إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطهارة [14]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن دين الإسلام دين النظافة والجمال، ولذا حرم النجاسات وأمر بإزالتها، وجعل إزالة كل نجاسة بحسبها؛ فالمغلظة كالكلب تغسل سبعاً إحداها بالتراب، والمتوسطة بما يغلب على الظن إزالتها بما تيسر من المنظفات وعلى رأسها الماء، والنجاسة المخففة جعل إزالتها بالنضح بالم

    1.   

    إزالة النجاسة

    قال المؤلف رحمه الله: [باب إزالة النجاسة:

    يجزئ في غسل النجاسات كلها إذا كانت على الأرض غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، وعلى غيرها سبع إحداها بتراب في نجاسة كلب، وخنزير، ويجزئ عن التراب أشنان ونحوه، وفي نجاسة غيرهما سبع بلا تراب، ولا يطهر متنجس بشمس، ولا ريح، ولا دلك، ولا استحالة غير الخمرة، فإن خللت أو تنجس دهن مائع لم يطهر، وإن خفي موضع نجاسة غسل حتى يجزم بزواله، ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام بنضحه، ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس من حيوان طاهر، وعن أثر استجمار، ولا ينجس الآدمي بالموت].

    مناسبة هذا الباب لما قبله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب إزالة النجاسة).

    أما عن مناسبة هذا الباب لما قبله فقد تقدم لنا في أول كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن الطهارة إما أن تكون عن حدث، وإما أن تكون عن خبث، وإما أن تكون في معنى رفع الحدث، وأول ما تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن أقسام المياه، وأول ما عرف الطهارة ذكر أن لها ثلاث صور:

    الصورة الأولى: رفع الحدث.

    الصورة الثانية: معنى رفع الحدث.

    وهاتان الصورتان تقدم الكلام عليهما.

    الصورة الثالثة: زوال الخبث، وهي الصورة الأخيرة من صور الطهارة، فلما تكلم المؤلف رحمه الله عن طهارة الحدث ناسب أن يتكلم عن طهارة الخبث، وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (باب إزالة النجاسة) يعني: باب تطهير النجاسة.

    تعريف النجاسة ومشروعية إزالتها

    والنجاسة في اللغة: هي القذر والوسخ.

    وأما في الاصطلاح: فهي عين مستقذرة شرعاً، رتب الشارع عليها أحكاماً.

    والدليل على إزالة الخبث القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن فقول الله عز وجل: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4] ، أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [البقرة:125] .

    ومن السنة سيأتينا -إن شاء الله- أحاديث كثيرة، أحاديث الاستنجاء والاستجمار، وسائرها فيها دليل لإزالة النجاسة، والإجماع قائم على ذلك.

    1.   

    تطهير النجاسة

    النجاسة على الأرض ونحوها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يجزئ في غسل النجاسات كلها إذا كانت على الأرض غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة).

    هنا شرع المؤلف رحمه الله في بيان كيفية تطهير النجاسة، حيث ينقسم إلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: أن تكون النجاسة على الأرض، أو على الحيطان والجدران ونحو ذلك، فهذه تكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، فإذا غسلت غسلةً واحدة ذهبت بعين النجاسة فقد طهر المحل، ويدل لذلك قصة الأعرابي لما بال في المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أريقوا على بوله ذنوباً من ماء )، وهذا في الصحيحين، فيكفي خصوصاً إذا وقع بول -مثلاً- على أرض الحمام يكفي غسلة واحدة، المهم ألا يبقى شيء من عين النجاسة، فإذا صببت صبة واحدة كفى ذلك، ومثل ذلك أيضاً: الرمل أو الأحواض، وعلى الجدران يكفي غسلة واحدة أو صبة واحدة بشرط أن تزول عين النجاسة، فلا يبقى أثر للبول، أو الغائط تقوم بالدفن له، وسيأتينا أثر الدم إذا بقي وأثر النجاسة، سيأتي إن شاء الله.

    النجاسة المتوسطة وكيفية تطهيرها

    قال المؤلف رحمه الله: (وعلى غيرها سبع).

    هذا القسم الثاني من أقسام تطهير النجاسات، وهو النجاسة المتوسطة كيف تطهر؟

    النجاسة المتوسطة: هي ما عدا النجاسة المغلظة والنجاسة المخففة، وسيأتينا -إن شاء الله- بيان النجاسة المغلظة والمخففة، ومثال النجاسة المتوسطة: نجاسة بول الكبير الذكر والأنثى، ونجاسة الدم المسفوح، ونجاسة الغائط ونحو ذلك من النجاسات.

    هذه النجاسة المتوسطة، قال لك المؤلف رحمه الله: لا بد فيها من سبع غسلات، فلو وقع على ثوبك بول لا يكفي أن تغسله مرةً واحدة، بل لا بد من سبع غسلات، وسنبين -بإذن الله- ضابط الغسل، واستدلوا على ذلك بما يروى من حديث ابن عمر قال: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل الأنجاس سبعاً )، وهذا الحديث غير ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    الرأي الثاني: أن النجاسة المتوسطة لا يشرع في غسلها عدد، وإنما تكاثر بالماء حتى يغلب على الظن طهارة المحل وزوال النجاسة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى، وهذا القول هو الصواب، وعلى هذا نقول: إذا وقع على الثوب نجاسة فإنه يغسلها مرةً أو مرتين أو ثلاثاً، حتى يغلب على ظنه أن المحل طهر؛ لأن النجاسة عين مستقذرة شرعاً، فإذا زالت بأي مزيل وبأي عدد طهر المحل؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد بالنسبة لإزالة النجاسة إلا فيما يتعلق بالاستجمار والاستنجاء -كما سلف لنا- فقد ثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم العدد، وما عداه فإنه يبقى على الأصل وهو عدم التعبد بعدد، فإذا وجدت النجاسة وجد الحكم وهو وجوب الغسل، وإذا انتفت النجاسة انتفى وجوب الغسل.

    النجاسة المغلظة وكيفية تطهيرها

    قال المؤلف رحمه الله: (إحداها: بتراب في نجاسة كلب وخنزير).

    هذا القسم الثالث: النجاسة المغلظة، وما هي النجاسة المغلظة؟

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: هي نجاسة الكلب ونجاسة الخنزير، وهذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: أن النجاسة المغلظة هي نجاسة الكلب فقط وهذا قول الإمام مالك رحمه الله تعالى، أما الخنزير فإن نجاسته نجاسة متوسطة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة يقول: ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب )، فخص النبي صلى الله عليه وسلم الكلب.

    فالصواب: أن النجاسة المغلظة هي نجاسة الكلب، أما نجاسة الخنزير فهي نجاسة متوسطة.

    وهنا مسألة وهي: هل التغليظ شامل لجميع جسم الكلب أو هو خاص بموضع من مواضع الكلب؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فعندنا ريق الكلب، وروث الكلب، ولبنه، وبوله، ودمه، فالصواب في هذه المسألة: أن هذا خاص بريق الكلب وما ولغ فيه الكلب؛ لأن الأصل عدم التغليظ، فنقتصر على النص، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم )، فالصواب أنه خاص بريق الكلب وما ولغ فيه الكلب، وأما ما يتعلق ببوله، وبروثه ولبنه ومنيه ودمه، فهذه كلها من النجاسات المتوسطة.

    وهل هو خاص بكلب دون كلب، أو أنه يشمل الكلب الذي يباح اقتناؤه والكلب الذي لا يباح اقتناؤه؟

    نقول: الحديث عام ( إذا ولغ الكلب ) فيشمل الكلب الذي يقتنى ككلب الصيد والحرث والماشية، والكلب الذي لا يقتنى.

    وهل يشترط التراب أو نقول: بأن التراب ليس شرطاً؟

    قال رحمه الله: (ويجزئ عن التراب أشنان).

    الأشنان: نوع من الثمر، يستخدم في غسل الملابس.

    وقول المؤلف رحمه الله: (سبع).

    يعني: هل يجب التسبيع في نجاسة الكلب، أو ليس واجباً في نجاسة الكلب؟ المؤلف رحمه الله يقول: لا بد من سبع غسلات، وهذا مذهب الشافعي ، ودليل ذلك ما سلف من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

    والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة ومالك : أن التسبيع ليس شرطاً، وأنه يكتفى بثلاث غسلات؛ لأن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه أفتى بالغسل ثلاثاً من ولوغ الكلب، وهذا ثابت عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، لكن نقول: العبرة بما روى الراوي لا بما رأى، والصواب في ذلك ما دام فيه سنة مرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا بد إذاً من سبع مرات.

    وقوله رحمه الله: (بتراب) هل لا بد من التراب أو نقول: بأن التراب ليس شرطاً؟

    المذهب أن التراب بعينه ليس شرطاً، يعني: لا بد من التراب أو من شيء يقوم مقام التراب، وعند الشافعية أن التراب يتعين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على التراب، وعند الحنفية والمالكية أن التراب ليس شرطاً؛ لأنهم أصلاً ما يرون التسبيع، فلو غسل بدون تراب ثلاث غسلات فإن هذا مجزئ، والحنابلة يقولون: التراب أو ما يقوم مقام التراب من أشنان أو صابون ونحو ذلك.

    والصواب في ذلك ما دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: ( أولاهن بالتراب )، وفي لفظ: ( إحداهن بالتراب )، فنقول: لا بد من التتريب، وإذا ثبت أن غير التراب يقوم مقام التراب في النظافة نقول: يكتفى به، فلو ثبت أن الصابون أو الكلوركس، أو نحو ذلك يقوم مقام التراب بالتطهير فيكتفى بذلك؛ لأن بعض المتأخرين يقول: بأن لعاب الكلب لا يطهره إلا التراب، يعني فيه جراثيم لا يطهرها إلا التراب، وعلى كل حال إن ثبت أن غير التراب يقوم مقام التراب فهو على ما ذهب إليه الحنابلة، وإن لم يثبت فعلى ما ذهب إليه الشافعية من تعين التراب.

    وهل التتريب يكون في الغسلة الأولى أو في الغسلة الأخيرة؟

    نقول: هذا كله جائز، لكن الأولى أن تكون في الغسلة الأولى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أولاهن بالتراب )، يعني: يضع التراب، ثم يضع عليه الماء، ثم بعد ذلك يحركه فتكون غسلة، ثم الغسلة الثانية، والثالثة والرابعة، وهكذا حتى سبع غسلات.

    فإن قيل: لماذا السبع مع أننا نقول: إن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، وقد يزول أثر لعاب الكلب بغسلتين أو ثلاث، فلماذا نغسل سبع مرات؟ نقول: هكذا جاء الحديث كما قال الإمام أحمد رحمه الله، ونقول: هذه سنة مستقلة عن قاعدة إزالة النجاسات: أن النجاسة عين مستقذرة شرعاً إذا زالت بأي مزيل طهر المحل، فهذه قاعدة، نستثني منها ولوغ الكلب فقد ورد فيه سنة مستقلة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا له نظائر، فمثلاً: لكي نقطع اليد في السرقة لا بد من حرز يكسر ويأخذ المتاع، لكن أحياناً لا نشترط الحرز، كما إذا جحد العارية؛ لأنه ورد فيه سنة مستقلة مستثناة من هذا الباب الكبير.

    قال المؤلف رحمه الله: (وفي نجاسة غيرهما سبع بلا تراب).

    هذا تكلمنا عليه وقلنا: إن النجاسة المتوسطة المشهور من المذهب أنه لا بد فيها من سبع غسلات.

    1.   

    النجاسة الحكمية وكيفية تطهيرها

    قال رحمه الله: (ولا يطهر متنجس بشمس ولا ريح ولا دلك).

    المؤلف رحمه الله تعالى ذكر ثلاثة أقسام: النجاسة على الأرض، والنجاسة المتوسطة، والنجاسة المغلظة، وبقينا في النجاسة المخففة، وهذه سيأتي بيانها -إن شاء الله-.

    قوله رحمه الله: (متنجس) ولم يقل: نجس؛ لأنه عندنا نجس وعندنا متنجس، فالمتنجس هو الشيء الطاهر، أو العين الطاهرة التي طرأت عليها نجاسة، مثل: الثوب عين طاهرة طرأت عليه نجاسة، وهذه يسميها العلماء رحمهم الله بالنجاسة الحكمية، أما النجس فهو العين التي ذاتها وأصلها نجس مثل: الغائط، والبول والكلب، فهذه عينها وذاتها نجسة، فالنجس على المذهب لا يطهر أبداً، فلو غسلت الكلب بماء البحر، أو غسلت الروث ما طهر أبداً، لكن المتنجس أن تكون العين طاهرة ثم تطرأ عليها النجاسة، هذا هو الذي يطهر، وما هي آلة تطهيره؟

    أراد المؤلف رحمه الله أن يبين آلة تطهيره فقال: المتنجس لا يطهر بالشمس، ولا بالريح، وكذلك لا يطهر بالدلك، فلو أتيت بالثوب أو الفراش وقد أصابه بول وجعلته في الشمس وذهب أثر البول فيقول لك: ما طهر، أو عرضته للريح وذهب أثر النجاسة كذلك يقول: لا يطهر، أو بالدلك على الشيء الصقيل كالطاولة حيث وقع عليها شيء من البول وأتيت بالمنديل ومسحته فكذلك لا يطهر، وإنما الماء هو الذي يطهر.

    وجمهور العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: يشترط الماء لتطهير المتنجس، واستدلوا على ذلك بما تقدم في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بال الأعرابي أمر بذنوب من ماء فأهريق على بوله )، وكذلك أيضاً في الصحيحين في حديث أسماء : ( في الثوب يصيبه دم الحيض؟ قال: تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه )، فقال: ( تقرصه بالماء ).

    والرأي الثاني رأي أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أن المتنجس يطهر بأي مطهر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، واستدلوا على ذلك بأن الإجماع قائم على أن الخمر تطهر إذا استحالت بنفسها، فالخمر إذا انتقلت من كونها خمراً إلى كونها خلاً فإنها تطهر، والإجماع قائم على ذلك، وكذلك ذيل المرأة يطهره ما بعده، وكما جاء في الحديث: ( الخف طهوره التراب ) يعني: يكفي أن يمسح عليه، ولما ذكرنا من القاعدة: أن النجاسة عين مستقذرة شرعاً، إذا زالت بأي مزيل طهر المحل، فالصواب في ذلك: أن المتنجس يطهر بالشمس، ويطهر بالدلك، ويطهر بالريح، ويدل لذلك سائر أدلة الاستجمار كما استدل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأن الماء ليس شرطاً، فالإنسان ينتهي من قضاء الحاجة ويأخذ المنديل أو الحجر ويمسح، فسائر أدلة الاستجمار تدل على أن الماء ليس شرطاً، وأيضاً بعض الأشياء الآن مع تقدم العلم كالتطهير بالبخار، وبعض الأثواب وبعض الأوراق ما تطهر بالماء، وإنما تنشفها بالمنديل ونحو ذلك، هذه تكون طهارتها طهارة الثياب كما ذكر شيخ الإسلام أن الثياب لو أنك غسلتها بالماء فسدت، فطهارة كل شيء بحسبه، وكما ذكرنا أن الصواب أن الماء ليس شرطاً، وأن المتنجس يطهر بأي مزيل.

    1.   

    استحالة النجاسة

    قال رحمه الله: (ولا استحالة).

    يعني: النجس لا يطهر بالاستحالة، وقلنا: النجس هو العين التي أصله وذاته نجسة مثل: الكلب والخنزير، كما سيأتينا في ضوابط الأعيان النجسة، ومثل: روث الآدمي، وروث الحيوان الذي يحرم أكله، فكل هذا عينه نجسة، ولا يمكن أن يطهر حتى بالاستحالة.

    قال رحمة الله: (غير الخمرة).

    الخمر عند الجمهور -كما سيأتينا- نجسة، لكن لو استحالت أي: انقلبت من عين إلى عين أخرى فإنها تطهر، أي: إذا انقلبت إلى خل دون أن يضاف إليها شيء فإنها تطهر بالإجماع.

    والرأي الثاني: أن النجس يطهر بالاستحالة، وهذا قول الظاهرية والحنفية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والدليل على ذلك ما تقدم من أن الإجماع قائم على أن الخمر يطهر بالاستحالة، وكذلك من الأدلة على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبني مسجداً نبش قبور المشركين، وبنى مسجده على هذه القبور؛ لأن المشركين استحالت أجزاؤهم، ومع ذلك لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل التربة أو نقلها أو نحو ذلك، وكذلك يدل لذلك أن الدابة تأكل النجاسة وقد تأكل العذرة، ثم بعد ذلك هذه العذرة تستحيل إلى شيء طاهر، تستحيل إلى لبن، وإلى بيض ونحو ذلك من الأشياء الطاهرة، ومثل ذلك أيضاً الأشجار فقد تسقى بالنجاسة، ومع ذلك تستحيل إلى ثمر طاهر، وقد جاء عن سعد أنه كان يدمل أرضه بالعذرة ويقول: مكتل من هذا بمكتلين.

    فالصواب في ذلك: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن النجس يطهر إذا استحال من عين إلى عين أخرى، واليوم مياه الصرف الصحي تكرر في اليوم وتنقى؛ حتى تعود إلى حالتها الطبيعية، فنقول: بأنها تطهر بهذا التكرير، وعندنا القاعدة التي أشرنا إليها وهي: أن النجاسة عين مستقذرة شرعاً إذا طهرت بأي مزيل فإن المحل يطهر.

    1.   

    كيفية تطهير الخمرة وسائر المائعات

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن خللت).

    يقول لك: إذا خللت الخمرة لم تطهر، ويدل لذلك ما ثبت في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر تتخذ خلاً؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا )، فإذا خللت الخمر إما بالنقل أو بالإضافة وانقلبت إلى خل فإنها لا تطهر على القول بنجاستها، وتكون استحالتها بأن تنقل من الظل إلى الشمس أو العكس، أو يضاف إليها بعض الأشياء حتى تنقلب إلى خل، فعلى القول: بأن الخمر نجسة نقول: بأنها لا تطهر ولا تحل، لكن لو تخللت بنفسها فالإجماع قائم على أنها تطهر وتكون مباحةً.

    تطهير النجاسة الموجودة في المائعات

    قال: (أو تنجس دهن مائع لم يطهر).

    يقول لك المؤلف رحمه الله: الذي يطهر من المائعات على المذهب هو الماء فقط، وما عدا الماء لا يطهر، فإذا كان عندك شيء مائع ووقعت فيه نجاسة كعسل -مثلاً- وقعت فيه نقطة بول، أو دهن وقعت فيه نجاسة أو زيت أو بنزين كل هذه لا تطهر وإنما الذي يطهر هو الماء فقط، وقد سبق لنا كيفية تطهير الماء، وأما ما عدا ذلك من المائعات فإنها لا تطهر، ويعللون بأن الماء لا يتحقق وصوله إلى جميع أجزاء هذا المتنجس.

    والرأي الثاني رأي أبي حنيفة رحمه الله، والحنفية رحمهم الله هم -فيما يتعلق بإزالة النجاسة- من أحسن المذاهب في الجملة حيث يقولون: بأن المائعات تطهر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو القول الصواب، وعلى هذا فالدهن -مثلا- إذا وقع فيه نجاسة، إما بالإضافة بالمكاثرة، وإما بالطبخ، ومثله أيضاً الزيت ونحو ذلك، إذا زالت النجاسة بأي مزيل طهر المحل.

    وقول المؤلف رحمه الله: (دهن مائع) يخرج الدهن الجامد، فالدهن الجامد أمره سهل، فإذا وقعت فيه نجاسة فبالإمكان أن تزيل النجاسة، وما حولها ويطهر.

    تطهير النجاسة الخفية

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن خفي موضع نجاسة غسل حتى يجزم بزواله).

    إذا خفي موضع نجاسة على الأرض، أو على ثوب ولا تدري موضعها، نقول: يتحرى الإنسان ويغسل حتى قال المؤلف رحمه الله: (يجزم)، والصواب في ذلك أن يقال: حتى يغلب على ظنه؛ لأن الظن معتبر في العبادات، فإذا غلب على ظنك أن المحل طهر كفى ذلك، فإذا كان هناك نجاسة لا تدري هل هي في طرف الثوب، أو في أسفله، أو في أعلاه، أو في الكم، أو في أي مكان نقول: تغسل وتنظف حتى يغلب على الظن أن المحل طهر؛ لأن الظن معتبر في العبادات.

    1.   

    النجاسة المخففة وكيفية تطهيرها

    قال رحمه الله: (ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام).

    هذا القسم الرابع وهو النجاسة المخففة، وتشتمل على: بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، وكذلك المذي، ونجاسته نجاسة مخففة.

    فبول الغلام الذي لم يأكل الطعام يكفي فيه النضح والرش، وهذا مذهب أحمد والشافعي خلافاً لـأبي حنيفة ومالك حيث يقولان: لا بد فيه من الغسل.

    والصواب ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصبي فبال على ثوبه، فدعا بماء فأتبعه إياه )، وهذا في الصحيحين، وفي حديث أم قيس : ( فنضحه ).

    وقول المؤلف رحمه الله: (بول) يخرج الغائط، وأما القيء فطاهر على الصحيح حتى لو تغير، لكن غائط الغلام كبول الأنثى، يعني: من النجاسات المتوسطة وليس من النجاسة المخففة.

    وقوله: (غلام) يخرج الأنثى ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة، فبولها -الأنثى- كله من النجاسة المتوسطة التي تكاثر بالماء حتى يغلب على الظن زوالها.

    وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (لم يأكل الطعام) يعني: لم يأكل الطعام بشهوة، فإذا كان يأكل الطعام بشهوة، أي: أنه يصيح يريد الطعام، ويشرئب إليه، فهذا نجاسته كنجاسة الكبير، لكن إذا كان غذاؤه اللبن، ولم يأكل الطعام بشهوة، فهذا هو الذي ينضح بوله، وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن ما يوضع في فمه ويمتصه من أي أنواع الطعام لا يكون بذلك قد أكل الطعام بشهوة، وإنما الذي يأكل الطعام بشهوة هو الذي يرغب فيه، ويشرئب إليه، ويصيح، فهذا الذي يكون بوله كبول الكبير.

    ولماذا كان بول الأنثى -حتى ولو كانت صغيرة- لا بد فيه من الغسل، وأما بول الذكر فإنه يكتفى فيه بالنضح؟

    ذكر العلماء رحمهم الله عللاً كثيرة فقالوا: بأن الذكر قد يفرح به فيكثر حمله بخلاف الأنثى، وقالوا: بأن الذكر أصله من التراب، والأنثى أصلها من اللحم، وقال بعض العلماء: بول الذكر ينتشر، وبول الأنثى يجتمع، وعلى كل حال نقول: هذه هي السنة، وهكذا جاء الحديث كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    1.   

    النجاسة المعفو عنها

    قال رحمه الله: (ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس من حيوان طاهر).

    بين المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الجملة ضابط النجاسة التي يعفى عنها، فقال: بأن ضابط النجاسة التي يعفى عنها يشترط له شروط:

    الشرط الأول: قال: (في غير مائع).

    يعني: ألا تكون النجاسة في مائع، ولو كانت في مائع فإنه لا يعفى، فمثلاً: لو أن نقطة بول وقعت في زيت فلا يعفى.

    قال رحمه الله: (ومطعوم).

    الشرط الثاني: ألا تكون النجاسة في مطعوم، فلو وقعت نقطة نجاسة على بر أو شعير أو مطعوم فلا يعفى.

    الشرط الثالث: أن تكون يسيرة.

    الشرط الرابع: أن تكون النجاسة دماً.

    الشرط الخامس: أن تكون من حيوان طاهر.

    وسبق أن بينا لكم في باب الآنية الحيوان الطاهر وغير الطاهر، فالطاهر كالآدمي، ومأكول اللحم، فلو خرج منه دم فإن دمه نجس، فإذا توفرت هذه الشروط الخمسة فإنه يعفى عن هذه النجاسة، ولا بد من توفر هذه الشروط الخمسة، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: أنه يعفى عن يسير سائر النجاسات، وهذا قال به الحنفية رحمهم الله تعالى، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، سواء في المطعوم وغير المطعوم، في المائع وغير المائع، فإذا وقع على الثوب -مثلاً- نجاسة يسيرة فإنه يعفى عن ذلك، والضابط في ذلك -كما ذكرنا- أنه يعفى عن يسير سائر النجاسة، سواء في الصلاة أو في المطعومات، وسائر أدلة الاستجمار تدل على ذلك، فالإنسان يستجمر ومع ذلك يبقى شيء من أثر النجاسة، فهذا يدل على أن الشارع عفا عنه، ودل ذلك على أن يسير النجاسة -سواء كانت بولاً أو غائطاً أو دماً مسفوحاً- يعفى عنه.

    قال رحمه الله: (وعن أثر استجمار بمحله).

    يعني: ما يبقى بعد الاستجمار من النجاسة فهو معفو عنه لما تقدم من أدلة الاستجمار، ولكن كما أسلفنا الصواب أنه يعفى عن سائر يسير النجاسة، ولا يقيد ذلك، وذكرنا الدليل.

    1.   

    الأعيان النجسة

    ميتة الآدمي

    قال رحمه الله: (ولا ينجس الآدمي بالموت).

    هنا المؤلف رحمه الله تعالى أراد في نهاية الباب أن يبين لنا الأعيان النجسة، والأصل في الأعيان أنها طاهرة، والنجاسة على خلاف الأصل، قال الله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، وقال عز وجل: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن:10]. فهذا الله عز وجل امتن بالانتفاع بها، ولا تتحقق كمال المنة إلا إذا كانت طاهرة، وإذا قلنا بأن هذه العين نجسة فإن هذا على خلاف الأصل.

    ضوابط الأعيان النجسة

    الأعيان النجسة لها ضوابط فنقول:

    الضابط الأول: كل حيوان محرم الأكل فهو نجس، ونستثني من ذلك الآدمي، لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن المؤمن -وفي لفظ: المسلم- لا ينجس )، فنقول: يستثني الآدمي، وسواء كان الآدمي مسلماً أو كافراً على الصحيح، وسواء كان حياً أو ميتاً، فالمؤمن لا ينجس كما في الحديث، وأما الكافر فنجاسته نجاسة معنوية، ويدل لذلك أن الله سبحانه وتعالى أباح لنا نساء أهل الكتاب، فقال: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5]، فكون الله سبحانه وتعالى أباح لنا نساء أهل الكتاب والرجل سيخالط زوجته، فهذا يدل على أنها طاهرة.

    ومما يستثنى من هذا الضابط: ما يشق التحرز عنه لكثرة تطوافه علينا، مثل الفأرة، والحمار على الصحيح، والبغل والهر فهذه الأشياء طاهرة، ونعنى بطهارتها أن ريقها وسؤرها -أي: بقية الطعام- وعرقها وشعرها ودمعها كل هذا طاهر، هذا معنى طهارة هذه الأشياء، وأما ما يتعلق بروثها وبولها ومنيها ولبنها ودمها ولحمها فهذا نقول: إنه نجس.

    ومما يستثنى من نجاسة محرم الأكل ما لا نفس له سائلة، فنقول: هو طاهر، فكل حيوان إذا قتلته لم يخرج منه دم يسير فهو طاهر.

    إذاً: خلاصة الضابط الأول لأعيان النجاسة نقول: كل حيوان محرم الأكل نجس إلا الآدمي، وما يشق التحرز عنه لكثرة تطوافه، وما ليس له نفس سائلة.

    الضابط الثاني: ما خرج من محرم الأكل فهو نجس، ونستثني من الآدمي: ريقه، وعرقه، ولبنه، ومنيه، ومخاطه، رطوبة فرج المرأة، وأيضاً الدم كما سيأتينا في ضابط الدماء، على الصحيح. وكذلك يستثنى ما خرج مما لا نفس له سائلة فنقول بأنه طاهر، فمثلاً لو قتلت عقرباً أو صرصوراً أو عنكبوتاً أو خنفساً أو جعلاً وخرج منه شيء فهذا الخارج طاهر.

    ومما يستثنى -أيضاً- ما خرج مما يشق التحرز عنه، يعني: عرق ما يشق التحرز عنه، وريقه، وكذلك دمعه، فهذه الأشياء طاهرة، هذا الضابط الثاني.

    الضابط الثالث: كل ميتة فهي نجسة، والميتة: هي كل ما مات حتف أنفه، أو ذكي ذكاةً غير شرعية، ويستثنى من ذلك ميتة الآدمي، وميتة البحر، وميتة ما لا نفس له سائلة.