إسلام ويب

الشباب والشهوةللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد خلق الله تعالى الإنسان وجعل له شهوة كامنة فيه، فإن صرفها بصورة صحيحة كان أمره قائماً ومحموداً، وإن أساء في استخدامها وتصريفها جرفته إلى المهالك والمهاوي، وكان عاقبتها خسراناً في الدنيا والآخرة.

    1.   

    خطورة الانزلاق وراء الشهوات

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، بلغ الأمانة، وأدى الرسالة، ونصح الأمة حتى أتاه اليقين من ربه، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وحشرنا تحت لوائه، وأوردنا حوضه.

    أما بعد:

    أيها الإخوة! قبل أن أبدأ في هذا الموضوع أود أن أنبه إلى عدة أمور:

    أولها: موضوع حديثنا: الشباب والشهوة، ولا يعني هذا أن الأمر لا يعني إلا الشباب، فكما أنه يعني الشباب فهو يعني بدرجة كبيرة من الأهمية الآباء وأولياء الأمور، ويعني أيضاً بدرجة أخرى الأساتذة الذين يتولون تربية الشباب وإعدادهم، فجدير بهم أن يعرفوا ما يدور في خواطر هؤلاء الشباب، وأن يعرفوا الأخطار المحدقة بهم والتي تهددهم.

    أمر آخر: أنا أتحدث في مسجد مع رواد المساجد، ومع أناس -أحسبهم والله حسيبهم- من الناس الأخيار، وأعرف مع من أتحدث.

    إذاً: فقد يقول القائل: لم تتحدث عن مثل هذا الأمر مع هؤلاء؟ إن هذا الكلام ينبغي أن يوجه إلى أهل الأرصفة والشوارع.

    فأقول: إن هذا الأمر يعني الشباب حتى الأخيار منهم؛ لأنهم يعانون من هذا الأمر، ويعانون من هذه الشهوة الخطيرة، كما سأشير إلى شيء من ذلك في ثنايا الحديث.

    فجدير بهم أن يعتنوا بحماية أنفسهم، وأن يتقوا الله سبحانه وتعالى في إيمانهم وطاعتهم لله عز وجل.

    والأمر الثاني: أن الشباب الذين منَّ الله عليهم بالهداية ينبغي أن يحملوا مشعل الدعوة والإصلاح لغيرهم من الشباب، فجدير بهم أن يكونوا على علم بمثل هذه الأمور.

    أيها الإخوة! إن الشهوات أمر عام يشمل كل ما ركبه الله سبحانه وتعالى في نفس ابن آدم من الأمور التي يحبها ويميل إليها، فشهوة المال شهوة، وشهوة السلطان شهوة، وشهوة الاستعلاء والجاه شهوة، وشهوة الفرج -أو ما تسمى في لغة العصر شهوة الجنس- شهوة أيضاً.

    وحينما نقول: الشهوة، فإن (أل) هنا عهدية، فنعني بذلك هذه الشهوة، ونعني بذلك هذا الأمر الذي أمر الله سبحانه وتعالى بحفظه، ورتب على ذلك الفلاح في الدنيا والآخرة، وإرث الفردوس، نعني بذلك هذا الفرج الذي وعد النبي صلى الله عليه وسلم وتكفل لمن حفظه ورعاه بالجنة، في قوله صلى الله عليه وسلم: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة).

    أيها الإخوة! إن هذا الأمر خطير جداً -أعني: أمر الشهوة-، خطير لأنه يترتب على الانسياق وراء الشهوة ذلك الوعيد الشديد في الدار الآخرة، الذي توعد الله سبحانه وتعالى به من أتبع نفسه هواها، وانقاد وراء شهوته.

    والكثير من الشباب الذين تزل بهم القدم ويهوي عندما نفتش عن أسباب ذلك؛ نجد أن الكثير منهم كان السبب وراء ذلك الانزلاق هو هذه الشهوة.

    فهذا الموضوع خطير وخاصة في هذا العصر؛ حيث كثرت فيه المغريات، وكثرت فيه وسائل الفتنة ودواعي الفتنة، وتفنن أعداء الله بما يملكون من وسائل وقدرات في فتنة الشباب وتزيين الباطل لهم، والشيطان يؤزهم في ذلك أزاً.

    أيها الإخوة! في دراسة أجراها بعض طلبة جامعة الإمام على إحدى الدور الاجتماعية بمدينة الرياض كانت نتيجة الدراسة أن (80%) من أفراد العينة قد وقعوا في عمل قوم لوط، عافنا الله وإياكم من ذلك، وإن (80%) منهم كان يمارس العادة السرية.

    إن مثل هذا وغيره يدل دلالة واضحة على مدى تفشي هذه الأمور وهذه الظواهر السيئة في مجتمعنا الذي هو من أكثر مجتمعات المسلمين محافظة، فكيف بغيره من المجتمعات!

    1.   

    الحكمة من ابتلاء الله تعالى للعباد بهذه الشهوة وجعلهم يميلون إليها

    وقد يسأل سائل أيها الإخوة! فيقول: لماذا يبتلي الله سبحانه وتعالى عباده بهذه الشهوة، وهو الرحيم بهم سبحانه وتعالى؟ ولماذا أودع الله عز وجل في عباده الميل لهذا الأمر، ثم نهاهم عن هذه المقارفة، ورتب على ذلك العقوبات الشديدة في الدنيا والآخرة؟

    فنقول: إن الله سبحانه وتعالى حكيم عليم، وهو سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل، إننا حينما نتأمل في هذا الأمر نستطيع أن ندرك بعض أطراف حكمة الله سبحانه وتعالى من هذا الأمر، أعني: كونه ركب الشهوة في نفوس الناس، ثم نهاهم عن مقارفة الحرام، ورتب على ذلك خزي الدنيا ونكال الآخرة.

    فندرك بعض الحكم ولا نستطيع أن ندرك جميع حكمة الله سبحانه وتعالى.

    ومن الحكم في ذلك أيها الإخوة:

    بقاء الإنسان، فإن الله سبحانه وتعالى ركب في نفس الإنسان هذه الشهوة؛ حتى يميل إلى النكاح، وحتى يميل الرجل والمرأة إلى النكاح، مما يساعد على التناسل وعلى بقاء الإنسان، وبدون ذلك لا يبقى نوع الإنسان.

    أيها الإخوة! ومن أعظم الحكم في ذلك الابتلاء والامتحان، حين يكون طريق المعصية محبباً إلى النفس، ويكون طريق الطاعة شاقاً محفوفاً بالمكاره، وحينما يكون الأمر كذلك لا يسلك هذا الطريق -طريق الطاعة- ولا يجتنب ذاك الطريق -طريق المعصية- إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى، ومن يملك الإيمان الحق والقناعة بهذا الدين، والإيمان الذي لا يتزعزع بما أعد الله سبحانه وتعالى لمن أطاعه، وبما توعد به من عصاه يوم القيامة.

    فلا تظهر حكمة الابتلاء، ولا يظهر الصادق في إيمانه والجاد إلا حينما يكون طريق الخير محفوفاً بالمكاره، وطريق النار محفوفاً بالشهوات، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم في قوله: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات).

    أيها الإخوة! ومن الحكم في ذلك:

    ظهور فضل أولياء الله سبحانه وتعالى الذين يطيعون الله عز وجل، والذين ينهون النفس عن الهوى، والذين يحفظون حدود الله وحرمات الله سبحانه وتعالى، فيدعوهم إيمانهم بالله عز وجل، ومحبتهم له، وخوفهم منه، ورجاؤهم لما عنده، يدعوهم ذلك إلى أن يجاهدوا أنفسهم، ويدعوهم ذلك إلى أن ينتصروا على شهواتهم ويستعلوا عليها.

    وحين يغفلون عن أعين الناس يعلمون أن الله سبحانه وتعالى يطلع عليهم، وأنه محيط بهم، وحين لا يراهم أحد يعلمون أن الله عز وجل يراهم سبحانه وتعالى.

    إذاً: أيها الإخوة! إن في هذا الأمر ظهوراً لفضل أولياء الله سبحانه وتعالى، وفضل عباده المتقين، الذين يحفظون حرمات الله عز وجل.

    1.   

    مخاطر الانسياق وراء الشهوة

    ننتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى وهي: ما مخاطر الانسياق وراء الشهوة؟

    الانسياق وراء الشهوة نعني به أن يرتكب المرء ما حرم الله سبحانه وتعالى مما يتعلق بهذه الشهوة؛ بدءاً بصغائر الأمور، وانتهاءً بالفواحش والكبائر، عافانا الله وإياكم من ذلك.

    الوعيد الشديد في الدنيا

    أول أمر يترتب على هذا: الوعيد الشديد الذي يرجف فؤاد المسلم حينما يسمعه، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن).

    فهذه معاصٍ نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن مرتكبها، وأخبر كما في إحدى روايات الحديث: (أنه يرتفع الإيمان فوقه حتى يكون كالظلة)، حينما يعلم هذا الوعيد الشديد فإنه يخاف على إيمانه، ويخشى على إيمانه، يخشى أن يقارف هذه المعصية العظيمة الشنيعة، فيكون مستحقاً لهذا الوعيد الشديد؛ بل ويتورع عن الصغائر في ذلك؛ لأنه يعلم أنها هي الخطوة الأولى في طريق الفواحش والكبائر.

    الوعيد الشديد يوم القيامة

    الأمر الثاني من مخاطر الانسياق وراء هذه الشهوة:

    الوعيد الشديد يوم القيامة لمن فعل ذلك، يقول الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:68-69].

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه، يقول: (أتاني رجلان فانطلاقا بي إلى أرض مقدسة -وذكر الحديث بطوله-، قال: فأتيا بي على تنور فإذا به رجال ونساء عراة، وإذا يخرج من تحتهم لهب، فإذا ارتفع اللهب ضوضوا وصيحوا، فسألت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء الزناة والزواني).

    هذا أيها الإخوة! بعض ما يتعرض له من ارتكب هذه الشهوة الخطيرة، وبعض ما يتعرض له من تساهل في نهي الله سبحانه وتعالى المؤكد عن الانسياق وراء هذه الشهوة.

    الولوع بالفواحش والتعلق بها من أعظم أسباب سوء الخاتمة

    الأمر الثالث أيها الإخوة: أن الولوع بالفواحش والتعلق بها من أعظم أسباب سوء الخاتمة، عافانا الله وإياكم من ذلك، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك -وذكر الحديث وفيه-: وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).

    وكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).

    ولذلك كان بعض السلف يقول: والله إني لا أخشى الذنوب، وإنما أخشى سوء الخاتمة.

    أيها الإخوة! في حال الاحتضار يكون المرء في أضعف أحواله، فتجتمع عليه شياطين الجن تحتوشه تخشى أن يموت على الإيمان، وفي هذه الحال الشديدة وهو يعيش هذا الهم والغم، ويعيش الكرب، ويعاني من سكرات الموت التي عانى منها أطهر الخليقة وأبرها صلى الله عليه وسلم، في هذه الحالة الشديدة الكئيبة التي يعيشها المرء تجتمع عليه شياطين الجن تحاول أن تصده عن دينه؛ لأنهم يعلمون أن هذه آخر فرصة لهم، فيحاولون أن يصرفوه من هنا وهناك.

    وحينئذٍ لا نجاة ولا أمل للعبد إلا بتوفيق الله سبحانه وتعالى، وحفظ الله عز وجل له، وإلا فلو وكل الله سبحانه وتعالى العبد إلى نفسه طرفة عين في هذه الحياة الدنيا لضاع وضل، كيف به وهو يعاني من أهوال الموت!

    وفي هذا الموقف أيضاً أيها الإخوة! يحضر المرء ما كان يدور في خلده، وما كان يشغل باله في الحياة الدنيا، وحينئذٍ يبدأ يتفوه ويهذي بما كان يشغله في الحياة الدنيا، فإن كان مطيعاً لله مات على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإن كان من المتعلقين بالدنيا أصبح يردد ما يتعلق بالدرهم والدينار، وإن كان من المتعلقين بالفواحش أصبح يردد ما يتعلق بذلك.

    أيها الإخوة! ذكر الأخبار حول هذا الأمر يطول، وليس هذا وقته، وقد ذكر طرفاً من ذلك عبد الحق الإشبيلي في كتابه (العاقبة)، ونقل بعضاً منه الإمام ابن القيم في كتابه القيم (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، فمن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى هذه الكتب.

    ولعلي أورد قصة مختصرة حول هذا الأمر، ذكر عبد الحق في هذا الكتاب عن رجل، وكان من الناس الصالحين، والعلماء الأخيار، رأى غلاماً أمرد فتعلق قلبه به، وكلف به حتى فقده، فلما فقده مرض واشتد به المرض، فذهب الناس يسعون إلى هذا الغلام؛ لعله أن يأتي إليه لأجل أن يراه فقط، فما زالوا به حتى أقنعوه أن يجيء إليه، فلما بلغ هذا الرجل موافقة الغلام سر وعادت إليه بعض حاله، فلما أخبر الغلام بذلك خاف من الله سبحانه وتعالى، فعدل عن مجيئه، وهنا اشتدت الحال بهذا الرجل، وأصبح يردد بيتين -عافانا الله وإياكم منها- كفر بهما بالله سبحانه وتعالى، قال فيهما:

    أسلم يا راحة البال العليل ويا شفاء المدنف النحيل

    رضاك أشهى إلي من رحمة الخالق الجليل

    عافانا الله وإياكم، ومات وهو يردد هذين البيتين.

    أيها الإخوة! إنه أمر خطير جداً أن يتعلق المرء ويتعلق قلبه بمثل هذه الأمور، فتحضره عند وفاته يوم لا ينفعه -بعد توفيق الله سبحانه وتعالى- إلا عمله الصالح.

    استيلاء الشهوة على القلب ينسي الإنسان مصالح دينه ودنياه

    الأمر الرابع أيها الإخوة! من مخاطر الشهوة:

    أن استيلاء الشهوة على القلب ينسي الإنسان مصالح دينه ودنياه، فتصبح الشهوة همه، فتقيمه وتقعده، يفكر بها في كل شئون حياته، حتى قد تجده -والعياذ بالله- يفكر بذلك في صلاته، ويفكر بذلك في نومه، وفي سائر أحواله، ويصبح همه وتفكيره منساقاً وراء هذه الشهوة، فيتعلق قلبه بها، فينسى بذلك مصالح دينه، وينسى بذلك ما فيه الخير له في الدين والدنيا، وينسى بذلك مصالح دنياه.

    تعلق القلب بالشهوة يكون على حساب محبة الله ورسوله

    الأمر الخامس من مخاطر هذه الشهوة:

    أن تعلق قلب الإنسان بها ومحبته لها يكون على حساب محبة الله سبحانه وتعالى ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن القلب لا يمكن أن يجتمع فيه النقيضان، لا يمكن أن يجتمع فيه محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم التي بها يجد العبد حلاوة الإيمان، (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)، ومحبة غيرهما مما يجلب للقلب القسوة.

    إن الرجل الذي تستولي الشهوة على قلبه وعلى فؤاده جدير بألا يبقى في قلبه مكان لمحبة الله سبحانه وتعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    واعلم أخي المسلم! أنه بقدر ما يتعلق قلبك بأمر من أمور الدنيا، وشهوة من شهوات الدنيا بقدر ما تفقد من ذلك من محبة الله سبحانه وتعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    التعلق بالشهوة من أكثر أسباب الضلال والانحراف بعد الهدى

    الأمر السادس: أن التعلق بالشهوة أيها الإخوة! من أكثر أسباب الضلال والانحراف بعد الهدى.

    فكثير هم الشباب الذين كانوا على طريق الاستقامة والخير والصلاح، وكانوا يضرب بهم المثل في الورع والتقوى، وطاعة الله سبحانه وتعالى؛ لكن البعض منهم قد يتعلق بهذه الشهوة، فتتدرج معه حتى تأسر فؤاده حتى يقع بعد ذلك في الحرام، ثم يأتيه الشيطان فيقول له: هاأنت قد وقعت في الوحل فخض فيه، هاأنت قد هلكت فلا مجال للنجاة، فمتع نفسك بشهوات الدنيا ولذاتها.

    التعلق بالشهوة وانتشارها من أكبر أسباب الأمراض النفسية والجسدية

    الأمر السابع أيها الإخوة!: ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه يقول: (كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر المهاجرين! خصال خمس إن أدركتموهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا ابتلاهم الله بالطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، وذكر بقية الخصال).

    أيها الإخوة! إن الفواحش سبب كثير من الأمراض النفسية والجسدية، وهانحن نسمع الآن العالم بأسره يعاني من ويلات ما يسمونه بالأمراض الجنسية، وكلما اكتشفوا علاجاً لمرض ابتلاهم الله سبحانه وتعالى بمرض وطاعون لم يكن في أسلافهم.

    أيها الإخوة! إن المتعة الحرام؛ بدءاً بالعادة السرية التي يمارسها الكثير من الشباب، يجني صاحبها الكثير من الآثار والأمراض النفسية والجسدية، فمن ذلك:

    الهم والحزن، وبلادة الذهن، وفتور الهمة، وضياع المروءة، والخجل، والإضرار بالذاكرة، والبصر، وتقوس الكتفين، وضعف الهضم، فهذه بعض أضرار ونتائج ممارسة العادة السرية، فما بالكم بما هو فوقها من الزنا، وعمل قوم لوط، عافانا الله وإياكم.

    ولعلي أشير إلى بعض الإحصائيات عن بعض الأمراض الجنسية التي يعاني منها العالم، وكلما اكتشفوا علاجاً لمرض ابتلاهم الله سبحانه وتعالى بمرض آخر:

    ففي إحصائية نشرت عام 1977م أن عدد المصابين بمرض السيلان -وهو مرض يصيب المنحرفين جنسياً- 250 مليوناً سنوياً، ومرض الزهري يصاب به 50 مليوناً سنوياً، وعدد الأمريكيين المصابين بمرض الهربز التناسلي بلغ 20 مليوناً في عام 1983م.

    ثم خرج بعد ذلك مرض العصر، وعقوبة الله سبحانه وتعالى: مرض الإيدز، ولعلكم سمعتم كثيراً عن هذا المرض الخطير، وقد أجريت دراسة على المصابين به في الولايات المتحدة التي تمثل الرقم القياسي في الإصابة بهذا المرض؛ لانتشار الشذوذ فيها، فيبلغ عدد الشاذين قريباً من 20 مليوناً، هؤلاء الذين يجاهرون بالشذوذ ويعلنون به أمام الناس، والشذوذ في مصطلح هؤلاء يعني عمل قوم لوط.

    هذه الإحصائية دلت على أن 73% من المصابين بمرض الإيدز هم من الذين يعملون عمل قوم لوط، و17% من الذين يتعاطون المخدرات عن طريق الحقن.

    يقول أحد نجوم السينما الأمريكيين الذين أصيبوا بهذا المرض وهو على فراش الموت: أنا بانتظار القدر أن يدق بابي، استمعوا إلى صوته من أعماقي، لم أكن أود أن أتعذب هكذا، ومن خلال هذا المرض الإيدز سرطان العصر، ورغم ابتسامات الكثيرين، وتهنئتي بالتماثل للشفاء، إلا أنني على موعد مع القدر، إنه يدق بابي اللحظات الأخيرة. يقول هذا وهو على فراش الموت، وهو يعاني من آلام وويلات المرض.

    ويقول رئيس قسم أبحاث الإيدز الدولية: إن تكلفة المرض في أمريكا ستصل في عام 1986م إلى 10 بلايين دولارات، يعني: 10 آلاف مليون دولار، هذه تكاليف العناية والرعاية، وإلا فمن أصيب به فلا أمل بعد ذلك بالشفاء، لكن هذه التكاليف لأجل رعاية المرضى، وهذا المرض ينتشر على شكل متوالية هندسية، والمتوالية الهندسية كما يعرفها المتخصصون بالرياضيات تعني تضاعف العدد، ولعل هذه الإحصائية تصور لنا ذلك التضاعف الرهيب للمصابين بالإيدز.

    في الولايات المتحدة في عام 1981م كان عدد المصابين 252، وفي عام 1983م بلغ عدد المصابين 2643، وفي نهاية الشهر السادس من عام 1985م بلغ عدد المصابين به 12067، وبعده بثمانية أشهر بلغ عدد المصابين به 17001.

    هذه الإحصائية عام 1986م، فلنتصور من خلال هذه الإحصائية الانتشار السريع والهائل لهذا المرض، وبعد ذلك انتشر المرض في سائر الدول، وعلى رأس القائمة -كما قلنا- الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، ثم انتشر المرض في كوريا الجنوبية لسببين:

    السبب الأول: أن عمل قوم لوط، أو ما يسمونه بالشذوذ منتشر في كوريا الجنوبية، وقلنا: إنه من أكبر أسباب انتشار الإيدز.

    السبب الثاني: أنه انتقل إلى هذه البلاد عن طريق القوات الأمريكية التي كانت موجودة في ذاك الوقت، فقد كان يوجد في كوريا الجنوبية 40 ألفاً من القوات الأمريكية، وكانت هناك إحدى النساء تشتغل في صالون تجميل قريب من معسكر هؤلاء الفجرة، فعبث بها أحد هؤلاء المصابين بالإيدز، ثم انتقلت العدوى بعد ذلك وانتقل المرض وانتشر في تلك البلاد.

    أيها الإخوة! هذه بعض النتائج والدلائل التي تدل على مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أنه: (ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا ابتلاهم الله بالطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم).

    وهانحن نرى العالم وقد ابتلي بأمراض الزهري والسيلان، فلما اكتشفوا العقاقير ابتلوا بمرض الهربز، ثم بعد ذلك ابتلوا بمرض الإيدز، ولا ندري لعل المستقبل كفيل بأمراض وعقوبات أشد من ذلك وأقسى؛ وقد ظهرت بعض الحالات في بعض بلدان العالم الإسلامي، إلا أن الكثير من الدول لا ترغب في إعلان مثل هذه الإحصائيات.

    الانسياق وراء الشهوات سبب للقلق والأمراض النفسية

    نتيجة أخرى أيها الإخوة! للانسياق وراء الشهوة.

    إنها سبب للقلق والأمراض النفسية، فنحن نشاهد أن البلاد الغربية التي ينتشر فيها التحلل والفساد هي أكثر بلدان العالم أمراض نفسية وعيادات نفسية.

    ولا شك أيها الإخوة! أن هذا الأمر مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها، فحينما يتمرد الإنسان على فطرة الله عز وجل، حينما يعرض عن محبة الله سبحانه وتعالى، وينساق وراء الشهوات، فإنه يدفع هذه الضريبة الغالية ألا وهي القلق والأمراض النفسية التي تصيب الكثير من هؤلاء.

    الانسياق وراء الشهوات سبب لتفكك الأسر وانهيار النظام الاجتماعي

    الأمر التاسع: أن التفسخ الجنسي، والانسياق وراء الشهوات سبب لتفكك الأسر، وانهيار النظام الاجتماعي.

    والعالم الغربي أيها الإخوة! الذي انتشرت فيه الفاحشة يدلنا على ذلك دلالة واضحة وصادقة، ولعلنا نشير إلى بعض الإحصائيات حول ذلك الأمر:

    ففي السويد وهي من أكثر بلاد أوروبا ثراء، وترفاً، وانتشاراً للفاحشة، يوجد من كل أربعة أطفال طفل غير شرعي، أي: ولد زنا.

    وفي الولايات المتحدة كانت نسبة الأولاد غير الشرعيين 5%، ثم ارتفعت خلال عشرين سنة إلى 17%، أي: 17% من الأطفال الذين يولدون كلهم أولاد زنا، وأولاد غير شرعيين، هذا ونحن في عصر انتشار وسائل منع الحمل بكافة أنواعها.

    وأجريت إحصائيات تدل على أن نسبة 40% من طالبات الثانويات حوامل وهن غير متزوجات!

    أيها الإخوة! عندما يخرج هؤلاء للمجتمع كم من مجرم سيخرج من هؤلاء؟! وكم من عاهر سيخرج من هؤلاء؟! وأي تربية سيتلقاها مثل هذا الغلام ومثل هذا الفتى الذي ينشأ في جو العهر والفساد والانحلال؟! ناهيك عن ارتفاع نسب الطلاق، فقد وصلت في بعض بلدان أوروبا إلى نسبة 33%، وكلما ازداد هؤلاء بعداً عن منهج الله، وانسياق وراء الشهوة؛ ازدادوا تفككاً، وازدادت حياتهم انهياراً.

    1.   

    الانسياق وراء الشهوات سبب لعقوبة الله وانهيار المجتمعات

    الأمر العاشر أيها الإخوة! من نتائج ذلك: أنه سبب لعقوبة الله، وانهيار المجتمعات.

    كلنا نقرأ القرآن، ونقرأ كيف صنع الله بقوم لوط لما جاهروا بهذه المعصية، فقد عاقبهم الله سبحانه وتعالى بعقوبة لم تكن في أسلافهم، وأخذهم الله سبحانه وتعالى أخذ عزيز مقتدر، وخسف الله سبحانه وتعالى بهم، وأتاهم عذاب الله عز وجل وهم غارون نائمون.

    والذين يقرءون التاريخ يعرفون سبب هزيمة فرنسا في الحرب العالمية الأولى، لقد كانت فرنسا رمزاً للتحلل، حتى كانت دور البغاء تأخذ تصريحاً رسمياً من السلطات، وكانت النساء تأخذ إذناً رسمياً بالبغاء، وانتشر الزنا والفاحشة في صفوف الجيش الفرنسي، فما استطاعت فرنسا -وهي الدولة القوية- أن تصمد أمام الزحف الهتلري إلا 17 يوماً فقط، فوقعت بعد ذلك أيدي جيوش الألمان، وقد صرح الكثير من زعمائهم في ذاك الوقت أن السبب الأول وراء هذه الهزيمة هو الانسياق وراء الشهوات.

    واسمعوا ما يقوله الزعيم الأمريكي كينيدي يقول: إن مستقبل أمريكا في خطر؛ لأن شبابها منحل غارق في الشهوات، لا يقدر المسئولية الملقاة على عاتقه، ومن بين كل سبعة شبان يتقدمون للتجنيد يوجد ستة غير صالحين؛ لأن الشهوات التي أغرقوا فيها أفسدت لياقتهم الطبية والنفسية.

    وقريباً من هذا التصريح صرح الزعيم الروسي في ذاك الوقت.

    إذاً: أيها الإخوة! هذه مخاطر ونتائج الانسياق وراء الشهوة.

    1.   

    الأسباب التي تدفع الشباب إلى الوقوع في هذا الأمر

    ما الأسباب التي تدفع الشباب إلى الوقوع في مثل هذا الأمر؟

    ضعف الإيمان

    هناك جملة من الأسباب أولها وأهمها: ضعف الإيمان.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن).

    والمؤمن يقرأ القرآن، ويقرأ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلم أن من مقتضيات الإيمان ومن صفات المؤمنين حفظ الفرج والعفاف والطهر، فإذا ضعف إيمان المرء، وقلت تقواه وخشيته من الله سبحانه وتعالى تجرأ على المعصية.

    ضعف العلم بالله سبحانه واليوم الآخر

    السبب الثاني -وهو مرتبط بالأول، وأفردته لأهميته-: ضعف العلم بالله سبحانه وتعالى، واليوم الآخر.

    ولعله يأتي مزيد حديث عن هذه القضية عند الحديث عن العلاج.

    رفاق السوء

    السبب الثالث: رفاق السوء.

    في دراسة أجريت على نزلاء دار الملاحظة بالرياض كان من نتائج الدراسة: أن 75% من الذين أجريت عليهم الدراسة شاركهم رفاقهم السلوك الإجرامي، يعني: شاركوهم ذلك السلوك الذي كان سبباً في إيداعهم في الدار، وأما البقية الباقية وهي نسبة الـ 25% فلا يعني أن رفاقهم لا يشاركونهم في المعصية، وإنما قد يكونون لم يشاركوهم في مثل هذه القضية التي كانت سبباً في وقوعهم في لك.

    وأفاد 52% منهم أن رفاقهم هم السبب في إيداعهم في الدار، و67% منهم أفادوا أنهم يقضون أوقاتهم دائماً مع رفاقهم.

    ومثل هذه الدراسات تدلنا على مدى أثر الرفقة على الشباب، ومن أكثر الآثار السيئة التي يجنيها الشاب من وراء رفاق السوء هو الانسياق وراء الشهوات.

    ففي تحقيق أجرته جريدة الأنباء يقول أحد المتحدثين وعمره 17عاماً: وفي أول مرة شاهدت فيها هذه الأفلام كان منذ سنين حيث كنت في زيارة لأحد أصدقائي، وكان في غرفته فيلم، فقام بتشغيل الفيلم، ثم ذكر اسم الفيلم، وذكر بعد ذلك ما حصل له.

    الشاهد منه: أنه كان يجتمع مع زميله، وهو الذي عرفه على هذه الأفلام السيئة.

    ويقول أحد الذين أودعوا في دار الملاحظة، ثم خرج منها وأعيد إليها مرة أخرى، لما سئل عن السبب في عودته للدار يقول: إن سبب عودتي أني عدت إلى نفس الشلة، ونفس رفقاء السوء؛ لأني إذا خرجت من الدار أجدهم ينتظرونني ويدعونني إلى العودة إلى المشاكل السابقة بعد أن حسنوا لي القبيح، وقبحوا لي الحسن، فأنسوني توبتي وعزمي على الاستقامة، فلذلك عدت إلى الدار بسبب هذه الشلة الفاسدة.

    انتشار المثيرات

    السبب الرابع: انتشار المثيرات.

    ولن أتحدث عن الأسواق وعن التبرج، وعن ما يجري في ذلك، ولن أتحدث عما يفعله بعض الشباب الفسقة من الدوران حول مدارس البنات أثناء خروجهن من المدارس، إنما سأتحدث عن قضايا أخرى مرتبطة بالمثيرات:

    أولها: الفيديو، وأفلام الفيديو التي يشاهدها الشباب أكثرها وغالبها مما يدور حول هذا الأمر، ففي دراسة أجراها بعض طلبة جامعة الإمام على نزلاء إحدى الدور الاجتماعية أفادت أن 100% من أفراد العينة يشاهدون الفيديو، وعندما سئلوا عن نوعيات الأفلام التي يشاهدونها أجاب 99% أنهم يشاهدون أفلان جنسية، والأفلام الجنسية تعني الأفلام المتفسخة، لأن ما يعرض الآن في التلفاز من أفلام الحب والغرام هذه لا يقصدون أنها أفلام جنسية، وإنما يعنون بذلك الأفلام التي تعرض الناس كما ولدتهم أمهاتهم.

    وعندما سئلوا عمن يملك منهم جهاز فيديو أجاب 25% فقط من هؤلاء بأنه يملك في بيته جهاز فيديو، إذاً 75% منهم أين يشاهد الفيديو؟ يشاهده عند رفاقه، وتصوروا شاب مراهق ضعيف الإيمان يشاهد مثل هذه الأفلام الساقطة الوقحة مع زملائه ومع أقرانه!!

    ولذلك يتحدث أحد الذين سقطوا في هذه الرذائل -عافانا الله وإياكم- وهو لا يزال شاباً في أوائل المرحلة الثانوية يتحدث مع أستاذه فيقول: أجتمع أنا وبعض زملائي فنشاهد الأفلام الساقطة، ثم بعد ذلك نطبق ما فيها.

    وكنت أتحدث مع شاب، كان هذا الشاب مستقيماً على طريق الخير والصلاح، فسألته عن سبب انحرافه لما تغير، فقال: إني كنت مع رفقة صالحة، فشغلت عنهم بسبب بعض المشاغل، فأصبحت أجلس في الحي، فرآني أحد الشباب من أهل الحي فدعاني إلى منزله، ثم نظرت إلى جهاز الفيديو، وبعد ذلك وقعت في كل ما تتصوره في ذهنك لما رأيت مثل هذه الأفلام.

    وفي دراسة أجريت في الكويت على مجموعة من الشباب ليسوا من نزلاء الدور الاجتماعية، وليسوا كلهم منحرفين، أفاد 45% من الذكور من أفراد العينة أنهم يقضون وقتهم في مشاهدة الأفلام الممنوعة، و40% من الإناث أنهن يقضين وقتهن في ذلك.

    إذاً: أيها الإخوة! ينبغي أن نتخذ مواقف حاسمة من هذا الأمر، وليست القضية حتى في الأفلام الممنوعة، فأكثر الأفلام التي تعرض الآن والتي تباع في محلات الفيديو هي مما يثير غريزة الشباب، وأكثرها ساقطة، فماذا تتصورون في هذه الأفلام التي تعرض والتي يبيعها هؤلاء؟ هل تتصورون أنها تربيهم على الخوف من الله عز وجل، وخشية الله عز وجل واليوم الآخر، أنهم يعرضون سير الصالحين والدعاة وشباب الصحابة؟

    فيجب أن نقف وقفة حازمة أيها الإخوة! يجب أن نقف ونطالب بفرض رقابة صارمة على أمثال هؤلاء، نطالب بإغلاق هذه المحلات، فمن يؤجر محل الفيديو؟ يؤجره أنا وأنت والآخر، فبعض آباء المسلمين قد يؤجر هذا المحل طمعاً في مال وعرض زائل، ويتسبب في إفساد شباب الحي، ويتسبب في إفساد الشباب والفتيات بمثل هذا الأمر، ولو أن صاحب محل فيديو لم يجد من يؤجره، ولو أنه إذا أتى ليفتح المحل اجتمع عليه أهل الحي وقالوا: لا نرضى أن تفتح في هذا الحي، واجتمعوا إلى صاحب المحل وقالوا: لا نرضى أن تؤجره هذا المحل، لو أننا نتعاون جميعاً ونتكاتف لاستطعنا أن نحد كثيراً من هذه الظاهرة.

    أيضاً العامل الثاني المثير: التلفاز وما يعرض فيه.

    فالمراهق بمجرد أن يرى صورة امرأة تثور غرائزه، فكيف وهو يرى صورة امرأة تتزين، وتخرج وهي تتكسر في حديثها وفي حركاتها، كيف وهي تتلفظ بألفاظ الحب والغرام، ويشاهد المسلسلات والتمثيليات التي كلها تدور حول الجنس والحب.

    في دراسة أجرتها جامعة أم القرى حول مجموعة من الشباب أفاد 57% من أفراد العينة من طلبة المرحلة الثانوية أنهم يقضون أوقات الفراغ في مشاهدة التلفاز، وماذا تتصورون أن هؤلاء الشباب ينظرون في هذه البرامج؟ هل يتابعون ما يسمونها بالبرامج الدينية، أو تلاوات القرآن، أو يتابعون برامج وأموراً أخرى؟ هؤلاء يقضون وقت الفراغ في مشاهدة هذه البرامج، ناهيك عمن يقضون بعض الوقت في ذلك.

    وفي دراسة أجريت أيضاً في لبنان على 381 شاباً سئلوا عن رأيهم في التلفاز، فـ41% منهم يقول: إنه يؤدي إلى شيوع الرذيلة والجنس، وأيضاً 72% منهم يقول: إنه يضر بالمجتمع أكثر مما ينفع.

    ويقول أحد الأطباء النفسيين في كولومبيا: إذا كان السجن هو جامعة جيم، فإن التلفاز هو المدرسة الإعدادية لانحراف الأحداث.

    والحديث حول التلفاز يطول، ولا أريد أن أطيل في الحديث؛ لأن أمامي قضايا أخرى أرى بالضرورة الحديث عنها، والإفاضة فيها، لكن أحيلكم على مجموعة من الكتب تحدثت عن هذا، منها: كتيب (بصمات على ولدي) لـطيبة اليحيى ، وكتاب (الأسرة المسلمة أمام الفيديو والتلفزيون)، وأيضاً كتاب الشيخ سعيد علي زعيب حول أثر التلفزيون، وأيضاً كتاب عوض منصور (التلفزيون بين المنافع والأضرار)، وهناك كتب كثيرة مدعمة بالإحصائيات والدراسات والأرقام التي تعطينا قناعة بخطورة مثل هذا الجهاز.

    وأقول هذا الكلام أيها الإخوة! ورغم أن كثيراً مما يعرض عندنا يدعو الشباب إلى ذلك البث المباشر قريب جداً، ففي بعض المناطق الآن أصبحوا يشاهدون البث المصري، وبعض الناس يشاهدون بث بعض دول الخليج، فينبغي أن نتخذ مواقف حاسمة من مثل هذه الأجهزة، ومن مثل أدوات اللهو، وأما أن يتعذر الأب بالأعذار الواهية: ابني يذهب عند الجيران، فنقول: إذا كان ابنك يذهب إلى الجيران ليشاهد أفلام الفيديو فأحضر له أفلام الفيديو في البيت! وإذا كان ابنك يذهب عند أولاد الجيران ليمارس بعض المعاصي، فوفر له المعاصي في البيت؛ حتى تحافظ عليه في جو البيت! فهذا هو المنطق الذي يحتج به هؤلاء الآباء.

    أيضاً من المثيرات: الصحف والمجلات، ولست بحاجة للحديث عنها.

    الفراغ

    السبب الخامس: الفراغ:

    في الدراسة التي أجرتها جامعة أم القرى فإن 52% من أفراد العينة يقول: إن لديه أكثر من سبع ساعات فراغ في أيام الإجازة، يعني: في أيام الخميس والجمعة عنده أكثر من سبع ساعات فراغ، فكيف تتصورون أن يقضي الشاب وقت الفراغ؟

    وفي دراسة أجريت في الكويت أن 45% من أفراد العينة قالوا: إنهم يقضون وقت الفراغ في مشاهدة أفلام ممنوعة، و40% من أفراد العينة يقول: إنهم يقضون وقت الفراغ في تكوين علاقات مع الجنس الآخر.

    وفي تحقيق أيضاً أجرته جريدة الأنباء: أن شاباً عمره 20 عاماً لما سئل عن سبب مشاهدة الأفلام، قال: السبب الذي شدني لرؤية الأفلام الممنوعة هو الفراغ الذي أعيش فيه.

    ويقول أيضاً أحد الذين خرجوا من دار الملاحظة وعاد إليها مرة أخرى، لما سئل عن سبب عودته يقول: إن سبب عودتي يرجع إلى الفراغ، وعدم وجود ما يشغلني ويقضي على وقتي بأشياء مفيدة، فكان أن عدت إلى الدار، ولم أستفد من وقتي منذ خروجي، ووجد الشيطان ونفسي الأمارة بالسوء إلي سبيلاً، فارتكبت ما أعادني إلى دار الملاحظة.

    غياب التوجيه

    السبب السادس: غياب التوجيه:

    في إحدى الدراسات التي أجريت على بعض نزلاء الدور الاجتماعية 31% من أفراد العينة يقول: إن أحد أفراد العائلة دخل السجن. يعني: أن ثلث أفراد العينة يعيش في تربية غير سليمة، وأفراد العائلة: إما الأب أو الأخ، فكيف نتصور هذا الشاب الذي تربى في مثل هذا الجو!

    أيضاً في التحقيق الذي أجرته جريدة الأنباء يقول أحدهم: أما بالنسبة لأهلي فهم لا يعرفون إلى أين أذهب، وماذا أعمل، والدي تاجر وكل وقته يقضيه في عمله، وأمي كل همها السيارات والأثاث والديكور .. إلى آخره.

    ولما سئل أحد المدخنين عن سبب وقوعه في الدخان، قال: إن أولياء أمورنا هم المسئولون بالدرجة الأولى، فأنا لم أر والدي يسألني أين أذهب، ومع أي شخص أمشي، وحتى لو علم بأني أدخن فلا يعمل شيئاً، وقد وصل الإهمال عند أولياء أمري لدرجة أني سافرت في العطلة إلى الخارج وجلست هناك خمسة عشر يوماً، وعندما رجعت لم يسألوني من أين جئت!

    ويقول أحد الذين خرجوا من دار الملاحظة وعادوا إليها مرة أخرى، لما سئل عن سبب عودته إلى الدار، قال: أبي لا يهتم لأدائي لفروضي الدينية: من صلاة، وأمر بمعروف، ونهي عن المنكر، فوالدي لو قام بتنشئتي تنشئة إسلامية خالصة لجعل لدي درعاً واقياً أمام الشيطان وانحرافاته، لذا فإني لا أقوم بواجبي الديني على أكمل وجه؛ حيث إني لا أعرف كيف أؤدي بعض هذه الواجبات التي من المفروض أن تكون أساسية منذ نشأتي؛ كالصلاة.

    ويقول الآخر أيضاً: إن ولي أمري الذي هو القدوة والمثل الأعلى لي، يطلب مني أشياء وواجبات أقوم بها وهو لا يؤدي هذه الواجبات، فيطلب مني عدم شرب الدخان وهو يشربه، ففقدت جانباً مهماً وهو القدوة، فسبب لي ذلك ازدواجية في تعلم المفاهيم وتطبيقها، كان من نتائجها أن عدت إلى الدار.

    أيها الإخوة! عندما نعنى بالتوجيه هنا فإننا لا نخاطب الآباء وحدهم، وإنما نخاطب الآباء، ونخاطب الأساتذة أيضاً، ونخاطب كل من له صلة بجو الشباب، فيجب عليه أن يتقي الله سبحانه وتعالى، وأن يعلم أن هؤلاء الشباب الذين تحت يديه أمانة في عنقه، وسيسأله الله عز وجل عنهم يوم القيامة.

    فكفى تشاغلاً أيها الإخوة! والله إنه مما يدمي أن ترى الأب ينشغل بدنياه، وينشغل بجمع أمواله، وينشغل بالسهر هنا وهناك، ويضيع أوقاته، وبعد ذلك يفاجئ بابنه وقد وقع في مصيبة، حينئذ يضع يده على رأسه ويقول: كيف يحدث هذا؟! لم أكن أتوقع هذا؟! السبب هو أنت، السبب هو غفلتك.

    وتذكروا قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    تذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته).

    تذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله سائل كل راع عما استرعاه: أحفظ ذلك أم ضيعه).

    أقول أيها الإخوة! إن من أكبر أسباب الوقوع في مثل هذه الأمور: غياب التوجيه، وعدم عناية الآباء وأولياء الأمور، والبعض ممن يتولون أمور الشباب من الأساتذة وغيرهم في الحديث عن مثل هذه الأمور، وتحذير الشباب منها ووقايتهم.

    1.   

    كيف يقاوم الشاب شهواته

    أخيراً: نجيب على هذا التساؤل، وهو في الواقع أهم ما يعنينا في هذا الأمر: كيف يقاوم الشاب شهوته؟

    بعد أن أدركنا مخاطر هذه الشهوة، ومخاطر الانسياق وراءها، وبعد أن أدركنا الأسباب، وأظن أن إدراك الأسباب جزء كبير من الحل، فإن المرء حين يدرك هذه الأسباب يجتنبها، ويجنب من ولاه الله سبحانه وتعالى الأمانة والمسئولية.

    الزواج

    أول أمر ينبغي أن نفكر فيه سواء الآباء أو الأبناء: هو الزواج، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء).

    والزواج هو الوقاية؛ فيه يستطيع الإنسان فعلاً أن يصرف شهوته ليس فقط فيما أحل الله له، بل بما يؤجر عليه كما قال صلى الله عليه وسلم لما قال: (وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بذلك أجر؟! قال: نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال فإن له أجراً).

    فلابد أيها الإخوة -وأنا أوجه هذا الحديث للشباب- لابد أن نفكر تفكيراً جاداً في الزواج، فلماذا نؤخر الزواج إلى هذا الوقت؟! لماذا يتأخر الشاب؟ لماذا يسوِّف؟ وعندما تتحدث عن الزواج يتصور الشاب أنه ليس مخاطباً بهذا الحديث، عندما نتحدث عن الزواج المبكر يتصور الشاب أن المخاطب بهذا الحديث من بلغ سن الثلاثين أو سن الخامسة والعشرين، أو من مضى على تخرجه أربع أو خمس سنوات.

    ومن أين نشأ لنا أن الشاب لا يتزوج إلا بعد أن يتخرج؟ الله عز وجل يقول: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32]، فإذا كانت القضية قضية المصروفات المادية فقد تكفل الله عز وجل لك بها، الذي مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود:56]، والذي يقول: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات:22].

    فلا يصح أن نتأخر يا إخوة في الزواج بحجة أننا لا نستطيع الإنفاق، وأن الزواج يتطلب تكاليف مادية، أبداً، ولذلك كان يقول ابن مسعود رضي الله عنه: التمسوا الغنى بالنكاح. يعني: من أراد الغنى فليتزوج، وقد أخذها من قوله عز وجل: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32].

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة حق على الله عونهم، ومنهم: الناكح يريد العفاف).

    فإذا استطاع الشاب أن يجد مهر الزواج وتكاليف الزواج فلا عليه بعد ذلك مما بعد الزواج، وأما قوله تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33] فهو في الذين لا يجدون نفقة في الزواج ابتداءً، والذي لا يجد المهر وتكاليف الزواج، فإذا استطاع أن يأتي بتكاليف الزواج من هنا وهناك فلا عليه أن يفكر فيما بعد؛ فإنه قد تكفل عز وجل به.

    أخي الشاب! أيما أهم عندك، وأيما أنت أحوج له: أن تعف نفسك، وتحفظ نفسك، وتعيش في ذاك الجو الساكن، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21]، هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187]، جو زواجة وطمأنينة، وسكينة، ورحمة، والذي يعيش الشاب فيه الاستقرار النفسي، والاطمئنان، والحياة الحقيقية فعلاً لا يعيشها الشاب إلا بعد الزواج.

    والشاب الأعزب الآن لما يقرأ حقوق الزوجية، ولما يقرأ الآيات من حقوق الزوجية يحس أنه غير مخاطب بمثل هذه النصوص، لما يقرأ قول الله عز وجل: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21]، هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187].

    فلماذا نفرط في حماية النفس وسعادة الدنيا؟ (وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة)، فينبغي أن نفكر ونبادر، وأيضاً للأسف كثير من الآباء يحتج بأنه لا يملك النقود، ولا يستطيع تكاليف الزواج، وقد تجده يشتري لوالده سيارة بمبلغ لو وفر هذا المبلغ للزواج لحفظ ولده، فتجده يندم ويعظ أصابع الندم عندما ينحرف ابنه، وعندما يهوي ويضل ابنه، وحينئذٍ يتمنى أنه بادر في مثل هذا.

    الصوم

    الأمر الثاني: الصوم:

    النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء).

    ماذا يصنع الشاب الذي لم يتزوج؟

    أرى أن الحل الأول، والحل الأساسي، والحل الشرعي هو الزواج، فإذا لم يستطع الزواج فليس أمامه إلا الوجاء، وليس هناك حل سحري، وليس هناك وصفة طبية إذا وصفت للشاب انتهى صراعه، لا، سيبقى المرء في صراع، بل سيبقى في صراع مع الشهوات كلها حتى ينتهي من الحياة، وحينئذٍ ينتهي هذا الصراع.

    أيها الشباب! ليس هناك حل سحري، وليس هناك خطوات عندما يسلكها المرء يضمن النجاة لنفسه، فلن تضمن النجاة أبداً، وليس هناك حل للمجاهدة، ولا يعني ذلك التيئيس، لا، كما أن الله عز وجل ابتلانا بهذا الأمر، فإنه لم يتركنا وحدنا في المعركة، فالله عز وجل قال عن الشيطان: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:99-100].

    1.   

    الطرق التي ينبغي أن يسلكها الشاب إن لم يستطع الزواج

    الإيمان بالله تعالى والصلة به

    وأنا سأشير إلى بعض الأمور التي ينبغي أن يسلكها الشاب إذا لم يستطع الزواج:

    أولها وأهمها: الإيمان بالله سبحانه وتعالى، والصلة به عز وجل.

    إن الإيمان أيها الإخوة! هو الضمانة لوقايتنا من الانحراف، إن المرء وحينما يؤمن بالله سبحانه وتعالى، حينما يترقى في مراتب الإيمان والدين حتى يصل إلى أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فهو يعلم أن الله عز وجل يراه، حينما يصل إلى هذه المرتبة فإن هذا الإيمان سيصرفه عن الكثير من هذه المعاصي.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) دليل على أن المرء لا يقع في مثل هذه الأمور إلا عن ضعف إيمانه وصلته بالله سبحانه وتعالى.

    إنه أيها الإخوة! حينما يتصل بالله سبحانه وتعالى، وحينما يملأ قلبه بالشوق إلى الله عز وجل، وبمحبة الله سبحانه وتعالى، وبالتضرع إليه، وباللجوء إليه، فحينئذٍ لا يتعلق قلبه في هذه الدنيا بشيء غير الله سبحانه وتعالى، وحينئذ يتحقق فيه وصف النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان).

    وحين يجد العبد حلاوة الإيمان، وحين يجد لذة الإيمان، وطعم الإيمان، والصلة بالله سبحانه وتعالى لا يمكن أبداً أن ينصرف قلبه إلى غير الله عز وجل، ولا أن يتوجه إلى غير الله سبحانه وتعالى، فضلاً عن أن يتوجه إلى هذه المعاصي التي يدرك شؤمها عليه في الدنيا والآخرة.

    ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة)، فقد سأل الله عز وجل أعلى نعيم الآخرة، وهو رؤية الله سبحانه وتعالى، ثم سأله أعلى نعيم الدنيا وهو الإيمان، والشوق لله سبحانه وتعالى، وهذا الجزاء مترتب على ذاك العمل.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤية حين يكشف الله سبحانه وتعالى الحجاب عن وجه: (فلا ينصرف أهل الجنة إلى شيء من النعيم)؛ لما يرون، فهم قد منعوا أبصارهم، وحجبوا أبصارهم عن النظر إلى غير وجه الله سبحانه وتعالى، فكان هذا الأمر نتيجة لأنهم حجبوا قلوبهم في الدنيا عن التعلق بغير الله، وعن التوجه لغير الله سبحانه وتعالى.

    أيها الإخوة! حينما يعمر الإيمان قلب العبد، وحينما يأنس بعبادة الله، وطاعة الله سبحانه وتعالى؛ فإنه يجد اللذة والراحة بطاعة الله عز وجل، ويجد حلاوة الإيمان ولذة الإيمان، حينئذٍ لا تتوجه نفسه لمثل هذه التوافه، ولا تحدثه، وحينئذٍ لا يطمع فيه الشيطان.

    معرفة الله تعالى وتذكر علمه وإحاطته، وتذكر اليوم الآخر

    الأمر الثاني: معرفة الله عز وجل، وتذكر علمه، وإحاطته سبحانه وتعالى، وتذكر اليوم الآخر.

    أخي الشاب! حينما تخلو بنفسك، وتغلق الباب، وترى أنه لا أحد يراك، اقرأ قول الله عز وجل: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد:8-10].

    وحين تدعوك نفسك للمعصية تذكر أن الله يراك، وأن الله سبحانه وتعالى محيط بما تعمل، ولو كنت غائباً عن أعين الناس، وتذكر وقوفك بين يدي الله سبحانه وتعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليدني عبده فيضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: أتذكر ذنب كذا وكذا؟ أتذكر ذنب كذا وكذا؟).

    كيف بك عندما تقف بين يدي الله سبحانه وتعالى في هذا الموقف العظيم، ويقررك الله عز وجل بذنوبك؟ وحينما تدعوك نفسك للمعصية تذكر قول الله عز وجل: حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ [فصلت:20-22].

    هل تستطيع أن تقارف المعصية بعيداً عن جوارحك؟! إنها هي التي ستوقفك أمام الله وتشهد عليك، كما قال صلى الله عليه وسلم في محاجة العبد ربه: (قال: إنك لا تجيز الظلم ولا أقبل علي شاهداً إلا من نفسي، فيقول الله عز وجل: نعم، لا نقيم عليك إلا شاهداً من نفسك، فيختم الله على لسانه، ويقول لجوارحه: انطقي، قال: فأول ما تنطق فخذه، فتنطق بما كان يعمل، ثم تنطق ساقه، ثم يده، ثم لسانه، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكن وسحقاً؛ فعنكن كنت أناضل).

    وحينما تدعوك نفسك للمعصية تذكر وصية العبد الصالح لابنه: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16].

    فحينما تتذكر علم الله وإحاطة الله عز وجل، وحينما تتذكر اليوم الآخر وما يجري فيه، فلا يمكن أبداً أن تدعوك نفسك للمعصية، ولا يمكن أن تقارف المعصية؛ ولذلك يقول الله عز وجل: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17].

    وكما قال السلف: لا يعصي الله إلا جاهل.

    الدعاء

    الأمر الثالث أيها الإخوة! الدعاء:

    يقول الله سبحانه وتعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62]، ويقول عز وجل: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ[البقرة:186].

    أيهما أكثر اضطراراً وأحوج وأرجى إلى إجابة الله: رجل يرى عليه خطراً من أخطار الدنيا، أو شاب يقف بين يدي الله في ثلث الليل الآخر يوم ينزل الله إلى السماء الدنيا ويقول: (من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) يقف يبكي بين يدي الله، ويتضرع، ويلح بين يدي الله عز وجل، يسأل الله الحماية والحفظ في دينه، أليس هذا أحرى أن يجيبه الله؟ أليس هذا أكثر اضطراراً؟

    ولذلك لما واجه يوسف عليه السلام الصراع مع الشهوة توجه إلى الله، فقال الله عنه أنه قال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ[يوسف:33].

    فأكثر من الدعاء أخي الشاب! أكثر من دعاء الله سبحانه وتعالى أن يحفظك، وأن يعينك على التوبة، وأن يعينك على شياطين الإنس والجن، واعلم أنك ما دعوت الله، وصدقت معه، ولجأت إليه، فإن الله سبحانه وتعالى سيجيب دعاءك.

    اجتناب المثيرات وخاصة النظر

    الأمر الرابع: وأؤكد عليه أيها الإخوة! اجتناب المثيرات وخاصة النظر:

    للأسف أيها الإخوة! أنه انتشر في مجتمعنا، وبين صفوف الكثير من الشباب عمل قوم لوط عافانا الله وإياكم، الإنسان قد يتورع عن النظر إلى النساء، والتزام النساء بالحجاب والتستر قد يحول دون ذلك، ولكن البلاء أن ينظر إلى بني جنسه.

    ولذلك حذر السلف من ذلك، كما قال أحدهم: إني أرى مع المرأة شيطاناً، وأرى مع الغلام الأمرد اثني عشر شيطاناً.

    فاحذر أخي الشاب! من أن ترسل النظر، فتبدأ المسألة بنظرة، ثم تتعلق الصورة في قلبك، ثم تتذكر وتفكر وتتدرج حتى بعد ذلك يملك على المرء فؤاده وقلبه.

    ناهيك عن وسائل الإعلام: من صحف، وتلفاز، وأفلام .. وغيرها.

    ولا يصح أبداً أن يأتي الشاب يتصفح هذه الصور الخليعة ويطلق نظره يمنة ويسرة، ثم يقول: ماذا أفعل؟ أنا أشكو من كذا، وأشكو من سيطرة هذه الشهوة، وأشكو من العادة السرية، اجتنب يا أخي هذه المثيرات، اجتنب هذه الأمور، وارجع إلى الله عز وجل، وأكثر من عبادة الله سبحانه وتعالى.

    من أخطر المثيرات التفكير والانسياق وراءه

    ومن أخطر المثيرات أيها الإخوة: التفكير، والانسياق وراء التفكير:

    فالشاب لا يجد حرجاً في التفكير، وقد يجد فيه متعة، فيستلقي على فراشه، ويبدأ يفكر في هذا الأمر، وهو يعلم أنه ليس عليه حرج، ويسترسل به التفكير يوماً ويومين، وبعد فترة يملك التفكير عليه فؤاده، حتى تتحول المسألة إلى رغبة، وإلى همة، حتى يقع في الأمر.

    فإياك إياك والاسترسال في التفكير، وإذا أتاك هذا الخاطر فأزله عنك وانشغل بعد ذلك:

    بالأمر الخامس: وهو الانشغال بالتفكير الجاد، والعمل الجاد، وبالذات الدعوة إلى الله عز وجل.

    الانشغال بالتفكير الجاد والعمل الجاد

    إن أمامنا أموراً نشغل فيها التفكير يا إخوان! أمامنا واقع الأمة الذي يرثى له، والتفكير في أي جانب من جوانب حياة الأمة: صلة الناس بالله عز وجل، انتشار المعاصي، حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية، أحوال الأمة الإسلامية، أحوال مجتمعنا، قلب نظرك في أي جانب من جوانب حياة الأمة، وابحث عن جانب واحد يسر.

    أليس مثل هذه الأوضاع جديرة بأن تدعونا إلى التفكير الجاد، وأن نفكر فيها، وأن نفكر ماذا نصنع، وأن نفكر ما دورنا تجاه هذا الأمر، وأن ننشغل بالعمل الجاد؟ ينبغي أن تنشغل.

    أخي الشاب! عندما تشغل نفسك بالدعوة إلى الله عز وجل: بدعوة إخوانك، باستصلاح إخوانك بأي وسيلة تستطيع أن تسلكها مع إخوانك الشباب، عندما تشغل نفسك بهذه الأمور الجادة، وبطلب العلم، وبالقراءة، وبعبادة الله عز وجل، فإنك تشغل وقتك دائماً.

    وذكرنا من أسباب الوقوع في هذا الأمر: الفراغ، فبقدر الإمكان لا تبق للشيطان عليك طريقاً بأن تبقى فارغاً، وأن تسترسل مع وقت الفراغ.

    التفكر في حقيقة الشهوة وزوال النعمة

    الأمر السادس: أن تفكر في حقيقة الشهوة وزوال النعمة:

    ماذا يحصل للإنسان إن أتى بما يجلب له الشهوة، وحقق تمام الشهوة، ما الذي يحصل؟ انتهى الأمر بزوال هذا الوقت الذي مارس فيه الإنسان الشهوة، وانتهت القضية، فهل بقي بعد ذلك يتمتع بالشهوة؟ لا، بقي بعد ذلك الحسرات؛ حسرات قلبه، فإن كان طائعاً منيباً لله عز وجل يبقى يتألم على هذه المعصية التي فعلها، وإن كان غير ذلك فيبقى يشتاق ويفكر في هذا الأمر.

    ويبقى له بعد ذلك نتائج هذه الشهوة، فما الذي يحصل؟ من نتائجها التي أشرنا إليها: الأمراض الخطيرة؛ الأمراض الجنسية، والأمراض النفسية، فتفكر في مثل هذه العواقب، وتفكر في آثار هذه المعصية على المجتمع، وتفكر في آثارها على نفسك، وفي حقيقة هذه الشهوة.

    ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاه شاب ثارت الشهوة في نفسه ويريد الزنا فقال: (يا رسول الله! ائذن لي بالزنا)، هذا الشاب هل تتصورون أنه بمجرد أن رغب في هذا الأمر أتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة؟ لا، نحن لا نعلم ما يدور في نفسه، لكن يغلب على ظني أن هذا الشاب لما فكر في الأمر يعلم أن الزنا حرام، وعنده خوف من الله عز وجل، ففكر في الأمر ثم تردد، وفكر وتردد، وفكر وتردد، حتى عزم على الأمر، ولما عزم على الأمر قرر أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويستأذنه.

    فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مع أصحابه فقال: (يا رسول الله! ائذن لي بالزنا)، فهم الصحابة به، فتوجه النبي صلى الله عليه وسلم وهو المربي، الذي قال عنه أحد أصحابه: (فبأبي وأمي رسول الله، ما رأيت أحسن تعليماً ولا تأديباً منه).

    دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وأجلسه، وقال له: (أترضاه لأمك؟ قال: لا، قال: ولا الناس يرضونه لأمهاتهم)، فهذه المرأة التي ستزني بها هي أم للناس، هل ترضى أن يأتي أحد يزني بأمك؟!

    وقال له: (أترضاه لأختك؟) فهذه المرأة التي ستزني بها أخت للناس.

    وقال: (أترضاه لعمتك؟ ثم دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم حصن فرجه، وطهر قلبه، فانصرف الشاب وليس شيء أبغض إليه من الزنا).

    فهذا الحديث أوجهه إلى الشباب، وإلى المربين الآباء والأساتذة وغيرهم، أن يسلكوا مثل هذه الوسائل.

    تذكر الحور العين في الجنة

    أيضاً يا إخوة! من الأمور التي تعين الشاب: أن يتذكر الحور العين في الجنة:

    كَوَاعِبَ أَتْرَابًا [النبأ:33]، إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:35-38].

    حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72]، لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:74]، فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56].

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر في الصحيحين أول زمرة يدخلون الجنة في حديث أبي هريرة ، فذكر صفاتهم، ثم قال: (لهم زوجان من الحور العين يرى مخ ساقها من وراء اللحم).

    ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري : (لو أن امرأة من نساء الجنة أطلت على أهل الدنيا لأضاءت ما بينهما، ولنصيفها -أي: خمارها- على وجهها خير من الدنيا وما فيها).

    أخي الشاب! أيما أحب إليك أن تمتع نفسك بالشهوة العاجلة، ثم تعيش آلام وجحيم هذه الشهوة، أو أن تتمتع بالحور العين في دار الخلد، في الدار التي لا يهتم فيها الإنسان؟

    تذكر صفات المؤمنين

    أيضاً من الوسائل يا إخوان! أن يتذكر صفات المؤمنين، ويرى أنه محروم منها:

    فالله عز وجل يقول: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35].

    عندما تنساق وراء شهوتك، وتقرأ هذه الآيات تشعر أنك ليس لك فيها نصيب.

    قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:1-3].

    إلى أن قال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:5-7].

    ثم قال بعد ذلك في آخر الآية: أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:10-11].

    فعندما تقرأ هذه الآيات وأنت لم تحفظ فرجك، ترى أنك لست مؤهلاً لهذه المنزلة.

    تذكر نماذج العفة

    وأيضاً تذكر نماذج العفة، وخير نموذج على ذلك يوسف عليه السلام، وقد طال بنا الوقت، ولا أريد أن أطيل في وصف حالته عليه السلام، فقد اجتمعت له كل أسباب الفاحشة والمغريات: شاب، وغريب عن بلده، وفي بيت السلطان، ودعته المرأة إلى نفسها، وهي ذات منصب، وذات جمال، وغلقت الأبواب، وهددته، ومع ذلك قال: مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف:23].

    وقال الله عز وجل: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24].

    لما تقرأ هذه القصة وهذا النموذج وأنت لم تحفظ فرجك تتألم كثيراً، ولما تقرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظلة، وذكر منهم: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله).

    اختيار الجليس الصالح واجتناب الوحدة

    أيضاً من العوامل المعينة على ذلك: اختيار الجليس، وتجنب الوحدة:

    وقد عرفنا أن من أسباب الوقوع في هذا الأمر الجليس السيئ، والجليس يا إخوان! هنا لا نعني به فقط الجليس الذي يوقعه في الكبائر والموبقات، لا، فأي رجل يدعوك لمعصية فينبغي أن تجتنبه، وحتى في محيط الأخيار وفي تجمعات الناس الأخيار قد يوجد شاب ليس على مستوى من المحافظة، وعنده ميل إلى مثل هذه الأمور، أو عنده بعضها، فكون الشاب في محيط الأخيار لا يعني أنه قد أصبح مبرأً، وأنه ينبغي أن تجالسه، كلا، فينبغي أن تختار من تجالس، وأنت أعلم بمن تجالس، ومن تصطفي ومن تخالط.

    وإذا رأيت عند شاب تقصير في مثل هذا الأمر وأنه يقودك إلى ذلك، فقل: هذا فراق بيني وبينك، وتجنب الوحدة أيضاً؛ فإنها من أقوى الدواعي إلى التفكير، وأقوى الدواعي بعد ذلك إلى الوقوع في مثل هذه الأمور.

    وأخيراً: لا تتهاون بالصغائر: النظر، العادة السرية، وغيرها من الأمور، فكثير من الشباب يتهاون فيها، ويقول: هذا أمر يسير، فقد تنظر نظرة إلى صورة جميلة فترتسم الصورة في ذهنك، فالشيطان يعيد لك هذه الصورة في ذهنك مرة بعد مرة، حتى تتحول المسألة إلى تفكير، حتى يملك عليك فؤادك، حتى تتدرج بعد ذلك إلى الوقوع، فقد تقع في معصية صغيرة، ويتدرج الشيطان في عرضها عليك، والشيطان طويل النفس، وقد أقسم ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:17].

    فاحذر التهاون بالصغائر، وتذكر قوله صلى الله عليه وسلم يقول لـعائشة : (إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالباً).

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (مثل ما تحقرون من أعمالكم كقوم استبطنوا بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى أشعلوا نارهم، وطبخوا عشاءهم، وإن محقرات الذنوب متى ما يؤخذ بها المرء تهلكه).

    خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى

    واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى

    لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

    وبعد ذلك أقول: لو وقعت في مثل هذه الأمور، فلا تتردد أبداً في أن تأتي إلى والدك، أو إلى أحد أساتذتك الذين تثق بهم، وتثق بدينهم وورعهم وخبرتهم، وتثق بأنهم يكتمون السر الذي تبديه لهم، وبأنهم ينصحون لك، وأفصح لهم عما في نفسك، واطلب منهم الإعانة، واطلب منهم التوجيه، فلا حرج في ذلك، وهو خير لك من أن تبقى أسير الشهوة، وخير لك من أن تهوي.

    أيها الإخوة! في ختام هذه الكلمة أقول: والله إن الحديث عن هذا الأمر ذو شجون، والحديث يثير الأشجان، وهناك أمور كثيرة يود المرء أن يقولها، لكن الوقت لا يتسع لمثل ذلك.

    وختاماً أقول: إن الدواء الناجح، والدواء الناجع بعد الزواج وبعد الصيام هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وتعلق القلب به عز وجل، فلنسلك أسباب ذلك.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعصمنا وإياكم، وأن يجنبنا أسباب سخطه، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    1.   

    الأسئلة

    معنى حديث (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ...)

    السؤال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، أرجو توضيح هذه العبارة، ويفضل ذكر مثال لذلك.

    الجواب: هذا السؤال اختبار، وضح العبارة مع التمثيل، لأن الطلاب في جو امتحانات فمتأثرين بذلك الجو.

    هذا الحديث يا إخوان! (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) معناه: أن تكون محبة الله ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من كل شيء سوى الله ورسوله.

    ويوضح ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).

    ولما قال عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: (إنك أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال: والله إنك الآن أحب إلي من نفسي، قال: الآن يا عمر).

    يا إخوان! لا يوجد محبوب من مال أو شهوة أو نفس أو أي شيء ينبغي يحبه المرء أكثر من محبة الله ورسوله، والمحبة أمر قلبي؛ لذا لا أستطيع أن أمثل لذلك، ولا أستطيع أن أحضر لكم شخصاً وأقول: هذا يحب الله ورسوله أكثر مما سواهما، فالمحبة في قلبك، لكن المحبة تدرك بآثارها.

    فإنسان مثلاً مستلقٍ على الفراش، ويسمع المؤذن يقول: الصلاة خير من النوم، وينام، ولا يصلي الفجر إلا بعد صلاة الجماعة، هل يمكن القول: إنه يحب الله ورسوله أكثر مما سواهما؟!

    وإنسان يقال له: أنفق في سبيل الله، ويفتح مجال تبرعات فيتبرع بالخمسة الريال أو بالريالين، وأما في المناسبات في أحوال تقتضي المجاملة للأقارب فإنه يدفع الألف والألفين ريال، وهو مجرد إحراج ومجرد مجاملة، لكن لما يأتي الإنفاق في سبيل الله عز وجل فإنه يبخل، هل هذا يحب الله ورسوله أكثر مما سواهما؟

    وعندما يكون الطالب مثلاً يتأخر كثيراً عن صلاة الفجر، فإذا جاء وقت الامتحان فما يمكن يفوته الامتحان أبداً، لماذا؟ لأن النوم سلطان جائر في غير أيام الامتحانات، وفي أيام الامتحانات أصبح غير سلطان جائر! فهل هذا الطالب يصدق عليه أنه يحب الله ورسوله أكثر مما سواهما؟! كلا.

    وإذا نظرنا في حياتنا فإننا نجد نماذج على ذلك كثيرة، فهذه آثار المحبة، وليست هي المحبة، فالمحبة في القلب، ولذلك يخطئ بعض الناس فيفسرها بآثارها، فهذه لوازمها وآثارها ونتائجها، وأما المحبة فهي في القلب، ولا شك أن المحبة لابد أن ينشأ عنها مثل هذه الآثار، فهذه آثار وعلامات نستطيع أن ندرك بها محبتنا لله ورسوله.

    وفي ختام هذه الكلمة أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يحفظنا وإياكم وشباب المسلمين من مضلات الفتن.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.