إسلام ويب

التوكل على اللهللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من فضل الله على هذه الأمة أن يُدخل منها إلى الجنة سبعين ألفاً بغير حساب، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم صفاتهم، وأنهم المتوكلون على الله تعالى، فلا يركنون على سواه، وهذا يدل على فضل التوكل وعظيم درجته، فينبغي على المسلم أن يسابق إلى هذه الدرجة، فيعرف حقيقة التوكل، ويعمل به، ويقتدي في ذلك بالمتوكلين من الأنبياء والصديقين.

    1.   

    الداخلون الجنة بغير حساب

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد فى الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك ومولاه. أحبتي في الله: "في رحاب الدار الآخرة" سلسلة علمية تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها تذكير الناس بالآخرة في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وانصرف كثير من الناس عن منهج رب الأرض والسماوات، ليتداركوا ما قد فات قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون (فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس:50]. ونحن اليوم على موعد مع اللقاء السابع عشر من لقاءات هذه السلسلة العلمية الكريمة، وكنا قد توقفنا في اللقاءات الأربعة الماضية مع مشهد الحساب، وتعرفنا على أهم قواعد العدل التي يحاسب الله بها عباده يوم القيامة، وعلى أول من يقضي الله بينهم، وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله، وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق العباد. موقف عصيب ومشهد رهيب، فالبشرية كلها تقف على بساط العدل بذل وانكسار للحساب بين يدي الواحد القهار، منهم من أخذ كتابه بيمينه وحاسبه الله حساباً يسيراً، ومنهم من أخذ كتابه بشماله وحاسبه الله حساباً عسيراً، ومنهم من ينطلق مباشرة إلى الجنة بلا حساب ولا عذاب، اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. أقول: تقف البشرية كلها على بساط العدل بذل وانكسار للحساب بين يدي الواحد القهار، منهم من أخذ كتابه بيمينه وحاسبه الله حساباً يسيراً، ومنهم من أخذ كتابه بشماله وحاسبه الله حساباً عسيراً، ومنهم من ينطلق مباشرة إلى الجنة بغير حساب ولا عذاب، فمن هؤلاء السعداء؟ والجواب: هو موضوع لقاؤنا اليوم مع حضراتكم بإذن الله جل وعلا، فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه، إنه على كل شيء قدير.

    من هم الداخلون الجنة بغير حساب

    أيها الأحبة! تعالوا بنا على جناح السرعة لنسأل الصادق المصدوق المصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الأخيار الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، والجواب مباشرة كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم من أصحاب المسانيد والسنن من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عرضت علي الأمم) وفي رواية صحيحة في سنن الترمذي أن هذا العرض كان ليلة الإسراء: (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط -وفي رواية: ومعه الرهيط. أي: العدد القليل الذي يقل عن العشرة- ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، ورأيت النبي وليس معه أحد) أي: لم يؤمن بهذا النبي أحد من قومه، إذ إن كل نبي يأتي يوم القيامة أمام قومه وأمام أمته، فيبعث الله نبياً لأمة لا يؤمن بهذا النبي من هذه الأمة أحد. (رأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم)، أي: رأيت سواداً عظيماً من الناس، (فظننت أنهم أمتي) يقول المصطفى: فظننت أن هذا السواد العظيم وأن هذا العدد الضخم هو الأمة المحمدية. قال: (فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، يقول: فنظرت فإذا سواد عظيم، ثم قيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) ثم نهض النبي صلى الله عليه وسلم فدخل منزله، فخاض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هؤلاء الأخيار الأطهار الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء، فخرج عليهم المصطفى عليه الصلاة والسلام، فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ أي: في أي شيء تتكلمون وتتباحثون وتتناقشون؟ فقالوا: نتناقش في هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، من هم يا رسول الله؟ فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)، فقام صحابي جليل يقال له: عكاشة بن محصن ، بتشديد الكاف أو عكاشة بتخفيف الكاف واللغتان صحيحتان، ولكن التشديد للكاف أفصح، (فقام عكاشة بن محصن ، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فقال المصطفى: أنت منهم). يا لها من كرامة! قال: (أنت منهم)، عكاشة صحابي جليل من السابقين المهاجرين، ممن شهد بدراً، والنبي قال في حق من شهد بدراً: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). استشهد عكاشة بن محصن رضي الله عنه في معركة اليمامة مع خالد بن الوليد وهو يقاتل أهل الردة. (فقام رجل آخر، وقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عكاشة). وفي رواية الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وصف هؤلاء وصفاً دقيقاً جميلاً فقال عليه الصلاة والسلام: (يدخل الجنة من أمتي زمرة هم سبعون ألفاً تضيء وجوههم على إضاءة القمر ليلة البدر).

    رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته وسؤاله لهم الدرجات العالية

    أيها الأحبة! أرجو أن تتدبروا هذه الرواية الرقراقة الرقيقة الكريمة العظيمة، ففي الحديث الذي رواه أحمد في مسنده والبيهقي في السنن وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: وسنده جيد. وسعدت كثيراً حينما رأيت شيخنا الألباني قد صحح الحديث بشواهده في السلسلة الصحيحة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سألت ربي عز وجل فوعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر فاستزدت ربي -أي: طلبت منه المزيد- فزادني مع كل ألف سبعين ألفاً) يا لها من كرامة! اسجد لربك شكراً يا من وحدت الله وآمنت بالحبيب رسول الله: ومما زادني فخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلت أحمد لي نبياً يا من خلقك الله موحداً، وأرسل إليك محمداً، لا تنس هذه النعمة، وضع أنفك وجبينك على التراب شكراً لله! (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ونحن بفضل الله وباختياره لا باختيارنا خلقنا موحدين، وأرسل إلينا سيد النبيين، فيا لها والله من كرامة! هذه هي كرامة أمة الحبيب على الله، كما وعد حبيبه ومصطفاه في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو : (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ يوماً قول الله تعالى حكاية عن إبراهيم: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم:36]، وقرأ الحبيب قول الله حكاية عن عيسى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118] فرفع الحبيب المصطفى يديه إلى السماء وبكى وقال: اللهم أمتي أمتي، اللهم أمتي أمتي، فقال الله لجبريل: يا جبريل! انزل على محمد وسله: ما يبكيك؟ وهو أعلم، فنزل جبريل فقال: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: أمتي أمتي يا جبريل، فقال الله لجبريل مرة ثانية: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك). (استزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفاً) بل والله لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم بعدها كلمة لو جمعتم أهل البلاغة على وجه الأرض ليعبروا لحضراتكم عن مكنونها لعجزوا، قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (ثم يحثي ربي بكفيه ثلاث حثيات) فكبر عمر ، قال: الله أكبر! ولك أن تتصور هذا الفضل من صاحب الفضل جل جلاله!

    1.   

    تساؤل الصحابة عن الداخلين الجنة بغير حساب

    أيها الأحبة: إلى الآن ما تعرفنا بعد على هذه الصفوة الكريمة المختارة، فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شغلهم الحديث، وشغلهم هذا الوصف من رسول الله لهؤلاء الأخيار الذين لا يقفون في أرض المحشر للحساب، بل ويدخلون الجنة بلا سابقة عذاب. قال بعض الصحابة: هؤلاء الذين بلغوا هذه الدرجة العالية والمكانة السامقة السامية، هم أصحاب النبي الذين صحبوا رسول الله، والذين اكتحلت عيونهم برؤية الحبيب المصطفى -ولا تعجب-، فالصحبة شرفها عظيم، فضلها جسيم! والصحابي هو من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به ومات على ذلك، وهذا هو أجمع تعريف للصحابي كما قال الحافظ ابن حجر في الإصابة، قال: الصحابي هو كل من رأى النبي، وآمن به، ومات على الإسلام. وهذا تعريف جامع شامل. فالصحابي هو من اكتحلت عينه برؤية الحبيب النبي، وآمن بالمصطفى، ومات على التوحيد والإيمان، فلا عجب إذاً أن يكون الصحابة هم السبعين ألفاً (فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم). أيها الأخيار! الصحابة هم أطهر الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، قال ابن مسعود، والأثر رواه أحمد في مسنده بسند حسن: (إن الله تعالى قد نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب أهل الأرض فاصطفاه الله لعباده، ثم نظر الله في قلوب أهل الأرض بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب أهل الأرض فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه). ولذا قال ابن مسعود: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم). أولئك أصحاب النبي الكريم الذين زكاهم رب العالمين وسيد المرسلين! أيها الأحباب! من المعلوم أن كل تلميذ يقتبس في العادة من أستاذه ومعلمه، ولك أن تتصور أخي الحبيب كيف يكون الاقتباس إذا كان المعلم هو سيد الناس، فهؤلاء الذين حولوا المنهج الإسلامي إلى واقع عملي يتألق سمواً وروعة وجلالاً، كان شعارهم دوماً: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285]. هؤلاء استحقوا من الله أن يزكيهم بهذه التزكية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، فهم المخاطبون ابتداءً بهذه الآية، وهم المخاطبون ابتداءً بقوله سبحانه: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]. وزكى الله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:100] وزكى الله الأصحاب بقوله: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18]. وزكاهم الله بقوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29] هذه تزكية الله لأصحاب النبي. وقد زكاهم الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود فقال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). وفي الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري : (رفع النبي صلى الله عليه وسلم يوماً رأسه إلى السماء وقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون). وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسبوا أصحابي! فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه). وفي صحيح مسلم من حديث عائذ بن عمر أن أبا سفيان مر على نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم بلال وسلمان وصهيب ، فلما رأى أصحاب النبي أبا سفيان قالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر رضي الله عنه لأصحاب النبي من الفقراء: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم، ثم قام الصديق فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما كان. ماذا قال النبي لـأبي بكر لصاحب سنام الصديقية في هذه الأمة؟ قال: (يا أبا بكر إن كنت أغضبت سلمان وصهيباً وبلالاً فقد أغضبت ربك عز وجل، فقام الصديق مسرعاً لإخوانه، فقال: يا إخوتي، أوغضبتم مني؟ قالوا: لا، يغفر الله لك ) هذه مكانة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عند الله وعند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    تفسير الصحابة لهؤلاء الصفوة بأنهم الذين ولدوا في الإسلام

    أيها الأحبة الكرام! إذاً لا عجب أن يقول أصحاب النبي: (لعلهم الذين صبحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ثم قال البعض الآخر: لعل هؤلاء الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم سيدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب هم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً. وهذه هي الأخرى عظيمة كبيرة، فمن نشأ في الإسلام وترعرع في بستان التوحيد، وتغذى وتنفس رياحين الإيمان والسنة، فقد فاز فوزاً عظيماً، ولم لا وقد قال الله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]؟ بل وخاطب الله إمام الموحدين وقدوة المحققين وسيد المرسلين محمداً صلى الله عليه وسلم، فقال له سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:65-66]. وفي صحيح البخاري من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار) قال ابن مسعود: ومن مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. فالشرك ظلم عظيم، والتوحيد فضل عظيم، ففي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) وفي رواية عتبان بن مالك : (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله تعالى) فالتوحيد فضله عظيم. إذاً: لا تعجب إذا سمعت بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون عن هؤلاء: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً! أيها الأحباب! خرج النبي صلى الله عليه وسلم عليهم فقطع حديث أصحابه وحوارهم، وبين لهم من هؤلاء السعداء، فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ قالوا: في هؤلاء يا رسول الله الذين ذكرت أنهم يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، فقال المصطفى: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون).

    1.   

    بيان أوصاف الداخلين الجنة بغير حساب

    إنهم قوم حققوا التوحيد لله وتركوا الشرك كله دقه وجله، وأنزلوا حوائجهم كلها بالله سبحانه، ولم ينزلوها بأحد من خلقه مهما كان، فهم لا يتطيرون -أي: لا يتشاءمون- فلقد كان من عادة العرب في الجاهلية أن يأخذ أحدهم طيراً فيطيره فإن طار الطائر يميناً استبشر هذا الرجل بسفره وقال: إذاً نسافر، فإن طار الطائر يساراً تشاءم الرجل وقال: إذاً لا أخرج من بيتي ولا أسافر، فجاء الإسلام ليقضي على هذه الطيرة وعلى هذا التشاؤم، وليعلم الناس أن الضار النافع هو الله وأن الأمور كلها بيد الله سبحانه وتعالى، فهم لا يتشاءمون بمكان ولا بزمان؛ لأنهم يعلمون أن خالق الزمان والمكان هو الله، وأن الذي يدبر أمر الزمان والمكان هو الله، قال تعالى: (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [آل عمران:154]، فلا يدبر الأمر نبي، ولا يدبر الأمور ولي، ولا يدبر الأمور إلا الملك العلي كما في حديث ابن عباس: ( يا غلام! إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) . يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشر بخير فإن الفارج الله وإن بليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو الله الله يحدث بعد العسر ميسرة لا تجزعن فإن الصانع الله والله ما لك غير الله من أحد فحسبك الله في كل لك الله وقوله: (ولا يكتوون ولا يسترقون)، أي: لا يطلبون الكي ولا الرقية من أحد.

    قبول الرقية لا يمنع وصف (لا يسترقون)

    أخي! انظر إلى عظيم التوكل، فإن الأمر ليس بالأمر الهين، فهم لا يطلبون الكي والرقية من أحد، ولا مانع إن تقدم أحد لرقيتهم أن يقبلوا منه، لكنهم لا يطلبون من أحد، فلم ينزلوا حوائجهم في باب أحد أو عند باب أحد من الخلق، ولم ينزلوا حوائجهم إلا على باب الحق سبحانه وتعالى، فقلوبهم متعلقة بالله، والذي حملهم على هذا كله تمام توكلهم على الله، وكمال تفويضهم الأمر إلى الله، وعظيم اعتقادهم أن الضر والنفع بيد الله، وأن الأمور كلها بيد الله، شعار أحدهم: اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، وأبرأ من الأمل إلا فيك، وأبرأ من التسليم إلا لك، وأبرأ من التفويض إلا إليك، وأبرأ من التوكل إلا عليك، وأبرأ من الصبر إلا على بابك، وأبرأ من الذل إلا في طاعتك، وأبرأ من الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين.

    حقيقة التوكل

    (وعلى ربهم يتوكلون) والتوكل الحقيقي هو صدق اعتماد القلب على الله، وهو جماع الإيمان، ونهاية تحقيق التوحيد. - التوكل هو جماع الإيمان، ونهاية تحقيق التوحيد، والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل ولا يقدح فيه، ومن ظن أن الأخذ بالأسباب قدح في التوكل، ففهمه فهم مغلوط، فالأخذ بالأسباب لا يقدح في التوكل ولا يؤثر فيه. قال الشاطبي : إن الدخول في الأسباب أمر واجب شرعاً. قال ابن القيم : لا يتم التوحيد إلا بمباشرة الأسباب، والأخذ بالأسباب لا يقدح في التوكل. قال جمهور السلف: يحصل التوكل إذا وثق العبد بربه وعلم أن الأمور كلها بيده، ثم أخذ بالسنة فباشر الأسباب، مع اعتقاده أن الأسباب وحدها لا تضر ولا تنفع إلا بأمر مسبب الأسباب جل جلاله. إذاً: التوكل الحقيقي يا طالب العلم أن تذاكر وأن تجتهد، وأن تسهر الليل وأن تخلص العمل، وأن تعتمد بقلبك على توفيق الله سبحانه. - التوكل الحقيقي في مواجهة اليهود الخبثاء المجرمين الذين يسومون الأمة الآن سوء العذاب، هو أن تأخذ الأمة بالأسباب فتعد القوة على قدر استطاعتها، وتتعلق بالله سبحانه، ولتعلم الأمة يقيناً بعد ذلك أن النصر من عند الله. - التوكل الحقيقي هو ألا تترك الأمة العراق ليبتر من جسدها، وليتحكم شرطي العالم الوقح أمريكا في بلاد المسلمين كيفما يشاء. - التوكل الحقيقي هو أن تقف الأمة كلها على قلب رجل واحد لتقول بأن بغداد عاصمة الخلافة لسنوات مضت إنما هو عضو لا ينفصم عن جسد الأمة، ومحال أن يعيش الإنسان بدون عضو حقيقي في جسده، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). - التوكل الحقيقي هو أن نأخذ بالأسباب وأن نعتمد على مسبب الأسباب، وأن نكون على يقين بأن الأسباب وحدها لا تضر ولا تنفع إلا بأمر الله جل وعلا. هذا التوكل أمر الله به سيد المتوكلين محمداً صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ [الفرقان:58].

    1.   

    ثمار التوكل على الله

    أيها الأحباب! والله الذي لا إله غيره لو عرفت الأمة حقيقة التوكل وتعبدت به إلى الله، لرفع الله شأنها ولأعزها ولمكن لها في الأرض، ولكن الأمة اليوم لم تحقق هذا المعنى وأصبحت تتكلم دون أن تباشر وتأخذ بالأسباب. هذا سيد المتوكلين محمد صلى الله عليه وسلم في يوم الهجرة يستأجر مشركاً ليدله على الطريق، وهو سيد المتوكلين، لماذا لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: معي ربي سيدلني على الطريق؟! لا. بل يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالأسباب، فيستأجر مشركاً ليدله على الطريق، ويحمل الراحلة والزاد. وفي يوم أحد يحارب النبي صلى الله عليه وسلم بين درعين، وكان يدخر لقومه ولأهله القوت في بيته وهو سيد المتوكلين. هذا هو التوكل الحقيقي أن نأخذ بالأسباب، أن نبذر الحب في الأرض، وأن نتعاهد الزرع بالري والحرث والتنقية، وأن تتعلق قلوبنا بعد ذلك بالله لا بالأسباب، لأن الأسباب وحدها لا تضر ولا تنفع، ولا ترزق ولا تمنع إلا بأمر مسبب الأسباب جل جلاله، وهذا هو التوكل الذي أمر الله به نبيه فقال: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ [الفرقان:58].. فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159].. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران:159].. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النمل:79]. وأثنى الله على أنبيائه ورسله الذين قالوا: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم:12]، وأثنى على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173]، وأثنى على أوليائه الذين قالوا: رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة:4]. التوكل على الله شعار الأنبياء ودأبهم، ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل: قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قيل له: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173] ) .

    1.   

    نماذج وصور من التوكل على الله

    إبراهيم ومحمد عليهما السلام

    أيها الأحبة! ما هي النتيجة للمتوكلين، ما هي ثمرة التوكل؟! قال إبراهيم عليه السلام: حسبنا الله ونعم الوكيل فكانت الثمرة أن الملك سبحانه وتعالى أمر النار فقال: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، قيَّدوه فلم تحرق النار من إبراهيم إلا قيوده، وجلس إبراهيم في النار معاف سليماً، وفي رواية ضعيفة: (أن جبريل لما نزل إليه في النار، قال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وإن كانت لله فعلمه بحالي يغني عن سؤالي) وهذه رواية ضعيفة، أما الرواية الصحيحة أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فنجاه الله من النار. وقالها سيد الرجال محمد في غزوة أحد، والجروح مثخنة والدماء تنزف، والأصحاب رضوان الله عليهم قد تعرضوا لمحنة قاسية، وفي اليوم التالي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج، فخرجوا فهددوا من أبي سفيان وجيشه: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [آل عمران:173]، قالوا: لا، فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173]، فما هي الثمرة؟ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:174] . فالتوكل نتعلمه من رسول الله كما في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله ، قال جابر : (كنا في غزوة ذات الرقاع، وكنا إذا رأينا شجرة ظليلة تركناها للنبي صلى الله عليه وسلم لينام تحتها، يقول: فأتينا على شجرة ظليلة فتركناها لرسول الله، فنام النبي تحتها وقد علق سيفه على غصن من أغصانها، فجاء رجل مشرك فرأى النبي نائماً ورأى السيف معلقاً ففرح، فاخترط السيف -أي: أخذ السيف- وأراد أن يهوي بالسيف على الحبيب المصطفى، فالتفت إليه النبي وهو نائم على ظهره، فقال المشرك لرسول الله: أما تخافني؟ فقال المصطفى: لا، فقال المشرك: فمن يمنعك مني الآن يا محمد؟ قال المصطفى: الله! فسقط السيف من يده، فأخذ النبي السيف بيده وقال للمشرك: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ يا محمد، قال المصطفى: حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال المشرك: لا.) وأنا أقول لكم: والله ما تجرأ المشرك على قولة (لا) والسيف في يد رسول الله إلا علمه اليقيني بأخلاق الحبيب المصطفى (قال: لا. إلا أني أعاهدك على ألا أقاتلك، أو أكون في قوم يقاتلونك، فخلى النبي سبيله، فانصرف الرجل إلى قومه ليقول: يا قوم! لقد جئتكم من عند خير الناس) أي: من عند محمد بن عبد الله الذي توكل على الله سبحانه وتعالى.

    موقف هاجر أم إسماعيل في التوكل

    ومن أجل وأسمى مقامات التوكل: ما كان من أمر هاجر عليها السلام، فأم إسماعيل وقد خرجت من مصر، واسمحوا لي أن أقول: إن التوكل كله ما خرج إلا من مصر، وأسأل الله أن يرد التوكل الحقيقي مرة أخرى إلى مصر، وأن يحفظ مصر وأن يجعلها واحة أمن وأمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه. جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ، لما أخذ إبراهيم هاجر مع ولدها إسماعيل ووضعها عند دوحة فوق زمزم، ولم يبن البيت بعد، وكانت صحراء مقفرة، وكل من سافر إلى الحج والعمرة يعرف طبيعة هذه الأرض، فهي صحراء جرداء، ورمال ملتهبة، تعكس أشعة الشمس عليها فتكاد الأشعة المنعكسة أن تخطف الأبصار، ففي هذه الصحراء المقفرة يضع إبراهيم عليه السلام هاجر ورضيعها ويضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاءً فيه ماء وينصرف، فتنظر هاجر ، فلا ترى إنساً بل ولا أُنساً.. لا ترى إنسياً ولا جنياً.. لا ترى شيئاً على الإطلاق.. فلا ترى بيتاً.. ولا ترى شيئاً! ولك أن تتصور هذا المشهد الذي يكاد يخلع القلب.. لو رأيت نفسك في صحراء لا ترى فيها شيئاً ولا تعرف فيها طريقاً ولا إنساً ولا أُنساً، ولا تملك ماءً ولا طعاماً ولا شراباً، كيف يكون حالك؟ ولما همَّ إبراهيم بالانصراف تعلقت به هاجر عليها السلام وقالت: يا إبراهيم! إلى من تتركنا في هذا المكان الذي لا إنس فيه ولا شيء؟ فسكت إبراهيم عليه السلام، وتعلقت به فأشار برأسه إلى السماء، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا. أي: ما دام الملك هو الذي أمر فانصرف، والله يسمع، ويرى، فهو يسمعنا ويرانا، إذاً: لا يضيعنا! فانصرف إبراهيم عليه السلام وجلست هاجر ، فنفد الطعام والشراب، ولكنها تحمل في قلبها توكلاً على الله جل وعلا لا تقوى الجبال على حمله، بل والله يعجز عن حمله الرجال.. إنه اليقين.. إنه التوكل.. إنه صدق الثقة بالله.. إنه صدق اللجوء إلى الله جل جلاله، فأتاها جبريل وقال: من أنت؟ قالت: أنا أم ولد إبراهيم، فقال جبريل: إلى من وكلكما -إلى من ترككما- في هذا المكان؟ فقالت هاجر: إلى الله، فقال جبريل: وكلكما إلى كافل، قال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36]، وقال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] فمن توكل عليه كفاه، ومن اعتصم به نجَّاه، ومن فوض إليه أموره هداه، قال جل في علاه: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3].

    موقف أم موسى في التوكل

    ومن أسمى المواقف في التوكل على الله: موقف أم موسى، فهذه مواقف نساء يعلمن الرجال! هل تظنون يا إخوة أن أماً تخشى على ولدها فتلقيه في البحر؟ إن الأم إن خافت على ولدها ألصقته بصدرها وأرضعته، وأضفت عليه من حنانها وشفقتها ورحمتها ما تعلمون، ولكن أم موسى يأمرها الله إن خافت عليه أن تلقيه في اليم، قال الله: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]. فرعون اللعين يذبح الأطفال ويستحيي النساء ويقتل الرجال، بل ورفع الطوارئ إلى الدرجة القصوى، فإنه يبحث عن غلام من بني إسرائيل ينشأ فيهم يكون هلاك فرعون على يديه، فيبحث عن كل طفل ذكر ليقتله في التو واللحظة. كم من الآلاف قتلهم فرعون من الرجال بل ومن الأطفال! ولكن الملك جل جلاله قد أذن سبحانه وتعالى بأن موسى لن يترعرع ولن يتربى إلا في حجر فرعون وفي قصره. أيها الأحبة! تعلموا هذا الدرس لتعلموا أن الملك كله بيد الملك، يعز من يشاء ويذل من يشاء، فالأمور كلها بيد الله، الأمة الآن تضع الخطط السنوية والخمسية ولا تضع ضمن خطة واحدة أبداً عظمة وقوة رب البرية .. أمة غافلة عن عظمة الله وجلاله.. أمة لا تعرف قدر الله إلا من رحم ربك من أفرادها!! الله سبحانه وتعالى يأذن ويقدر ألا يربي موسى إلا فرعون فسبحان الله! تضع أم موسى موسى في التابوت، ويتهادى التابوت بحفظ الله إلى أن يصل إلى قصر فرعون، وبستار رقيق جداً يحمي الله نبيه موسى، لا بالجنود ولا بالطائرات ولا بالدبابات، بل بستار رقيق جداً قد لا يتصوره البعض، ألا وهو أن الله قد ألقى في قلب امرأة فرعون حب موسى، فتشبثت به، وقالت: قرة عين لي ولك، فأذعن فرعون لامرأته وهو الذي يذبح كل طفل، ولكن الله قد ألقى المحبة لموسى في قلب امرأته لتتولى هي وفرعون تربية هذا الطفل الكريم المبارك، بل لم يقف الفضل عند هذا الحد كثمرة من ثمرات توكل أم موسى، بل أذن الله ألا يقبل موسى ثدي امرأة أبداً، لأن الله قد وعد أم موسى لثقتها في ربها ولعظيم توكلها عليه أن يرده إليها، فأبى موسى أن يلتقم ثدي امرأة أخرى إلى أن جاءت أمه عليها السلام فالتقم موسى ثديها، وكانت ترضعه قبل أيام على خوف من فرعون وملئه، وهي الآن ترضعه في قصر فرعون بأمره، فتدبر! ترضعه الآن في قصر فرعون بأمر فرعون : إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7] والهدية إن جاءت من الملك تأتي مضمخة بطيبه وفضله وجلاله، فلم يرد ربنا موسى إلى أمه، بل شرفه بالنبوة: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7] . أيها الأحبة! إنه موقف يحتاج منا إلى وقفات لنتعلم ولنتذوق حلاوة التوكل على رب الأرض والسماوات، أسأل الله أن يملأ قلوبنا بالتوكل عليه والثقة فيه، إنه ولي ذلك ومولاه. وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    موقف الصديق رضي الله عنه في التوكل

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد. فيا أيها الأحبة الكرام: لو تجولنا في بستان المتوكلين ربما قضينا العمر كله، وما استطعنا أن نقف أمام كل زهراته ووروده ورياحينه لنستنشق عبيرها ولنستمتع بأريجها وعطرها، فإن هؤلاء الأطهار هم عمر الزمن ونبض الحياة، ومن المحال أن نحسب أنفاس الزمن أو أن نقدر نبض الحياة، فلقد أنجبت الأمة الميمونة المرحومة أمة الحبيب المصطفى محمد؛ أنجبت على طول تاريخها رجالاً من المتوكلين، لو وقفنا أمام سيرهم العمر كله لانقضت الأعمار وانقضت الآجال وما انتهينا من التطواف والتجوال في هذا البستان العظيم. فهذا هو صاحب ذروة سنام الصديقية في هذه الأمة، أبو بكر ، الذي يقول ابن القيم: هذا هو أبو بكر الصديق الذي عاين طائر الفاقة يحوم حول حب الإيثار، فألقى له الصديق حب الحب على روض الرضا، واستلقى الصديق على فراش الفقر آمناً مطمئناً، فرفع الطائر الحب إلى حوصلة المضاعفة، ثم تركه هنالك وعلا على أفنان شجرة الصدق ليغرد للصديق بأغلى وأعلا فنون المدح، وهو يتلو في حقه قول ربه: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى [الليل:17]. أبو بكر الذي أمر النبي أصحابه بالإنفاق فجاء بكل ماله. وهذا أمر عظيم من منا يقدر عليه الآن، بل من منا يقدر الآن على ربعه، بل من منا الآن يقدر على أن يتخلص من جزء كبير من ماله لله؟! وهذا عمر رضوان الله عليه جاء بنصف ماله، لكن الصديق جاء بكل ماله، فقال له المصطفى: (ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله)، توكل ورب الكعبة لا يستطيع بليغ أن يجسده لحضراتكم الآن. وهذا عمر كما روى ابن أبي الدنيا بسند صحيح -يرى أناساً من اليمن، فيقول: من أنتم؟ فقالوا: نحن المتوكلون، قال: بل أنتم المتواكلون، إن المتوكل من ألقى الحب وتوكل على الله. أيها الأحبة الكرام: لا أريد أن أزيد على الساعة ففيها الكفاية، وأسأل الله أن ينفعني وأن ينفعكم بها، وأن يتقبل منا ومنكم جميعاً صالح الأعمال. اللهم ارزقنا التوكل عليك، اللهم ارزقنا التوكل عليك، اللهم ارزقنا الثقة فيك، اللهم ارزقنا الثقة فيك، اللهم ارزقنا الثقة فيك. اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا! اللهم احقن دماء المسلمين في العراق وفي أفغانستان وفي السودان وفي فلسطين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم عليك باليهود وأعوانهم، اللهم عليك باليهود وأعوانهم، اللهم عليك باليهود وأعوانهم. اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم لا تحرم مصر من الأمن والأمان. اللهم لا تحرم مصر من نعمة الأمن والأمان، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وسائر بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تجعل لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً بيننا إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا طائعاً معنا إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً. اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى! اللهم استر نساءنا، اللهم استر نساءنا، واحفظ بناتنا، وأصلح شبابنا، واهد أولادنا واجعلهم قرة عين لنا يا رب العالمين. اللهم رب أولادنا في ظلال القرآن، اللهم رب أولادنا في ظلال القرآن، اللهم رب أولادنا في ظلال القرآن، اللهم اقبلنا وتقبل منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم! أحبتي في الله؛ هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه!

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010815077

    عدد مرات الحفظ

    722032808