إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب البيع [8]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المتبايعان قد يحصل من أحدهما استعجال في العقد ثم يحصل له الندم، أو قد يظهر له ما يدعوه إلى الفسخ, لذا فقد جعل له الشرع حق الفسخ, فأثبت له خيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب, وقد تكلم الفقهاء على أحكام الخيار بأنواعه, وذكروا ما يثبت فيه الخيار من العقود و

    1.   

    الخيار

    تعريف الخيار والحكمة منه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الخيار].

    قال المؤلف رحمه الله: (باب الخيار) مناسبة هذا الباب لما قبله أن الإنسان قبل حصول الشيء في يده يكون له فيه رغبة، ثم بعد تمكنه منه قد تقل رغبته فيه، وقد يلحقه ندم على المعاوضة على هذا الشيء؛ لأن الشخص قبل أن يتمكن من الشيء نفسه راغبة فيه، وقد لا يكون عنده تروي واستشارة، فيعقد ويعاوض، ثم بعد أن يعاوض ويعقد قد تقل رغبته، وقد يندم، فشُرع له الخيار، شُرع له أن يفسخ أو أن يشترط الفسخ؛ لئلا يلحقه بعد ذلك ندم وأسف وحزن، فإذا كان في مجلس العقد له أن يفسخ، وإذا شرط أن له الخيار مدة معلومة له أن يفسخ، هذا الحكمة منه, لما ذكر البيع ذكر الخيار، الخيار فيه فسخ, وعقد البيع عقد لازم من الطرفين لا يتمكن أحدهما من فسخه إلا برضا الآخر في الإقالة كما سيأتي.

    فمناسبته لما قبله أنه لما ذكر البيع وهو عقد لازم، قد يُقدم الإنسان على البيع بلا تروي ولا استشارة لكونه راغباً في الشيء، ثم بعد ذلك قد تقل رغبته، قد يندم، فشُرع له الخيار الذي يتمكن من خلاله من فسخ هذا العقد اللازم الذي هو عقد البيع.

    قال المؤلف رحمه الله: (باب الخيار).

    الخيار اسم مصدر اختار، وفي اللغة: طلب خير الأمرين من الإمضاء والفسخ.

    وأما في الاصطلاح: فهو طلب خير الأمرين من إمضاء العقد أو فسخه.

    مشروعية الخيار

    والأصل في الخيار السنة وإجماع العلماء في الجملة، أما السنة فحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، وسيأتينا إن شاء الله.

    وأما الإجماع، فالعلماء رحمهم الله مجمعون على الخيار في الجملة وإن كانوا يختلفون في التفاصيل وما يثبت من أقسامه وما لا يثبت كما سيأتي إن شاء الله.

    1.   

    خيار المجلس

    قال المؤلف رحمه الله: [البيعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما].

    القسم الأول من أقسام الخيار: خيار المجلس, يسميه العلماء رحمهم الله بخيار المجلس، وإضافته إلى المجلس من باب إضافة الشيء إلى محله الغالب، يعني الخيار الذي سببه مجلس العقد، وهذا بناء على الغالب، وإلا هو كما قال المؤلف رحمه الله: ما لم يتفرقا بأبدانهما، يعني أن الخيار ثابت لكل واحد من المتبايعين ما داما لم يتفرقا بأبدانهما، وإن تفرقا من المجلس، وإنما قال العلماء رحمهم الله: خيار المجلس لأن الغالب أنهما إذا تفرقا من المجلس فإنهما يتفرقان بأبدانهما، الغالب أنهما إذا تفرقا من المجلس فإنهما يتفرقان بأبدانهما، ولهذا العلماء رحمهم الله يقولون: خيار المجلس، وهذا كما قلنا على سبيل الغالب، وإلا فلو خرجا من المجلس بأبدانهما فإن الخيار لكل واحد منهما، ما دام أنهما متلازمان بأبدانهما ولو انتقلا من مجلس إلى مجلس آخر فنقول: بأن الخيار ثابت لكل منهما.

    مشروعية خيار المجلس

    وخيار المجلس ثابت في السنة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).

    وذهب إليه الإمام أحمد والشافعي رحمهم الله، ذهبا إلى إثبات خيار المجلس، وأن كل واحد من المتبايعين بالخيار ما دام في المجلس أو نقول: مادام أنهما لم يتفرقا بأبدانهما، ولو خرجا من المجلس من مجلس العقد.

    وذهب الإمام أبو حنيفة ومالك إلى عدم إثبات خيار المجلس، وأنه إذا تم الإيجاب والقبول فإن عقد البيع لازم لا يتمكن أحدهما من فسخه.

    والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الإمام أحمد والشافعي رحمهم الله؛ لأن الحديث ثابت في ذلك، والسنة ثابتة في ذلك ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا), وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا, وكانا جميعاً, أو يخير أحدهما الآخر, فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع)، وهذا في الصحيحين.

    قوله: (ما لم يتفرقا)، عند الإمام أحمد والشافعي ما لم يتفرقا بأبدانهما، وعند مالك وأبي حنيفة ما لم يتفرقا بأقوالهما.

    ولكن كما قلنا الصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الشافعي وأحمد ، وأما القول بأنهما ما لم يتفرقا بأقوالهما هذا غير صواب؛ لأنه إذا تفرقا بأقوالهما أصلاً ما تم البيع، يعني إذا اختلفا في الإيجاب والقبول أصلاً ما تم البيع، وهنا تم البيع اتفقا في أقوالهما، تم الإيجاب والقبول، فنقول: لكل واحد منهما الخيار ما لم يفسخ أحدهما إذا كان في المجلس، فإذا كان في المجلس فإن له حق الفسخ، إذا تفرقا بأبدانهما فإن حق الفسخ يسقط, حق الخيار يسقط، ويدل على هذا أيضاً فهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولهذا ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا أراد أن يُلزم بالعقد مشى خطوات، مما يدل على أن المراد التفرق بالأبدان.

    ضابط التفرق بالأبدان

    وقول المؤلف رحمه الله: (ما لم يتفرقا بأبدانهما).

    ما هو ضابط التفرق بالأبدان؟

    نقول: هذا لم يرد تحديده في الشرع فيُرجع إلى تحديده في العُرف، في الشرع لم يرد حده فيُرجع في تحديده إلى أعراف الناس، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان, فمثلاً إذا كان في المحل التجاري فالتفرق بالأبدان أن يخرج أحدهما من المحل التجاري، فإذا اشترى منه السلعة ثم بعد ذلك خرج من المحل التجاري نقول: الآن تفرقا بأبدانهما، إذا كانا في المنزل وباع عليه واشترى منه فنقول: إذا خرج من هذا المكان إلى مكان آخر, مثلاً إذا كان في غرفة ثم خرج أحدهما إلى غرفة أخرى، نقول: الآن تفرقا بأبدانهما، وعلى هذا فقس، إذا كان في الصحراء، فقال العلماء: أن يبتعد عنه، يعني إذا مشى عنه خطوات وابتعد عنه عُرفاً فإنهما تفرقا بأبدانهما.

    المهم خيار المجلس ثابت ما لم يتفرقا بأبدانهما، فإذا تفرقا بأبدانهما فإن خيار المجلس ينقطع، وضابط التفرق بالأبدان يُرجع فيه إلى أعراف الناس، وهذا يختلف باختلاف المكان واختلاف الزمان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن تفرقا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع].

    إن تفرقا ولم يفسخ أحدهما البيع فنقول: بأن البيع يكون واجباً لازماً، إذا ذهب أحدهما وخرج ولم يفسخ، فنقول: بأن العقد يكون لازماً للآخر.

    وهل يجوز أن يخرج لكي يُلزم بالعقد أو لا يجوز له ذلك؟

    نقول: لا يجوز له ذلك، يعني التحيل على إسقاط خيار المجلس وإلزام الآخر بالبيع محرم ولا يجوز، ولو فعل فإن حقه لا يسقط؛ لأن الحيل لا تُسقط الواجبات ولا تُبيح المحرمات، وأما ما ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا أراد أن يلزم بالبيع مشى خطوات فنقول: هذا اجتهاد من ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.

    والصواب في ذلك أنه ما يسقط حق الآخر، فلو أنه خرج وأراد أن يلزم بالبيع نقول: حق الآخر لا يزال باقياً، له الخيار ما لم يفارق المجلس، فإن فارق المجلس ولم يفسخ نقول: لا خيار له.

    العقود التي يثبت فيها خيار المجلس

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع إلا أن يشترطا الخيار لهما].

    بأي شيء يثبت خيار المجلس؟ هل يثبت خيار المجلس في كل العقود أو نقول: بأنه خاص في عقد البيع وما في معناه؟

    هذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، وهل ما يثبت به خيار المجلس محدود أو أنه معدود؟

    هذه موضع خلاف، فمن أثبت خيار المجلس وهم الشافعية والحنابلة يرون أن الذي يثبت فيه خيار المجلس معدود، يعددون يثبت خيار المجلس في كذا وفي كذا وفي كذا إلى آخره.

    والصواب أنه محدود ومضبوط بضابط، والضابط هو أن خيار المجلس يثبت في البيع وما كان في معنى البيع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار).

    فالقاعدة في ذلك والضابط: أن ما كان بيعاً أو في معنى البيع يثبت فيه خيار المجلس، ماعدا ذلك لا يثبت فيه خيار المجلس، فالعقود على صنفين بالنسبة لخيار المجلس:

    ما كان بيعاً أو في معناه، ثبت فيه خيار المجلس, ما لم يكن كذلك لا يثبت فيه خيار المجلس، ونتأمل العقود، عقد البيع يثبت فيه خيار المجلس, الصرف يثبت فيه خيار المجلس؛ لأن الصرف بيع نقد بنقد، فإذا صرفت دراهم بدراهم، مثلاً صرفت جنيهات بريالات، أو صرفت ريالات سعودية بريالات سعودية ... إلى آخره، نقول: بيع الصرف هو بيع نقد بنقد، فإذا صرف وأراد أن يفسخ وهو في مجلس العقد نقول: يثبت به خيار المجلس, السلم يثبت فيه خيار المجلس؛ لأن السلم تقديم الثمن وتأخير المثمن، تعطيه ألف ريال على أن يعطيك بعد سنة مائة صاع من البر، مائة صاع من البر، مائة صاع من التمر، يعطيك كذا وكذا من الكتب، يعطيك كذا وكذا من الأقلام، يعطيك كذا وكذا من الأثواب... إلى آخره، هذا السلم، السلم يصح في كل شيء يمكن ضبطه، كل موصوف يمكن ضبطه بالصفة فإن السلم يصح فيه، فنقول: يصح خيار المجلس في السلم يصح خيار المجلس في الإجارة؛ لأن الإجارة بيع للمنافع، فإذا استأجر البيت مثلاً بعشرة آلاف ريال، ثم بدا له أن يفسخ المستأجر أو المؤجر أو أجره محله ثم بدا له أن يفسخ المستأجر أو المؤجر، نقول: نعم له أن يفسخ؛ لأن الإجارة نوع من البيع.

    عقد المساقاة وعقد المزارعة, المساقاة هي أن تدفع الشجر لمن يقوم عليه بجزء معلوم من الثمرة، عندك نخيل تدفع النخيل لمن يعمل عليها بجزء معلوم من الثمرة، نقول: يثبت فيها خيار المجلس؛ لأن المساقاة عقد لازم على الصحيح وليست عقداً جائزاً، فللمساقي أو المساقى أن يفسخ.

    أيضاً المزارعة، المزارعة هي دفع الأرض لمن يقوم عليها بجزء مشاع معلوم من الزرع، نقول أيضاً: يثبت فيها خيار المجلس؛ لأن الصواب أن المزارعة عقد لازم، فإذا أراد العامل أن يفسخ وهو في مجلس العقد، أو أراد المالك أن يفسخ وهو في مجلس العقد نقول: له ذلك، فالمزارعة والمساقاة يثبت فيها خيار المجلس.

    هذه العقود التي يثبت فيها خيار المجلس، ماعدا ذلك ما يثبت فيها خيار المجلس، مثلاً عقد الشركة ما يثبت فيه خيار المجلس؛ لأن عقد الشركة أصله عقد جائز, لكنك تفسخ الآن ولك أن تفسخ بعد ذلك، فلو أنه أعطى دراهمه شخصاً يقوم عليها مضاربة بجزء معلوم مشاع من الربح، قال: خذ هذه مائة ألف ريال وتعمل عليها ولك نصف الربح ولي نصف الربح، نقول: هذا عقد جائز، له أنه يفسخ في المجلس، وله أن يفسخ بعد أن يتفرقا.

    الوكالة أيضاً عقد جائز, وليست بيعاً ولا في معنى البيع.

    الضمان أيضاً ليس بيعاً ولا في معنى البيع، لا يثبت فيه خيار المجلس، لو أنه قال: أقرض هذا الرجل وأنا أضمنه، فأقرضه وتم الضمان إلى آخره، لا يملك أن يفسخ؛ لأن هذا ليس بيعاً ولا في معنى البيع.

    الكفالة أيضاً لو قال: أقرضه وأنا أكفله, نقول: لا يثبت فيها خيار المجلس؛ لأنها ليست بيعاً ولا في معنى البيع.

    الوقف أيضاً, لو وقف بيته قال: بيتي هذا وقف لله عز وجل، ثم قال: فسخت في المجلس، نقول: ما تملك الفسخ، خلاص هذا شيء أخرجته لله عز وجل، هذا ليس بيعاً ولا في معنى البيع، هذا تبرع لله عز وجل.

    الهبة، لو وهبه مثلاً هذا الكتاب أو هذا القلم، ثم قال: فسخت رجعت لا يملك ذلك؛ لأن الهبة ليست بيعاً ولا في معنى البيع.

    المهم نقول: خيار المجلس يثبت في البيع وما في معنى البيع.

    هناك أمور ذكرها العلماء رحمهم الله جعلوها في معنى البيع مثل هبة الثواب، لو قال: وهبتك الكتاب بشرط أن تعطيني عشرين ريالاً، قالوا: هذا في معنى البيع، هذا يثبت فيه خيار المجلس؛ لأنه في الحقيقة بيع.

    صلح الإقرار أيضاً قالوا: هذا في معنى البيع، لو أنه ادعى عليه، قال: أنا أريد منك ألف ريال، قال: صح أنت تريد مني ألف ريال لا أنكر، لكن ما عندي ألف ريال، عندي هذه الكتب خذها عن الألف، فهذا في معنى البيع، يثبت فيه خيار المجلس.

    فتلخص لنا: أن البيع وما في معناه يثبت فيه خيار المجلس، وذكرنا الصرف والسلم وكذلك أيضاً الإجارة وكذلك أيضاً المساقاة والمزارعة ... إلى آخره، هذه كلها يثبت فيها خيار المجلس، ماعدا ذلك من العقود مثل عقد القرض، لو أقرضه ألف ريال ثم قال: أريد أن أرجع، أعطني الألف، نقول: ما تملك ذلك، الذي لا يثبت فيه خيار المجلس: القرض الضمان الكفالة الشركة الوكالة أيضاً، الوقف، عقد النكاح أيضاً، عقد النكاح لا يثبت فيه خيار المجلس، فلو عقد على ابنته لشخص ثم قال: فسخت، أو قال الزوج: فسخت نقول: ما تملك، الزوج يملك الطلاق، لكن هنا لا يثبت خيار المجلس.

    1.   

    خيار الشرط

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلا أن يشترطا الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة].

    هذا القسم الثاني من أقسام الخيار، وهو خيار الشرط، وخيار الشرط هذا متفق عليه بين الأئمة، الأئمة كلهم يتفقون عليه، وإن كانوا يختلفون في شيء من تفاصيله، إلا أنهم يتفقون عليه، بخلاف خيار المجلس كما سلف، فإن الحنفية والمالكية لا يرون إثباتها، لكن خيار الشرط هذا يتفق عليه العلماء رحمهم الله.

    ودليل خيار الشرط قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، والأمر بإيفاء العقد يتضمن الأمر بإيفاء أصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه، فإذا شرط أحدهما أن له الخيار فإن هذا جائز ولا بأس به، ويدل ذلك أيضاً من السنة حديث أبي هريرة في صحيح البخاري معلقاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلمون على شروطهم).

    مدة خيار الشرط

    قال: (إلا أن يشترطا الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة).

    فيفهم من كلام المؤلف رحمه الله أن خيار الشرط لا يتقيد بمدة ما دامت أنها معلومة، سواء كانت هذه المدة قليلة أو كثيرة، خيار الشرط يثبت في المدة سواء كانت قليلة أو كانت كثيرة بشرط أن تكون معلومة، لو قال: لي الخيار لمدة يوم يومين ثلاثة أيام عشرة أيام شهر شهرين، هذا كله جائز ولا بأس به, ولهذا قال: مدة معلومة. وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    والرأي الثاني وعليه أكثر أهل العلم أن خيار الشرط يتقيد بثلاثة أيام، ولا يزيد عن ذلك، يعني لي الخيار لمدة يوم يومين ثلاثة أيام، ما زاد على ذلك قالوا: لا يجوز.

    واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت الخيار ثلاثة أيام في المصراة، والتصرية هي أن تُربط ضروع بهائم الأنعام حتى يجتمع فيها اللبن فيظن المشتري أن هذا عادة لها، ثم بعد الحلب يتبين أنه ليس عادة، ويكون اللبن ناقصاً، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم لمن دُلس عليه في المصراة الخيار مدة ثلاثة أيام، قالوا: وهذا دليل على أن الخيار يكون لمدة ثلاثة أيام.

    وكذلك أيضاً استدلوا بحديث منقذ بن حبان وكان يُخدع في البيوع، فأثبت له النبي صلى الله عليه وسلم الخيار ثلاثة أيام، وهذا غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أثبت له الخيار لمدة ثلاثة أيام، وأما بالنسبة للمصراة فنقول: المصراة أمرها يظهر خلال ثلاثة أيام, يتبين ذلك للمشتري بالنسبة للبن ونقص اللبن، فالنبي عليه الصلاة والسلام أثبت فيها ثلاثة أيام؛ لأن هذه المدة يتبين فيها.

    فالصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله، وأن خيار الشرط لا يتقيد بمدة، بل ما اتفق عليه من المدة، قد يتفقان على يوم أو يومين أو ثلاثة أو أسبوع، قد يحتاج إلى مدة أسبوع لكي ينظر، كما لو كان أراد أن يشتري عقاراً كبيراً, المهم بشرط أن تكون هذه المدة معلومة، هذا هو الصواب.

    اشتراط قطع الخيار

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيكونان على شرطهما وإن طالت المدة إلا أن يقطعاها].

    لكل واحد من المتعاقدين أن يبطل الخيار إذا كان له، ولكل واحد منهما أن يشترط عدم خيار الآخر، في خيار المجلس وفي خيار الشرط؛ لأن الخيار جعله الشارع حقاً لكل واحد منهما، فلهما أن يبطلاه ولهما أن يقطعاه، ولكل واحد منهما أن يشترط على الآخر أنه لا خيار له، فنقول: لهما أن يبطلاه، لو قال: أنا أبيعك، لكن بشرط ليس لك خيار مجلس وليس لك خيار شرط، أنا أبيعك السيارة، لكن بشرط أنه لا خيار مجلس ولا خيار شرط، فنقول: هذا حكمه صحيح، الحق له وقد أسقطه، إذا رضي بذلك نقول: هذا حق له، الشارع جعله حقاً له وقد أسقطه.

    أيضاً لو قال: أنا لي خيار المجلس وأنت ما لك خيار مجلس، نقول أيضاً: هذا صحيح، المسلمون على شروطهم.

    ولو قال: لي خيار الشرط لمدة يومين وأنت ليس لك خيار شرط، نقول أيضاً: هذا صحيح ولا بأس به، والمسلمون على شروطهم.

    ولو قال: لي الخيار لمدة ثلاثة أيام أو أربعة أيام، وبعد أن مضى يوم قطع، قال: خلاص، أنا قطعت الخيار والعقد لازم، نقول: هذا صحيح ولا بأس به.

    المهم إذا أسقطاه أحدهما أو كلاهما أو اشترطا ألا خيار، نقول: بأن هذا حكمه كله جائز ولا بأس به.

    العقود التي يثبت فيها خيار الشرط

    ما يثبت به خيار الشرط من العقود؟ في أي العقود يثبت خيار الشرط؟ هل هذا معدود أو محدود؟

    أيضاً هذا موضع خلاف، فأكثر العلماء على أنه معدود، يعني العقود التي يثبت فيها خيار الشرط أكثر العلماء على أنها معدودة يعددون.

    يقولون: يثبت خيار الشرط في كذا وكذا، لكن إذا ذهبت إلى المطولات تجد أنهم يقولون: يثبت خيار الشرط في كذا وفي كذا وفي كذا من العقود إلى آخره.

    شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اختصر هذا كله فقال: يثبت خيار الشرط في كل العقود، وهذا يريح طالب العلم، تقول: بأن خيار الشرط يثبت في كل العقود، ودليله عموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: (المسلمون على شروطهم)، فيقول: يثبت في كل العقود، يثبت في عقد البيع, لو أنه باعه ثم قال: لي الخيار لمدة يومين، يثبت في عقد الإجارة، لو أنه أجره ثم قال: لي الخيار لمدة يومين أو ثلاثة أيام، يثبت أيضاً في الصرف، لو صرفه دراهم بدراهم وقال: لي الخيار لمدة يومين، صحيح، ومثل ذلك اليوم شراء الذهب، لابد أن يكون يداً بيد، فيصح أنك تشتري الذهب من الصائغ مثلاً بألف ريال أو خمسمائة ألف ريال، تقول: لي الخيار، إن صلح وإلا رديته، على كلام شيخ الإسلام هذا صحيح ولا بأس به.

    ويثبت أيضاً في عقد السلم، مع أن عقد السلم يجب قبض المال في المجلس، ويثبت أيضاً في الوقف, على كلام شيخ الإسلام يثبت حتى في الوقف، لو قال: بيتي هذا وقف، لكن لي الخيار لمدة يومين أو ثلاثة أيام، لي الخيار لمدة أسبوع، الأرض هذه أوقفها مسجداً، لكن لي الخيار لمدة ثلاثة أيام قد أرجع.

    ويثبت في عقد النكاح، المرأة تقول مثلا: أنا أقبل هذا الرجل، لكن لي الخيار لمدة يومين أو ثلاثة أيام، يعني أنا أتزوج من هذا الرجل، لكن قد لا تكون أخلاقه حسنة فلي الخيار لمدة يومين ثلاثة أيام، لي الخيار لمدة أسبوع، فيثبت خيار المجلس في كل العقود، وهذا كما ذكرت يريح، يعني خيار الشرط يثبت في كل العقود، ومثله أيضاً المساقاة والمزارعة والشركات... إلى آخره.

    والهبة، لو قال: أنا أهبه مثلا هذه الدراهم، أو أهبه هذه الأرض، لكن لي الخيار لمدة يومين لمدة ثلاثة أيام لمدة أربعة أيام، نقول: هذا صحيح، فنقول: بأن خيار الشرط يثبت في كل العقود، وهذا يريح، أما الفقهاء رحمهم الله لو رجعت إلى الشروح المطولة تجد أنه يقول: يثبت في هذا العقد ولا يثبت في هذا العقد ... إلى آخره، وهذا التفريق يحتاج إلى دليل، حتى العتق، لو قال: هو حر لوجه الله عز وجل، لكن لي الخيار لمدة ثلاثة أيام، نقول: هذا صحيح ولا بأس به.

    المهم كما ذكرنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مطرد، وأنه يثبت الخيار في كل العقود.

    1.   

    خيار العيب

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن وجد أحدهما بما اشترى عيباً لم يكن علمه فله رده أو أخذ أرش العيب].

    القسم الثالث من أقسام الخيار ما يسمى بخيار العيب.

    العيب في اللغة: النقص، أما في الاصطلاح فهو أن يجد أحد المتعاقدين في السلعة عيباً ينقص القيمة، أو نقول: أن يجد أحد المتعاقدين في المال عيباً ينقص القيمة، فإذا كان هذا ينقص القيمة عُرفاً فإنه يثبت به خيار العيب.

    المؤلف رحمه الله قال: (وإن وجد أحدهما بما اشترى عيباً لم يكن علمه فله رده).

    ضابط العيب

    لم يذكر المؤلف رحمه الله ما هو ضابط العيب الذي يوجب الرد، نقول: ضابط العيب الذي يوجب الرد هو ما تنقص به القيمة عُرفاً عند التجار، وهذا متعارف عليه عند التجار، فمثلاً إذا اشترى السيارة وفيها عيب، قد يكون العيب يسيراً فهذا لا عِبرة به، لكن إذا كان العيب يُنقص القيمة نقصاً معتبراً عند التجار، فنقول: بأنه عيب يثبت به خيار العيب، قد يجد مثلاً في الماكينة خللاً، قد يجد مثلا في الكتاب طمس صفحات، إذا كان العيب يسيراً عُرفاً هذا لا عِبرة به، هذا مما يتسامح به في العادة، فلا يوجب الفسخ، لكن إذا كان العيب ليس يسيراً، في عُرف التجار يُنقص القيمة، فنقول: بأنه يثبت به العيب.

    ويدل لهذا أن الأصل في المال السلامة، ووجود العيب هذا يُنقص هذا المال؛ لأن الجزء المعيب كالجزء الفائت، وثبت أيضاً في صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ( أتى على صاحب طعام فأدخل النبي عليه الصلاة والسلام يده في الطعام فوجد بللاً فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا جعلته فوق لكي يراه الناس، من غشنا فليس منا).

    قال المؤلف رحمه الله: (لم يكن علمه).

    يؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أنه إذا كان عالماً بالعيب فليس له حق الفسخ، فلو أنه علم أن هذا الكتاب فيه طمس صفحات، أو أن هذه السيارة فيها خلل كذا وكذا، أو أن هذه الآلة فيها كذا وكذا إلى آخره، فنقول: دخل على بصيرة وليس له حق الفسخ.

    كيفية أخذ أرش العيب

    قال: ( أو أخذ أرش العيب).

    من وجد في ماله عيباً نقول: بأنه بالخيار، إما أن يفسخ ويرد المعيب ويأخذ حقه، وإما أن يُمسك ويأخذ أرش العيب، وما هو أرش العيب؟

    أرش العيب هو قسط ما بين قيمته صحيحاً ومعيباً من الثمن، الأرش تقدير, نقول: الأرش هو قسط ما بين قيمته صحيحاً ومعيباً من ثمنه، يعني عندنا ثمن وعندنا قيمة، الثمن هو ما اتفق عليه المتعاقدان، القيمة ما تساويه السلعة عند التجار، فمثلاً اشترى السيارة بعشرة آلاف ريال، هذه العشرة نسميها ثمناً، اتفق عليه المتعاقدان نسميها ثمناً، وهذه السيارة لها قيمة عند التجار، قد تكون قيمتها عند التجار إحدى عشر، لكن هما اتفقا الآن على عشرة، قد تكون قيمة السيارة اثني عشر ألف، لكن هما الآن اتفقا على عشرة، فنقول: الأرش هو قسط ما بين قيمة الصحة وبين قيمة العيب من الثمن.

    وعلى هذا نحتاج ننظر إلى الثمن وننظر إلى قيمة الصحة وقيمته معيباً، ثم نُخرج الأرش، فالثمن الآن عندنا عشرة آلاف ريال، ننظر إلى السيارة الآن المعيبة كم تساوي عند التجار؟ قال التجار: هذه السيارة تساوي صحيحة خمسة عشر ألف ريال، وكم تساوي معيبة؟ قالوا: تساوي معيبة اثني عشر ألف ريال، كم فرق ما بين الصحة والفساد؟ ثلاثة آلاف, ثلاثة آلاف انسبها إلى قيمة الصحة، ثلاثة آلاف إلى الصحة خمُس، خذ الخُمس من الثمن، كم يكون العيب؟ خُمس الثمن يكون ألفين، يكون الأرش الآن ألفين، يعني هذه كيفية تقدير الأرش، عندنا ثمن أو عندنا قيمة، قيمة صحة وقيمة فساد.

    الخطوة الأولى: ننظر إلى قيمة الصحة، ثم ننظر إلى قيمة الفساد المعيب، كم تساوي قيمته معيباً؟

    ثم بعد ذلك ننظر الفرق بين قيمته صحيحاً وبين قيمته معيباً.

    ثم بعد ذلك ثالثاً: ننسب هذا الفرق إلى قيمته، وهذه النسبة هي الأرش من الثمن.

    مثال ذلك كما مثلنا: السيارة ثمنها عشرة آلاف ريال، قيمتها صحيحة خمسة عشر ألفاً، قيمتها معيبة اثنا عشر ألفاً، الفرق بين قيمة الصحة وقيمة الفساد ثلاثة آلاف، ننسب ثلاثة آلاف إلى قيمة الصحة، فالثلاثة إلى الخمسة عشر الخُمس، يكون الأرش خُمس الثمن الذي هو عشرة يساوي ألفين، هذا تقدير الأرش.

    فنقول لمن وجد في سلعته عيباً: أنت بالخيار، إما أن تفسخ وتأخذ مالك، وإما أن تُمسك وتأخذ الأرش، إذا قال: أنا أريد الأرش, تقدير الأرش كما ذكرنا، ننظر إلى قيمة الصحة ثم قيمة الفساد المعيب، ثم نخرج الفرق بينهما، ثم حاصل الفرق ننسبه إلى قيمة الصحة، ثم بعد ذلك نأخذه من الثمن، نقول: حاصل هذه النسبة تؤخذ من الثمن.

    وبعض العلماء يرى أن من وجد في سلعته عيباً أنه ليس له حق الأرش إلا برضا الآخر، لكن المشهور من المذهب أن له الأرش، أو أن يُمسك, إما أن يفسخ ويأخذ ماله، أو يأخذ الأرش مع الإمساك.