنجد
  3. أحكام المسابقات وأضواء على عاشوراء

أحكام المسابقات وأضواء على عاشوراءللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أصل المسابقات مشروع في الإسلام، ولكن بشروط وأركان، وقد جدَّ اليوم ما جد من الحوادث، وتوسع الناس في المسابقات حتى دخلت في أمور هي محل نظر عند أهل العلم، وفي هذا الدرس تجد نبذة عن هذا الموضوع وما يحل منه وما يحرم .. ثم تجد حديثاً لطيفاً عن يوم عاشوراء وحكم صومه، وما أحدث فيه أهل البدع...

    1.   

    أقوال أهل العلم في السباق وبعض أحكامه

    إن الحمد لله؛ نستعين به ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    عباد الله: لما كثرت المسابقات وجوائزها، وانتشرت بين الناس؛ رأيت أن أنقل لكم طرفاً من أقوال أهل العلم في مسألة السباق وبعض أحكامه، والمسابقة وما جاء عنهم فيها من أحكام.

    حكم السباق والمسابقة

    فأما السباق -أيها المسلمون- فإن الأصل فيه الجواز بالسنة والإجماع، أما السنة فروى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم (سابق بين الخيل المضمرة من الحيفاء إلى ثنية الوداع وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق) وهذه مسافة معلومة سابق فيها النبي صلى الله عليه وسلم -أي: أذن بالسباق فيها- والمسابقة سنة إذا كانت بقصد التأهب للقتال بإجماع العلماء ولقوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [الأنفال:60] وفسر النبي صلى الله عليه وسلم القوة بالرمي، وقد روى البخاري رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على قومٍ من أسلم ينتضلون فقال: (ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً) ولخبر أنس رضي الله عنه وأرضاه: (كانت ناقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسمى العضباء لا تسبق، فجاء أعرابيٌ على قعودٍ له فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سبقت العضباء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن حقاً على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه) قال الزركشي رحمه الله: وينبغي أن تكون المسابقة والمناضلة فرض كفاية؛ لأنهما من وسائل الجهاد، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب، والمسابقة في السهام آكد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ارموا واركبوا، ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا) وقال الترمذي -رحمه الله- حسنٌ صحيح، ومعناه أن السهام تنفع في السعة الضيق، بخلاف الفرس فإنه لا ينفع في مواضع الضيق؛ بل قد يضر، ولذلك يكره لمن تعلم الرمي أن يتركه كراهة شديدة، بل قد يكون حراماً لظاهر الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    أما إذا قُصدِتْ المسابقة لغير الجهاد، فالمسابقة حينئذ مباحة بالشروط الشرعية.

    واعلموا رحمكم الله أن المسابقة تكون على جوائز وتكون على غيرها.

    من أحكام المسابقة

    فأما المسابقة بغير جوائز كالمسابقة على الأقدام، وبالسفن والبغال والحمير، والمصارعة، ورفع الحجر ليعرف الأشد، والمسابقة على الأقدام قد وردت بالسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة ؛ فمثل هذه المسابقات جائزة إذا كانت بغير جوائز، وبغير عوض كما ذكر ذلك الفقهاء رحمهم الله تعالى، أما المسابقات التي فيها إيذاءٌ للنفس، أو التي فيها فعل محرمات أو التي فيها لبس قصيرٍ وإظهار عورة، ودق طبولٍ ومزامير، وإضاعة للصلوات، فلا شك أنها حرام، سواء كانت بعوضٍ أو بغير عوض.

    أما النوع الثاني من المسابقات: وهو المسابقة بعوضٍ وجوائز كغالب المسابقات اليوم؛ فلا شك أن جمهور الفقهاء ذهبوا إلى أنه لا يجوز السباق بعوض إلا في النصل والخف والحافر؛ لأجل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا سبق إلا في نصلٍ أو خفٍ أو حافر) أي: لا جائزة تجعل للسباق ولا عوض إلا في هذه الأشياء الثلاثة. قال ابن قدامة -رحمه الله-: المراد بالنصل هنا السهم، وبالحافر الفرس، وبالخف البعير، فهذا المقصود به المسابقة بجوائز وعوض في كل ما يعين على الجهاد، وذهب بعض الفقهاء رحمهم الله، إلى إلحاق الرماح، والرمي بالأحجار بمقلاعٍ، والرمي بالمنجنيق ونحوه، والتردد بالسيوف والرماح، أن ذلك داخلٌ فيما يجوز بعوض ؛ لأنه يعين في الجهاد.

    وكذلك المسابقة في الرمي بالآلات الحديثة، جائزة بعوض قياساً على ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال الفقهاء رحمهم الله: ولا تصح المسابقة بعوضٍ على كرة الصولجان، وكان عندهم لعبة يركب فيها بعض الناس دوابَّ، ويقذفون بالكرة بعضهم إلى بعض، قال العلماء: لا تصح المسابقة بعوض -بجوائز- على كرة الصولجان، ولا على الشطرنج، ولا على الوقوف على رجلٍ واحدة ليُنظَر من الذي يصمد أكثر، ولا على معرفة ما في يده شفع أو وتر فإن قال: اعلم ما في يدي إذا كان خمساً أو ستاً أو سبعاً أو ... شفعاً أو وتراً ولك كذا فهذا لا يجوز، وكذلك سائر أنواع اللعب كالمسابقة على الأقدام؛ لأن هذه الأمور لا تنفع في الحرب؛ كاللعب بكرة الصولجان والشطرنج فإنه لا يجوز جعل الجوائز فيها؛ فضلاً عن كون بعضها محرماً عند كثيرٍ من أهل العلم.

    ولا تصح المسابقة بعوضٍ على الكلاب ومهارشة الديكة ومناطحة الكباش بلا خلافٍ بين أهل العلم، وذهب بعضهم إلى جواز جعل الجوائز على مسابقات الغطس لأنه يستعان به في الحرب.

    فأنت ترى -رحمك الله تعالى- أنهم إنما أباحوا الجوائز على المسابقات التي فيها تدربٌ على الجهاد وإعدادٌ للعدة فيه؛ لأن هذه الأمة أمة جهاد، ولا يجوز لها ترك الجهاد، ولو تركت الجهاد ذلت؛ ولذلك حثت الشريعة على كل ما يعين على الجهاد، وأباحت الجوائز بالمسابقات على كل ما يعين على الجهاد، وأما غير ذلك فلا يجوز جعل الجوائز فيه على قول جمهور العلماء، وألحق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وتلميذه ابن القيم رحمه الله جعل الجوائز على مسابقات حزب القرآن الكريم والحديث، ونشر العلم والسنة، والدين والشريعة الإسلامية قياساً على إباحة الجوائز في مسابقات الجهاد؛ لأن ذلك مما يرفع شأن الدين ويقويه، أما جعل الجوائز على مسابقاتٍ لا علاقة لها بالعلوم الشرعية، ولا علاقة لها بالجهاد؛ فإن جمهور العلماء أخبروا على تحريم ذلك، وأن المال الذي يؤخذ منه حرامٌ لا يجوز.

    توسع الناس في العصر الحاضر في المسابقات التجارية

    أيها المسلمون انظروا -رحمكم الله- فيما توسع فيه الناس اليوم في جعل الجوائز على المسابقات، وما جاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لا سبق إلا في نصلٍ أو خفٍ أو حافر) فهذا واضحٌ في جعل الجوائز لمسابقات الجهاد، أما غيرها مما لا يعين على الدين، فلا يجوز جعل الجوائز في المسابقة عليه، وحتى المسابقات التي فيها جوائز إنما تشرع وتجوز بشروطٍ ذكرها الفقهاء؛ منها تحديد المسافة، وتعيين أول المسافة، وتعيين الفرسين أو البعيرين، وكذلك أن يكون هناك من يعيّن بدايته ونهايته، وأن يكون فيها محللٌ لا يدفع من الجائزة شيئاً عند الجمهور.

    وكذلك فإن لهم شروطاً في السباق في السهام؛ كأن يستوي عدد الرشق، وصفة الإصابة، ومعرفة قدر الغرض وهو الهدف الذي يرمى، ونحو ذلك من الأمور.

    وكذلك فإن هذه المسابقات التي توسع فيها الناس اليوم في كثيرٍ من الأمور التي لا تخدم الجهاد، ولا تعين على نشر الدين؛ فإن كانت بغير عوض، وكانت المسابقة مباحة كالسباق على الأقدام وغيره فلا بأس به، أو من يرفع حجراً فلا بأس به إذا كان بغير جائزة، أما إذا كان في أمرٍ محرم كنطاح الكباش ومهارشة الديكة ونحو ذلك؛ فإنه حرام لا يجوز بعوضٍ ولا بغير عوض، فتأمل الآن حال هذه المسابقات التجارية التي يكتبون فيها عن اسم المنتج وصفته ولونه، والذي يحلها له جائزة، وعند جمهور أهل العلم أخذ الجوائز على هذه المسابقات لا يجوز لأنه مخالفٌ لحديث: (لا سبق إلا في نصلٍ أو خفٍ أو حافر).

    قارن الآن بين الحديث وكلام أهل العلم وبين التوسع الذي يحصل لتعلم -رحمك الله- أن القضية الآن لا تدور على الشريعة في كثيرٍ من الأمور، وإنما هي داخلة في تغريرٍ أو خداعٍ، أو دعاية رخيصة، أو إضاعة لأوقات الناس، أو إكساد لسلع التجار الآخرين ومنافسة غير شريفة ونحو ذلك.

    وقد كثر الحرام في الأموال ولا حول ولا قوة إلا بالله، نسأل الله السلامة والعافية، ونسأل الله عز وجل أن يحعلنا من الذين يدورون على الشريعة، وأن يجعلنا من المتمسكين بها الحريصين عليها,

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، وأوسعوا وأفسحوا لإخوانكم يفسح الله لكم.

    1.   

    حكم صيام يوم عاشوراء

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أشهد أن لا إله إلا هو رب الأولين ورب الآخرين، أشهد أنه الحي القيوم، لا يموت والجن والإنس يموتون، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وذريته الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    عباد الله: مناسبة عاشوراء في الأمة الإسلامية مناسبة عظيمة وشرعية، وقد جاء في الصحيحين عن ابن عباس قال: (قدم رسول صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يومٌ عظيمٌ أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق وأولى بموسى منكم) نحن أمة التوحيد وموسى من الموحدين، ونحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه؛ انتزع الفضيلة فلم يبقِ لهم فضيلة، وإظهاراً للمخالفة فإنه صلى الله عليه وسلم أمر بصيام يومٍ قبله وقال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع)، وصار المستحب صيام تاسوعاء وعاشوراء.

    وجوب صيام عاشوراء قبل فرض رمضان

    كان عاشوراء صياماً واجباً، فلما فرض رمضان قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عاشوراء يومٌ من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه) لأنه صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فكان صياماً واجباً فرضاً، فلما فرض رمضان صار صيام عاشوراء مستحباً ونسخت فرضيته، وقال: (فمن شاء صامه ومن شاء تركه) رواه مسلم ، ولما قال عليه الصلاة والسلام: ( عاشوراء يومٌ من أيام الله ) علمنا أنه شرفٌ عظيمٌ لهذا اليوم؛ لأن إضافة الشيء إلى الله تدل على عظمة هذا الشيء، فلما قال: ( يومٌ من أيام الله ) دل ذلك على شرف هذا اليوم وعظمته، وفي الصحيحين عن الربيع بنت معوذ تروي لنا قصة جميلة، وتعرض لنا لوحة فذة مما كان عليه المجتمع الأول، حيث كانت العبادة في المجتمع الأول من الرأس إلى القاعدة، وكانت العبادة على جميع المستويات قالت: (فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار منهم، ونذهب من المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن -الصوف- فإذا بكى أحدهم على الطعام -أي: بسبب الجوع- أعطيناه إياها حتى يكون عند الإفطار) يلهون الأولاد تصبراً لهم على الصيام، وفي رواية: (فإذا سألونا الصيام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم) رواه مسلم رحمه الله.

    هذا اليوم العظيم الذي احتسب النبي صلى الله عليه وسلم على الله أن يكفر بصيامه السنة التي قبله، ولا يحتسب عليه الصلاة والسلام إلا على حق ووعدٍ أكيدٍ من الله عز وجل.

    استحباب صيام التاسع والعاشر من محرم

    أيها المسلمون! صار الأفضل صيام تاسوعاء وعاشوراء، وإن صام عاشوراء ويوماً بعده صح أيضاً، وإن صام عاشوراء وحده جاز أيضاً.

    وأما الذين صاموا الأربعاء والخميس فلا حرج عليهم في ذلك أبداً، ولو اكتشفوا أن عاشوراء الجمعة فإن صيامهم الأربعاء لا حرج عليهم فيه، كيف وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في صيامِ محرم، وأن أفضل شهرٍ يصام بعد رمضان محرم، فأي صيامٍ فيه شرعيٌ موافقٌ للشريعة، فهو مستحبٌ لأنه من محرم، فلا حرج عليك -أيها المسلم- إذا صمت الأربعاء، والخميس، وإن أضفت إليه الجمعة احتياطاً فهو أحسن وأحوط لإصابة عاشوراء، فإن من صام الخميس والجمعة أصاب عاشوراء قطعاً في هذه السنة، ولو صام الأربعاء لا حرج عليه ولو صارت ثلاثة أيام، وفي رواية الميموني عن الإمام أحمد قال: نصومهما -أي التاسع والعاشر- فإن اختلف في الهلال صام ثلاثة أيامٍ احتياطاً، وابن سيرين يقول ذلك، وممن قال بصيامهما الشافعي وأحمد وإسحاق، وإذا جاءك حكم منهم فحسبك به..!

    1.   

    مسائل متفرقة في عاشوراء

    وجه مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود في يوم عاشوراء

    لقد ظهر في هذا اليوم مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب؛ حيث كانت اليهود من أهل المدينة وخيبر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخذونه عيداً، وكان أهل الجاهلية يقتدون بهم في ذلك، وكانوا يكسون فيه الكعبة، وقد ورد شرعنا بخلاف ذلك، ففي الصحيحين عن أبي موسى قال: (كان يوم عاشوراء يوماً تعظمه اليهود وتتخذه عيداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوموه أنتم)، وفي رواية لـمسلم : (كان أهل خيبر يصومون عاشوراء ويتخذونه عيداً، ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم -والشارة: هي اللباس الحسن الجميل، والمظهر الحسن- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فصوموه أنتم) وهذا يدل على النهي عن اتخاذه عيداً، وعلى استحباب صيام أيام أعياد المشركين؛ لأن الصيام ينافي معنى العيد؛ لأن العيد فيه توسعٌ ومآكلٌ، والصيام فيه امتناعٌ عن الأكل والشرب؛ لذلك لا يجوز صيام عيد الفطر ولا الأضحى، ولا صيام الجمعة فقد ورد النهي عنه لأنه عيد المسلمين في الأسبوع.

    لما كان اليهود يظهرون الفرحة فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصيامه، وإن كانوا صاموه فقد خالفهم بصيام يومٍ قبله، فلا يبقى في الشريعة موافقة لأهل الكتاب بالكلية.

    حكم تخصيص عاشوراء بالتوسعة على العيال أو اتخاذه مأتماً

    أما مسألة التوسعة على العيال فقد ورد فيه حديثٌ حكم عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بالوضع وما أبعد، وقد سئل عن الحديث الإمام أحمد فقال: لا أراه شيئاً، فلا تقوم به حجة، وسع على عيالك سائر السنة ولا تخص عاشوراء بعيدياتٍ ولا بتوسعة.

    قال ابن رجب رحمه الله في كتابه لطائف المعارف : وأما اتخاذه مأتماً -أي اتخاذ عاشوراء مأتماً- كما تفعل الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي رضي الله عنه فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.

    قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً [الكهف:103-106].

    قال ابن رجب رحمه الله: ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً، فكيف بمن دونهم، كـالحسين وغيره، لم يؤمر باتخاذ يوم أحد مأتماً وقد قتل فيه سبعون من المسلمين الأخيار الأبرار، ولا يوم بئر معونة الذي قتل فيه سبعون من القراء من حفظة كتاب الله من الصحابة، ولا في يوم موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما أهل الشرك فهم يفعلون المآتم، والله يريد أن يعذبهم في الدنيا بأيديهم قبل الآخرة، يعذبون أنفسهم بأيديهم ويصدون الناس عن دين الإسلام، ليأخذ الناس الفكرة السيئة عن دينهم وأصحابه وأهله، والكفرة مهرة في اقتناص مثل هذه الفرصة إعلامياً.

    دروس وعبر من يوم عاشوراء

    أيها المسلمون! يوم عاشوراء يذكرنا بالتوبة إلى الله عز وجل، هذا يومٌ من أيام الله نجى الله فيه موسى وصامه النبي صلى الله عليه وسلم، فهو موسم عبادة، قال بعض السلف : آدم أخرج من الجنة بذنبٍ واحد وأنتم تعملون الذنوب وتكثرون منها وتريدون أن تدخلوا بها الجنة.

    تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي     درج الجنان بها وفوز العابدِ

    ونسيت أن الله أخرج آدماً     منها إلى الدنيا بذنبٍ واحدِ

    العجب ممن عرف ربه ثم عصاه، وعرف الشيطان ثم أطاعه: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً [الكهف:50] نريد أن يكون هذا اليوم موسم انطلاقة في العبادة والطاعة والتوبة والاعتراف بالذنب؛ ربنا إنا ظلمنا أنفسنا فاغفر لنا وارحمنا، نريد أن يكون هذا اليوم تجديداً للعهد مع الله تعالى، وتجديد عقد التوبة مع الله -عز وجل- أيها المسلمون، لا نريد أن يكون منعطفاً أو انتكاسات.

    تقول إحدى النساء: تزوجته وهو ملتزمٌ بالدين، في أول سنة صار يدخن، وفي السنة الثانية عكف على أهل السوء والفسق، وفي السنة الثالثة صار يشرب الخمر، وبعد ذلك ترك الصلاة بالكلية، إذا سافر لأهله أو جاءه ضيف قام يصلي مجاملة، فإذا ذهبوا ترك الصلاة.

    وتقول الأم المسكينة: صبرت عليه وتعبت عليه، وعالجته وأدخلته المستشفى من المخدرات، ثم يخرج فيرجع إلى رفقاء السوء، ويقول: تبت وتبت وأقلعت كيف أصدقه؟! كيف يتوب وأنا أرى بين أغراضه إبر المخدرات وعليها أثر الدم، نريد أن يكون هذا اليوم توبة إلى الله، نريد أن نجعل هذا اليوم عودة إلى الله، نريد أن نجعله ذكراً لله تعالى.

    وصلت إليكم معشر الأمة رسالة من أبيكم إبراهيم بعد وفاته، مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال عليه الصلاة والسلام: (رأيت يوم أسري بي إبراهيم فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة عذبة الماء، طيبة التربة، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) وقال عليه الصلاة والسلام: (من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة) قال الحسن رحمه الله: [الملائكة يعملون لبني آدم في الجنان، يغرسون ويجنون، من قال سبحان الله غرسوا له نخلة، ومن بنى بيتاً بنى الله له بيتاً في الجنة، وربما أمسكوا وتوقفوا عن الغرس والبناء فيقال: لهم ما لكم توقفتم؟ فيقولون: حتى تأتينا النفقة، فهل نبني بغير نفقة ونغرس بغير نفقة، قال: فابعثوهم بأبي أنتم وأمي على العملبذكر الله تعالى، أرض الجنة اليوم قيعان والأعمال الصالحة لها عمران، بها تبنى القصور وتغرس أرض الجنان، فإذا تكامل الغراس والبنيان انتقل إليه السكان ].

    رأى بعض الصالحين في منامه قائلاً يقول له: قد أمرنا بالفراغ من بناء دارك، واسمها دار السرور فأبشر، وقد أمرنا بتنجيدها وتزيينها والفراغ منها إلى سبعة أيام، فلما كان بعد سبعة أيامٍ مات، فرئي في المنام فقال: أدخلت دار السرور وأنا في سرور، فلا تسأل عما فيها لم ير مثل الكريم إذا حل به المطيع.

    ورأى بعضهم كأنه أدخل الجنة، وعرض عليه منازله وأجواده، فلما أراد أن يخرج تعلق به أزواجه، وقالوا له: بالله حسن عملك، فكلما حسنت عملك ازددنا نحن حسنا.

    العاملون اليوم يسلفون رءوس أموال الأعمال فيما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، إلى أجل يومٍ مزيد في سوق الجنة، فعجلوا رحمكم الله بالأعمال، وقدموها أمامكم، وانتقلوا بخير ما بحضرتكم.

    اللهم تب علينا، واغفر ذنبنا، واقضِ ديننا، واشفِ مريضنا، وارحم ميتنا، واهد ضالنا، اللهم آمنا في أوطاننا ودورنا، واجعلنا في بلدنا هذا آمنين مطمئنين، من أرادنا بسوءٍ فاكشف زيفه، واجعل شأنه في تباب وأمره إلى خراب، يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وسنة نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك يا رب العالمين، انصر إخواننا الذين يقاتلون لإعلاء كلمتك يا رب العالمين.

    وهاهم وقد اجتمع عليهم من الغرب والشرق، ولا ناصر إلا الله، ولا معين إلا هو سبحانه، وأنتم ترونهم في بلاد البوسنة وكشمير والشيشان لا منقذ لهم إلا الله، اللهم إنا نسألك أن تنصرهم على عدوهم، وأن تسدد رميتهم، وأن تجمع كلمتهم على التوحيد يا رب العالمين.

    وهاهم قد اقتحموا المنطقة التي وقف عندها العسكريون النازيون الألمان في الحرب العالمية، وسموها بوابة موسكو قد اقتحمها المجاهدون المسلمون في بلاد البوسنة ، وانتزعوها من أيدي الصرب، وقتل الله منهم أكثر من مائة، واختار الله الشهداء، نسأل الله أن يجعلهم كذلك، وأن يغفر لهم وأن يرفع درجتهم في عليين.

    ونسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم الشهادة، وأن يجعلنا يوم الدين من الفائزين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.