إسلام ويب

أسماء الله الحسنى - القدوسللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله سبحانه وتعالى هو القدوس، المنزه عن كل عيب ونقيصة، الذي تقدسه وتسبح له جميع المخلوقات؛ ولذلك حري بالمسلم أن يستشعر عظمة هذا الاسم الكريم، فيقدس ربه وينزهه على ظن السوء وعن كل ما لا يليق به.

    1.   

    معنى اسم الله (القدوس)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين, حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه, وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين!

    الاسم السابع من أسماء ربنا الحسنى جل جلاله هو (القدوس), وكلمة القدس في لغة العرب تعني: الطهارة, (قدوس) على وزن (فعول)، أي: فعول من القدس؛ ولذلك سمي بيت المقدس أي: البيت المطهر, كذلك يقال: الأرض المقدسة أي المطهرة؛ قال تعالى: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ[المائدة:21]. وسمي جبريل عليه السلام روح القدس. أي: الروح المطهرة.

    والمعنى الثاني للقدس: البركة؛ ولذلك بيت المقدس سمي بذلك لأن أرضه مباركة, كما قال الله عز وجل: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ[الإسراء:1]، وقال تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ[الأنبياء:71], هذا الاسم المبارك القدوس ورد في القرآن مرتين, في أول سورة الجمعة قال تعالى: يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ الْقُدُّوسِ[الجمعة:1], وفي آخر سورة الحشر: هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ المَلِكُ الْقُدُّوسُ[الحشر:23], فالقدوس من أسماء ربنا جل جلاله بنص القرآن.

    فما معنى هذا الاسم في حق ربنا سبحانه وتعالى؟

    قال علماؤنا: القدوس هو المطهر من النقائص, المنزه عن العيوب جل جلاله, الذي ينزه كذلك عن الأنداد والأولاد.

    وقال الغزالي : هو المنزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم, أو يختلج به ضمير, أو يقضي به تفكير, فالله جل جلاله منزه عن ذلك كله.

    1.   

    آثار الإيمان باسم الله (القدوس)

    أخيراً: ما هي آثار الإيمان بهذا الاسم الجليل العظيم الحسن (القدوس)؟

    أولاً: تنزيه الله عز وجل عن النقائص والعيوب في أسمائه وصفاته جل جلاله, ووصفه بكل كمال؛ كما قال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11].

    ثانياً: تنزيهه عن النقائص والعيوب في أقواله وأفعاله؛ قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا[الأنعام:115], صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام.

    وقال سبحانه: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا[النساء:87]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا[النساء:122].

    وكذلك تنزيه أفعاله جل جلاله عن العبث, كما قال: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ[المؤمنون:115]، وقال أيضاً: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ[الدخان:38-39].

    ثالثاً: من إيماننا بهذا الاسم الجليل أن نثبت لله ما أثبته لنفسه, وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم مع تنزيهه عن مشابهة لأحد من خلقه جل جلاله.

    رابعاً: كونه قدوساً جل جلاله يقتضي منا الرضا بحكمه والتسليم له والانقياد, وأن نعتقد يقيناً أنه حكم عدل، قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[المائدة:50]؛ ولذلك نزه الله نفسه عن أن يكون له شريك في الحكم، فقال سبحانه: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ[التوبة:31].

    وقد علم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عدي بن حاتم أن هذا الشرك مراد به الشرك في الحكم, أن يتحاكموا إلى غير الله عز وجل.

    خامساً: وهو مما يقتضي التنبيه عليه في أيامنا هذه: أنه من مقتضى إيمانك باسم الله (القدوس) أن تنزهه جل جلاله عن ظن السوء, وقد ذكر الله عز وجل أن ظن السوء بالله عز وجل خصلة من خصال الكفار والمنافقين, قال سبحانه: وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالمُشْرِكِينَ وَالمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ[الفتح:6].

    فينبغي أن تنزه الله عز وجل فلا تظن به سوءاً, فمن ظن أن الله لن ينصر دينه فقد ظن بالله ظن السوء, ومن ظن أن الله عز وجل خاذل الأولياء فقد ظن بالله ظن السوء, ومن ظن بأن الله عز وجل لن يتم دينه فقد ظن بالله ظن السوء, وكذلك من أنكر قضاء الله وقدره فقد ظن به ظن السوء, وهكذا من أنكر حكمته البالغة، أي: حكمته في أقواله وفي أفعاله وفي قضائه وقدره, وفي وعده ووعيده فقد ظن بالله ظن السوء.

    وكذلك من ظن أن الله عز وجل يترك خلقه سدى, لا يثيب مطيعهم, ولا يعذب عاصيهم فقد ظن بالله ظن السوء.

    أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل! وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    تسبيح وتقديس جميع المخلوقات لله تعالى

    الكون كله يقدس لله عز وجل؛ ولذلك الملائكة لما أخبرهم ربنا أنه جاعل في الأرض خليفة قالوا كما أخبر الله عنهم: قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ[البقرة:30], وتقديسهم وتسبيحهم ليس قاصراً على ساعة دون ساعة, أو حال دون حال, كما قال الله عز وجل: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ[الأنبياء:20]، وقال أيضاً: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ[الأعراف:206].

    ليس التسبيح والتقديس قاصراً على الملائكة عليهم السلام, بل الكون كله يسبح لله عز وجل، كما قال سبحانه: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا[الإسراء:44]، وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ[النور:41].

    فمطلوب منا معشر المؤمنين! أن نقدس ربنا جل جلاله ونسبحه عما نسبه إليه المجرمون, فالمجرمون نسبوا لله الصاحبة والولد، قال تعالى عنهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ[التوبة:30], وقال مشركو العرب: الملائكة بنات الله, فواجب علينا أن نسبح الله عز وجل فنقول: سبحان الله عما يصفون، قال تعالى: عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[المؤمنون:92] وقال سبحانه: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الصافات:180-182]، وقال أيضاً: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[البقرة:116-117]، وقال أيضاً: وَيَجْعَلُونَ للهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهمْ مَا يَشْتَهُونَ[النحل:57].

    هذا التسبيح مطلوب في كل حين وفي كل وقت, لكنه آكد إذا أصبحنا وإذا أمسينا, قال الله عز وجل: فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ[الروم:17]، وقال سبحانه: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى[طه:130]، وقال تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [آل عمران:41]، وقال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ[ق:40].

    وقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح الله حتى في حال ركوب الدابة، فقد كان يقول بعدما يكبر الله ثلاثاً: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف:13].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003970327

    عدد مرات الحفظ

    718760339